الرئيسة » مقالات » تربية ومجتمع
إرسال إلى صديق طباعة أضف تعليق حفظ
العمل التطوعيّ.. أحلامٌ وتطلّعات
الجمعة 07 صفر 1431 الموافق 22 يناير 2010
 
العمل التطوعيّ.. أحلامٌ وتطلّعات

أروى البراهيم

"أحب الناس إلى الله؛ أنفعهم للناس"، في هذا القول النبوي الكريم يتجلّى سمو المعنى، و ينكشفُ علو المقصد، تتجسدُ قوة المبنى بعقدٍ متين من الأفضلية يربط بين محبة الله ونفع الناس.

بالأمس كان العمل التطوعي أشبه بحلم يسكنُ في الأذهان ويغفو بين طيّاتِ الوجدان، كان لايعدو عن كونهِ واجبًا اجتماعيًا إن قام بهِ البعض سقط تلقائيًا عن البقية. نعم لم تأتِ الشريعة بنصوص مباشرة تفرض العمل التطوعي، ولكن مما لاشكَّ فيه أنه فرض كفاية تأثم الأمة جمعاء عند تركه استنادًا على قول للمفكر محمد عمارة: "فروض الكفايات آكد من فروض الأعيان؛ وذلك عندما لا تتحقق الكفاية؛ لأن فروض الكفايات تأثم الأمة جمعاء عند تركها، أما فروض الأعيان، فإن الفرد وحده يأثم عند تركها".

وتكفينا تلك النصوص المحفزة على الخوض في تفاصيله لاسيما وقد رُبط العمل التطوعي بالخير والنفع الذي سيعودُ على كافة الأصعدة، ولأنهُ مجالٌ غير ربحي فإنَّ الله شاكرٌ عليم. العمل التطوعي متعديةٌ منافعه ومقاصده، إضافةً لكونهِ تعبيراً عن حسّ إنساني رفيع، منبعهُ قيم ومبادئ إسلامية، هو ثقافة تحملُ أفكارًا وتصوراتٍ ورؤى مختلفة، وهو كذلك تربية ذاتية عميقة مراحلية يبدأ تعريفها بمبادرة من ذات الإنسان، وعن قناعة خالصة منها محاطة بسياجٍ من الصدق والإخلاص وحب الخير.

 

يقول ليو تولستوي: "الجميع يفكر بتغيير العالم، ولا أحد يفكرُ بتغيير نفسه". هذا الحلم العالمي الذي يفكرُ فيه الجميع سيتحقق حتمًا لو تحقق  المنفي في الشطر الثاني من قول هذا المفكر! فالفرد هو ضمن منظومة هذا العالم الكبير، و بالعمل التطوعي يحصل التغيير على مستوى الأفراد، وبالتالي على مستوى الجماعات.

 

فلو حاول كل امرئ أن يغيّر من نفسه لحصلت ثورة تطوعية كبيرة عالمية تستهدفُ التغيير الفكري، و الاجتماعي، و الأخلاقي، و السياسي، و الاقتصادي، و الإداري، و التنموي. وبهذا يحقق المرء ما تضمنته الوثيقة الربانية من هدف عالمي يتشارك فيه الجميع؛ استخلاف الأرض وعمارتها.

 

من أصعب الأمور أن يكتفي الإنسان بالحلم بأعطيات عظيمة وفق معطيات بسيطة. فالتفكير في إطار الأحلام مجدٍ، بيد أنَّ الاندفاع والمواجهة والمشاركة والتعاطي مع مجريات الحياة هو الأجدى والأجدر، وهنا يكمنُ المعنى الأرقى للتطوع، ويبدأ الغرس بالتنامي شيئًًا فشيئًا، وما جاءتِ الأرزاق  يومًا إلاَّ تباعًا.

 

إنّ الخير يكمنُ في النفس البشرية، و للتنشئة الأولى الدور الأكبر في تربية الأجيال على المبادرة وتقديم الخير، وثمّة حكمة جليلة وعميقة تقول: "إذا أردنا مساعدة الأطفال حتى يكونوا مواطنين اجتماعيين فإنه لا مناص من وضع هذه المرحلة الحساسة والحرجة من عمر الإنسان تحت مجهر البحث وتناولها بالتشريح والدراسة المستفيضة، مما يجعل موضوع التنشئة الاجتماعية مسألة في غاية الضرورة".

 

ألقيتُ ذات يوم نظرة طويلة في ساحاتٍ واقعية وأخرى افتراضية، فلفت انتباهي عناوين تحملُ معنًى إيجابيّاً: (نادي نحيا بإتقان)، و ( نادي أصدقاء البيئة)، و (حملة الجسد التطوعي)، و (بسمتنا لهم)، و (نادي جدة التطوعي)، و (نادي الخبر التطوعي)... ، تلك مسميات وغيرها كثير، لحملات وأندية تطوعية جمعتْ طاقات الشباب والفتيات، ورسمت جهودًا كانت ولا تزال مشهودة، وهذا أمرٌ يبشّرُ بخيرٍ عظيم، وإن كانت جهودًا فردية أو جماعية بسيطة، إلاّ أن وجودها على أرض الواقع  ينبئنا بميلادٍ جديد لنهضة قادمة تقودها عزيمة الشباب، وكم يحتاج الميلاد - أيًا كان - لرعايةٍ خاصة وتأهيلٍ شامل يقيهِ برْد التخبطات العشوائية ويضيء مسارات طريقه المجهول. إن الجهود - وبمختلف توجّهاتها وأفكارها - تفتقر تمامًا لحاضنة كبرى تجمعُ شتات البذل، ومرجعية تخصصية يلجأ إليها متوقدو الهمم.

فلو كانت لدينا تلك المنظمات التطوعية بأهدافها وخططها وتنظيمها ومدارسها الفكرية المتعددة، لأصبحت هناك استعدادية بالغة لممارسة الأعمال التطوعية وبمختلف المجالات، بخطوات واضحة مدروسة ودائمة، ولأدّى هذا إلى تقلّصِ كثيرٍ من المشكلات المحليّة، ولنأخذ آخر حدثٍ محليّ (سيول جدة) - على سبيل المثال - لأصبحَ هناك  تأهُّب تام لمثله ولصدِّ كل عارض أو كارثة، وقد تكون سببًا في الإقلال من وقوع الكوارث والمحن بحكم الاستمرارية في العمل والعطاء.

 

وكم يؤسفني أن أقول بلغ عدد المنظمات التطوعية في الكيان الصهيوني مؤخرًا أكثر من 40.000 منظمة!

 

أتركُ الرقم يبحرُ في خيالاتكم.. ويا أحلامُ حلقي كما حلَّق حلم الأيرلندي يومًا:

"عندما شببتُ عن الطوق لأصبح رجلاً

رجوتُ نفسي ألاّ أكون أنانيًا قاسي المشاعر

هذا ماتمنّيته، يومًا ما أكون نافعًا

فهل يذهبُ هذا الأمل عني عندما تصبحُ بلدي أمةً تارة أخرى؟!"

إرسال إلى صديق طباعة أضف تعليق حفظ
Bookmark and Share
 بحث متقدم

تعليقات الفراء
1- لفح القفار   |  
مساءً 08:29:00 2010/01/22
مقال مميز ,, رائع أ. أروى . .بفضل الله الخطوات في هذا المجال بدأت متأخرة نوعا إلا أنها كانت واسعة والغالب انتشارها كمجماميع مستقلة وجهود فرديةإلى حد كبير وهذه مبعثها الشعور بأن العمل التطوعي لبنة أساسية في أي مجتمع وتحديدا في مجتمع إسلامي كونه دين التكافل الإجتماعي إلا أن غياب تلك المنظمات بخطواتها المدروسة والتي أشرت إليها في مقالك حقيقة و وجودهاضرورة .,,, سلمت أ. أروى بارك الله بالفكر والقلم .

2- عبدالله   |  
ًصباحا 04:03:00 2010/01/23
مقال جميل

3- روآن ~   |  
ًصباحا 04:39:00 2010/01/23
الله الله.. اعجبني المقآل كثيرآ.. اقتباساتك واضافاتك رائعة.. واختيارك للموضوع اروع.. سلمت يدآك غاليتي.. وجزآك ربي الجنة... { للعمل التطوعي / لذة لآ تووصف ~ =)

4- omar   |  
مساءً 01:14:00 2010/01/23
المفال جيد وتمنيت لو اضفتي بعض الامثله لاعمال خيريه حتو لوكانت ضمن الاربعين الف التي ذكرت في المقال لان الحكمه ضالة المسلم وفقك الله

5- امنه علي -فلسطين   |  
مساءً 02:31:00 2010/01/23
ما شاء الله موضوع طيب كتير .بارك الله في صاحب القلم الذي اراد ان يعصر وحي قلمه بهذه الكلمات الطيبه.

6- احمد   |  
مساءً 09:29:00 2010/01/23
مقال جيد جدا فيه سطحية و عدم ترابط الا انها محاولة جيدة منك وفقك الله اختي

7- مفكر   |  
مساءً 09:33:00 2010/01/23
الفكرة لا بأس بها لكن: نظرة طويلة ؟؟ أ ليس قولنا نظرة فاحصة أجدى و أفضل ؟؟

8- ملاك   |  
مساءً 10:44:00 2010/01/23
الفكرة و الحرف كلاهما ماتعٌ هنا .. أروى لكِ تراتيل شكرٍ و بهجة *_*

9- نوره الجبرين   |  
ًصباحا 01:01:00 2010/01/24
شكر الله لك وبارك فيك مقاااااااال رائع.

10- أمجاد   |  
مساءً 01:44:00 2010/01/24
في الكيان الصهيوني مؤخرًا أكثر من 40.000 منظمة! !!!!! وقفت مذهوله امام هذا الرقم مقاله رائعه تعزف على وتر هام جدا وفقك الله اروى

11- حنين الشوق   |  
ًصباحا 12:24:00 2010/01/26
بارك الله فيكِ أروى ونفع بك,,,,

12- عبدالله السفياني   |  
مساءً 11:39:00 2010/01/29
نفع الله بك العمل التطوعي بحاجة إلى ثورة اجتماعية قوية تفدع به لمزيد من الإنجاز والمطالبة .. فالمجتمعات الواعية عرفت من خلال التجربة قيمة العمل التطوعي في البناء والإصلاح معا .. شكرا لضوئك الذي أنار شمعة في زمن الظلام ..!

13- ابتسام المجوز   |  
ًصباحا 02:34:00 2010/02/08
شكرآ لكي استاذة اروى ليس شئ غريب منكي , حيث سمعت كثيرآ من قريبتي انها اشتغلت معكم في حملة بسمتنا لهم وشجعتني على التطوع من خلال تعاملكم انتي وباقي الاستاذات اصحاب الحمله أ_ نوف الحمودي وأ_ حصه المبيريك وأ_ هديل المحارب واتمنا من الله ان يجمعني مع ناس مثلكم يااستاذة اروى. وما انسى حملة نادي الخبر وثمارها في المجتمع بعد احداث تخريب اليوم الوطني. احلم ان يكون اسمي في حمله تطوعيه كحملتكم ...

أضف تعليقك
الاسم
التعليق
أدخل ارقام الصورة   أنقر هنا لتغيير الرقم