الرئيسة » بيت الأسرة » أولادنا
إرسال إلى صديق طباعة أضف تعليق حفظ
التحول. . من "الشيخ" إلى "الفنان"
الخميس 21 رجب 1429 الموافق 24 يوليو 2008
 
التحول. . من "الشيخ" إلى "الفنان"

عبد الحي شاهين

يؤكد مجموعة من الأكاديميين والخبراء في علمي النفس والاجتماع، على أن تغيّرات كبيرة قد طرأت على النماذج التي تعتبر قدوة لدى الشباب في المجتمع، فبينما كان العلماء والقيادات الفكرية والاجتماعية يُختارون من قبل غالب الشباب كقدوة لهم في الحياة، إلاّ أنه يلاحظ أن مكانة هؤلاء العلماء والمفكرين قد تراجعت بشكل كبير، ولم تعد مجموعات كبيرة من الشباب تعدّهم قدوة، وإنما انصرفت هذه القدوة إلى الفنانين والممثلين ونجوم الفضائيات من مذيعي ومقدمي البرامج، بحيث أصبحت هي النماذج التي يُقتدى بها في الملبس والسلوكيات.
ويبدي هؤلاء الخبراء الذين تحدثت إليهم (الإسلام اليوم) في اتصالات تلفونية متعددة، "قلقهم" من تنامي هذا الاتجاه، ويرون فيه "تمييعاً" للشخصية الفاعلة، على أساس أن ما يصدر من الشخصيات التي تُعدّ الآن قدوة (فنانون وغيرهم) هي في الأغلب صاحبة سلوكيات لا تتفق مع المنطلقات الإسلامية، وشخصياتهم أقرب للنموذج الغربي (المتفكك) و(المتحرر) من كل قيمة وضابط، وبما أن القدوة –بحسب علم النفس- لها دور كبير في توجيه السلوكيات؛ خاصة لدى الشباب، فإن الخوف يتزايد من ظهور شخصيات (مشوّهة) في المستقبل القريب، لا تنتمي في أفكارها وتقاليدها إلى العرب والمسلمين، وإنما هي في حالة خصام وانفصام مع مجتمعها (ترى فيه مجتمعاً متخلفاً)، و هي متصالحة مع مجتمعات أخرى بعيدة خارج السياق العربي والإسلامي. ويظهر هؤلاء الخبراء النفسيون والاجتماعيون الكثير من القلق عندما يصبح هؤلاء الشباب آباء وأمهات في المستقبل؛ إذ "كيف سيربون أبناءهم؟ وعلى ماذا؟ هل على حب التقليعات في الملبس والشعر، وتتبع الموضات؟".
الخبيرة النفسية السعودية حصة السهلي ذكرت في حديث مطول معها أن القدوة لدى الشباب شهدت تحوّلات بتأثير مباشر من التقنيات الجديدة، وتوسُّع عمل وسائل الإعلام، وتعدُّد منافذها من إنترنت وفضائيات، مما زاد من فعاليتها، وجعلها تصبح المنبع الأول لثقافة هؤلاء الشباب، في الوقت الذي تضاءلت فيه قوة الوسائل التثقيفية الأخرى كالكتاب ومصاحبة العلماء ودروس المساجد، مشيرة إلى أن الشاب خاصة في الفترة ما بعد البلوغ، يبدؤون في البحث عن شخص يقلدونه ويقتدون به، وأول محطة هذا البحث تكون في الأجواء التي تحيط به، فإذا كان الوالدان قد أحسنا وضعه في محيط مناسب من التدين والخلق، فسيكون بحثه عن القدوة داخل هذا الإطار، أما إن كان المناخ العام المحيط بالطفل هو مناخ متفكك فإن قدوته ستكون من ذات هذه البيئة، وهذا ما يحدث كثيراً هذه الأيام –بحسب حصة السهلي- إذ إن أغلب الشباب قدوتهم الآن الفنانون والممثلون.
وحذّرت "السهلي" من أن حالة التماهي مع مثل هذه النماذج من القدوة يسطّح عقول الشباب، ويجعل اهتماماتهم وطموحاتهم في غاية السذاجة، وهذا ما سيضر كثيراً بالمستوى الأخلاقي الذي سيكون عليه شبابنا، ويقلل من فرص حصول أية نهضة على المستوى العلمي والتقني في العالم الإسلامي؛ لأن النهضة تحتاج لشباب جاد، وشديد الطموح، وصاحب تطلعات وعزيمة قوية، قادر على العمل والسهر لساعات طويلة، منكباً على البحث والتحصيل والعمل. أما ما يُبثّ حالياً في الفضائيات والإنترنت، ومحاولة هذه الوسائل تصوير شخصيات بعينها على أساس أنها شخصيات ناجحة وتمثل أنموذجاً للمجتمع، فهذا يحدث أثراً سلبياً للغاية على الشباب الذي يصدق هذا، ويتخذ هذه الشخصيات قدوة له.
وأكدت الاستشارية النفسية حصة السهلي في هذا السياق أن الإعلام أصبح يحدد الهوية، ويحدد التوجهات، ويختار النموذج بالنسبة للشباب الناشئ، ودعت إلى الالتفات بجدية إلى هذا الجانب، وأن تكون هناك مساعٍ كثيفة لأن يحل إعلام نظيف يخدم المجتمعات الإسلامية، وهي في طريقها إلى النهضة، ولا نسمح لشيء بأن يعوقها، ويشتت انتباه شبابها. وذكّرت السهلي بقصة ذلك الجاسوس (النصراني) عندما أتى إلى إحدى بلاد المسلمين في الأندلس، فلقي شاباً يبكي، فسأله عن سبب بكائه فقال: لقد فاتني الغزو، فرجع الجاسوس إلى قومه وقال لهم: نحن لن نستطيع غزو المسلمين الآن، ولما رجع بعد فترة من الدهر وجد شاباً يبكي، فسأله عن سبب بكائه، فقال له: لقد هجرتني الحبيبة، فرجع الجاسوس إلى قومه وقال: الآن اغزوا بلاد المسلمين. وقالت حصة السهلي: إن هذه القصة ذات رمزية قوية؛ إذ ترينا كيف أن اهتمامات الشباب في عصر ما تحدد قوة الأمة أو ضعفها، فعندما تكون الاهتمامات سامية والطموح كبيراً في خدمة الأوطان والدين تكون الأمة في أوج قوتها التي تستمدها من عزيمة هذا الشباب "ذي الروح المتقدة". أما حينما تنزل اهتمامات الشباب إلى "الدرك الأسفل" فإنه يُحكم على هذه الأمة بالضعف مهما كانت إمكانياتها المادية، وهذا ما خلصت إليه قصة الجاسوس السابقة الذكر.
الشاب السعودي خالد آل طالب (خريج هندسة) يرى أن معظم جيل الشباب اليوم له رأي واضح في القدوة؛ إذ إن الغالبية من الشباب يرون في الشخصيات التي تستحوذ على النصيب الأكبر من الظهور في الفضائيات، هم الأكثر جاذبية بالنسبة لهم، لكنه في ذات الوقت لا ينفي أن هناك شباباً جاداً له في العلماء والصالحين قدوة وأنموذجاً، وأن هذا النوع من الشباب منتشر وبشكل لافت، غير أن صوته قد يكون هو الأخفت من النوع الثاني، مشيراً إلى أن الفضائيات تلعب دوراً واضحاً في هذا الجانب. "فبرنامج مثل ستار أكاديمي يكشف بوضوح واقع القدوة في عالمنا الإسلامي؛ إذ إن الشباب المشارك في هذا البرنامج أصبح يمثل هو نفسه قدوة للشباب المشاهد له، ويظهر ذلك من الرغبة المحمومة في تقليد أسلوب حياة المشاركين في ستار أكاديمي، وما يُسمّى بتلفزيونات الواقع".
وقال آل طالب: إنه -ومن خلال صداقاته مع العديد من الشباب وكواحد منهم- اكتشف أن جانب القدوة يمثل حيزاً مهماً في اختيارات هؤلاء الشباب حتى في دراساتهم وتخصصاتهم العملية، بل في توجهاتهم الحياتية بشكل عام، ويرى أن الشباب الجامعي بالذات يعاني من تخبّط في هذا الجانب، و رأى أن العلماء لهم دور أيضاً؛ إذ يندر أن تجد العلماء الذين يحتوون هؤلاء الشباب؛ الأمر الذي يؤدي إلى قطيعة بين الطرفين، فيتحوّل هؤلاء الشباب إلى النموذج المتوفر من خلال الفضائيات.
وفي ذات الاتجاه يرى الأكاديمي عبد الرزاق الزهراني (أستاذ في علم الاجتماع) أن الإسلام وضّح -وبشكل قاطع- طبيعة النموذج الذي يجب أن يكون قدوة ليس للشباب فحسب، وإنما لكافة الفئات العمرية للمجتمع المسلم. وأكد "الزهراني" أن ما يُلاحظ الآن من تفلّت وغياب للقيم هو في الأصل نتاج لغياب القدوة المؤثرة في هذا الشباب، الذي أصبح يعاني من فراغ كبير لا يستطيع ملأه بالنافع؛ فيتجه إلى ما يضرّه ولا يصلحه.
وشدّد في اتصال هاتفي مع (الإسلام اليوم)على أهمية مرحلة الطفولة في حياة الإنسان قائلاً: إن هذه المرحلة هي أهم مراحل صياغة الإنسان، وتشبُّث الأسر بالتعاليم الصحيحة المتوافقة مع الشرع والفطرة السليمة يجعل الأبناء في مأمن من الانحراف والتقليد لنماذج غريبة عمّا ألفوه في منازلهم الأولى، ونبّه إلى ضرورة تضمين المناهج لسير الإعلام في الإسلام حتى يكون ذلك عاملاً مساعداً لهؤلاء الشباب حتى يختاروا عن بيّنة النماذج التي يقتدوا بها.
بيد أن "الزهراني" دعا من جانب آخر العلماء إلى أن يعملوا على جذب الشباب لمجالسهم؛ مبيّناً أن الشخص القدوة له دور هام في بناء المجتمع؛ إذ يتأثر به الناس مما يرونه فيه من صلاح وعلم وأخلاق فاضلة، ويحاولون تقليده في كل مسلكه، وفي هذا إصلاح كبير للمجتمع، و هذا يمنع بروز العناصر التي تحاول تفكيك النسيج الاجتماعي المبني على القيم الإسلامية، مؤكداً أنه في حالة انتشار مثل هذه النماذج (القدوة الحسنة) فإن المجتمع -ومن تلقاء نفسه- "يلفظ" كل صاحب فكر شاذٍّ بعيد، غير متوافق مع المجتمع.
وقال الخبير في علم الاجتماع عبد الرزاق الزهراني: إن القدوة مرت بتحوّلات عنيفة؛ فهي قد بدأت بالعلماء والصالحين، ثم شيئاً فشيئاً بدأت في التراجع حتى أصبح الفنانون هم قدوة أعداد هائلة من الشباب في عالمنا الإسلامي.
أما الاختصاصية النفسية الأستاذة انتصار الصبان فإنها تحذّر من حالة التخلخل التي بدأت تجتاح عقول الشباب، مؤكدة أن السطحية وغياب الأهداف أصبحت هي السمة الأبرز لهذا الشباب، وذلك بتأثير من يتخذونهم قدوة والذين هم أنفسهم – تقول الصبان- يفتقدون للقيم والأخلاق الحميدة، وأشارت إلى أن هناك توجيهاً مبرمجاً من قوى معادية للإسلام لكي تنتشر النماذج السطحية وتُتّخذ قدوة عند الشباب.
ولفتت انتصار الصبان النظر إلى أنه يجب أن ينشغل المربون المسلمون بما يُسمّى "صناعة القدوة"، وأن يعززوا من مكانة العلماء، وأصحاب الأدوار النافعة في المجتمع، وقالت: إن هناك شباباً يعيش في حالة "فقدان اتزان"؛ لأن الإعلام يسوّق لشخصيات فاسدة، ولا يجدون من يدلهم على المعايير الصحيحة بين الطالح والصالح فيما يختص بالشخص الذي ينبغي أن يُقتدى به.

إرسال إلى صديق طباعة أضف تعليق حفظ
Bookmark and Share
 بحث متقدم

أضف تعليقك
الاسم
التعليق
أدخل ارقام الصورة   أنقر هنا لتغيير الرقم