إن المتأمل في النصوص الواردة في شهر رمضان يقف عند تواتر متلازم في المعنى، يؤكد في جميع مقاصده على قضية مركزية واحدة في غاية الشارع ومبتغاه من الصوم، إنه العلو الروحي والأخلاقي للنفس البشرية في أدائها هذا الواجب، وهو بالضبط ما أراده النّص في الوصول إلى النفس البشرية، ودفعها إليه، وفي مقابل ذلك تُرَغّب النفس البشرية لدخول هذه الدورة التدريبية، وتجني ثمارها حين تُخلِص حصاداً غنياً وواسعاً،
وهنا يتكرر نفس النظام الذي استقام مع الرسائل الإلهية من خلال الأنبياء -صلوات الله وسلامه عليهم- في تحقيق معنى العبودية والاستقامة على الأحكام لمصلحة الإنسان في حصاده العظيم يوم الدين، وفي انتهاجه لفسطاط الرسالة العظمى، وهي الدلالة الكبرى لعدالة الإسلام ورحمته، وصيرورة الرحلة الإنسانية، وصعودها حين تقتدي بالمنهج المُقدّس،
من هنا يتأكد لنا دور الصيام في عموم الفلسفة الإسلامية لتطبيق الأحكام، فلسفة تحمل نفس البرنامج سعادة الدارين ومصلحة الفرد وعلو شأنه وإنسانيته، بتصفية الروح ومغالبة الشهوة والأطماع حتى يتمكن، ويُعان من إعادة قراءة تاريخه الإنساني، والاستبصار جلياً كيف يلتزم الطريق طريق السلامة والنجاة، وهو أيضاً طريق الفلاح والتفوق في الدنيا،
لكن الصيام له أيضاً توجيه آخر لا يقف عند الفرد لذاته، ولكنه يتجاوزه منطلقاً به إلى المجتمع وإليه، حين يَقطعُ النّص بأنّ المقصود ليس الامتناع عن الشهوة الجسدية، وإلاّ فلا حاجة للشارع بها، ولكنه الميدان الأسمى الذي يجب أن ترتفع فيه روح الصائم في أخلاقياته وسلوكه؛ فيتواضع ويحترم، ويَكُف الأذى ويُجّل الناس في حقوقهم، وعندها حينما يُدرك من يُطبِّق الشعائر مغازيها في مقاصدها العظمى، ويُبادل كل منهم أخاه الإنسان هذا السمو الروحي يَلفّ المجتمع حالة من التبتُّل الإلهي التعبُّدي، المنعكس في سلوك الفرد نحو الآخر، وليس المنزوع من آثار روحانيته على خُلقِ وسلوكِ النفس، بل المتصل بها اتصالاً ملاصقاً يهدي إلى الإحسان، إلى الإنسان والحيوان والجماد في دورته الأخلاقية لعله يستقيم عليها حتى النهاية،
وعندها يكون الصوم موسماً للاحتفال والاحتفاء والتسامي الأخلاقي، هو احتفال في نُسك مُقدّس للخالق المُعطي العادل الرحمن الرحيم، وهو مشروط في قبوله بالاحتفاء بالخَلق والإحسان إليهم وكفّ الأذى عنهم، وعليه يسمو المجتمع، ويرتفع ثم ينظر ويتفكر لكي يُصحح المسيرة ويستهدي، إلى أين الطريق؟
إلى المجتمع الفاضل الهادي للخُلق القويم والتسامي الروحي، والتضامن بين القادر والعاجز، فيكون البر والإحسان إلى الناس أصل الطريق إلى الفوز الكبير، ولذلك كان فيه صلى الله عليه وسلم كالريح المرسلة، هكذا هي فلسفة الصيام، وهكذا هي مدرسته، وهكذا حدثنا عنها الأستاذ الأول والمعلم الكبير، وهو صلوات الله وسلامه عليه يؤكد لنا هذه الوحدة الموضوعية في النُسك والأحكام مراراً وتكراراً، ثم يهدي بها إلى عنوانها المركزي الذي يهتدي به المهتدون ويستنيرون، كيف لا وقد بعث بها إلى الإنسانية،(إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق).