أشرت في مقالة قديمة ترحيبيّة بافتتاح القسم النسائي بمؤسسة (الإسلام اليوم) إلى قضية مهمة في انطلاق حركة المعرفة الحديثة في الأوساط النسائية السعودية، وهي حركة نشطة، ومتنوعة، وذات طاقات باهرة، وقدرات متعددة، ولها ريادة في البحث العلمي والتخصّصات الطبية والإنجازات التربوية، ويغلب عليها منهج التديّن سواء كانت محجّبة أو منتقبة، بل وأحيانًا دون ذلك، لكن في ضمير النفس والذات جرعات إيمانية كبيرة ومخلصة ومتفهمة لمقاصد الفكر الإسلامي.
وكان مقصودي أن يجتمع هذا الحشد المختلف المتنوع ليُشكّل رافعة تعاون متحدة في ميادين عدة، بعيدًا عن حركة الصراع القائم بين التيار المحافظ والتيار الليبرالي، والمقصود أن هناك من المشتركات ومن عوامل التعاضد في خدمة مبدأ الإصلاح الاجتماعي والتفوّق العلمي، ورعاية المجتمع والأسرة، وشراكة المرأة في الحضور الثقافي والتنموي ما يمكن أي تتّحد فيه الجهود دون اللجوء الاضطراري للمساحة المختلف فيها، وذلك بحسن التصوّر الإسلامي المنهجي وسلوكيات التعامل الأخلاقي، وليس بنزعات الثأر والاستدلال الموجّه لأجل قناعة هذا التيار أو ذاك المسبقة، وليس لقضية انحراف حقيقية مشهودة.
تمنّينا في حينه أن تضيق لدى تيار النخبة النسائي مساحة تقاذف البطيخ التحريضي التي انتشرت لدى أشقائهم من رجال النخبة الثقافية، وان تَحلّ لغة التفاهم، مع قناعتنا بوجود كتلة هنا وهناك لا تقبل الدخول في مفاوضات أو مشتركات مع الفريق الآخر، إلاّ حين تقتضي مصالحهم الخاصة الاجتماع، استجابة لدعوات رسمية أو إعلامية، ثم تعود حركة التقاذف للاستمرار مجدّدًا.
ولا نزال نقول لعل الأخوات يخترقن هذه المساحة، ويخرجن من هذا المأزق، أو على الأقل يكتشفن أنفسهن ومساحة ما يمكن أن تلتقي عليه مبدعاتهن ونشطاؤهن والمثقفات غير الحصريات، اللاتي فُرض بعضهن لسوق الإثارة أكثر من قناعة الخطاب وإبداعه.
وهناك مساحة في الخدمة الاجتماعية، وفي رعاية أسر السجناء، وفي تطوير الوعي الفكري للمشاركة السياسية والثقافية والقيادية للمرأة، وما تحتاجه الأسرة والطفل أو المجتمع من حركة نهوض ومعالجة لكوارث عديدة، بالإمكان أن تتحول تنسيقات الفكر النسائي المشترك للنهضة إلى مشاريع ومؤسسات تنفيذية وخطاب فكري إسلامي الأصول، تجديدي اللغة والوسيلة، يأخذ مساحته ليبني البديل المطلوب في احتياجاتنا التنموية، بدل العويل على الاختراق الثقافي من جهة، ومن الجهة الأخرى التعويل والتملّق لذلك الاختراق للتباهي بالتقدم الخادع.
ومما أفادت به وثائق ويكيليكس ما أعاد تأكيد ما تعدّدت المصادر على ذكره في أنّ جزءًا ليس بالهيّن من حراك الغرب الخيري التقدمي وشخصياته، وخاصة في مجتمعات الخليج العربي تحديدًا يتّحد مع ما فصّلته الوثائق من مهام إعادة التثقيف الإعلامي لإحداث انقلاب اجتماعي في المؤسسة الأسرية والبناء المجتمعي، بحسب مقاييس ومصالح تسويق المشروع الغربي... وأي قراءة موضوعية بسيطة للخطاب المعلن يدرك أن القضية ليست مؤامرة، إنما هي مشروع معلن، وبالتالي فإن قدرًا من التورّط قد جرى لبعض تلك الأنشطة والتوجّهات في الخليج.
لكنّ ذلك أيضًا لا يبيح للبعض من المحافظات، ومن يرعاهن أن يحملن الختم فيهوين به بالتصنيف على كل من يختلف معهن لمجرد الاختلاف!! أو كان لزميلتها الأخرى رأي يعارض قولاً له تأوّل معتبر راجح أو مرجوح، أو أخطأت أو اختلط عليها الأمر بين نسبة الخير والشر في تقديرها لبعض المسائل أو المشاركات، وهي عند ربها وبين يديه قد تكون أورع ممن تلوك سمعتها، والأصل في الشرع أن تُحمى الأعراض، ولا تنتهك حتى لو خالف من يخالف في بعض المسائل أو المواقف؛ فليس ذلك يجيز أن يستبيح البعض مجالس خالطها الزلل ويشيعوها بالتعميم والتصوير!! مع أوصاف لا يتلفظ بها من يخشى الله ورسوله، ولكن يُشيعها من يطلب أصوات الجمهور في معركة قد يضحى الانتقام دافعها، وتقدم راياتها تحت: قال الله وقال رسوله.
وفي المقابل يجب ألاّ يُقرن النشاط النسائي التنموي برؤية المشروع الغربي لتقدم المرأة؛ فهناك مفاصل تناقضية مهمة بين الرؤية الإسلامية والرؤية الغربية، والتفصيل مهم وهو الذي يعزز الرؤية المستقلة لوطن عربي إسلامي يدعم تقدم المرأة دون التضحية بعفافها.