الغزل العذري في ضوء الأدب الإسلامي

الغزل العذري في ضوء الأدب الإسلامي
 

للمرأة في الشعر حضور أزلي جدّ كبير، حضور تفنّن مدى الشعر فلا تكاد تحصر ألوانه المتوافرة والمتوالدة عصرًا فعصرًا..!

ولعلّ هاجس الغزل أوّل ما يتبادر إلى ذهننا حين نطرق هذا الموضوع - وإن كان توظيفًا واحدًا من آلاف التوظيفاتِ الشعرية - لكونه يثير حساسية الشاعر أولاً والمتلقي ثانيًا لما تنطوي عليه النفس فطريًّا.

من هنا وجدتُ في الوقوف عليه ما يثري نقاشًا فرؤيةً بحضرة الأدب الإسلامي، لا سيما أنّ هذا الموضوع من الشيوع ما يجعل موقف الرافض موقفًا سلبيًّا خافتًا. كذلك دفعني له قراءتي لمقالٍ منشور على موقع الأبحاث (ببليوإسلام) لمخيمر صالح موسى يحيى، ينكر فيه الشعر العذري، ويخرجه من دائرة التأثر بتعاليم الإسلام، وأنّ الشعراء العذريين كغيرهم من شعراء الغزل الفاحش جاء شعرهم حاملاً للأوصاف الجسدية والمبالغات الكُفرية.!!

ووقفتي هنا تتضمن عرض تلك المسألة، والوقوف بإزاء شواهد من شعر العذريين، أثبت بها أن إخراج هذا الشعر من دائرة الأدب الإسلامي ضربٌ من التقييد والحجر..!

في مقدمة المقالة يورد الباحث السبب الذي دفعه إلى كتابة هذه المقالة، فيقول: "إذ أنني لم أستطع أن أستوعب ما سمعته أو قرأته من أنّ فنّ الغزل العذري نشأ بدافع من التقوى الإسلامية"، مخالفًا في ذلك رأي كثير من الباحثين المحدثين الذي يرون أنّ هذا النوع من الغزل نشأ نشوءًا إسلاميًّا.

حقيقة هذه النظرة لم يدفعني إلى مناقشتها إلاّ أمران هما: العنوان الذي ارتضاه الباحث لمقاله، والذي أسند رؤيته إلى نظرية الأدب الإسلامي، والأمر الثاني هو المحاور الأساسية التي بنى عليها هذا الحكم، وهذه المحاور جاءت عنده كما يلي:

-       شخصية الشعراء العذريين ومدى تدينهم أو ورعهم.

-       صورة المرأة في شعر العذريين، ويناقشه من خلال محورين:

·       مفهوم المرأة عند الشعراء العذريين.

·       صفات المرأة وأوصافها التي تغنّى بها العذريون.

أمّا المحور الأوّل، فقد استعرضه من جانبين: الأخبار التي ترد في تهلهل دينهم ورقّته، والثاني من استقراء أشعارهم التي جاءت في معرض الفجور والفحشاء والتطاول على الدين.

مسألة الأخبار والمرويات أجدها مسألة خارجة عن سياق الأدب، فالحديث عن شخصية الشاعر لا يعني لدارس الأدب عاملاً في قبول النصّ أو رفضه، أو أسلمته أو كفريّته.

أما الجانب الثاني وهو استقراء شخصياتهم مما قالوه من شعر، ففيها جانب أخلاقي وجانب أدبي، والثاني هو المعني، إذ أنّ ورود ما يشير إلى الاتهام يعني أنّنا بحضرة نصّ ينزع نحو التمرد على الدين ، ومما أورده قول المجنون:

يا حبّذا عمل الشيطان من عملٍ      إن كان من عملِ الشيطان حُبيها

ويقول بأنّ الشاعر مصرٌّ على اتباع خطواتِ الشيطان..!

وقول جميل:

أصلّي فأبكي في الصلاةِ لذكرها    لي الويلُ مما يكتبُ الملكانِ

ويقول: بأنّ هذا يتنافى مع الخشوع في الصلاة..!

وغيرهما من الأبيات، وهي تنظم حالةً من الخضوع للحبّ على حسابِ الدين، ويمكن للدارس رفضها لهذا الاعتبار، غير أنّ الجدير بالوقوف هي ماهية الغزل العذري؟ ومتى نشأت؟ ولم أطلقت هذه الصفة على عدد من الشعراء دون غيرهم؟.

للغزل العذري عدّة مسميات يشيع بها، منها الغزل العفيف، وعند دراسي تاريخ الأدب يقع مقابلاً للغزل المكشوف أو الغزل الفاحش، وهو نهج شعري عرف من أيام الجاهلية ونما في العصر الإسلامي، وقد أطلقت هذه الصفة على جماعة من الشعراء اتخذوا من وصف ما يعتري المحبّ من حرقة وألم وفقد... الخ، والصفات المعنوية للمرأة ملاذًا عن التغزّل بالجسد.

ومن المعروف أنّ الشاعر قديمًا لا يكاد يتمحّض في نهج واحد دائمًا وأبدًا، كما أنّ هذا اللقب يشي بغلبة هذا النوع من الغزل عليهم فعرفوا به، ولو استعرضنا دواوينهم واحدًا واحدًا لوجدنا أنّ ما فيها من العذرية يفوق التمرّد أو التكشّف الذي سيرد ذكره بعد قليل أضعافًا مضاعفة..!

هذا النهج الشعري الذي يحمل قدرًا من المبالغة، والشعر بطبيعته يقبل المبالغة، لا يكاد يخرج عن المنظور الإسلامي إلا في أبياتٍ متفرقة كما سبق، لا أرى فيها دليلاً مانعًا لإخراج هؤلاء من دائرة الأدب الإسلامي، ولو كانوا على ما كانوا عليه من ضعف الدين، فالذي يعني أولاً وآخرًا النصّ الأدبي.

أمّا المحور الثاني وهو مفهوم المرأة عند الشعراء العذريين، فيقول فيه الباحث: "فالناظر المنعم في أشعارهم، يجد أنّ هذا المفهوم لا يكاد يختلف عن مفهوم المرأة عند الغزليين الماجنين أو الصريحين كعمر بن أبي ربيعة، فالمرأة متقلبة لا تثبت على حبّ رجلٍ واحد، ولا تفي أو تحافظ على عهد". وأعجبُ لهذا القول كثيرًا، منطلقة فيه من النقطة السابقة، وهي أنّ الغلبة هي وراء اللقب لا الاقتصار، كما أنّ التاريخ الذي حفظ أسماء العذريين قرن كلّ واحد منهم باسم حبيبته، كقيس ليلى وقيس لبنى وكثيّر عزّة وجميل بثنية، والديوان يفيضُ بالصدق العاطفي الذي لا نكاد نلمحه في شعر ابن أبي ربيعة..!

وأمّا أوصاف المرأة وما جاء من أبياتٍ صريحة في الوصف الجسدي كقول المجنون:

ومفروشةِ الخدينِ وردًا مضرّجا    إذا جثمته العينُ عادَ بنفسجا

شكوتُ إليها طولَ ليلي بعبرةٍ     فأبدت لنا بالغنجِ داءً مفلّجا

إلى آخر الأبيات..

فهذه الأبيات قليلة- كما سبقت الإشارة- إضافة إلى أنّ جميع الأوصاف الحسيّة كانت مما يؤثر من أوصافٍ تعارفت العرب على جمالها قديمًا، فهذه الأوصاف كانوا يعدونها من الكمال في الجمال، وعندما يتغنى شاعرٌ بمحبوبته، ويريد أن يتوج حبّه بالكمال، فمن الطبعي أن يسبغ عليها صفات الجمال الكامل سواء أكان حقيقًّا أو موهومًا..!!

فالثغر المفلج، والبدانة، ودقّة الخصر، وحمرة الخدّ، ... الخ، لا تحدد صفات واضحة أستبين منها ليلى في شعر قيس، أو أستبين منها عزّة في شعر كثيّر، أو أستبين منها بثينة في شعر جميل، بل إننا نجد ذات الصفات تتكرر في وصف هؤلاء المحبوبات في كلّ دواوين العذريين، فهي أقرب إلى حالة تمثّل منها إلى توصيف، ويبدو أنّ المراد منها عاطفي بالدرجة الأولى لا جسدي..!!

وبعد هذا العرض السريع أختم بأنّ الشعر العذري، ولن أقول الشاعر العذري، هو الشعر العفيف الطاهر البعيد عن الشبهة، وهو لا يتعارض مع الأدب الإسلامي بوجه من الوجوه، وأما ما جاء من أبيات مخالفة فتلك مردها إلى الشاعر، والشاعر مختلف فيه، أمّا الشعر فهو الثابت أمامي بأفكاره ومعانيه وخيالاته، ومن ذلك ما قاله المجنون:

ما بالُ قلبكَ يا مجنـونُ قد هلـعا           من حبِّ من لا ترى في وصلها طمعا

الحبّ والعشقُ سبطا من دمي لهما            فأصبحـا في فـؤادي نابـتين معا

طوبى لمن أنت في الدنيـا قرينـته             لقـد نفـى الله عنه الهمّ والجـزعا

بل ما قرأتُ كتـابًا مـنك يبلغني            إلا ترقـرق مـاء العـينِ أو دَمـعا

وزادني كلفًا في الحـبّ إذ منـعت            أحبّ شـيءٍ إلى الإنسـانِ ما مُنـعا

وقولِ جميل:

أحـبّ مـن الأسماء مـا وافـقَ اسمها           وشـابهه أو كـان مـنه مـدانيـا

تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.

تعليقات الإسلام اليوم

 

تبقى لديك حرف

   

التعليقات

  1. 1 - د عبد الله الحسيني ًصباحا 01:51:00 2010/06/13

    أشكر للأخت الأديبة خالدة هذه الإطلالة الغنيّة بالتعبير البليغ والرؤية الواعية للموضوع وأتساءلُ في ساحة هذا الطرح ألا يمكن أن يُنظرَ للنص الإبداعي مستقلّاً عن حالة كاتبه ؟ فالنص الأدبي يكون منتمياً للأدب الإسلامي إن هو استوفى شروط انتسابه له من سلامة مضمونٍ وجمالِ بنية وأسلوب دون إلزامه بتبعاتِ شخصية بانيه وقد رضي المصطفى صلواتُ الله وسلامه عليه كثيراً من أشعار أهل الفترة الجاهلية وسمع غزلهم ومفاخرهم في نصوص سليمة نقية. لك الشكر على هذا البحث الذي يطلب إتماماً بتناول الصوت النسوي ودراسته ماضياً وحاضرا

  2. 2 - رياض محمد السيلاني ًصباحا 10:01:00 2011/03/15

    سلام الله على أختي!!! بارك الله فيك، وجزاك خيرا لما أسهمت في إضافة باب إلى الأدب... وشكرا جزيلا على ما أزتني من علم حول الموضوع... حياك الله و بياك رياض محمد السيلاني محاضر الأدب العربي المقارن

  3. 3 - منيرة المجحد ًصباحا 12:21:00 2011/03/16

    أشكرك على مقدمتيه فقد انتفعت نفعت شاكرة لك ومقدرة لك مجهودك

  4. 4 - نو ر الدين ود النهود مساءً 07:32:00 2011/06/06

    اشكر مؤسسة الاسلام والذين شاركوا في نشر حرف وحد

  5. 5 - Sherlock Holmes مساءً 10:19:00 2012/02/24

    لا شك أن للإسلام ثقافته الخاصة التي أثرت بشكل أو بآخر على نوعية الأدب عموما ( قصدت الأدب الإسلامي ) , لكنني أعتقد أن الأدب الإسلامي هو ذلك الأدب المعاصر لفترة الدولة الإسلامية وليس من الضرورة أن يكوّن اختلافَ تضاد مع الأدب الجاهلي مثلا, فليس كل ما قيل من أشعار في تلك الفترة الجاهلية يعد كفرا إنما من الأخلاق إبان تلك الفترة الشيء الكثير.. والغزل العذري نِتاج حالات تطرقت لها الكاتبة الكريمة فأغنت, إذ لم تتوفر لأغلب ما يسمى بالشعراء العذريين فترة الصفاء والوئام التي ربما ستدفع بعضهم ليلج الغزل التقليدي أي ما يسمى بالغزل الجسدي, وبرأيي أن هذه الملَكة خاصة ببعض الشعراء فهو إن تغزل جاسَ بمواطن يجدها بعض النقاد الإسلاميين فحش وربما وصموها بالكفر والعياذ بالله.. كما وإنا لا ننكر الجماليات المتشكلة عبر المبالغة الشعرية.. فبيت: أصلّي فأبكي في الصلاةِ لذكرها لي الويلُ مما يكتبُ الملكانِ فلا أعتقد أن سيختلف متذوقان للشعر أن الشاعر أراد أن يوصل من خلال بيته كبر وعمق عذابه ولم يرد من كل هذا أن يستهزئ أو غيره.. فمن المضحك أن يأتي آخر ليقول أن هذا يتنافى مع الخشوع, فللأدب تشكّلاته الخاصة التي لا تحتمل الأخذ بضاهر النص.. وأخيرا وددت أن أطرح سؤالا: ترى كم امرأة ترفض رفضا قاطعا التغزل بها ؟! أجد أنهن يملنَ للغزل الحبيب والزوج وهذا شيء فطري في حواء.. شكرا للمقالة وكاتبها...

  6. 6 - الشاعر لطفي الياسيني مساءً 07:03:00 2012/12/13

    بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين تحية الاسلام جزاكم الله جنة الفردوس الاعلى التي اعدت للمتقين نفع الله بكم الاسلام والمسلمين وادامكم ذخرا لمنبرنا الشامخ شموخ نخيل العراق ان كل مفردات ثقافتي لا تفيكم حقك من الشكر والاجلال والتقدير لكم مني عاطر التحية واطيب المنى دمتم بحفظ المولى