آخر تحديث الساعة 06:03 (بتوقيت مكة المكرمة)

توظيف التناقضات

السبت 11 رمضان 1431 الموافق 21 أغسطس 2010
توظيف التناقضات
 

إنّ بين كتفي كلّ منا وعلى عموم المدى اللا محدود لأرواحنا، تقبع كتلة من التناقضات، وهي إما تناقضات نشأت من أصل الفطرة كالنزعة للتملك مقابل الميل للعطاء، أو من تحوّلات التجارب المكتسبة، سواء كانت تناقضاتٍ فكرية أو شعورية أو سلوكية، وسواء ظهرت هذه التناقضات في زمن وموقف واحد! أو بالنظر إلى مجمل حياتنا ومواقفنا، فكل شيء يشي لنا أننا كبشر تحت وطأة التناقض، كان لا يمكن أن يكون ذلك محط نقاش فكل منا في ذاته دليل – لو تبصّر!-، لولا أن كثيرين تنكّروا لطبائعهم البشرية هذه ولسبب أو لآخر ظنوا أنهم ارتقوا على البشر، وارتضوا منزلة موهومة عَليّة بين المنزلتين!

الشهر التاسع من كل عام، رمضان، هو الزمن الميكروسكوبي لإظهار صورة تناقضاتنا، وهي ليست سيئة تماماً بالمناسبة! السيئ حقيقة هو عدم تفّهم هذه التناقضات وعدم توظيفها! وترى في حين ذلك الطيف الأعظم من المتكلمين يعيبون التحوّلات الإيجابية الفكرية، الإيمانية والسلوكية لمجمل الناس وربما شطحوا بعيداً وربطوا ذلك بسوء الطوية وربما النفاق، متناسين أن هذا التناقض كامن في ذواتنا أبداً؛ فنحن دوماً خليط من الخير والشر، الحسنة والخطيئة، الإخلاص والرياء.... وإنما يظهر ذلك في حين أكثر من أحيانٍ أخرى فحسب، وهكذا يمضي رمضان تلو رمضان دون أن نستفيد منه في تقويم تناقضاتنا ودفعها إيجابياً، وبدلاً من ذلك نظل مرتهنين لفكرة أن التحوّل الإيجابي (المفاجئ) مع ساعة الفجر الأولى هو تحوّل مؤقت، وربما يحمل رائحة الخطيئة! وفي أحسن الأحوال نظل قلقين وكأننا في مهمة طارئة يجب إنجازها فحسب، إننا نفكر بالخارج أعني بالزمن/رمضان، وتصفيد الشياطين، غير منتبهين أن التناقض قابع هنا، داخلنا، ويجب ألاّ نحمّل الشياطين فوق ما تحتمل فهي مصفّدة على أية حال.

إنّ فهم طبائعنا البشرية يكون لتقويم تناقضاتها وليس لتبريرها بالطبع، وهذه هي المهمة العظمى المنوطة بنا كبشر تجاه بشريتنا، تهذيب هذه التناقضات وليس محوها، إننا لا نستطيع إعادة خلق أنفسنا بدون حب المال مثلاً، لكننا نستطيع توظيف ذلك الحب في ممارسة نقيضه؛ أي التصدّق به، ويُصرف هذا الحب إلى الزيادة الأخروية الموعود بها بل والبركة الآنية، هذا مثال عليه يُقاس سائر رغباتنا البشرية وطبائعها. إننا كلما تجاهلنا هذه الطبيعة المتناقضة تنافرنا مع ذواتنا، وخرجنا عن مفهوم العبودية الذي يستلزم الاستصغار والالتجاء لكمال الله -جل وعلا- مقابل نقائصنا، وهذا جزء من التوظيف الذي يتخذ ثلاثة مناحٍ:

1- الأول: التوظيف الإيماني: وهو الأسمى فإن تمحّص تناقضاتنا التي تدل على ضعفنا ونقصنا ومحدودية قدرات مواهبنا تجعل لنا في أنفسنا بصيرة وعظة بمكانها المحدود شرعاً، فتتحقق الذلة لله تعالى (وحده!) وترقق القلب لندائه، وغالباً ما يكون المتعالون على حقيقة تناقضاتهم البشرية النابزون غيرهم بها على قدر مشين من منازعة الرب جل وعلا في رداء كبريائه.

2-  الثاني: التوظيف الأخلاقي: فمثلاً صفاء النية وحب الخير للآخرين في ذواتنا يناقضه الحسد المطبوع في ذواتنا أيضاً، وهنا يظهر الإرشاد النبوي في توظيف هذا التناقض بقوله صلى الله عليه وآله وسلم: "لا حسد إلاّ في اثنتين: رجل علّمه الله القرآن فهو يتلوه آناء الليل وآناء النهار، فسمعه جار له فقال: ليتني أوتيت مثل ما أوتي فلان، فعملت مثل ما يعمل، ورجل آتاه الله مالاً فهو يهلكه في الحق، فقال رجل: ليتني أوتيت مثل ما أوتي فلان، فعملت مثل ما يعمل". [البخاري]، والحسد في الحديث هو الغبطة، وحب الريادة في النفس الذي يقابله الغيرة، فيمكن توظيف ذلك التناقض بإحياء معنى التنافس في الخير (وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ). [المطففين:26]، (أُوْلَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ). [المؤمنون: 61]... وهكذا.

3-  التوظيف السلوكي: وهذا هو التغير الأظهر الذي نلاحظه في رمضان، تتقلّص قائمة  شتائم البعض إلى متر ونصف بدلاً من مترين وهذا جيد، كما أننا ننتبه فجأة إلى أن الغيبة أمر لا يجوز والضرب كذلك وغش الناس في الأسواق، ويبدأ المغنون ذوو التوجّهات غير المنضبطة تسجيل الابتهالات، ويعتقد الدراميون أن المسلسل التاريخي أجدى من غيره، وهذا توظيف إيجابي لتناقضات العام التي نشاركهم فيها بتناقضاتنا الخاصة؛ فالهجوم غير المسوّغ على نوايا الغير وخطواتهم التوظيفية ليقظة الجزء المضاد من توجّهاتهم العامة هو جرأة على مقام الألوهية الذي ينبغي تركه لله جل وعلا، فتناقض سلوكياتنا رمضانياً مع سلوكياتنا سائر الشهور يوظّف في اعتبار ذلك فرصة ودورة عملية مكثّفة نظراً لما نقوم به من سلوكيات إيجابية بدقة تظهر في أسئلة الفتاوى، دقة تضاهي التجارب المخبرية الخطيرة، هذا الإحساس العملي اليقظ يجب أن ننتهزه لفهم قدرتنا الكبيرة على التغيير (الفوري!) والانضباط المتتالي الذي يمكنه أن يغلب ما يضاده فينا من إهمال وتسويف.

إننا بشر، ولا نملك خياراً آخر نكونه، مهما أنِفنا ذلك؛ فبدلاً من أن نحاول أن نكون ملائكيين عن يمين وشمال الآخرين نرصد خطاياهم ونقيّمها، ونشكك في خيراتهم أو أن نحاول أن نكون شياطين لا تملك فرصة نجاة فتذهب وتجر معها أكبر قدر للحضيض، بدلاً من ذلك سيجدي كثيراً لو نفكر في المحافظة على بقائنا بشراً يرتقون في عبوديتهم لله، ويرتفعون عمّا سواه سبحانه.

تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.

التعليقات

  1. 1 - أبو بلال السيناوي مساءً 03:52:00 2010/08/21

    "إننا بشر، ولا نملك خياراً آخر نكونه، مهما أنِفنا ذلك؛ فبدلاً من أن نحاول أن نكون ملائكيين عن يمين وشمال الآخرين نرصد خطاياهم ونقيّمها، ونشكك في خيراتهم أو أن نحاول أن نكون شياطين لا تملك فرصة نجاة فتذهب وتجر معها أكبر قدر للحضيض، بدلاً من ذلك سيجدي كثيراً لو نفكر في المحافظة على بقائنا بشراً يرتقون في عبوديتهم لله، ويرتفعون عمّا سواه سبحانه." ما شاء الله! سلمت يمين سطرت هذا الكلام!

  2. 2 - احمد الزهراني مساءً 05:43:00 2010/08/21

    الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره, ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا , من يهده الله فلا مضل له , ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له , ونشهد أن محمد عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى اله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان وسلم تسليماً كثيراً . .فالصيام في اللغة مصدر صام يصوم، ومعناه أمسك، ومنه قوله تعالى: {{فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَن صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا *}} [مريم] فقوله: {{صَوْمًا}} أي: إمساكاً عن الكلام، بدليل قوله: {{فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا}} أي: إذا رأيت أحداً فقولي: {{إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَن صَوْمًا}} يعني إمساكاً عن الكلام {{فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا}}. ومنه قولهم صامت عليه الأرض، إذا أمسكته وأخفته وأما في الشرع فهو التعبد لله سبحانه وتعالى بالإمساك عن الأكل والشرب، وسائر المفطرات، من طلوع الفجر إلى غروب الشمس. فياليت كل مسلم انت يتحلى بالصبر على الجوع في شهر رمضان وان يكون قدوة لمن بعده في ان تكون اخلاقة وتعاملاته اليومية مع خالقة سبحانة وتعالى ومع نفسة ومع الناس كافة في رمضان وبقية الاشهر الاخرى .. اشكر اختنا منال الزهراني على ما تفضلت به ونسال الله لنا ولها ولكافة المسلمين الخير والسداد والسلام عليكمم

  3. 3 - راشد مساءً 02:52:00 2010/08/23

    قمة الروعة أستاذة منال ما كتبتي أسعد الله أيامك ولا تبخلي عنا بالجديد دوماً

تعليقات الإسلام اليوم

 

تبقى لديك حرف