الرئيسة » مقالات » تربية ومجتمع
إرسال إلى صديق طباعة أضف تعليق حفظ
العملية التربوية بين التصوف والقرآن الكريم
الاثنين 05 شعبان 1430 الموافق 27 يوليو 2009
 
العملية التربوية بين التصوف والقرآن الكريم

د. غازي التوبة

عرّفت بعض الموسوعات التربية فجاء فيها: "تربية (Education ): وهي تعهد أي إمكانات وإنماؤها، وتدريب الشخص ومده بالمعلومات، ولا تعني النضج (maturation )، وإن كان النضج والتربية يتداخلان في كثير من الحالات" [الموسوعة المختصرة في علم النفس والطب العقلي ص160]. وجاء في موسوعة أخرى: "تربية (Education ،Training ) عبارة عن طريق يتوصل بها إلى نمو قوى الإنسان الطبيعية والعقلية والأدبية، فينطوي تحتها جميع ضروب التعليم والتهذيب التي من شأنها إنارة العقل، وتقويم الطبع، وإصلاح العادات والمشارب، وإعداد الإنسان لنفع نفسه وقريبه في مراكزه الاستقبالية، والاعتناء به في الحالة التي يكون فيها قاصراً عن القيام بالاعتناء بنفسه". [دائرة المعارف، المجلد ا ب،س ص86].

يلتقي التعريفان السابقان على تعهد الإنسان وتنمية قواه، ومن أجل تحقيق العملية التربوية، فما ركائز هذه العملية التربوية عند المتصوفة؟ وما موقف القرآن الكريم منها؟

تقوم التربية الصوفية على عدة ركائز، أبرزها: ضرورة وجود الشيخ، والاتصال به، والتلقي عنه، ولذلك سادت مقولة: "من لا شيخ له فشيخه الشيطان"، ويأخذ شخص الشيخ في التربية الصوفية حضوراً طاغياً، ويكون أثره في التربية فاعلاً وقوياً، وبالمقابل يجب أن يكون المريد سلبياً أمام الشيخ، مستسلماً له، وقد جسّدت ذلك مقولة: "يجب أن يكون المريد بين يدي الشيخ كالميت بين يدي المغسّل"، وتؤكد التربية الصوفية على ملازمة المريد للشيخ، واستحضار صورته في الأذكار والأوراد. تلك بعض ركائز التربية الصوفية، فما مدى اتفاقها مع ركائز التربية القرآنية؟

طرح القرآن الكريم التأسي بالرسول -صلى الله عليه وسلم- كأهم صورة من صور التربية لذلك قال تعالى: (لقد كان لكم في رسولِ اللهِ أُسْوَةٌ حسنةٌ لمَن كان يرجو اللهَ واليومَ الآخِرَ وذَكَرَ اللهَ كثيراً). [الأحزاب:21]، ومع توجيه القرآن المسلم إلى التأسي بالرسول -صلى الله عليه وسلم- تبرز عدة فروق بين التربية الصوفية وبين التربية القرآنية منها: عدم ضرورة وجود الشيخ الواسطة في العملية التربوية، ويؤكد ذلك إخبار الرسول -صلى الله عليه وسلم- بدخول الجنة لمن يؤدي الفرائض المطلوبة وحدها في إجابته على سؤال الأعرابي له عن المطلوب منه، ولم يشترط الرسول -صلى الله عليه وسلم- عليه صحبته لتحقيق هذا الفوز، فقد ذكر مالك بن أنس فقال: جاء رجل إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من أهل نجد ثائر الرأس يُسمع دوي صوته، ولا نفقه ما يقول حتى دنا فإذا هو يسأل عن الإسلام، فقال له الرسول -صلى الله عليه وسلم-: خمس صلوات في اليوم والليلة، قال: هل عليّ غيرهن؟ قال: لا، إلاّ أن تطوّع، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: وصيام شهر رمضان، قال: هل عليّ غيره؟ قال: لا إلاّ أن تطوّع، قال: وذكر رسول الله-صلى الله عليه وسلم- الزكاة، فقال: هل عليّ غيرها؟ قال: لا إلاّ أن تطوّع، قال: فأدبر الرجل وهو يقول: والله لا أزيد على هذا ولا أنقص منه، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: أفلح الرجل إن صدق". [موطأ مالك، رقو الحديث:382].

ومن الفروق أيضاً بين التربية الصوفية والتربية القرآنية حضور شخص الشيخ الطاغي على شخصية المريد في التربية الصوفية، وربط ذلك بكثير من الخوارق، في حين يؤكّد القرآن الكريم على بشرية الرسول -صلى الله عليه وسلم- في عملية التأسي من مثل قوله تعالى: (قُلْ إنّما أنا بشرٌ مِثْلُكُم يُوحَى إلَيَّ أَنَّما إلَهُكُم إلَهٌ واحدٌ فمَن كان يرجو لِقاءَ ربِّهِ فَلْيَعْمَلْ عملاً صالِحاً ولا يُشْرِكْ بِعِبادةِ ربِّهِ أَحَداً). [الكهف:110]، وقوله تعالى: (قُلْ سُبحانَ ربي هَلْ كُنتُ إلا بَشَراً رسولا). [الإسراء:93]، ويؤكّد القرآن الكريم أيضاً على أنّ الرسول لا يملك لنفسه النفع والضر، ولا يعلم الغيب قال تعالى: (قُلْ لا أقولُ لكم عِندي خَزائِنُ اللهِ ولا أَعْلَمُ الغيبَ ولا أقولُ لكم إنّي مَلَكٌ إنْ أَتَّبِعُ إلا ما يُوحَى إلَيَّ قُلْ هل يسْتَوي الأعمى والبَصيرُ أفلا تَتَفَكَّرونَ). [الأنعام:50]، وقد عاتب القرآن الرسول على عدّة تصرفات خالف فيها الأولى، من ذلك إعراضه عن ابن أمّ مكتوم، والتفاته إلى أغنياء قريش قال تعالى: (عَبَسَ وتَوَلَّى. أنْ جاءَهُ الأعْمَى. وما يُدْرِيكَ لعلَّهُ يَزَّكَّى. أو يَذَّكَّرُ فتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى. أمّا مَنْ اسْتَغْنَى. فأنتَ لهُ تَصَدَّى. وما عليكَ أَلاَّ يَزَّكَّى. وأمّا مَن جاءكَ يَسْعَى. وهو يَخْشَى. فأنتَ عنهُ تَلَهَّى). [عبس:1-10]، ومن ذلك أخذ الرسول -صلى الله عليه وسلم- بفداء أسرى بدر وكان الأولى قتلهم فنزل قوله تعالى: (ما كان لنبِيٍّ أنْ يكون لهُ أسرى حتى يُثْخِنَ في الأرضِ تُريدونَ عَرَضَ الدنيا واللهُ يُريدُ الآخِرَةَ واللهُ عزيزٌ حكيمٌ). [الأنفال:67].

ومن الفروق أيضاً بين التربية الصوفية والتربية القرآنية إيجابية المسلم في عملية التأسّي التربوية في مقابل سلبية المريد في التربية الصوفية، ويتضح ذلك من خلال ربط القرآن الكريم نجاح عملية التأسّي برجاء الله واليوم الآخر وذِكْر الله حيث قال تعالى: (لقد كانَ لكم في رسولِ اللهِ أُسْوَةٌ حسنةٌ لِمَن كان يرجُو اللهَ واليومَ الآخِرَ وذَكَرَ اللهَ كثيراً). [الأحزاب:21]، ولاشك أنّ امتلاء القلب برجاء الله واليوم الآخر يتطلب من المسلم علماً وعملاً، ويقتضي إيجابيته وفاعليته لكي يتحقّق التأسّي.

ومن الفروق بين التربية الصوفية والتربية القرآنية تأكيد الأولى على عنصر الزمن من خلال ملازمة الشيخ من أجل حدوث التغيير التربوي في المريد، ولكن نجد التربية القرآنية لا تعتمد هذا العنصر، ويدل على ذلك تعريف الصحابي بأنه المسلم الذي رأى الرسول -صلى الله عليه وسلم- ولو مرّة واحدة ومات على الإسلام، ويؤكد القرآن ذلك في إيمان السحرة بموسى عليه السلام، وسجودهم لله، وتحمّلهم الأذى في سبيل الله، بل موتهم في سبيل الله بعد ذلك، مع أنهم لم يصحبوا موسى عليه السلام، ولم يروه إلاّ لدقائق معدودة قبل الإيمان، وقبل الانقلاب الكامل في حياتهم، وهذا ما جعل فرعون يتهمهم بالتآمر مع موسى عليه السلام، قال تعالى: (فَأُلْقِيَ السحرةُ سُجَّداً قالوا آمنّا بِرَبِّ هارونَ وموسَى . قال آمَنْتُم له قبلً أنْ آذَنَ لكم إنه لكبيرُكُم الذي علّمَكُم السحرَ فلأُقَطِّعَنَّ أيدِيَكم وأرْجُلَكم مِنْ خِلافٍ ولاُصَلِّبَنَّكم في جُذوعِ النخلِ ولَتَعْلَمُنَّ أَيُّنا أَشَدُّ عذاباً وأَبْقَى. قالوا لَنْ نُؤْثِرَكَ على ما جاءنا مِنَ البَيِّناتِ والذي فَطَرَنا فاقْضِ ما أنتَ قاضٍ إنَّما تَقْضي هذه الحياةَ الدنيا. إنّا آمَنّا بِرَبِّنا لِيَغْفِرَ لنا خَطايانا وما أَكْرَهْتَنا عليهِ مِنَ السحرِ واللهُ خيرٌ وأَبْقَى). [طه:69-73].

إنّ وعي علماء المسلمين لأهمية التأسّي بالرسول -صلى الله عليه وسلم- في بناء كيان الأمة الإسلامية هو الذي جعلهم يلتفتون إلى سلوك الرسول -صلى الله عليه وسلم- وأخلاقه وتصرفاته في كل مجال، ويحرصون على تدوين أدقّ التفاصيل فيها، من أجل أن تقتدي الأمة بها؛ لأنها مأمورة بذلك.

إرسال إلى صديق طباعة أضف تعليق حفظ
Bookmark and Share
 بحث متقدم

تعليقات الفراء
1- Aylhhs   |  
مساءً 02:11:00 2009/07/27
Very interesting, but the sufis are not the only guilty ones of exaggerated love and blind obedience to their scholars. The salafee and harakee movements have fallen in this error, despite both claiming that they only follow “evidence” . (One Group reduces scholarship to handful of scholars whose opinion is final and the other group elevate the founders of their movements to a level of infallible.) The main problem is a failure to understand the role and status of the scholars in Islam, where we respect each scholar for their respective specialty. We no longer have the oceans of knowledge of the past , the complex nature of our times replete with its abundant challenges needs Scholarly specialization in the form of institutes and bodies which will avoid the mentioned mistakes and produce better results in meeting the challenges of our time.

2- مراقب   |  
مساءً 03:11:00 2009/07/27
جزاكم الله خيرا سيدي .. نحبك في الله يا شيخ غازي .. باعدت بيننا وبينك المسافات منذ عدة سنوات .. كنت مربيا وكاتبا ومشرفا على مجلة . لمسنا في قربك بأننا في حضرة حامل مسك .. استفدنا كثيرا من ذلك الوقت القليل في عمر الزمن . فبارك الله فيك وجزاكم الله عنا وعن الاسلام وشبابه خيرا . وندعو لك بطول بالعمر وحسن العمل لك ولجميع أفراد أسرتك .. لكن استسمحكم عذرا فقد يفهم البعض أنه لا حاجة له بحلقات العلم ، وأخذ المعرفة من أربابها ، أو الاجتماع على الخير برعاية أمثالكم والاستفادة من أهل العلم والخبرة . وقد أوصى النبي صلى الله عليه وسلم بالجماعة ، وقال بأبي هو وأمي " ... إنما يأكل الذئب من الغنم القاسية " وقد أثبتت الهجرة ولا سيما للشباب أهمية العيش في جماعة ، ووجود من تذكرنا بالله رؤيته ( مثلكم ) ويزيدنا في العلم منقطقه ، ولكم في ذلك الكأس المعلى .. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته شيخ غازي ( يسلم عليكم غسان الأندلسي )

3- عباس جعوان   |  
ًصباحا 03:46:00 2009/07/28
لماذا يصر المثقفون العرب او قل ان شئت بعضهم ان يصدروا مقالاتهم وكتاباتهم بالكلمات الانجليزية,وكذا تجدها في ثنايامقالاتهم وفي معرض حديثهم؟!! والعجب انهم يكتبون للقراء العرب,ويقوموا بشكل مضحك بترجمة الكلمات الاجنبيه التي يستشهدون فيها اثناء كتاباتهم....... اما ان تكتب الترجمة لوحدها,اوكلاهما يستغنى عنه. ياليت احد يكون عنده جوابا؟!! هم يفترض اي الكتاب انهم يعالجون قضايا التربيه فهل من التربية ان يكون مقال المربي طافح بالكلمات الاجنبية وهو يتكلم للقراء العرب وعن ماذا عن مواضيع قرآنيه والله لا اقصد هذا الكاتب او ذاك ولكن اقصد والله حسبي الحق في هذي القضية

4- أبومسلم   |  
ًصباحا 08:03:00 2009/07/28
نشكر الشيخ الدكتور على هذه الإفادة وهذا التحليل التربوي، وردًا على الأخ عباس جعوان وتعليقه السابق: ياأخي العزيز هل قرأت المقال كله وهل وجدت فائدة أراك فقط تنظر بعين ضيقة ما وجدت شيئًا إلا النقد علة الكلمات المكتوبة بالإنجليزية أنصحك أن تفتح عينك وتجعل فكرك منفتحا بحدود المعقول. وشكرا

5- عبدو ابو سعد   |  
ًصباحا 04:54:00 2009/09/07
بسم الله الرحمان الرحيم والحمد لله موضوع مهم و تحرير رائع من فضيلة الاستاذ غازي جازاه الله عن الاسلام خير الجزاء خاصة في هذه الايام التي اختلط فيها على المبتدئين الغث بالسمين

6- فادي الشام   |  
مساءً 10:28:00 2009/11/24
ليت من يحكم على فئة يكون فاهما لمصطلحاتها فإن لكل علم اصطلاح ربما لا يفهمه الإنسان العادي ولكن كي اكون صادقا علي أن أفهم الاصطلاح بحسب مقصد قائله هذا أولا وثانيا لم أسمع من أحد العلماء الصوفية من يكون طاغيا بشخصه على المريد ولا يأمر المريد بالاستسلام له كالميت بين يدي مغسله ... بل أعرف العكس وهم يقولون لا سامح الله من وجدنا نخالف سنة نبيه ولا ينصحنا فأين هذا الكلام مما يدعيه كاتب المقال ... ثم إن وجد شذوذ في أفراد وجماعة هل المنطق يقول أن المنهج يتحمل الجريرة ؟؟!!! هل سوء المسلمين يدل على سوء الاسلام !!!؟؟؟ لا والله إذا ليت هناك تجرد من تعصب فكري قبل كتابة موضوع بموضوعية ... ولكم الشكر

7- zoulikha   |  
مساءً 07:42:00 2011/03/01
شكرا سيدى على هذا التوضيح وهذا التحليل لان بعضهم يخلط بين التصوف والاسلام مع ان الاسلام نور والتصوف هو الذي ساعد على خلق العقول المعوقة حيث قيد الانسان يدا ورجلا وقال له اسبح في بحر الحياة واذا قرانا المنقذ من لضلال نجده يعطى الفرد المسلم كل شيء ولم يترك له شيئا فقد سطر له حياته بما فيها طريقة اللباس والاكل والشرب والنوم والجلوس والحديث ولم يترك له شيئا يفكر فيه ومن هنا نجد عقولنا متقاعدة او تعانى من البطالة والعجز... والتصوف يطلب من الفرد اذا اراد رؤية الحقيقة ان يقتل العقل والمشاعر والجسد والشيطان! ولا ادري لماذا قتل الشيطان فلم يبقى في هذا الجسد شيء نخاف عليه من الشيطان...والاغرب عندما يعود المتصوف من غيبوبته وتساله عما راى لتفيد وتستفيد، يعتذر بحجة ان لغة الارض لا تقدر على التعبير عما راى... zoulikha

أضف تعليقك
الاسم
التعليق
أدخل ارقام الصورة   أنقر هنا لتغيير الرقم