قال الله -عز وجل-: "لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ" . [سبأ:15].
قيل في تفسيرها: كان لكل رجل منهم في مسكنه جنتان: جنة عن يمين المسكن، وجنة عن يساره، فكانوا يتفيؤون ظلالهما في الصباح والمساء، ويجتنون ثمارها من نخيل، وأعناب، وغيرها.
وقيل: وكانت مدينتهم محفوفة عن يمينها وشمالها بغابة من الجنات يصطافونها، ويستثمرونها.
بل قيل: إن السائر لو وضع على رأسه مكتلاً لوجده قد مُلِئَ ثماراً مما يسقط من الأشجار التي يسير تحتها.
وكان من تمام نعمتهم أن يسّر الله لهم الأسفار، وعمران الديار، وكانوا إذا خرجوا من مأْرب إلى البلاد الشامية قوافل للتجارة، وبيع الطعام سلكوا طريق تهامة، ثم الحجاز، ثم مشارف الشام، ثم بلاد الشام، فكانوا كلما ساروا مرحلة وجدوا قرية أو بلداً أو داراً للاستراحة وتزوّدوا؛ فكانوا من أجل ذلك لا يحملون معهم أزواداً إذا خرجوا من مأرب.
وكانوا يسيرون غدواً وعشياً، فيسيرون في الصباح، ثم تعترضهم قرية فيريحون فيها ويَقِيْلون، ويسيرون في المساء، فتعرضهم قرية يبيتون بها.
فمعنى: (سِيْرُوا فِيْهَا لَيَالِيَ وأَيَّامَاً آمِنِيْن) أي سيروا كيف شئتم.
ولكنهم -مع ذلك كله- لم يشكروا نعمة الله، بل أعرضوا، وقالوا (رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا).
وقد درج المفسرون على أنهم دعوا الله بذلك؛ فلم يقدروا نعمة الله العظيم قدرها؛ فسألوا الله أن تزول تلك القرى العامرة؛ ليسيروا في الفيافي، ويحملوا الأزواد من الطعام والشراب.
ثم يحتمل -كما يقول ابن عاشور- أن يكون أصحاب تلك المقالة ممن كانوا أدركوا حال تباعد الأسفار في بلادهم قبل أن تؤول إلى تلك الحضارة، أو ممن كانوا يسمعون أحوال الأسفار الماضية في بلادهم، أو أسفار الأمم البادية، فتروق لهم تلك الأحوال.
وهذا من كفر النعمة الناشئ عن فساد الذوق في إدراك المنافع وأضّدادها؛ لذا كانت النتيجة (فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ).
فصار أولئك القوم الذين يعيشون في بحبوحة من العيش أحاديث، أي لم يبق منهم أحد، فصار وجودهم في الأخبار والقصص؛ حيث تفرقوا بعد سيل العرم؛ فكان ذلك مُسْرِعاً فيهم بالفناء بالتغرّب في الأوطان، والفاقة، وتسلط العوادي في الطرقات، حتى ضربت العرب بهم المثل في قولهم: ذهبوا أو تفرقوا أيدي، أو أيادي سبأ، كما قال ذو الرمة:
| فــيا لكِ مـــن دارٍ تــفـــرّق أهــلــُها | | أيـــادي سباً عنــها وطــالَ انتـظارُها |
والمقصود مما سبق إيراده من هذه القصة هو التنبيه على أمر يقع فيه بعض الناس من المسلمين ممن أدركوا شظف العيش، وشدة الفاقة، وتباعد الأسفار؛ فمنَّ الله بعد ذلك على الناس بوفرة المال، ورغد العيش، وكثرة وسائل الرفاهية، والمواصلات، وما جرى مجرى ذلك؛ فتجد من الناس من يتلهف على ماضيه، وسالف زمانِه.
والحنينُ إلى الماضي مروءة، قال ابن عبد البر –رحمه الله-: "قيل لبعض الحكماء: بأي شيء يُعرف وفاء الرجل دون تجربة أو اختبار؟ قال: بحنينه إلى أوطانه، وتلهّفه على ما مضى من زمانه".
وما أجمل أن تذكر الحالة السابقة حتى ينبعث الإنسان إلى مزيد من الشكر.
ولكن الذي يحصل -أحياناً- أن تُذْكَرَ الحالةُ الماضيةُ مصحوبة بشيء من التنكر للنعمة الحاضرة؛ فتجد من يقول هذه النعمة تسببت في الغفلة، والقطيعة، فيا ليت حالنا الأولى ترجع؛ حتى تعود الألفة، والترابط.
وقد يقول مثل ذلك مَنْ أبطرتْهُمُ النعمة، فتراهم يملُّون حياةَ الدعةِ، والراحة؛ فيقولون بمثل المقالة السابقة.
ولا ريب أن ذلك ضرب من الجهل، والتشبّهِ بالذين مرَّ ذِكْرُهم في الآية.
وإلاّ هل يريد أولئك أن ترجع إليهم حياة الجوع، والفقر، والمرض، والسلب؟
أليس تيسُّرُ السبل، ووجود الكهرباء، ونعمةُ المساكن، وتوافر الدواء، وكثرة وسائل الاتصال - من أعظم ما يبعث على الراحة، والطمأنينة، والأمن، والتفرّغ للعبادة بمفهومها الشامل لمن أراد الآخرة، وسعى لها سعيها؟
فاللائق بالإنسان إذا كان في كل ضيق أن يتعبد الله بالصبر؛ فتلك عبودية الضرّاء، وإذا وُسّع له في الرزق أن يزيد من الشكر؛ فتلك عبودية السرّاء.
ولهذا انظرْ إلى الآيات السابقة كيف خُتِمت بخاتمة عجيبة؛ حيث جمعت بين وصفين عظيمين قال -تعالى-: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ).
والجمع بين هذين الوصفين لإفادة أن واجبَ المؤمنِ التخلّقُ بهذين الخلقين، وهما الصبر على المكاره، والشكر عند النعم.
فالصبّار يعتبر من تلك الأحوال؛ فيعلم أن الصبر على المكاره خير من الجزع، ويرتكب أخف الضررين، ولا يستخفّه الجزع، فيُلقي بنفسه إلى الأخطار، ولا ينظر في العواقب.
والشكور يعتبر بما أُعطي من النعم؛ فيزداد شكراً لله -تعالى- ولا يَبْطَر النعمةَ، ولا يطغى؛ فيُعاقب بسلبها كما سُلِبت عن سبأ.