آخر تحديث الساعة 15:36 (بتوقيت مكة المكرمة)

قسوة الرحيل

السبت 17 محرم 1434 الموافق 01 ديسمبر 2012
قسوة الرحيل
 

ولكني لم أتزوج، لم أبنِ بيتي الجميل، لم أحقق أحلامي، لم أستمتع بأولادي

هذه كلمات قليلة من كلمات كثيرة نراها ونسمعها ونشاهدها ونعيشها، ولكنها في النهاية لا توقف موكب الرحيل الذي لا يتوقف.

أرى الرحيل أمرًا شديدًا قاسى الشدة

إنه فراق بعد لقاء، حين تأتي لحظة فيرحل الواحد منا عن أهله، عن بيته، عن أولاده، عن سيارته، عن ثيابه، عن بريده الإلكتروني، عن موقعه المفضل؛ فيصير ذكرى، ويحمل لقبًا جديدًا غير كل ألقاب الدنيا، شيء مفزع مرعب أن نفارق من نحب وما نحب.

والغريب أنه مع اختلاف البشرية على أشياء كثيرة إلا أنها اتفقت على الرحيل

على كونه لزامًا أن يحدث، وأن يكون، وأن يأتي. ولكن ما امتاز به سلفنا الصالح استعدادهم لهذه الفكرة، جهدهم في صناعتها، حركتهم نحوها، تفكيرهم فيها، كان الرحيل نقطة ارتكاز حياتهم، يصحون وينامون وهم فيها يعيشون، ومن أجلها يتحركون، فلا يهنئون في دنياهم، وأنَّي لهم ذلك فالرحيل شغلهم الشاغل.

وانظر معي إليه صلى الله عليه وسلم وهو نائم على حصير

قد أثَّر في جنبه، وظهر أثر خشونته على جسده الشريف، لا دنيا تشغله، ولا بيت واسع يلهيه بناؤه، ولا سيارة أو إبل وغنم تأخذ بلب عقله؛ إنه الرحيل وفقط، الدار الثانية، ولهذا كان رده صلى الله عليه وسلم عندما سأله الفاروق عمر: لو اتخذت فراشًا أوْفَر من هذا؟ فقال صلى الله عليه وسلم: (مالي وللدنيا؛ إنما مثلي ومثل الدنيا كمثل راكب قال -أي نام- في ظل شجرة، في يوم صائف، ثم راح وتركها). [رواه الترمذي وأحمد، وهو صحيح].

غرقٌ في الفكرة

رباه! ألهذا الحد غرق هؤلاء في هذه الفكرة، فأخذت بلباب فكرهم، فشغلتهم عما سواها؟! نعم قد كان. وإليك صورًا من أناس أخذ التفكيرُ في الرحيل منهم كلَّ مأخذ:

هذا سيدنا عطاء السلمي؛ عندما دخلوا عليه يعودونه في مرضه سائلين: كيف ترى حالك؟ فيجيب إجابة رجل لا هم ولا فكر له إلا في الرحيل: (الموت في عنقي، والقبر بين يدي، والقيامة موقفي، وجسر جهنم طريقي، ولا أدري ما يفعل بي). ثم يبكي بكاءً شديدًا ويقول: (اللهم ارحمني، وارحم وحشتي في قبري ومصرعي، وارحم مقامي بين يديك يا أرحم الراحمين).

وعش مع كلمات رجل "نموذج" في الغرق في فكرة الرحيل، وهو ابن السماك: (إن استطعت أن تكون كرجل ذاق الموت، وعاش ما بعده، ثم سأل الرجعة، فَأُسْعِفَ في طلبه، وأُعطِيَ حاجته، فهو متأهب مبادر؛ فافعل. فإن المغبون من لم يُقَدم من ماله شيئًا، ومن نفسه لنفسه).

ويقول خامس الخلفاء الراشدين عمر بن عبد العزيز: (لو فارق ذكر الموت قلبي ساعة لفسد).

ثم انظر إلى كلمات الرجل الصالح الربيع بن خثيم وهو يقول: (لو غفل قلبي عن ذكر الموت ساعة واحدة لفسد قلبي).

لكن ماذا لو تذكرنا الرحيل؟!

إن ذكر الموت والرحيل عن الدنيا واحدٌ من أنفع أدوية القلوب وأسباب حياتها وصلاحها؛ ولهذا المعنى الرائع الذي يسعى إليه كل محب لآخرته كان النبي صلى الله عليه وسلم يُوصي بالإكثار من ذكر الموت فيقول: (أكثروا ذكر هاذم اللذات).

أكثروا ففي الإكثار حياة القلوب، وعدم تعلقها بالدنيا، والاستعداد كل الاستعداد للآخرة.

وقد سأل رجل عالِمًا عن دواء لقسوة القلوب، فأمره بعيادة المرضى، وتشييع الجنائز؛ ففي هذا قرب من فكرة الرحيل.

ولو ذهبنا لكتاب "إحياء علوم الدين" الذي فيه الحياة لوجدنا كلمة دقيقة رائعة الدقة يخاطب الإمام الغزالي نفسه بها: (يا نفس، لو أن طبيبًا منعك من أكلة تحبينها لا شك أنك تمتنعين، أيكون الطبيب أصدق عندك من الله؟).

رائع أيها الإمام برائعتك تلك.

ولكنه ليس يأسًا

ولكن لحظة يا سادة قبل أن نفترق. ليس معنى أن نغرق في الرحيل ونجهد أنفسنا في صناعته بكل ما نملك من أعمال بر وخير وإحسان أن نترك دنيانا يسودها اليأس والتشاؤم أو أن نترك الدنيا بما فيها للظُّلَّام يظلمون والطغاة يطغَون. كلا وألف كلا، إن فى استعدادنا للرحيل عمارة الآخرة بعمارة الدنيا. ألا تذكر معي سلفنا الصالح مع تواصيهم بتذكر الموت والاستعداد له فتحوا مشارق الأرض ومغاربها، وسادوا الدنيا بطاعة الله، وجاءهم الموت فكانوا أفرح بقدومه من الأم بقدوم ولدها الغائب حتى وجدنا منهم من يقول وهو على فراش الموت: (غدًا نلقى الأحبة، محمدًا وحزبه) والله أعلم.

تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.

التعليقات

  1. 1 - أم سلمى مصر ًصباحا 01:16:00 2012/12/09

    السلام عليكم مقال رائع بارك الله فيكم

  2. 2 - أم حمزة ًصباحا 07:24:00 2012/12/13

    نحتاج من حين لأخر من يذكرنا بالموت فلقد قست قلوبنا ....الله يبارك فيكم ونفع بعلمكم...

  3. 3 - hiba مساءً 09:54:00 2012/12/13

    nice

تعليقات الإسلام اليوم

 

تبقى لديك حرف