آخر تحديث الساعة 06:03 (بتوقيت مكة المكرمة)

منصور بردار لشبكة الإسلام اليوم : الأناشيد والقصائد الإسلامية، أصبحت رائجةً أثناء وبعد الحرب

انعكاسات الحرب على الإبداع الثقافي في البلقان

الثلاثاء 15 صفر 1430 الموافق 10 فبراير 2009
انعكاسات الحرب على الإبداع الثقافي في البلقان
 

لم يتفطن المثقفون المسلمون خارج البوسنة لأهمية الحرب التي شهدتها منطقة البلقان في تسعينات القرن الماضي، بينما اهتم أهل الْحِرْفَة في الغرب بذلك، وعلى مختلف المستويات الثقافية، ومنها السينما حيث بدأ أورلاند بلوم، المعروف بـ" القرصان "، تصويرَ فيلمٍ عن الحرب في البوسنة، وقد التقى قادة وشخصيات ومسئولين بوسنيين لبحث محتوى الفيلم، الذي يدور حول حصار سراييفو في الفترة ما بين 1992 و 1995 م.

ولا شك أنّ للحرب التي شهدتها منطقة غرب البلقان في تسعينات القرن الماضي تأثيرًا كبيرًا على الساحة الثقافية، سواء فيما يتعلق بصناعة السينما، التي عالجت القضية من رؤى مختلفة، وإن لم تُوَفَّقْ في بعضها، أو المسرح بما فيه الكوميديا السوداء ، والشعر الإسلامي والوطني، الذي بلغ مرحلة متقدمةً في الإبداع، كما هو الحال مع الشاعر الكبير جمال الدين لاتيتش، والرواية، كرواية أسنام طاليتش عن سريبرينتسا، والقصص القصيرة والرسم وغير ذلك.

 ويرى الدكتور أسعد دوراكوفيتش في حديثٍ مع شبكة "الإسلام اليوم " أنّ " الفنون- بصورة عامة- تَزْدَهِرُ في أزمنة الأزمة كالحروب، وكثيرٌ من الأعمال الأدبية والفنية خرَجَتْ من رحم الأزمات".

وحسب الدكتور أسعد دوراكوفيتش، فإن منطقة غرب البلقان- والبوسنة تحديدًا- لا تزال تعيش أزماتٍ مختلفة، الأمر الذي انعكس على مختلف الفنون، ومن مظاهر ذلك، ما نراه من الكَمّ الكبير من الإنتاج السينمائي والمسرحي والشعري والروائي وفن الرسم.

 ويرى أن "الحرب منحت السينما البلقانية صفة العالمية "، غير أن تلك العالمية ليست بريئةً، فقد اضطر مُخْرِجٌ لتصوير مشهد قَتْلِ كلب؛ ليثير شفقة ( الغرب )، الذي لا تَهُمُّهُ دماء المسلمين، بل ربما تُنَفِّسُ عن أحقاده المكبوتة!

عالمية السينما البلقانية : ويضرب دوراكوفيتش على ذلك عدة أمثلة، قائلًا: لقد أصبح الفيلم البوسني ذا مستوى عالمي؛ حيث فازت عدة أفلام بوسنية وغيرها بجوائز في أميركا وأوربا، ويبرز في هذا الخصوص دينو مصطافيتش، الذي فاز فيلمه "ريميغ"، الذي يبحث فيه عن البنى العلائقية بين القديم والحديث ،كما يعتقد المخرج .

وفي هذا الفيلم يَعْقِدُ المخرج مقارنةً بين الحرب العالمية الثانية 1939 / 1945 م، والحرب العدوانية التي شُنِّتَ ْضد المسلمين في البوسنة ، بين 1992 / 1995 م، محاولًا الربط بين الأسباب، والمواقف والشعارات، كشعار "ألمانيا فوق الجميع"، مقابل "مشروع صربيا الكبرى"، الأمر الذي يعني : "الصرب فوق الجميع"، فهو يشبه التشتنيك الصرب بالنازيين الألمان، أي أن حرب البلقان كانت حربًا عالميةً مُصَغَّرَةً، والنتائج كانت كارثية، بِقَطْعِ النظر عند مقارنتها بنتائج الحرب العالمية.

فما يربط بين حرب البلقان والحرب العالمية هي نزعة الهيمنة، والنزعة التوسعية، وتمثل ذلك في غرب البلقان في مَشْرُوعَيْ: صربيا الكبرى ، وكرواتيا الكبرى ، وهو ما أراد المخرج إبرازه في فيلمه .

أرض محايدة ..وغربافيتسا

 يعتبر فيلم دانيس تانوفيتش " نيتشيا زيميليا "، أو "الأرض المحايدة " من الأفلام التي نالتْ شُهْرَةً عالمية، وفازت بأوسكار في هوليود، رُغْمَ البعد الثقافي، والطابع السياسي الذي يحكم المهرجانات السينمائية الغربية، مثل هوليود، وبصفة خاصة: " مهرجان كان السينمائي الفرنسي"، والذي تُكَرَّسُ جوائزه للأفلام غير الغربية، لتلك التي تخدم الأجندة الغربية، ولاسيما داخل العالم الإسلامي، وتحديدًا تلك الأعمال التي تبصق على الذات، كما يبصق السكران على المرآة، أو يكسرها؛ لأن مظهرها لم يعجبه، وذلك بدل تغيير سلوكه وتحسين هندامه، وقبل ذلك عدم العودة للسكر .

يتحدث تانكوفيتش في فيلمه " الأرض المحايدة " أيضًا عن الحرب بين البوشناق والتشتنيك الصرب.

وهناك أفلام تجمع بين التراجيديا والكوميديا ، وهي من الأعمال النادرة، مثل فيلم " كود أميجا إدريس "، ويعني: "عند عمي إدريس "، وهو فيلمٌ جَيِّدٌ كما يصفه الدكتور دوراكوفيتش "، وفيه الكثير من الكوميديا " .

 أما فيلم " غربافيتسا " لمخرجه ياسمين دباينيتش، ( غربافيتسا حَيٌّ من أحياء سراييفو )، فقد فاز بجائزة في مهرجان " كان "السينمائي " .

 والحقيقة أن هذا الفيلم لا يتحدث عن جرائم الحرب، بقدر ما هو إملاءٌ من قِبَل الفرنسيين لينال جائزة ( ... ) فطالما أملى الفرنسيون على مخرجين من العالم الإسلامي مشاريعَ تجعلهم يبصقون على أنفسهم؛ لإرضاء الفرنسيين المهووسين بالصراع الثقافي مع الإسلام! ووجدوا في بعض المخرجين من أمثال ( التونسي ) النوري بوزيد، وآخرين من المغرب والجزائر وغيرهم، أهدافًا سهلةً لتحقيق انتصارات ثقافية مدبلجة!!

 ومن ذلك تصوير فيلم عن الشذوذ الجنسي في تونس؛ لإظهار المسلمين في أقبح صورة، وللتدليل على أن المسلمين ليس لديهم ما يقدمونه للغرب على صعيد الأخلاق، و( هو ما تَبَقَّى لديهم ) بعد أُمِّيَّتِهم الصناعية.

وفيلم ياسمين دباينيتش " غربافيتسا " لم ينْحَطَّ لمستوى النوري بوزيد، لكنه أعطى صورة مغلوطة لطبيعة المجتمع المسلم في البلقان، والذي يختلف عن بعض المناطق في المشرق الإسلامي.

والفيلم يتحدث عن فتاة مسلمة تعرضت للاغتصاب من قبل التشتنيك الصرب، لكن أهلها رفضوا استقبالها بعد أن عادت مع مولودها، كدليلٍ على اضطهاد المرأة، وإبداء تعاطف مزيف معها ضد أهلها، وليس ضد من اغتصبوها!! أي لفت النظر عن الجريمة الحقيقية.

بينما كل المصائب التي يُعَانِي منها المسلمون، حتى الصراعات الداخلية فيما بينهم في العراق وفلسطين ولبنان وراءها (الغرب )، كما أن المآسي التي نعيشها- كالديكتاتورية  التي يعيرنا بها- للغرب فيها اليد الطولى ".

 وفيلم الفتاة المغتصبة قصة غير واقعية في بُعْدِهَا الأسري . لكن ( الْمُمْلِين ) أرادوا تقديم صورة منفرة عن الأسرة المسلمة في تعاطيها مع قضيةٍ، ليس للفتاة دور فيها، وعالجتها الفتوى في البوسنة بأن" ليس على الضحية ذنب " كما أنّ حكم اللقيط معروفٌ في الإسلام ، فضلًا عن أن طبيعة الشعوب المسلمة في البلقان تتعامل بِرَوِيَّةٍ مع مثل هذه القضايا، وبالتالي فإن القصةَ غريبةٌ عن المجتمع البلقاني المسلم. وقد اعترف المخرج بأنه كان ضحيةَ إغراء، ولم يكن يدري أنها تحمل كُلَّ هذه الأبعاد.

دور ثقافي كبير

 لقد كان للمثقفين المسلمين في البلقان دور كبيرٌ في إثراء الساحة الثقافية، وهم يبذلون جَهْدًا كبيرًا، رغم غياب الدعم المادي من المؤسسات الْمَعْنِيَّة في الدولة.

ويرجع الدكتور دوراكوفيتش أسبابَ ذلك إلى وُجُودِ أزمةٍ عامَّةٍ في المجتمع، قائلًا: " أعتقد أن الأشخاص الذين هم الآن في المراكز السياسية ليست لهم ثقافة تؤهلهم للعناية بالمثقفين، لكنهم يفتخرون بكل من حقق إنجازًا دوليًّا " .

 وليس قطاع  السينما فقط المجالَ الذي حقق إنجازاتٍ مهمةً، وشهد ازدهارًا رافق وأعقب الحرب، بل نجد مجالات أخرى كالأدب بصفة عامة؛ حيث برز العديد من الأدباء والشعراء والروائيين الذين أثَّرَ العدوان على كتاباتهم، وفي هذا الخصوص يقول الدكتور دوراكوفيتش: "أعتقد بأن العدوان أثّر كثيرًا في أدب الحرب وما بعد الحرب ".

ومن بين الروائيين نجد "زلهاد كليوتشانين "صاحب رواية " الشهيد "، والتي تُرْجِمَتْ لعدة لغات أوروبية، وستصدر الطبعة العربية منه قريبًا، وقد ترجمها للعربية إسماعيل أبو بندورة .

وفي الشعر يعلو كعب " جمال الدين لاتيتش " وهو شاعر إسلامِيٌّ كبير، وصاحب ديوان " انفرنو سريبرينتسا "، أي: " ملحمة سريبرينتسا "، وهو صاحب أوبرا " سريبرينتسا "، التي يتم إنشادها كُلَّ عامٍ في ذكرى المجزرة.

 ويُعَدُّ جمال الدين لاتيتش - بشهادة الكثيرين ، الذين منهم الدكتور دوراكوفيتش- " أفضل شعراء القصيدة الإسلامية "، أو ما يُطْلَقُ عليه في البلقان: " إلاهيا قصيدة "، كما أن لشاعرنا دواوين أخرى.

ويبرز من بعد ذلك أيضا اسم الشاعر حازم حيداروفيتش ، وهو يكتب الشعر والنثر، وله مجموعة شعرية أخيرة تحت عنوان " سيتي " أي " شكل الشعر ".

 ومن الشعراء الذين أثرت الحرب في أعمالهم ، نجد زلخا كلوتشانين، وفي الرواية على سبيل المثال هناك: نجاد إبراهيموفيتش ، وروايته البارزة جدًّا " الإنسان الخالد "، وهي رواية فلسفية تحتاج إلى جهد إضافِيٍّ لسبر أغوارها.

 وربما يكون الأدب البلقاني الجديد نسخةً مميزةً عن أدب ما قبل العدوان، وهو ( أدبٌ ) كان يتقوَّت على سب الإسلام والمسلمين، مثل رواية: " دوريش و الموت "، والتي تتحدث عن البوسنة في العهد العثماني، ويُصَوِّرُ فيها مؤلفها "ميشا سليموفيتش العقليةَ البوسنوية بصورة سيئة. مقتفيا أثر إيفو أندريتش ، الذي كتب بصورة سيئة عن الإسلام والأتراك والبوشناق. وكما يقول الدكتور دوراكوفيتش " تصبح الرواية بارزةً في الغرب إذا سَبَّتِ الإسلام والمسلمين " .

الإنشاد

 كان الغناء الملتزم حاضرا أثناء الحرب وبعدها، وفي هذا الخصوص  قال منصور بردار، المهتم بهذا الشكل الثقافي " لشبكة الإسلام اليوم ": "الأغاني الملتزمة التي لم تكن موجودة قبل الحرب، باستثناء الأناشيد والقصائد الإسلامية، أصبحت رائجةً أثناء وبعد الحرب، فهي شكل من أشكال الدفاع والمقاومة والمحافظة على الهوية الثقافية، كما هي سلاحٌ مَعْنَوِيٌّ وثقافِيٌّ له تأثيره الكبير على الشباب وعلى المقاومين في مختلف الميادين، السياسية والاقتصادية والعسكرية والثقافية والتعليمية والتربوية وغير ذلك .

"ومن بين الفنانين المشهورين والأغاني الملتزمة يذكر بردار: بنيامين اسوفيتش ، وأغنيته ، شهيدسكي رستانك ، وتعني ، "فراق الشهيد" ، وناصيف غليفا ، وأغنيته برانيوتس سراييفو، وتعني: "الدفاع عن سراييفو" ، ثم نأتي إلى الأسطورة ، دينو مرلين ، الذي لا تفوته صلاة الفجر في جامع الغازي خسرف بك في قلب سراييفو، والذي لا يقل عديد الحضور في حفلاته عن 50 ألف نسمة . ويتذكر بردار وآخرين أغانيه الملتزمة ، مثل: " الموت من أجل هذه المدينة ليس حرامًا "، مُسْتَلْهِمًا قوله صلى الله عليه وسلم: " مَنْ قُتِلَ دون أرضه فهو شهيد، ومن قتل دون ماله فهو شهيد" أو كما قال صلى لله عليه وسلم .

 وينشد بردار، ونحن داخل مقهى تعج بالزبائن:

 " من أجل هذه المدينة.. الموت ليس حرامًا "

 إذا الشَّرُّ حَلَّ، وإذا الليل أصاب الهدف.

 أنا لن أموت بعد الموت..

 أنا سأموت لأحيى شهيدًا..

هنا أحببت داري ..

وفي الآخرة داري ..

 أنت لا تبكي .. على وجهك نُورٌ، وعلى لسانك سلامٌ ..

 الموت من أجل هذه  المدينة ليس حرامًا.

أما أغنية " فراق الشهيد "، فنذكر منها هذه المقاطع :

 الشتاء سيَمُرُّ .. الصباح سَيَأْتِي .. بادر بالتكبير تَشْهَده في كل حين".

وهذه المعاني المترجمة من لغتها الأصلية، شاحبةٌ بجوار المعاني الأصلية في النص الأصلي.

وإلى جانب الإبداع في صورته الإنشادية ، هناك الإبداع في مجال الترجمة؛ حيث تم ترجمة أعمال كثيرة أثناء وبعد الحرب، تفوق ما تُرْجِمَ في الفترة الشيوعية .

والسبب- كما يقول الدكتور دوراكوفيتش-  هو أن الأيديولوجيا الشيوعية كانت تضغط على المترجمين؛ حتى لا يترجموا عن العربية، مضيفًا: " لقد ظللت 15 عامًا أطلب نشرًا لترجمتي شعر جبرا إبراهيم جبرا "!

وقد ترجم الدكتور دوراكوفيتش أثناء الحرب وبعدها المعلقات السبع، وألف ليلة وليلة، وقصائد كثيرةً عن المقاومة الفلسطينية. وكان درة إنتاجه ترجمة معاني القرآن الكريم، مع محاولة نقل الإعجاز اللغوي للغة البوسنية، وكان للحرب دورٌ في ذلك، سواء بتوقف الدراسة والانشغال بالكتابة، أو بإفساح المجال للإبداع، في غياب " الطابو"  الشيوعي!

 

 

تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.

التعليقات

  1. 1 - hhhhhhhhhh مساءً 09:54:00 2013/04/02

    e3333333333333333333333333333333333333333333333333333333333333333333333333333

تعليقات الإسلام اليوم

 

تبقى لديك حرف