المراهقة المتأخرة

المراهقة المتأخرة

المراهقة المتأخرة
 

دأب الإعلام العربي على إثارة قضية "المراهقة المتأخرة" أو "أزمة منتصف العمر" عند الرجل، من خلال إثارتها في البرامج الاجتماعية والصحية، وكذلك في الأفلام والمسلسلات والأعمال الفنية، حتى أصبح هذا المصطلح قضية ثابتة ومؤكدة ولا جدال فيها في أذهان عامة الناس.
فإلى أي مدى تصل صحة هذا المصطلح، وواقعية هذه القضية؟ وإذا كانت القضية صحيحة أو بها قدر من الصحة.. فكيف يمكن التعامل معها وتجنبها أو على الأقل التخفيف من حِدّتها وتأثيراتها السلبية على الأسرة؟

أمثلة من الواقع

تقول السيدة (س. ر) وهي موظفة بأحد المصالح الكبرى: كانت علاقتي بزوجي قوية، وحينما أنجبت أولادي الأول والثاني كنا نتعاون معًا إلى أفضل درجة.
وكنت سعيدة بعلاقتي بزوجي وأبنائي وبنجاحي في عملي، وزوجي بطبعه كتوم لا يتكلم كثيرًا ويخفي انفعالاته.
لكن الخطأ الذي حدث وأعترف به هو أني تشاغلت بوظيفتي وما يتعلق بها من التنافس والصراعات من أجل الترقية حتى نلت هذه الترقية وهذه الدرجة الوظيفية المرموقة التي كنت أتطلع إليها وأحلم بها.
وبعد الترقية كثرت أعباء العمل، وكثر التأخير والاستغراق في الاجتماعات واللجان.. الخ، ولا أنكر أن اهتمامي بنفسي وملابسي زاد كثيرًا عن ذي قبل، نظرًا لطبيعة العمل، الذي لم يخلُ أيضًا من السفريات والغياب عن المنزل والزوج والأبناء.
كان زوجي يعلن عن تبرُّمه وتأفّفه ولكني كنت أستهين بذلك، حتى فاجأني ذات مرة بأنه تزوّج عليّ، فأعلنت عليه الحرب في كل مكان وطلبت الطلاق وحصلت عليه.
وأنا الآن منفصلة عنه لكني أعترف بأنني أخطأت وأنا سبب ما حدث.
أما السيدة ( ل.م)، ربة منزل، فتقول: انشغلت كغيري من النساء بتربية الأولاد ومسئوليات البيت، وأهملت زوجي خاصة في أوقات امتحانات الأبناء الذين ما زال بعضهم يعتمد عليّ في الاستذكار. كنت أعتقد أنه يقدر لي ما أبذله من جهد في تربيتهم وتعليمهم والتقليل من اعتمادهم على الدروس الخصوصية، تجنبًا لآثارها السلبية ماديًا وتربويًا. وكنت أحرص على ألا أثقل عليه في مذاكرة دروس الأبناء معي، وأترك له حرية مقابلة أصدقائه، ولا ألومه حتى لا يشعر بأني أضغط عليه.
واستمر هذا الوضع عدة سنوات إلى أن فوجئت بأنه أصبح يغير في شكله ليبدوَ أصغر سنًّا، فصبغ شعره وشاربه، وأصبح يُفرِط في الحديث عن المعجبات به، حتى فاجأني ذات يوم بزوجة جديدة، هي سكرتيرته الحسناء التي تصغره بسنوات طويلة.
استجمعت قواي وتحاملت على نفسي وتعاملت مع زواج زوجي بأخرى وكأنه لم يكن. وبقيت الحال على ما هي عليه عامين كاملين، حتى عاد نادمًا واعترف بأنه طلقها وطلب مني العفو عنه، بعد أن خرج من تجربته هذه بألم وندم.
أما أنا فقد اعتبرت الأمر نزوة ومراهقة، لكني وعيت الدرس وأدركت أنني قصرت في أمور معينة ما كان ينبغي أن تحدث.

بين المراهقة الأولى والثانية

تؤكد د. علا سمير أستاذ أمراض النساء والتوليد أن المراهقة المتأخرة موجودة بالفعل لدى قطاع من الرجال, وهي لا تختلف كثيرًا عن المراهقة الأولى؛ لأنها أيضًا مرحلة التغير البيولوجي حيث يجد الرجل نفسه فجأة بشعر أبيض وبعض الترهلات، فيرفض واقعه ويتشبث بالماضي الذي يشعره بأنه مازال شابًا والحياة مازالت في بدايتها أمامه، فتنتج عن ذلك تصرفات صبيانية.
بعض الرجال يمرون بعد هذا السنّ بفترة غير متوازنة يحاولون فيها العودة إلى الوراء والإغراق في تصرفات المراهقة لكي ينفوا تهمة الكبر ويثبتوا لمن حولهم أنهم مازالوا شبابًا. وهذه التغيرات تحمل الزوجة مسئولية زائدة للتعامل معها والتخفيف منها وتهميشها والتقليل من انعكاساتها.
الفارق الوحيد بين المراهقة الأولى والمراهقة المتأخرة هو أن الأولى يكون مسرحها الأهل والأبناء، بينما الثانية تكون بين الزوج وزوجته.
إنها مرحلة حرجة لكل من الزوج الذي يبحث عادة عن استرجاع صباه مع فتاة صغيرة تعيد إليه شبابه، والزوجة هنا تفاجأ بمشكلة عاطفية تمسّ كيانها وكيان أسرتها، وغالبًا ما تفرز هذه المرحلة حالات انفصال بعد سنوات عديدة من العشرة والحياة المشتركة وتقاسم المسئولية.
وعلى الجانب الآخر فإن معظم النساء في هذه المرحلة يعتبرن أنهن تَعدَّيْن مرحلة الخصوبة والعطاء واجتزن مرحلة الإشباع, خاصة بعد أن يكبر الأولاد. وهو ما يغضب الرجال الذين يعتبرون أن الشباب شباب القلب وليس السنّ، فهم مازالوا في أوج عطائهم، وزوجاتهم يعملن على جرهم إلى الشيخوخة قبل الأوان. ما يثير المشاكل والفتن ويعلو صراخ الزوجة متهمة الزوج بالتصابي، بينما يتهمها هو بأنها تستهين بمشاعره ومتطلباته.

ردّ فعل!

د. محمد السمنودي استشاري الطب النفسي يرى أنه في أحيان كثيرة تحدث مراهقة الأب كردّ فعل على مراهقة الابن، حيث تثار حفيظة الأب لدى رؤيته للشباب المفعم في ولده وتمرده المفاجئ سواء في طريقة تصرفاته وسلوكه أو في ملابسه، فيوقظ فيه شبابًا وذكريات وبطولات ولّت، وينتفض لفكرة أن ذلك جزء من الماضي، فيتمرد بطريقته الخاصة على شعره الأبيض وشكله الجديد، فيصبغ الشعر، وتصبح المِرْآة صديقته الجديدة، فيقف أمامها بالساعات يحلق ذقنه ويدلك بشرته ويسرح شعره ويتعطر بأغلى العطور ويرتدي الملابس الأنيقة، ثم يمضي لاستعراض شبابه الجديد مع فتيات بعمر ولده، ليثبت لنفسه وللآخرين أنه ما زال قويًا، ولسان حاله يردد أن الحياة عنده تبدأ بعد الأربعين، وقد أفنى عمره في خدمة الأسرة والآن حان دوره لينهل من الحياة ويعوض ما فات.
ويضيف د. محمد السمنودي أن على الرجل أن يعلم أن لكل مرحلة سنية جمالها الخاص وسلوكها ومشاعرها اللائقة بها، وقد يصاحب هذه المرحلة تذبذب وتردد ومحاولة لإثبات الذات.. ويجب أن تكون لديه القدرة والدافع القوي لاستكمال مسيرة حياته مع شريكته.
والإيمان والأخلاق هما أفضل الأسلحة لمواجهة تقلبات هذه المرحلة من دون وقوع مشاكل أو منعطفات تؤثر في حياته الأسرية.
وعلى الرجل الذي يشعر بتقلبات وتحولات المراهقة الثانية أن يستشعر مسئولياته كأب وقدوة لأبنائه حتى لا يؤثر فيهم ويشعرهم بالاكتئاب والحزن نتيجة لاهتزاز ثقتهم بمثلهم الأعلى.

لغير الناضجين فقط

د. نيفين غراب أستاذة علم النفس تقول: في بداية الزواج يكون الزوج دائمًا محور اهتمام زوجته، ثم تمرّ السنوات ويقل اهتماماتها به، بعد أن أصبحت مسئولة عن أعباء جديدة تستغرق وقتها، فيتراجع دوره في قائمة أولوياتها، وتطرأ حالة برود بين الزوجين، فقد تهمل الزوجة زينتها وأناقتها وتنشغل عن الزوج عندما تزداد عليها المسئوليات، سواء في المنزل أو خارجه، وهذا قد يجعل الزوج يهرب إلى الأصدقاء والمعارف والمقاهي، أو قد يعاني نفسيًا أو عصبيًا أو صحيًا، الأمر الذي قد يؤثر سلبًا في علاقته بزوجته، وبدلاً من أن يعرض نفسه على طبيب، فإنه يخطط للزواج بأخرى ليؤكد لزوجته أنه بكامل صحته، أو يلجأ إلى التحايل على نفسه بتغيير مظهره للفت الأنظار إليه وليؤكد أنه ما زال مرغوبًا من الجنس الآخر.
مراهقة الرجل في سنّ متأخرة قد تكون نتيجة لشعوره برتابة الحياة الزوجية، أو لفشل الزوجين في الاهتمام بحياتهما بالشكل السليم فيطغى عليها الملل والرتابة. والمراهقة المتأخرة قد تصيب الزوجين وليس أحدهما، فيبحث كل منهما عن طرف آخر يفهمه. وهذا الأمر ينتج عن التفكك العائلي واختلاف طريقة التفكير بين الزوجين.
المراهقة المتأخرة تحدث لدى الرجل غير الناضج الذي لا يشعر بالمسئولية، وكذلك لدى الزوجة غير الناضجة. فالذي خاض معترك الحياة بحلوها ومرها، لا يمرّ بمرحلة المراهقة؛ لأنه أصبح أكثر نضجًا، فتكون تصرفاته أكثر رزانة وعقلانية.

تغيرات مرضية

د. محفوظ الجوهري أخصائي الطب النفسي فيقول: فترة المراهقة مرحلة معقدة وأساسية في النمو النفسي والعقلي والعاطفي والجسدي، وتصاحبها تغيرات نفسية وسلوكية وجسدية لكي يصل الإنسان لمرحلة النضج، وهذا النضج سيكون من أهم وظائف الجهاز العصبي المركزي أي الدماغ وهي "الفعاليات العقلية العليا" التي ينفرد بها الإنسان دون الكائنات الحية الأخرى وهي عملية معقدة ومتطورة جدًا لا يضاهيها كائن آخر، والمقصود بالفعاليات العقلية العليا، الغرائز والعواطف والاستجابات الحسية والتذكر المعقد والنسيان البسيط وقابلية التعلم بشكل كبير وتخزين المعلومات والذكاء والشخصية والتعامل الاجتماعي المتطور وتوجيه الغرائز بالشكل السليم وكذلك العواطف (التعبيرية والشعورية) وتوجيهها إلى أهدافها المنطقية السليمة وتقدير الأمور والمواقف والسلوك الاجتماعي المعقد في الحياة، وتعلم المفيد والتصرف به بشكل ذكي، وتوفير عوامل الشخصية القادرة على العمل بمسئولية وإنتاجية كاملة بعد العام العشرين من العمر للتصرف باستقلالية عالية في الحياة. وكون هذه المرحلة من النمو النفسي والعضوي من المراحل المهمة والمعقدة من تطور وتكامل الإنسان، فمن الممكن أيضًا أن يصاب بتباطؤ أو قصور في النمو أو الانحراف عن مساره الطبيعي، ومن الممكن جدًا الرجوع إلى هذه الحالة في الكبر وما يسمى بالمراهقة المتأخرة.
وقد يتوقف هذا النمو العقلي والعاطفي والسلوكي في أية مرحلة من مراحل المراهقة مما يؤدي إلى تصرفات سلوكية وجدانية وعقلية واجتماعية وشخصية قاصرة بدرجات متفاوتة في الفترة المتبقية من عمر الإنسان، ويتصرف الشخص كالمراهق تمامًا، وفي بعض الأحيان يتأخر هذا النضج لما بعد العشرين وربما لما بعد الثلاثين أو حتى الأربعين عامًا من العمر.

وهم وليست حقيقة

أما د. رضا عز أستاذ التاريخ الإسلامي فيعترض على الظاهرة من الأساس ويرفض وجودها قائلاً: نحن نعيش في مجتمعاتنا منذ خمسين عامًا ولا نرى هذه الظاهرة إلا بصورة شديدة الندرة، وهي لا تكاد تكون موجودة، فالناس مطحونون ويتفانون من أجل الوصول بأسرهم إلى برّ الأمان في هذه الأزمات الاقتصادية الرهيبة خاصة في زمن الخصخصة والعولمة.
وإذا كانت هناك حالات نادرة لهذا الموضوع فإنها تحدث عند الأغنياء والمرَفّهين. فالحالة المادية وحالة الرخاء الاقتصادي وتغير نمط الحياة وما فرضته وسائل الإعلام من عادات جديدة وقيم هي سبب من أسباب ظهور حالات المراهقة المتأخرة.
ويعتقد د. رضا عزّ أن وسائل الإعلام باتت تركز على مفاهيم أزمة منتصف العمر والمراهقة المتأخرة وهي وهم وليست حقيقة، مثلما تفعله وسائل الإعلام مع ظواهر أخرى، فهي تضخم ما لا يستحق التضخيم، وفي نفس الوقت تهون وتقلل من شأن الأمور الهامة والمؤثرة.
وهكذا فإن المراهقة المتأخرة، كما يراها د. رضا عزّ، صورة جديدة خاطئة أفرزتها وسائل الإعلام وروجت لها، حيث أظهرتها على أنها أمر طبيعي ومن لوازم المرحلة السنية، مع العلم بأن الإعلام يستخدم أسلوبًا غير علمي في معالجة الظواهر الاجتماعية المبالغ فيها، مما يجعل الأمر يأتي بنتائج عكسية في كثير من الأحيان، كما هي في حال الإدمان التي يتعلم منها بعض الشباب أساليب جديدة من خلال الأفلام والمسلسلات.
وقد أثبتت الدراسات أن التلفزيون ساهم في انتشار الجريمة والعدوانية وغيرهما بسبب محاربته إياهما بارتجال، والأمر ذاته يحدث بالنسبة إلى موضوع "المراهقة المتأخرة" وهي المرحلة التي لم نكن نسمع بها من قبل، ولذلك على الإعلام عرض نماذج للرجال الجادين والمهتمين بأسرهم وقضايا مجتمعهم.
وعلى العكس مما يروج له فإن علماء الاجتماع يقولون: إن الرجل في هذه المرحلة العمرية تكتمل رجولته وتتزن تصرفاته وتقوى لديه حالة العطاء والتفاني. فهذه مرحلة مهمة في الإنتاج وتربية الأبناء ومراجعة النفس ومحاسبتها لا مرحلة مطاردة النساء ومحاولة إعادة الزمن إلى الوراء.

تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.

تعليقات الإسلام اليوم

 

تبقى لديك حرف

   

التعليقات

  1. 1 - ............... مساءً 08:49:00 2011/01/03

    صدقتو