دفع الربيع العربي بالمرأة مرة أخرى للساحة السياسية, بعد أن تم اختزال دورها, رغم أن الإسلام لم يحرم هذا مطلقًا، فها هي شمس حرية الإسلام تعود للمرأة من جديد، ولكن هل يتقبل المجتمع وجودها في دنيا السياسة؟ وهل يتقبل السياسيون مزاحمتها لهم؟, من هذه التساؤلات كان هذا التحقيق.
حسب المجتمع
أشار حسونة جيدارا (ناشط تونسي) إلى أن النظرة للمرأة تختلف من مجتمع لآخر, فبالنسبة للمرأة التونسية فالطبيعي أن لها دور فاعل في الحياة المدنية والسياسية وتمارس حرياتها في العمل والمشاركة بكل حرية.
وفي الحقيقة المرأة التونسية لم تكن كذلك منذ 60 سنة خَلَت, إنّما تحرر المرأة وخروجها ومشاركتها يعود لسياسة الرئيس المخلوع الأول وهو الحبيب بورقيبة الذي ندد طويلاً بتقييد المرأة, رغبة منه في تغريب الشعب التونسي, من ذلك العهد تدرَّجت المرأة في مشاركتها وفاعليتها في المجتمع إلى أن أصبح لها نفس دور الرجل, تعمل معه جنبًا إلى جنب, في الميادين والقطاعات الخاصة والعمومية, وفي مشاركتها في المجلس الوطني التأسيسي, ومن عوامل حضورها في هذا المجلس: قرار الحكومة الانتقالية التي نظمت الانتخابات بمبدأ التناصف الذي فرضته على كل الأحزاب أي في عدد الرجال والنساء في القوائم الانتخابية.
وأكدت عواطف محمد (ناشطة تونسية) أنَّ "المرأة كانت تقاتل في الغزوات القديمة أيام الفتوحات جنبًا إلى جنب مع الرجل, وكانت تتاجر وتعلّم وتقاضي أيام النهضة العربية, ولا يمكن أن تظل في الصف الثاني, والنموذج التونسي هو خير نموذج, فنسبة 30% ممن يقررون مصير تونس نساء و50% ممن ترشحوا لتأسيس تونس نساء".
المرأة والإسلاميون
وقال عبد الرحمن فتحى (عضو حزب الحرية والعدالة المصري) إلى أنَّ "وجود المرأة في البرلمان أصبح ضروريًّا؛ فهي لا تختلف عن الرجل فيما ينتظر منها من أداء رقابي أو تشريعي"، ويرى أن وجودها خاضع لاستحقاقها ذلك الوجود من خلال توفر إمكانات تجعلها أهلا لتحمل تلك الأمانة، فليس الوجود متعلق بكونها امرأة، كما أن وجودها ليس تمثيلًا للمراة وإنما تمثيلًا لأهل الدائرة المنتخبة لها، ورغم قلة النماذج الموجودة التي ينطبق عليها هذا المنطق إلا أنها موجودة ولابد أن تزيد.
وقالت إيمان حجازى (ناشطة مصرية): "إنَّ المرأة لها دور أساسي ومهم وفعال في السياسة, ولكن هل السياسة هي فقط نزول المرأة إلى معترك الحياة السياسية والبرلمانية فقط؟ لا، السياسة بالنسبة للمرأة مختلفة المنظور ومفهومها شامل عن هذه الزاوية المحصورة, السياسة بالنسبة للمرأة من وجهة نظري أولًا وأخيرًا تنشئة مجتمع مؤهل لمقابلة الحياة".
وأضافت: "هذا يدعنا نرى الصورة, بأنَّ على المرأة فرض نفسها إذا أرادت أن يكون لها دور, لأن الطريق ليس مفروشًا أمامها بالورود, ولم يعد ممهد بالطبع, فالأغلبية في المجلس القادم سوف ترحب جدًا بعودة المرأة للبيت, فإن لم يكن للمرأة دور مميز يفرض وجودها على المجتمع, فسوف تنكمش وتتضاءل وتعود سريعًا الى مخدع الحريم وراء المشربية".
أما محمد أبو المجد (عضو حزب الحرية والعدالة المصري) فقد رأى أنَّ "تشجيع المرأة على خوض الانتخابات والمشاركة فى العمل السياسى منهجًا إخوانيًّا ليس وليد اللحظة؛ فقد سبق وفعلتها جماعة الإخوان إبان النظام السابق وقبل إقرار كوتة المرأة.. والتطورات الأخيرة على الصعيد الإنساني والدولي تقتضي بأنْ يكون للمرأة مشاركة في العملية السياسية وفي القلب منها التشريعية.. وأعتقد أنَّ المرأة سيكون لها دور في البرلمان القادم".
وأكد أحمد جمال (ناشط سياسي) على أنه لولا الثورات التي حدثت لما ظهر دور المرأة, فقد شجعتها على المشاركة, وبينت أنها قادرة على أن يكون لها دور فعال مؤثر, لأن المجتمع بأسره مازال تفكيره لم يتغير, لكن في نسبة كبيرة بدأت تغير تفكيرها وتتقبل المرأة, بل وبالعكس تؤمن بدورها, بالإضافة لذلك المرأة لم تنتظر أن يؤمن أحد بدورها, لكن هي من فرضت نفسها بجهدها ومشاركتها الفعالة والمؤثرة والتي كان لها دور كبير أجبر العالم الغربي المنفتح على أن يحترمها, مثل توكل كرمان مثلًا وغيرها من النساء التي برزت أسمائهم في الربيع العربي.
وأعرب الدكتور عماد عبد الغفور (رئيس حزب النور المصري) عن أمنية الحزب في مشاركة المرأة بكل مجالات الحياة الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والسياسية وغيرها عملًا بشريعة الإسلام، وضرورة تفعيل دور المرأة في الانتخابات استجابة لما أصدره العلماء المسلمين عن الفتوى بجواز ترشح المرأة للانتخابات .
فيما أكد محمد ماهر )عضو بحزب النور المصري) بأنه مقتنع تمامًا أنَّ المرأة لها دور كبيــر وبارز فى حياتنا السياسية والاجتماعية وحتى الثقافية, وكما أن دورها مهم جدًا فى المجلس، وهذه الفترة بالذات تحتاج لعقلية المرأة ومشاركتها على الصعيد السياسي, حيث تغيرت المفاهيم المجتمعية في تقبله لوجودها طبقًا لتغير الوقت وهذا ما أثبتته خلال مشاركتها في الثورة والانتخابات.
أكبر من البرلمان
وأوضح الدكتور أحمد عبد الله (طبيب نفسي) أن التغييرات التي مورست خلال فترة الربيع العربي أحدثت فارقًا كبيرًا لدى المجتمع، وأكد على أنَّ المرأة بمشاركتها في الربيع العربي دفعت بنفسها إلى الظهور على الساحة بشكل أكبر وفعال, كما كان في السابق, معلنة بأنها قادرة على التواجد في أماكن أخرى غير العمل العام، وهذا ما وضح جاليًا عندما اقتحمت المرأة العمل السياسي "البرلمان", وتقبلها المجتمع بعدما شاهدها ترسم مستقبل جديد للوطن، ومازال هناك شريحة من المجتمع ترفض وجود المرأة على الساحة السياسة, مدعين بأنَّ ما تقدم عليه المرأة يعد حرية على حساب الرجل.
وأشار بأنَّ تمثيل المرأة في البرلمان يعد من أتفه الأشياء, حيث أنها خاضت ما هو أصعب من ذلك بمشاركتها كمواطنة مثلها مثل غيرها في الثورة التي اجتاحت بعض بلدان الوطن العربي.
وقال عادل عبد الله هندي (عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين): "العمل العام ليس مقتصرًا على الرجال, ونلاحظ في سنة الرسول صلى الله عليه وسلم أنه كان هناك نائبة عن الانصار كانت تتحدث باسمهم, وهي أسماء بنت يزيد, وكثير من الصحابيات كن يشاركن في العمل العام, وكانوا يتحدثوا مع رسول الله في حقوق المرأة ويبحثن عن حقوق النساء، إذًا فالمرأة يجب شرعًا أن تشارك إذا وجد من يكفها هذا الحق, بمعنى إذا توفرت امرأة تتحدث باسم الناس في أي مجال أو أي مجلس فلا بأس به.
وبين هندي أنَّ هناك ضوابط شرعية لعمل المرأة السياسي, منها عدم وجودها خلوة, وليس المقصود وجود محرم كما تحدث عنها الكثير ولكن التواجد وسط جموع الناس، فقد أجاز بعض العلماء سفر المرأة وحدها لو كانت معها صحبة مأمونة.
ومن الضوابط أيضًا, ألا يوجد تميع في القول "فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَّعْرُوفًا" خاصةً في المشاركات العامة والعمل العام, وأن تحترم آداب التحاور وآداب المعاملات العامة وآداب الخلاف وآداب الحوار مع الآخرين.