المواساة بين بني البشر من أجلّ الشمائل وأبهى الصفات الإنسانية التي جُبِل الأخيار على التجمّل بها، والتعوّد عليها، والسير على منوالها في تعاملهم مع غيرهم من بني جنسهم ممن اهتبلتهم المصائب، وأناخت مطاياهم النوائب، وأقعدتهم عن المضيّ كثرة الضربات والمعايب.
في أزمان الجوع والمسغبة واتساع رقعة الفقر بين الناس تظهر معادن الكرماء، فتأبى نفوسهم الأبية رؤية غيرهم في حالة يُرثى لها، فمن سألهم سارعوا لإجابته ولو باليسير، حالهم:
أعـجلتنا فأتاك عاجلُ برّنــا
ولو انتظرتَ كثيرَهُ لم نقلــلِ
فخذِ القليلَ وكنْ كأنّك لم تسلْ
ونكونُ نحنُ كأننـا لم نفعـلِ
وكان ابن عباس -رضي الله عنهما- يقول: " لا يتم المعروف إلاّ بثلاثة: تعجيله وتصغيره وستره، فإذا عجّله فقد هناه، وإذا صغّره فقد عظّمه، وإذا ستره فقد تمّمه".
إنها نجدة الأبرار الكرماء للسائلين والمحرومين والمنكوبين والمكلومين والملهوفين، الذين أيقنوا أن المال الذي بأيديهم إنما هو ابتلاء ومحنة من الله تبارك وتعالى، وهو وديعته التي لا بد أن تُردّ يوماً إليه، ويحاسبهم على النقير والقطمير، فلا حيلة لهم إلاّ المسارعة في إنفاق الدرهم والدينار، ليوم تشخص فيه القلوب والأبصار:
وما المالُ والأهلون إلاّ ودائعٌ
ولا بدَّ يوماً أن تُردّ الودائعُ
الكريم لا ينهر السائل ولا يقهر العائل، سمح العطاء، جمّ الفضائل، له في كل وادٍ من المعروف راحلة، وفي كل بحر من الخير سفينة، لا تعجزه عن الجود تزاحم الأعمال والمشاغل، ولا توقفه مخافة العيلة عند اشتداد الأحداث والنوازل، الكريم يُكرم وإن افتقر، كالأسد يُهاب وإن كان رابضاً، يتهلل وجهه فرحاً إذا قدم إليه طالب الحاجة، أو مغرم غارق في ديونه، أو ساعٍ لإعفاف نفسه، وتحصين فرجه، كأنهم يعطونه، وليس هو الذي يعطيهم، يطيّب بعضهم دنانيره وريالاته؛ لأنه يعلم يقيناً أنها تقع في يد المنان -جلّ جلاله- قبل أن تقع في يد السائل؛ قد جُبلت نفس الكريم على أنه"لا عزَّ أثبت أركاناً ولا أبذخ بنياناً من بيت الكرم واكتساب الشكر. وذلك أن العز المنتظم بالفعل الجميل باقٍ في قلوب الرجال، فمن تحصّن بالجود وتحرّز بالمعروف فقد ظفر بما نواه، وربح الشكر والثواب".
إن للأحرار نصيباً من مال الكرماء الذين علموا الحقوق، فعملوا على إعطائها لأصحابها وبذلها لمستحقيها، لم يتوانوا في ذلك، أو يتردّدوا في القيام به سجية تخلّقوا بها، وعادة ألزموا أنفسهم بالسير عليها، إرضاءً للكريم المنان، وإرغاماً للعدو الشيطان، وسعياً لنيل المكارم ودرجات الجنان. فهم يعرفون للأحرار قدرهم ومكانتهم عند الله تبارك وتعالى، أولئك الذين خلقهم الله أحراراً من عبودية غيره، مفطورون على عبادته سبحانه، فقد كفل لهم من الصدقات بمنزلة الحق في أعناق أصحاب الأموال متى ما بلغت النصاب، ولو لم تبلغ فهي حقٌ في قلوب الكرماء ومخيلتهم يجب أداؤه، ولو كان من خصاصة، ولو كان محبوباً إلى قلوبهم. هم الأبرار الذين مدحهم وأثنى عليهم المولى تبارك وتعالى في كتابه (لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَـكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَـئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ). [البقرة:177]. ووصفهم بقوله: (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً). [الإنسان:8] ونحو ذلك كثير في الحض على الإنفاق والعطاء. إنه "الانعتاق من ربقة الحرص والشح والضعف والأثرة؛ انعتاق الروح من حب المال الذي يقبض الأيدي عن الإنفاق، ويقبض النفوس عن الأريحية، ويقبض الأرواح عن الانطلاق. فهي قيمة روحية يشير إليها ذلك النص على حب المال. وقيمة شعورية أن يبسط الإنسان يده وروحه فيما يحب من مال. لا في الرخيص منه ولا الخبيث. فيتحرر من عبودية المال، هذه العبودية التي تستذلّ النفوس، وتنكس الرؤوس. ويتحرر من الحرص. والحرص يذل أعناق الرجال. وهي قيمة إنسانية كبرى في حساب الإسلام، الذي يحاول دائماً تحرير الإنسان من وساوس نفسه وحرصها وضعفها قبل أن يحاول تحريره من الخارج في محيط الجماعة وارتباطاتها، يقيناً منه بأن عبيد أنفسهم هم عبيد الناس؛ وأن أحرار النفوس من الشهوات هم أحرار الرؤوس في المجتمعات!"
أناسٌ إذا ما الدهرُ أظلم وجهُهُ
فأيديهمْ بيضٌ وأوجهُهمْ زهـرُ
يصونون أحساباً ومجداً مؤثـلاً
ببذل أكفٍّ دونها المزنُ والبحرُ
سموًّا في المعالي رتبةً فوق رتبـةٍ
أحلّتهمُ حيثُ النعائمُ والنسـرُ
إن أمة الإسلام في زماننا هذا يتقلب كثير من رجالها ونسائها وأطفالها في رمضاء الجوع والفقر، يئنون في بقاع شتى، لا يجدون ما يسدّ رمقهم، أو يشبع جوعتهم، أو يكسو عاريهم، يعيش فئامٌ منهم ليست بالقليلة في أكواخ من القش، أو بيوت من الطين أو الحجر، وربما بعضهم يلتحف السماء ويفترش الأرض، وهم على هذه الحالة يأتيهم من لا يريد بهم خيراً، إلاّ أن يأخذهم ويجرهم جراً بأعطياته السخية، وأطعمته الشهية، إلى دينه المحرَّف، فليس أمام هؤلاء الجوعى إلاّ الاستبشار بالأكل أكثر من استبشارهم بما يحمل من دين، ورويداً رويداً يتعمق الضلال في نفوسهم تحت وطأة أنين البطن والجوارح.. فرحماك يا رب رحماك.
لبستُ صروفَ الدَّهر كهلاً وناشئاً
وجرَّبتُ حالي على العسرِ واليسرِ
فلـم أر بعد الدِّين خيراً من الغنى
ولم أر بعد الكفر شراً من الفقـرِ
فكم من مسكين يتلظى من شدة الحاجة والمسكنة دقت عظامه الهموم والمشكلات، فتفرّق عنه الأولاد، وانحرفوا، وضلّوا في ميادين الفسق والعربدة؛ لأنهم لم يجدوا ما يسدّ رمقهم بين والديهم، فبحثوا عنه عند من ينتظر قضاء شهوته ونشر شره، وكم من أرامل ومطلقات وأيتام ينتظرون رحمة الكرماء بعد أن رفعوا أكفّ الضراعة إلى الله تعالى بأن ييسر لهم من يفكّ ضائقتهم، ويساهم في تسهيل مصاعبهم، ويغنيهم عن ذل السؤال وحقارة الفقر.
وكم من طالب علم جيد القريحة وافر الفهم والفطنة، يحتاج إلى من يأخذ بيده إلى علياء السمو والرفعة، فتنهض به بلاد الإسلام، وترتفع رايته بين الأمم والحضارات، وتعود صفحاته الناصعة متلألئة يوم كان الأغنياء يبذلون من أموالهم لخدمة العلم، وتفرغ طلابه له، تزوداً، وإتقاناً، وإنتاجاً، مما يعيد للأمة مجدها وسؤددها؛ حيث مراكز العلوم المتقدمة، ومراكز البحوث المتخصصة التي تعين على صناعة القرار الصائب والنظر الثاقب؛ فَتُحمى الأمة بذلك من أخطار العدو المحارب.
فيا أهل الغنى والفضل، يا من أنعم الله عليهم بالنعم الجليلة، والعطايا الجزيلة والعوائد الجميلة، اغتنموا ساعة الخير والرزق التي قدّرها المولى لكم لرفعة درجاتكم، وعلوّ منزلتكم، ومحبة ورضا إلهكم ومولاكم، فيبلّغكم من المآرب أوفاها، ومن ملابس القبول أجملها وأسناها، واعلموا أن هذه الأموال والكنوز المخبأة في الخزائن أشبه بالثعابين الكامنة في جحورها، كأنها رصيد الأذى لأصحابها، بل إنها تتحول إلى حيّات –فعلاً- تطارد صاحبها؛ لتقضم يده التي غلبها الشحّ، ومنع حق المسلمين فيها.
فاغتنموا ساعة الغنى قبل أن تأتي ساعة لا تنفع فيها الأموال ولا الأسهم والعقارات، إلاّ ما أُنفق في مرضاته، فتظلّلكم من حر يوم شمسه تدنو من رؤوس الخلائق قدر ميل، اغتنموها لمصرع يوم أنتم أحوج ما تكونون فيه للطف الله ورحمته. أسأل الله أن يرزقنا وإياكم، ويوفقنا جميعاً لطاعته ومرضاته.