العيدُ، ولو بقيت عليه أيام، جاء مع مطلع الشهر هذا، ويقع ثابتاً بانتهائه. ولولا فرحة العيدِ آخر الشهر، لرحل رمضان والناس دامعة.
العيد، كرنفال البهجة الأكيد لكلّ أحد ودونما استثناء، الصغير والكبير، الغنيّ والفقير، الرجل والمرأة، ذات الخدر الحائض حتى، تحضر مصلى العيد، ترى الناس، وتشهد الخير، وتعتزل الصلاة ليس إلاّ. إنّه درس المجموع، نفي القطيعة، لمّ أطراف المدينة على مصليات الانبساط والضحكات والطفولة والتكبير والتبكير.
العيد، فرح إجباريّ عموميّ، حتى أولئك المضربون عن الطعام، المواصلون صياماً وصدوداً، يحرم عليهم صيام هذا اليوم. ما يحرم في ثلاثين يوماً قبله: الطعام والشراب، يجبان فيه. إنّه درسٌ آخر في فرض الإرادة المريدة الحازمة.
العيد، فرحة الفقراء، توبة الأغنياء، مقترن في التشريع بالعطاء: الزكاة والأضحية. ليتسنى للمجتمع أكبر كم ممكن من الفرح، ليعرف الناس أنّ من جيرانهم من لا يعرفون الطعام كثيراً، ولا يذوقون لحماً إلاّ يوماً من كل عام. وفكرة العطاء مرتبطة بالعيد أكثر من غيرها؛ إذ لا عيد مع الحرمان.
العيد، ليس حضوراً سريعاً قبل أن تطلع الشمس، ورحيلاً أسرع من مصلاه. العيد سؤال فرحة، وقبلات، وعناقات، ولعب وغناء ودفوف. وتأملوا حديث جاريتي عائشة، ومحمد -صلى الله عليه وسلّم- يرسم للعيد استثناءاته: "إنّ هذا يوم عيدنا"!
العيد، تفقّد الغائب، وتقبيل الحاضر، إعطاء الفقير، ومواساة الحزين، تهنئة النفس، وجدولة المصير. وليس هذا من خصوص أمة واحدة؛ إذ لكلّ أمّة كيما تعيش وتنمو وتكبر، يوم عيد فاصل بين أيام حزنها.
وفي العيد نخالف الطريق ما بين رواحنا لمصلى العيد وبين أوبتنا، كي نرى أكبر كم ممكن من الفرحة، وكي نرسمها أيضاً، كي نمر على طرق مضى العمر ولم نعهدها، كي نسلم على جيرانٍ ما حسبناهم أحياء.
نحتاج لأعياد حقيقية، نواري فيها حزن الزمان المترسّب، نطرده، نقول له: ليس هذا يومك أيها الحزن؛ لأنّ من المدرك بالبداهة أنّ الحزن يأتي من غير مواسم، ووحده الفرحُ من يحتاج موسماً.