آخر تحديث الساعة 06:03 (بتوقيت مكة المكرمة)

الأسرة سلعة بائرة في مزاد القيم الغربية الفاسدة

الثلاثاء 19 صفر 1424 الموافق 22 إبريل 2003
الأسرة سلعة بائرة في مزاد القيم الغربية الفاسدة
 
- الإحجام الاختياري عن الزواج أقوى دليل على أن نظام الأسرة مهدد بالفناء والانهيار..!
- الوصول بالمجتمع الإسلامي إلى مرحلة الحداثة والعدمية مسألة وقت لا مسألة مبدأ..
- تجاوز التفكير الاقتصادي في العنوسة والعزوبية ضرورة والمستقبل قاتم ما لم نتدارك الأمر..!
-مقاومة الفطرة لا يورث سوى التعاسة والوحدة، والمسلم الحق لا يرضى بأن يتبرأ منه رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.
- القائمون على وسائل الإعلام متأثرون بالغرب، ويروجون قيمه الأسرية في الأعمال الدرامية.
- قبل خمسين عامًا قالت أم لابنتها وهى تنظر إليها بحب شديد: أدعو الله أن يعطيني عمرًا حتى أفرح بك عروسًا وأزفك إلى بيت زوجك.
- بعدها بعشر سنوات تقدم شاب طيب لفتاة جامعية، فرفضت مجرد التفكير في الأمر قبل الحصول على شهادتها وقالت لأبيها: سلاح البنت علمها، وظل الرجل لا يمنح - وحده- الحماية للمرأة!؟ ووافقها أبوها وهو يربت على ظهرها فخرًا.
- ومرت عشرون عامًا لتحصل إحدى الفتيات على شهادتها الجامعية بتفوق وتهنئها أمها قائلة: مبارك يا حبيبتي، وعقبى الماجستير والدكتوراه.


- ماذا تعني هذه اللقطات التي حدثت في بيت ما - أي بيت عربي مسلم -؟


إنها دليل على أن الزواج لم يعد حلمًا للفتاة، وأن دور الزوجة والأم لم يعد مصدر فخر للبنت، وأن قيمة الأسرة تتراجع حتى توشك على الانهيار، ففي مصر وحدها هناك ستة ملايين امرأة وفتاة يعشن بلا رجل، بين مطلقات وأرامل وعانسات ومعلقات (رفعن على أزواجهن دعاوى طلاق ومازلن ينتظرن الحكم)، والإحصائية المصرية مجرد نموذج للواقع العربي المهدد باهتراء نسيجه الاجتماعي بعد أن صارت «الأسرة» هدفًا مؤجلاً أو غائبًا عند فتيات ينشدن استقلالاً اقتصاديًا عن الرجل، ورجال يريدون حياة بلا قيود أو مسؤوليات أسرية.
صارت العنوسة والعزوبة «اختيارًا» عن قناعة شخصية، ولم يعودا وضعًا استثنائيًا تفرضه ظروف اقتصادية أو اجتماعية قتلت بحثًا ولم يتغير شيء.


لا ضرورة

ولنقرأ معًا آراء قصيرة، تلخص مواقف شباب وفتيات تجاوزوا سن الزواج ولا يشعرون بأدنى قلق:

ـ أمير سعد - مهندس - 38 عامًا

«أخي المطحون، وأختي التي لا تزورنا إلا واقفة لأنها لا تستطيع أن تغيب عن زوجها وأطفالها، يجعلاني أسعد بوضعي، ولا أفكر في الزواج وأختار البقاء مع أمي التي لم يعد لها سواي.

ـ نرمين فتح الله - طبيبة أسنان - 32 عامًا

لماذا يكون دور الزوجة والأم أسمى أدوار المرأة، بينما للرجل أن يكون زوجًا وأبًا، وأيضًا عالمًا، وباحثًا، ومبدعًا، و... و... و... أشياء أخرى غير دور المسؤول عن أسرة فقط؟
إن اختزال حلم البنت في الزواج فقط منتهى الظلم الذي عاهدت نفسي أن أكسر طوقه ولا أشعر بأن شيئًا ما ينقصني.

ـ خالد مصطفى - محاسب - 41 عامًا

لم أتزوج؟ وأمي تطهو لي طعامي وتغسل ملابسي، وأصدقائي وهواياتي يملؤون وقت فراغي، ومشكلاتي ومتاعبي أناقشها مع أمي والمقربين إلى،َّ وأطفال شقيقاتي يمنحونني إحساس الأبوة الجميل، أما الإعفاف فلا أعتقد أنه سيتحقق لي إلا مع زوجة أجد فيها كل ما أنشده من النساء باطنًا وظاهرًا، وهذه لم أجدها حتى اليوم، أو بمعنى أصح لم أجهد نفسي في البحث عنها لأنني لا أجد لهذا ضرورة.


أعمق من ذلك


ـ أماني الشبراوي - مهندسة كمبيوتر - 36 عامًا

خطبت ثلاث مرات، وأعفي نفسي من ذكر أسباب فشلها، وقد أكدت لي تجاربي الثلاث أن الرجولة الحقة عملة نادرة، وأن المرأة يمكن أن تشعر بالوحدة وهي في كنف رجل يخذلها، ويتخلى عنها، ولا يقدر مشاعرها، ويمكن أن تكتفي بذاتها حين تكون قوية قادرة على حماية نفسها وتحقيق طموحاتها، ولذلك قررت التفرغ لعملي والسعي للنبوغ فيه، فخير لي أن أكون مهندسة كمبيوتر ناجحة وعانسًا، من أن أكون زوجة فاشلة محطمة.
أسأل د. عبلة الكحلاوي - أستاذة الفقه بجامعة الأزهر والداعية الإسلامية - عن دلالات الإحجام الاختياري عن الزواج فتقول: أوافقك على أن قيمة الكيان الأسرى المتماسك، التي تميز الإسلام في رؤيته للعلاقة المثلى بين الرجل والمرأة تتراجع لصالح مفاهيم أخرى كتحقيق الذات، والحرية، والصداقة بين الجنسين، والزواج المُثلي «زواج رجل برجل أو امرأة بامرأة» (والعياذ بالله)، ولكنني لا أرى أن مجرد رد الاعتبار لقيمة الأسرة يمكن أن يحل المشكلة، فالقضية أعمق من ذلك بكثير، وتغريب المجتمع الإسلامي والوصول به إلى مرحلة العدمية والتفكك بدعوى «الحداثة» صار مسألة وقت، فالاختلاف بين علمانيي العرب، وعلمانيي الغرب صار في التساؤل متى نصل بالمجتمع العربي للعدمية والتشبه الكامل بالمجتمع الغربي؟، وليس في، هل نصل به إلى هذه المرحلة أم لا؟
والمتأمل لفكر الحداثة -الذي تم تجنيد مفكرين عرب لنشره في أوساط مواطنيهم- يجده فكرًا فرديًا يعلى الذاتية والحرية الشخصية، ويحاول إلغاء قيم الغيرية والتكافل والحرية المسؤولة، ولما كانت الأسرة كمنظومة إسلامية مثالية هي أصلح مناخ تتجلى فيه هذه القيم؛ فإن التركيز كله اليوم على تفكيك هذه المنظومة وتشويهها، وإحلال مفاهيم انحلالية مكانها بدعوى الحداثة -التي تساءل بعض المفكرين العرب الغيورين على القيم، ولا أقول العقيدة- عن مدى ضرورة الترادف بين الحداثة والتغريب ولم يجبهم أحد!

فوق رؤوس الجميع

أما الأستاذة زينب عفيفي - مديرة المركز الدولي لدراسات المرأة بالقاهرة - فتؤكد أن على المحللين الاجتماعيين والمفكرين المهتمين بقضايا المرأة والأسرة أن يتجاوزوا مرحلة التفسير الاقتصادي للعنوسة والعزوبة بمعنى ربطهما بغلاء المهور والتكاليف الباهظة للزواج ويتوقفوا بتمعن عن الرؤية الاجتماعية والثقافية للقضية فالعنوسة انتشرت أيضًا في الأوساط الراقية الموسرة، وهذا يدلل على أن فكرة الزواج وتكوين أسرة هي نفسها التي صارت محل نظر وليس إجراءات هذا الزواج وتكاليفه.
وتضيف أن بعض العاملات الإسلاميات في مجال المرأة بصدد إنشاء الملتقى الفكري للمرأة المعاصرة بهدف إبداع خطاب جديد في المجال الأسرى يكشف المخططات ويحرر المصطلحات ويحدد بدائل الحركة.
وتشير إلى أن هذا الملتقى لا يتبنى رؤية صراعية بين الرجل والمرأة بل يخاطب الرجل لتحسين الشكل الإسلامي الأمثل لعلاقته بالمرأة.
ويصف د. أبو اليزيد العجمي - أستاذ الفلسفة الإسلامية بجامعة القاهرة - موقف بعض الشباب والفتيات الرافض للزواج بأنه مقاومة قسرية للفطرة، فقد جعل الله من عناصر ربوبيته واستحقاقه للعبادة أنه خلق الناس من نفس واحدة، فقال تعالى: {يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالاً كثيرًا ونساء...} (النساء: 1).

أيهما أخف ضررًا؟

فالنزوع إلى تكوين أسرة، والعودة إلى «التوحد» مع من خلقه أو خلقها الله من نفس واحدة أمر فطرى لتحقيق سنة الاستخلاف وإعمار الكون، والرجل كل يحمى الجزء، والمرأة جزء يجد نفسه في العيش في كنف الكل ورعايته وقوامته.
ومقاومة الفطرة تذرعًا بمنطق غريب مدسوس علينا لا ثمرة له إلا الشقاء والوحدة والتعاسة، كما أن المسلم الحق لا يرضى أن ينطبق عليه قوله -صلى الله عليه وسلم-: «النكاح من سنتي فمن رغب عن سنتي فليس منى..» ولا يرضى أن يتبرأ منه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويسير هو وحده في طريق التغريب والحرية المغلوطة والنظرة المشوهة إلى العلاقة المثالية بين الجنسين.
وحول الدور الإعلامي غير المباشر في خلق خاطر نفسي بين المتلقى والزواج، وحمل بعض المشاهدين على رفض فكرة تكوين أسرة من خلال الأثر الإعلامي المتراكم.
ويرصد د. محمد سمير فرج - أستاذ علم النفس والمتخصص في سيكولوجية الشخصية المصرية بعض الصور السلبية للعلاقة الزوجية في وسائل الإعلام.
فالمسلسلات تتناول الأعراض السطحية للمشكلات الزوجية ولا تقدم حلاً عمليًا - يتلاءم مع القيم - لها، وفى حالة الأشخاص ذوى القابلية السريعة للإيحاء والاستهواء، يحدث التوحد مع أبطال المسلسل، ويتبنى المشاهد سلوكياتها فتتفاقم المشكلات الزوجية على أرض الواقع.
ويؤكد د. سمير فرج أن معظم المسلسلات تقدم حلاً حادًا للخلافات الزوجية هو الطلاق، رغم أنه حلال بغيض، وله شروط ومحددات شرعية، ويحمل هذا الحل قيمًا جذابة فهو تربية للزوج، وتحقيقًا لكرامة الزوجة وحريتها والتنازل عنه تفريط في كرامتها.
وتصور أعمال أخرى العلاقات قبل الزواج كشرط لنجاحه؛ لأنها تمنح الفرد الخبرة بالطرف الآخر.
ويتم شحن المسلسل بمواقف جذابة تحبب المشاهد في مثل هذه العلاقات - خاصة إذا قدم المسلسل صورة لحياة زوجية فاشلة - في الوقت نفسه لأن الطرفين لم يعيشا علاقات حرة قبل الزواج.
ويقترح أن تتم مراجعة العمل قبل عرضه بواسطة متخصصين في العلاقات الأسرية وعلم النفس والأخلاق للحكم على العمل ومدى استحقاقه للعرض وتلاؤمه مع القيم.
حيث إن معظم القائمين على تناول العلاقات الأسرية في وسائل الإعلام متأثرون بالثقافة الغربية بشكل غير مباشر ويروجون قيمها في أعمالهم.
إن الذين يشوهون قيمة الأسرة، ويهونون من شأنها ليسوا متآمرين علينا فحسب، وإنما متآمرون معنا أيضًا، فكم من أسر لم تكن نموذجًا طيبًا يقاس عليه.
وقدمت للأعداء مبررات طعنهم في الدين ونظمه الاجتماعية والأسرية، ويظل السؤال مطروحًا: أيهما الأخف ضررًا: إحجام اقتصادي جبري عن الزواج، أم رفض فكرى اختياري له؟ وكيف نخرج من الفخ المنصوب؟ هذا هو التحدي، وتلك هي إحدى أولوياتنا التي تستحق الاهتمام والتفكير العميق والعمل والحركة الفاعلين.

تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.

التعليقات

تعليقات الإسلام اليوم

 

تبقى لديك حرف