الرئيسة » مقالات » تربية ومجتمع
إرسال إلى صديق طباعة أضف تعليق حفظ

بيتان في وصْف الإسلام وأهله

بيتان في وصْف الإسلام وأهله
السبت 28 ربيع الأول 1429 الموافق 05 إبريل 2008
 
بيتان في وصْف الإسلام وأهله

د. محمد بن إبراهيم الحمد

قرأت في كتاب "الحديقة" للشيخ محب الدين الخطيب -رحمه الله- بيتين لشاعر لم أسمع به قبل ذلك، اسمه أحمد عبيد، يقول فيها:

بحثْتُ عن الأديانِ في كلِّ أمةٍ  
وطفتُ بلادَ اللهِ غرباً ومشرقاً

فلم أرَ كالإسلامِ أدعى لألفةٍ
 
ولا مثلَ أهليه هوًى وتفرّقاً

 

فوجدت أن هذين البيتين يصوّران الإسلام، وأهله في العصور المتأخرة أبلغ تصوير، فلو أجَلْت النظر في نصوص الوحيَيْن لوجدتها حافلة بالأوامر الصريحة القطعية في وجوب الاجتماع، والتحذير من الافتراق.
وإذا نظرت في أحوال المسلمين رأيت العجب العجاب من جهة بعدهم عن هذا الأصل العظيم؛ فتراهم شذَرَ مذَرَ؛ حيث الفرقة، والخلاف، والتنازع، والتدابر، والابتداع.
وليس ذلك على مستوى الأمة بِفِرَقها التي تبعد عن السنة والمنبع الأول فحسب، بل إن ذلك ليشمل أهل السنة المحضة الذين هم نقاوة المسلمين، وخاصّتهم.
وإذا بحثتَ عن أسباب تلك الفرقة وجدتها كثيرة، فمنها نسيانُ الناس حظاً مما ذُكّروا به، وقد جرت سنة الله أنّ من كانوا كذلك أغرى الله بينهم العداوة والبغضاء بحسب نسيانهم.
ومنها البغي، والظلم، والحسد، والتنازع، والهوى.
ومنها تسلّط الشيطان الذي أيس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب، ولكن في التحريش بينهم.
ومنها ضيق الصدر، وقلة العلم والحلم؛ لأن الإنسان كلما اتسع علمه اتسعت رحمته وحلمه.
ومنها كيد الأعداء الذين يعملون ليل نهار في سبيل تقطيع أوصال الأمة.
ومنها التعصّب الأعمى، والجهل في عواقب الفرقة، وفضائلِ الاجتماع والألفة، وقلةُ المبادرات في سبيلِ رأبِ الصدع، وجمعِ الكلمة.
ومع هذا كله فإن الأمة بخير، وفيها مَن هو قائم بالعدل، متبع للسنة، بعيد عن الفرقة، لا يزالون على الحق ظاهرين لا يضرّهم مَن خالفهم، ولا مَن خذلهم.
وإذا بحثت عن سبل الألفة والاجتماع وجدتها كثيرة جداً، والقرآن والسنة حافلان بذلك؛ فمنها: الاعتصام بالكتاب والسنة، والحذر من التنازع، ولزومُ العدل، واستشعار الأخوة الإيمانية، ونحو ذلك من أضداد ما مضى ذكره من أسباب الفرقة.
هذا وإن من أعظم أسباب الألفة، وتضييق هُوَّةِ الفرقة - حُسْنَ التعامل مع الخلاف والردود، خصوصاً في وقت النوازل والفتن؛ فربما يحصل في تلك الأحوال اختلاف في النظرة إليها من قبل بعض أهل العلم، وربما يحصل خلافٌ حول أمر ما؛ فيحسن - والحالة هذه - أن تنشرح صدورنا لما يقع من الخلاف؛ فما من الناس أحد إلاّ وهو رادٌّ ومردودٌ عليه، وكلٌّ يُؤخذ من قوله ويُردّ إلاّ الرسول".
ويجمل بنا أن نحسن الظن بأهل العلم والفضل إذا ردّ بعضهم على بعض، وألاّ ندخل في نياتهم، وأن نلتمس لهم العذر.
وإذا تبين لنا أن أحداً من أهل العلم والفضل أخطأ سواء كان رادًّا أو مردوداً عليه فلا يسوّغ لنا ترك ما عنده من الحق؛ بحجة أنه أخطأ.
وإذا كنا نميل إلى أحد من الطرفين أكثر من الآخر؛ فلا يجوز لنا أن نتعصّب له، أو نظنّ أن الحق معه على كل حال.
وإذا كان في نفس أحدٍ منا شيء على أحد الطرفين - فلا يكن ذلك حائلاً دون قبول الحق منه.
قال ربنا -جل وعلا-: ( وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى ) [الأنعام:152].
وقال: ( وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى ) [المائدة:8]، وقال: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُم ْ). [النساء: 135].
وإذا كان لدينا قدرة على رأب الصدع، وجمع الكلمة، وتقريب وجهات النظر فتلك قربة وأي قربة.
قال الله - عز وجل -: ( لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً ) [النساء:114].
وإذا لم نستطع فلنجتهد بالدعاء والضرّاعة إلى الله أن يقرّب القلوب، ويجمع الكلمة على الحق، ولنحذر كل الحذر من الوقيعة بأهل العلم، أو السعاية بينهم، ولنعلم بأنهم لا يرضون منا بذلك مهما كان الأمر.
وإذا سلَّمَنا الله من هذه الردود، فاشتَغل الواحد منا بما يعنيه - فهو خير وسلامة -إن شاء الله تعالى-.
والذي يُظَنُّ بأهل الفضل سواء كان الواحد منهم رادَّاً أو مردوداً عليه - أنهم لا يرضون منا أن نتعصَّب لهم أو عليهم تفنيداً، أو تأييداً بل يرضيهم كثيراً أن نشتغل بما يرضي الله، وينفع الناس، ويؤسفهم كثيراً أن تأخذ تلك الردود أكثر من حجمها، وأن تُفسّر على غير وجهها.
هذا وإن العاقل المحب لدينه وإخوانه المسلمين ليتمنى من صميم قلبه أن تجتمع الكلمة، وألاّ يحتاج الناس أو يضطروا إلى أن يردّوا على بعض، وما ذلك على الله بعزيز، ولكن:

فيا دارَها بالحزنِ إنّ مزارَها
قريبٌ ولكنْ دونَ ذلك أهوالُ

فمن العسير أن تتفق آراء الناس، واجتهاداتهم، ومن المتعذر أن يكونوا جميعاً على سنة واحدة في كل شيء، ومن المحال أن يُعْصَم الناس فلا يخطئوا.
ثم ليكن لنا في سلفنا الكرام قدوة؛ فهم خير الناس في حال الوفاق وحال الخلاف؛ إذ كانوا مثالاً يُحتذى في الرحمة، والعدل، والإنصاف حتى في حال الفتنة والقتال.
ولا ريب أن هذه المعاني تحتاج إلى مراوضة للنفس كثيراً، وإلى تذكيرها بأدب الإنصاف، وإنذارها ما يترتب على العناد والتعصّب من الإثم والفساد.
وإذا استقبلنا الخلاف والردود بتلك الروح السامية، والنفس المطمئنة صارت رحمةً، وإصلاحاً، وتقويماً، وارتقاءً بالعقول، وتزكية للنفوس.
وبهذا نحفظ لرجالنا، وأهل العلم منا مكانتهم في القلوب، ونضمن -بإذن الله- لأمتنا تماسكها وصلابة عودها، ونوصد الباب أمام من يسعى لتفريقها والإيضاع خلالها.
والعجيب أن ترى أن اثنين من أهل العلم قد يكون بينهما خلاف حول مسألة أومسائل، وتجد أتباعهما يتعادون، ويتمارون، وكل فريق يتعصب لصاحبه، مع أن صاحبي الشأن بينهما من الودّ، والصلة، والرحمة الشيء الكثير!
وأخيراً لنستحضر أن ذلك امتحان لعقولنا وإيماننا؛ فلنحسن القول، ولنحسن العمل، ولنجانب الهوى.

إرسال إلى صديق طباعة أضف تعليق حفظ
Bookmark and Share
 بحث متقدم

أضف تعليقك
الاسم
التعليق
أدخل ارقام الصورة   أنقر هنا لتغيير الرقم