آخر تحديث الساعة 06:03 (بتوقيت مكة المكرمة)

حتى لا نُلعنَ كما لُعنوا

الاثنين 21 جمادى الآخرة 1438 الموافق 20 مارس 2017
حتى لا نُلعنَ كما لُعنوا
 

 

لماذا التدخل في شوؤن الآخرين؟ من تزعجه الموسيقى فلا يسمعها! ومن لا يريد شهود الحرام فمن حقه لوكن ليدع الناس يفعلون ما يشاؤون ما دام فعلهم هذا ليس فيه تعدعليه! دعوا الخلق للخالق..يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم.

هذه الكلمات أصبحت تُطرح بشكلٍ لافت في مواقع التواصل وفي النقاشات بهدف إسكات صوت منكري المنكر والمحتسبين عليه. بل تعدى الأمر إلى أن كتب أحدهم : حتى لا يعود جهيمان ، في إشارة ضمنية إلى أن منكري المنكرات والمحتسبين على المجاهرين بالمحرمات ، إنما هم يسيرون في طريق ربما يوصل إلى ذات الفعل الذي فعله جهيمان وأتباعه في حادثة الحرم الشهيرة.

قام أبو بكر الصديق رضي الله عنه فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : يا أيها الناس إنكم تقرأون هذه الآية "يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم" وإنكم تضعونها على غير موضعها ، وإنا سمعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إن الناس إذا رأوا المنكر فلم ينكروه أوشك أن يعمهم الله بعقابه.

وهذه الآية السابقة من أكثر الآيات التي يتداولها المعترضون على الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر ، فهم يستدلون بها بفهمٍ منكوس.

وإن العاقل ليعجب كيف خفي أمر أهمية هذه الشعيرة – شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر – على بعض أبناء المسلمين ، مع أنها من أهم أركان الملة ، وأكثرها وضوحاً وحضوراً ، نظرياً في الآيات والأحاديث والآثار ، وعملياً في عصر النبوة وعصر الخلافة الراشدة ثم ما تلاها من العصور الإسلامية. إلا أن هذا العجب يزول إذا استحضر العاقل كمية التحريف الهائل لمراد الشرع ، إما من بعض المنتسبين لمجتمعنا وإما من غيرهم ، نهايك المحاولات التي لا تتوقف لفرض الرؤية والثقافة الغربية التي تزعم – زوراً - فتح باب الحريات في الممارسات ، وهو ما سنتناوله إن شاء الله في مقالٍ لاحق.

ذكر الله لنا قصة بني إسرائيل والسبب الذي لُعنوا من أجله فقال (( لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ۚ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ 79 كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ ۚ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ )) أعتقد أن الآية أوضح من أن تُشرح أو يُعلق عليها.

عندما تواطأ بعض بني إسرائيل على التحايل على أمر الله الناهي لهم عن الاصطياد في يوم السبت ، انقسموا إلى ثلاث فئات : الفئة الأولى قررت أن تنتهك حُرُمات الله ، الفئة الثانية قررت أن تقوم بما أمر الله به من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر  ، والفئة الثالثة اختارت أن تلزم الصمت والحياد وألا تتدخل في شئون الآخرين مع معرفتها وإقرارها بشناعة ما تفعله الفئة الأولى! بل إن هذه الفئة الثالثة اعترضت على الفئة الثانية الناصحة ، قال الله : (( وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا ۙ اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا )) مثل هذا الاعتراض يحضر اليوم ويتردد أيضاً ، اتركوهم الله ربنا وربهم وسوف يحاسبهم ، نعم هو خطأ لكنه ليس من شأننا. ثم ذكر الله رد الفئة الناصحة على اعتراض الفئة الصامتة (( قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ )) فالهدف الأول من إنكار المنكرات والاحتساب على الباطل هو ما تعبدنا الله به وهو التبليغ والتغيير قدر الاستطاعة وفق القواعد الشرعية المعروفة ، ثم يأتي بعد ذلك الهدف الثاني وهو ولعلهم يتقون فينتهون ، لعلهم يسمعون ويرعوون.

حسناً ماذا كانت النتيجة ؟ كانت النتيجة حلول غضب الله على الفئة العاصية والفئة الصامتة ، ونجاة الفئة المُنكرة والمُصلحة (( فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ ))

لقد اصطفى الله هذه الأمة حين بعث فيها أفضل أنبيائه وخاتم رسله وآخر رسالاته وأنزل عليها أعظم كتبه ، وأكمل شرائعه ، ثم أمرها أمراً واضحاً لكل مؤمن بالله ورسوله  (( وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ  الْمُفْلِحُونَ ((كما أنه وصف هذه الأمة بأنها خير الأمم وذكر السبب في هذا الاصطفاء وهذه الخيرية (( كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ۗ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ ۚ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ )) ومتى تخلف هذا السبب فإنه يُسلب منا هذا الوصف. والله سبحانه وتعالى حكم عدل لا يُحابي أحداً ، فمتى تركنا هذا الأمر فإنه سينالنا غضب الله ومقته الذي نال من قبلنا من البشر ، فبنو إسرائيل كانوا في يومٍ من الأيام في المقام الأسمى " وأني فضلتكم على العالمين" فلما خالفوا أمر الله وتركوا ما أمرهم به من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كان جزاؤهم أن لعنهم ومسخهم وأذلهم وغضب عليهم ، فإن وقعنا فيما وقعوا فيه فلن يكون حالنا بأحسن من حالهم.

هذا الكلام المرقوم أعلاه إنما هو للمسلم المستسلم لله وحده ، لينجلي اللبس الواقع عند بعض المسلمين ، الذين إنما كان حصول الخطأ عندهم لجهلهم وليس لاعتراضهم على أمر الله ومراده ، فلأجل هذا كانت مهمتي الاستدلال بكتاب الله وسنة نبيه لأننا كلنا مسلمون مستسلمون لله ولرسوله ، ومجتمعنا مجتمعٌ مسلم يتحاكم لشرع الله وحده دون ما سواه.

قال النبي صلى الله عليه وسلم : والذي نفس محمد بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتأخذن على يد السفيه ولتأطرنه على الحق أطرا أو ليضربن الله قلوب بعضكم ببعض ثم يلعنكم كما لعنهم.

ومن المهم هنا الإشارة إلى أن المنكر المراد هو كل أنواع المنكر ، فيدخل فيه  الظلم والفساد المالي والتبرج والسفور والإختلاط وأي مظهر من مظاهر الفساد التي هي عكس عدل الله ومراده تعالى وتقدس. ولأهمية أمر الإحتساب على أهل الفساد والاخذ على أيديهم فقد أولاه العلماء عبر العصور أهمية قصوى ، وتوقف عنده وتامل فيه العلماء غير المسلمين ، بل استنسخ في بعض الدول الغربية وفق مفهومهم!

وهو ما سأتناوله إن شاء الله في مقال لاحق أُبين فيه أن الحسبة والاحتساب الجمعي ضرورة وركن أصيل في كل منظومة يُراد له النهوض والاستمرارية.

قال حجة الإسلام الإمام الغزالي رحمه الله " إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو القطب الأعظم في الدين وهو المهم الذي ابتعث الله به النبيين أجمعين ، ولو طُوي بساطه وأُهمل عمله وعلمه لتعطلت النبوة ، واضمحلت الديانة ،  وعمَّت الفترة ، وفشت الضلالة وشاعت الجهالة، وانتشر الفساد، واتسع الخرق، وخربت البلاد، وهلك العباد" وقد صدق.

 

 

تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.

التعليقات

تعليقات الإسلام اليوم

 

تبقى لديك حرف