الاجترار

الاجترار
 

الاجترار من خصائص بعض الدوابّ؛ فهي التي تأكل الطعام، ثم تجترّه بعد فترة.

أما الآدمي فإنه يأكل مقدار ما يشبعه، ثم إذا احتاج إلى الطعام أكل مرة أخرى، وهكذا دون أن يجترّ الطعام؛ إذ إن ذلك ليس من خصائصه، ولم يُوْدَعْ فيه تلك الغريزة.

ولكنه يجتر اجتراراً من نوع آخر، ألا وهو الاجترار الذهني.

والناس في ذلك طبقات؛ فمنهم من يعود عليه اجتراره بالضرر، ومنهم من يعود عليه بالنفع.

فهناك من هو مولع باجترار المآسي، والأخطاء، والمصائب، والأحداث الأليمة؛ فتراه دائماً يكررها على نفسه، وعلى من حوله.

فإذا حدثت له -على سبيل المثال- مشكلة ثم انتهت بحل من الحلول، وأغلق بابها- لم يكتفِ بذلك، بل تراه دائم التذكير بها خصوصاً إذا حدثت مشكلة أخرى.

واللائق بمثل هذه الأحوال أن إذا حدثت مشكلة جديدة أن يُسْعى في حلها بعيداً عن أجواء المشكلة الأولى؛ حتى تهدأ النفوس، وتتهيأ لقبول الحلول طالما أن المشكلة الجديدة ليس لها ارتباط بالأولى.

بل اللائق أن يُبْتعد عن كل ما يكدر الصفو من العتاب القاسي، أو المنّة في العفو إذا حصل؛ كما قال الله -عز وجل-: (فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ).

والصفح الجميل: هو الصفح بلا عتاب؛ فهذا يوسف -عليه السلام- لمَّا مَكَّنَهُ الله في الأرض، وأذعن له إخوته، واعترفوا بخطئهم، ورأوا كيف آثره الله عليهم - لم يجترَّ المآسيَ الأولى، وإنما أشار إلى مصائبه السابقة -من الإلقاء في الجب، ومشاهدة مكر إخوته- بقوله: (مِن بَعْدِ أَن نَّزغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي).

فكلمة (بَعْدِ) اقتضت -كما يقول العلامة ابن عاشور- أن ذلك شيء انقضى أثره، وقد ألمَّ به إجمالاً؛ اقتصاراً على شكر النعمة، وإعراضاً عن التذكير بتلك الحوادث المُكَدِّرة للصلة بينه وبين إخوته؛ فَمَرَّ بها مرور الكرام، وباعَدَها عنهم بقدر الإمكان؛ إذ ناطها بنزغ الشيطان.

ومن أنواع الاجترار المُضرِّ تذكُّرُ الإخفاقات؛ فمن الناس مَنْ إذا همَّ بعمل تَذَكَّر أنه قد أخفق في يوم من الأيام في كذا وكذا، فتنصرف نفسه، وتفتر همّته عن المضيّ قدماً في ذلك السبيل؛ خوفاً من الإخفاق.

ومن ذلك تذكُّر الإنسانِ المصائبَ التي حلت به، فتراه يكثر من تردادها على ذهنه؛ فكلّما هَمَّ بفرح هجمت عليه تلك الخواطر الرديئة هجوم الليل إذا يغشى؛ فما تلبث أن تقلب سروره إلى جحيم مُلْهِبٍ، على حد قول القائل:

أحبُّ ليالي الهجرِ لا فرحاً بها        عسى الدهرُ يأتي بعدها بوصالِ

وأكره أيـامَ الوصالِ لأنني      أرى كــلَّ وصلٍ محكماً بزوالِ

ومن هذا القبيلِ المبالغةُ في اجترار بعض صور النجاح؛ فقد يقدر لبعض الناس أن ينجح في عمل ما، فتراه يُكثر من ذكر ذلك النجاح بمناسبة وبغير مناسبة، إما استعلاءً على الحاضرين، أو تفاخراً بذلك، أو اكتفاءً به عن السعي لنجاحات أخرى، أو تسويغاً لإخفاقات حصلت له.

وقد يُغتفر للإنسان أن يستدعي نجاحاته إذا هُضم، أو نيل منه، أو صُدِعَت قناةُ عزته، أو نحو ذلك من الاعتبارات الصحيحة؛ فلا بأس حينئذٍ أن يذكر شيئاً مما يرفع من قدره، ويعيد إليه قيمته وثقته بنفسه.

ويغتفر -له ذلك- إذا وجد مَنْ يُثَبِّطه عن عمل من الأعمال؛ أو وجد من نفسه إحباطاً وتثاقلاً عن الإقدام؛ خوف الإخفاق؛ فلا بأس -والحالة هذه- أن يتذكر أو يذكر بعض نجاحاته؛ ليقوده ذلك إلى الإقدام، ويمنعه من التردّد والإحجام.

ومن أنواع الاجترار اجترار الإحسان إلى الناس؛ إما على سبيل الفخر، أو على سبيل المنة؛ فذلك مذموم ممقوت وربما يكون محبطاً للعمل.

وقد لا يُلام الإنسان على ذلك، إذا كان وراء ذلك مصلحة كاستنهاض الهمم دون ذكر الأسماء، أو لم يكن هناك ضرر كالإخبار المحض.

أما خلاف ذلك فإنه يحسن بالإنسان تجنّبُ المنّة، ونسيانُ إحسانه إلى الناس.

ومن أنواع الاجترار اجترارُ معايب الناس، وتذكر أخطائهم، وتعييرهم بذلك، إلى غير ذلك من صور الاجترار المثبطة عن العمل، الجالبة للهم، المفرقة للقلوب، المورثة للبطالة واليأس.

والمقصود -ههنا- التمثيلُ لا الحصر، والتنبيهُ على تلك الظاهرة التي تنال نيلها من فئام من الناس.
اليمن الى اين؟

تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.

تعليقات الإسلام اليوم

 

تبقى لديك حرف

   

التعليقات

  1. 1 - بو عبد الله مساءً 02:09:00 2010/01/30

    بارك الله فيك يا شيخ استفدنا والحمد لله وهذه تذكرة لنا عسى الله أن ينفعنا بها.

  2. 2 - ابوفيصل مساءً 08:48:00 2010/01/30

    بارك الله فيك ياشيخ كلامك دائما رائع

  3. 3 - أخوكم مساءً 09:43:00 2010/01/30

    بارك الله فيك ومقال جميل ...

  4. 4 - خالدالملحم مساءً 11:38:00 2010/01/30

    أسأل الله أن يبارك لك في علمك وعملك وأن يحعلعك ممن نفعه علمه وسره عمله يوم القيامه بارك الله فيك يا شيخي محمد الحمد وكثر الله من أمثالك فنعم الشيخ انت .

  5. 5 - ابو غيداء ًصباحا 01:00:00 2010/01/31

    الله يحفظك للأمة .

  6. 6 - نورة الجبرين ًصباحا 01:02:00 2010/01/31

    جزاك الله خيراً

  7. 7 - علي ًصباحا 01:06:00 2010/01/31

    اني احبك في الله واتمنى واقترح عليك ان تقوم بجمع ما كتبته وإصداره على شكل ملفات صوتية حديثة مثل (أوديو بوك) وكذلك اقترح ترجمت كتبكم ومقالاتكم المميزة للغله الإنجليزية عن طريق احدى المكاتب التي تترجم لنا كتب (ستيفن كوفي/توني بوزان/ حتى ينتشر الفكر الإسلامي النير في العالم

  8. 8 - صلاح البابقي ًصباحا 02:49:00 2010/01/31

    قرأته على رفاقي وقد استفدنا منه جميعا .. تحيتي المعلفة بالحب والاحترام

  9. 9 - قيد الخاطر ًصباحا 08:45:00 2010/01/31

    جزاك الله خيراً على ما سطره يراعك .. ولكن التركيز في المقال كان عن الإجترار الذهني المضر .. كنا نأمل ان يكون المقال بالتساوي مع الإجترار الذهني الإيجابي .. لكي تعم الفائدة ويدرك المرء تأثير كلا النوعين على حياه المسلم بالسلب والإيجاب ..بارك الله فيك ونفع بك الإسلام والمسلمين

  10. 10 - وائل العمري ًصباحا 09:56:00 2010/01/31

    لكن ألا تتفق معي أخي الكاتب أن كلمة "الاجترار" لها وقع سيء بعض الشيء على النفس. لأنه حسب معرفتي المتواضعة أننا نقول أن فلانا يجتر كذا وكذا نقصد بها معنى سيئا أي أنه كالإمّعة..

  11. 11 - عوف ابو زكريا الجزائري مساءً 01:45:00 2010/02/01

    جزاك الله خيرا يا شيخنا تحليل ممتاز هدانا الله واياكم الى ما فيه الخير

  12. 12 - ابى عبدالرحمن مساءً 12:31:00 2010/02/03

    بارك الله لك وفيك ياشيخنا الفاضل وجزاك خيرا وجعله فى ميزان حسناتك

  13. 13 - محمد عبدالله مساءً 07:13:00 2010/02/12

    الله يغفر لك ياشيخ مقال رائع... الله لا يحرمنا من درركم ياشيخنا أبو ابراهيم

  14. 14 - ماجد العزيزي مساءً 10:14:00 2010/02/13

    بارك الله فيكم شيخنا وقد قرأت ما خطته أناملكم في كتابكم الموسوم بـ (( ارتسامات )) وقد ألفيته كتابا نافعا جديدا في طرحه وفي أسلوبه أنصح أحبتي باقتنائه