كلا... لم يمّر بها للنقاهة وإنما قصدها لذاتها.. لهواها، لمحضنه العتيق، لمعهده الأصيل.. إنها البحرين بذاتها ترياق لغازي..
نعم هو في النهاية عائدٌ للوطن الكبير... عائدٌ للرياض... حيث تاريخ العمل والبناء.. حيث همّ غازي القصيبي الوطني للإصلاح التنموي... لكنّه هنا في مسافات القلوب الدافئة، في مسارات العيون الدامعة؛ فرحاً بسلامته ودعاء له بتمام الشفاء...
يَحطّ غازي في أحضان أمّه أكان في الضفة الشرقية حيث لؤلؤة الخليج الإنسانية أوال، أو كان في الضفة الغربية وأمه الرؤم التي غنّى لها وغنى لسعفها وجداولها فردّدت الأحساء له الحنين، فكان موسيقا السَعَف حين يعبر بين ألياف نخيلها يخاطب غازي من جديد: لقد اشتاقت الأرض لغنائك.
في قصة التاريخ والإنسان يعبر غازي من مسارات متعددة، لكنني أُحبُّ وأهوى كما يهوى أن أنطلق من أغاني الشهداء من ديوانه ... مع الشهداء... يا لله يا فلسطين كم أعشق أن نتحد فيك وفي هواك وفي ولائك... وكم هو رائع وجميل أن أسكر بها.. وأن أنشد في ابن وطني الكبير غازي القصيبي وحين نغني.. نغني للقدس.. فكراً ومعنى وهتافاً ...من عزف قلبه المتولّه بالأرض المباركة كان غازي مع الشهداء تماماً كما سمّى ديوانه... فهذه الشهيدة آيات الأخرس رمز رسمٍ ووشم في شاعريته الفلسطينية...
وكم هو جميل في الذاكرة يا غازي... أن نستدعي التاريخ حين كنت تهتف للمقاومة في فلسطين وأنت الدبلوماسي والوزير...
وكم هو رائع أن الإنسانية العادلة تنتخبك في اليونسكو، ويسقط اليونسكو بأصوات الإرهابيين في واشنطن ولندن حين صوّتوا ضدك كأمين عام؛ لأنّك كنت مع قلب العدالة وروح الأمة ورابطة الإنسانية، فرفعوا أدلة اتهامك قائلين: إنه يغني لفلسطين، ويمسح على أرواح الشهداء، فيزعج ويقضّ لحنه مضاجع الإرهابيين... حمداً لله على سلامتك، وسيعود صوتك فينا مجلجلاً ضد المحتلين...
لكن لغازي مسارات أُخرى بينها أمور قد اختص بها مع الملأ الأعلى تماماً، كما عرف التاريخ أسرته بذّالة في المعروف والإحسان والخير، بل وإنقاذ الرقاب وإعتاقها بالجاه والمال...
وهناك قصةٌ أخرى يشاء الله أن تتزامن مع عودتك ومع حدث مهم يستدعيها... فما بين خطاب المليك عن الفساد، وماذا صنع بالوطن... يعودُ التاريخ ليتذكّر غازي القصيبي وزير الصحة الذي سجّل نهايته المُشرّفة في تلك الوزارة بمواجهة العدو الذي أعلنه المليك الإصلاحي خصماً أول للوطن...
كل أبناء الشعب يستذكرون غازي القصيبي الوزير الملثّم الذي يطوف على كل المناطق، فيعبر متخفّياً إلى بعض المراكز والمشافي ليعودَ من صبيحة اليوم التالي بقرارات رادعة قوية.. تقول للمقصرين أنّ صحة النّاس لا مجال للعبور عبرها للفساد..
ليت المهمة اكتملت ...وتطورت في كل زاوية..
لكن حسبك أن الله قد جعل لك مناراً في ذلك المسار، ولعله جلّ في علاه -أيها الوزير الشهم- كان من ألطافه ورعايته لك في محنتك مما ادّخره لك، وما جعلته بينك وبينه في سبيل الإصلاح والمستضعفين...
مرةً أخرى تعود ليعانقك الوطن، ويفرح بشفائك، وتصطفّ طيوره لتستمع من جديد لأغاني الكرامة والتحرير من جديد.