آخر تحديث الساعة 06:03 (بتوقيت مكة المكرمة)

"الإخوان" يقتحمون المسرح من جديد

الاربعاء 07 محرم 1434 الموافق 21 نوفمبر 2012
"الإخوان" يقتحمون المسرح من جديد
مسرحية كفر الأخضر
 

قدَّمتْ فرقةُ "يناير تياترو" على مسرح الفنِّ "جلال الشرقاوي"، وهى فرقة فنية من الهواة، يديرها فنانون وأدباء ينتمون إلى جماعة الإخوان المسلمين وإلى ذراعها السياسي حزب الحرية والعدالة- مسرحيةً جديرة بالمشاهدة عنوانها: "كفر الأخضر"، وهى تحمل وجهة نظر الإخوان المسلمين ورؤيتهم لرسالة الفن.

واعتمد مسئولو الفرقة على عناصر ووجوه فنية من غير الإخوان، مثل الفنان المسرحي وفنان الأراجوز الأول في مصر "عادل ماضي"، الذي سألته عن رسالة هذا العرض الأساسية التي يريد إيصالها للجمهور فأجابني في كلمة واحدة: هي "سيناء"، التي أهملناها كثيرًا كأنَّها ليست جزءًا من مصر؛ فتركناها سنينًا طوالًا عُرْضة للاختراق والانتهاك من قِبَل عدوِّنا الصهيوني، ولكل من هَبَّ ودَبَّ.

وقال الممثل "أحمد صقر": بدأت "بروفات" المسرحية قبل أحداث رفح بخمسة أشهر، وجاءت هذه الأحداث المفجعة ونحن نؤدي البروفات لتعطينا دفعة قوية لتوصيل رسالتنا ورؤيتنا لهذه القضية الخطيرة لجمهور المسرح، وكنا كلنا حماس لنقل إحساسنا بسيناء وأهميتها الإستراتيجية لمصر لأكبر عدد ممكن من المصريين؛ لكي تتحول القضية إلى هاجس عام للمصريين جميعًا، حتى تكون الانتفاضة والزحف لتنمية سيناء جماعيًّا لإفشال المؤامرات الخبيثة التي تحاك ضدها.

وقال الفنان المسرحي "على الغريب" مدير الفرقة ومؤلف المسرحية، وعضو حزب الحرية والعدالة، ومسئول لجنة المسرح بجماعة الإخوان المسلمين، ردًّا على سؤالي الذي وجَّهته إليه حول: هويته ومرجعيته السياسية وهو يقدم هذه المسرحية الإخوانية على أَشْهر مسارح القاهرة وأعرقها.

فقال: أنا أحد أبناء مصر، ممن تربَّوا على الوطنية وحب التضحية والفداء، وقد تشبعنا بأنَّ أرضنا التي نعيش في كنفها أرض مقدَّسة، نموت دون الدفاع عنها، ونحن في ميداننا الذي نجيده نتحمل مسئولياتنا، وعندما أتتنا الفرصة للتعبير من خلال الفن الذي نحبه انتهزناها وقمنا بذلك بالفعل.

وأنا ابن الإخوان المسلمين وأحد أبناء حزب الحرية والعدالة، وهذا التيار المصري- الذي يعتز ويفخر ويتمسك بمرجعيته الإسلامية- إطارُه واسع، يقبل الجميع ويستوعبهم ويتحاور معهم ويحتويهم، ولا يعرف الإقصاء ولا التهميش.

فسألته إذا ما كانت هذه عودة قوية للإخوان المسلمين للمسرح فقال: نعم، نحن نسعى لذلك، خاصة وأنَّ للإخوان تجربة رائدة بالمسرح عام 1934م، وفي تقديري الشخصي أنَّ هذه التجربة تمثل- بلا مبالغة- الموجة الثانية من المسرح العربي كله، وليس المسرح المصري فحسب.

وقد تخرَّج في مسرح الإخوان كبار الفنانين وعمالقة فن التمثيل والإخراج المسرحي الذين أثروا بشكل كبير في مسيرة هذا الفن.

وحول سؤال عن: إشراك عناصر نسائية في العرض أجاب "علي الغريب": نحن وُوجِهْنا بحملة انتقادات في العرض السابق "وسع طريق"، بسبب عدم وجود امرأة في العرض، فقالوا: لأنَّكم إخوان مسلمون تُحرِّمون عمل المرأة في الفن!، واليوم قد تظهر أصوات من مكان آخر تقول: لماذا تشركون المرأة في الفن والتمثيل؟.

وحلُّ هذه الإشكالية أنَّنا في العرض السابق كانت طبيعة الدراما لا تستدعي وجود شخصية نسائية، أمَّا في عرض "كفر الأخضر" فقد استدعت "الدراما" ذلك فكان لابد من إشراك العنصر النسائي فأشركناه.

وأنا قد قرأت آراء فقهية لعلماء في مسألة "مشاركة المرأة في التمثيل"، وأنا شخصيًّا أعتبر المحاذير في هذه القضية تتعلق بـ"البروفات" والاختلاط ورفع الكُلفة أثناء التدريب والاستعداد للعرض، أمَّا مشاهدة المرأة من قِبل الجمهور على المسرح فليس فيه مشكلة؛ فهي تظهر بكامل حشمتها، داعية إلى القيم من خلال التعبير الفني.

ولذلك فنحن لدينا حرص كبير في هذه المسألة فيما يتعلق بـ"البروفات"؛ فهناك انضباط تام بضوابط الشرع وأخلاق وآداب الإسلام.

رؤية نقدية لمسرحية "كفر الأخضر"

يُرفع الستار مباشرة على ساحة الصراع؛ صحراء سيناء وجبال وخيام، وليس ثَمَّة جنود ولا خوذات ولا بنادق ولا دبابات إنَّما فلاحون وفلاحات في مشهد نادر يعيد تشكيل الواقع المصري ويمزج ويوحد بين عناصره؛ فالفلاح الذي اعتدنا على رؤيته في دلتاه لم يبرحها إلَّا للهجرة إلى الخليج أو للحجاز من أجل أداء مناسك الحج أو العمرة- نراه ممتزجًا بأرض سيناء، ومع البدايات إصرار على الوحدة ومد الخضرة وفرض واقع الاستقرار.

إنَّها تجربة جديدة بلا شك؛ فالهجرة هذه المرَّة ليست من الريف المصري إلى القاهرة أو الإسكندرية لتحقيق منفعة مادية أو مصلحة شخصية، إنَّما تجربة أسرة مصرية نبتت من طين الأرض وارتوت بمياه النيل، ونضجت على نيران المعاناة في حب مصر، والرغبة الصادقة والتحرك العملي الفعال لإنقاذها والدفاع عنها كما ينبغي وكما يجب.

هذا تحول لا يرصده صنَّاع مسرحية "كفر الأخضر"، إنَّما يوجدونه ويحرِّضون عليه بتغيير القناعات والأفكار الراسخة في الوجدان المصري، الذي يعتبر سيناء مجرد ميدان حرب وقتال، وليست أرضًا للحرث والري والزراعة والتنمية والاستقرار!.

وكما يتعامل عرض "كفر الأخضر" مع سيناء كمنطلق وأساس بجعلها بؤرة ومركز الصراع، ووضعها في ذروة الأولويات، لا كمجرد قضية هامشية ثانوية؛ كرجل متزوج ولديه بيت وأسرة وأولاد، لكنَّه يذهب أحيانًا لبيت العائلة ويحنُّ أحيانًا لأمِّه وأبيه، كما يحنُّ أحد أبناء المنصورة لزيارة خاطفة لسيناء، فيترك حياته والتزاماته وأرضه بالدلتا في حضن النهر، ويذهب سويعات ثم يعود.

هنا رفْض عارم شديد اللهجة لهذه الطريقة المخلة القاصرة في التعاطي مع سيناء؛ فهي- لمن يصدق في النوايا والنضال- أرضٌ للإقامة الدائمة، ولا تصلح للزيارات الخاطفة، وإنْ كان على الزيارات فكثير من "الخواجات" يزورون بل الإسرائيليون يزورونها، فكيف يا ترى مشاعر سيناء وهى ترى هذا التساوي في الاهتمام بين مصري صميم مغامر فاتح وبين "خواجة" أجنبي سائح، والذي لا يعدو مجرد زيارة؟!.

العرض يرفض هذا الطرح الناقص وهذا التعاطف السلبي العاجز، ويضعنا مباشرة أمام شكل مختلف تمامًا، وأمام رؤية ونموذج عملي نضالي جسور للحل، إنَّها هجرة كاملة وانتقال كامل وتجرد نادر وتضحية حقيقية ونموذج للتفاعل الإيجابي مع القضية؛ حيث يبيع "حامد الأخضر" أرضه الخضراء وأحلامه الخضراء ومستقبله الأخضر في الدلتا، ويهاجر بأسرته جميعها إلى هناك، إلى الصحراء المريضة التي حار الأطباء في صُفرتها وجدبها، إلى أرض المصير والميعاد... لا لزيارة خاطفة ولا لجولة سياحية، إنَّما لإقامة دائمة ورباط إلى يوم القيامة.

ورسالة أخرى وفق هذا الخط الدرامي لمن يفهمها عبر هذا المشهد الجديد للفلاح المصري- لا للمقاتل والمحارب المصري- على أرض سيناء؛ فسيناء تعلن عن نفسها أرضًا للري والحرث والزراعة والتنمية والتعمير والنهضة، وتلك محاولة أخرى تحسب للعرض، لا في سياق الرصد إنَّما في طريق التغيير؛ فسيناء ليست فقط للحرب والقتال، وليست فقط ميدانًا للمعارك ومزرعة للألغام- وإنْ كانت كذلك وقت الضرورة-.

ليست سيناء لكل من أراد من المصريين أنْ تنزف وطنيته فعليه أنْ يتجهز ويضع لَأْمَة الحرب ويُعِدَّ العُدَّة ويحمل السلاح.

هنا رائع للمصريين أنْ يروا هذا المشهد النابض على خشبة المسرح، الذي نقل المشاهد بـ"ديكوراته" مباشرة إلى صحراء سيناء المترامية الخالية، وجبالها والخيام منصوبة.

والخيام هاهنا- ربَّما للمرة الأولى ليست خيام محاربين وليست معسكر مقاتلين إنَّما خيام فلاحين مزارعين قادمين من الدلتا.

عُزَّل لكنهم يتحلون بهذه الروح المقاتلة، تراهم تتشابك أذرعهم في افتتاحية العرض بأداء تعبيري لافت، في تعاهد على مواصلة التعاون ووحدة الصف ليتسنَّى لهم التغلب على التحديات.

هذه الإشارة التي كثَّفنا عليها الضوء هنا والتي عمَّقها العرض بأداء حواري وتمثيلي واستعراضي وغنائي بارع في منتهى الأهمية؛ فالغاية أنْ يقف المصريون جميعًا على حقيقة دورهم في سيناء.

ليس مطلوبًا من أحد على الإطلاق أنْ يتقمَّص شخصية الدولة ويذهب إلى سيناء محاربًا خارج إطار الجيش الوطني، ليضرب بسلاحه... لا وحدات إسرائيلية، ولا أهداف عقائدية؛ فهو عندما يحمل سلاحه- غير الشرعي وغير القانوني- إنَّما يضرب الأمن القومي المصري بسلاح أهوج يفيد العدو ويضر الوطن.

ما نراه على خشبة المسرح أبطالٌ حقيقيون، محاربون على وعي وإلمام تام بأبعاد القضية وطبيعة الصراع، إنَّهم فلاحون لكنَّهم أبطال حقيقيون ووطنيون فدائيون، تركوا ما للدولة للدولة وما للجيش للجيش وما للشرطة للشرطة، وحملوا فؤوسهم ونصبوا خيامهم وحملوا أشواقهم وخلَّفوا وراء ظهورهم الأوهام والواهمين والشعارات والحنجوريين، وقالوا: إنا ها هنا مرابطون.

تركنا أرضنا الخصبة، هاجرنا من أرض المولد والمنشأ والذكريات الجميلة إلى مجهول ومصير غامض ومستقبل ربَّما تعصف به الأنواء، لكنْ لابد من المغامرة ولا مفر منها من أجل الوطن.

هذا عمل لا يقدر عليه أي أحد؛ إنَّها بطولة لابد من تدريب المصريين عليها كما يتدربون على شيء يومي معتاد من أعمالهم؛ فهذا مصيرهم ولا بديل عن التضحية، ومن حياة الترف والوفرة والخصب والأمن والاستقرار في الدلتا، لابد من اقتحام المجهول والجدب والجفاف في سيناء، فالذي لا يعلمه البعض أنَّ التحدي هو إبقاء الدلتا وافرة خصبة، وإنْ لم تنعم سيناء بالخصب سيطغى جدبها للوادي إنْ عاجلًا أو آجلًا، بحسب مخططات الصهاينة.

أنا الشابة وأنت "الجدع"

تكاد تطغى قضية العرض الأساسية على كل شيء؛ فسيناء هي بطلة العرض الأولى، وكل أبطال العرض كانوا حالات يمثلون تجلياتها؛ فحتى أشواق البنات إلى الستر وإلى فستان الفرح الأبيض وإلى يوم الزفاف لفارس الأحلام- كانت تحمل إشارات رمزية إلى أشواق سيناء ذاتها لفرسانها ورجالها الذين يزفونها إلى النماء والخضرة والنهضة والاستقرار.

عروس سيناء ليس فتًى واحدًا بل عُرُس كثيرون بالآلاف والملايين، وبطلها ليس مغامرًا واحدًا بل فرسان عديدون؛ ولذلك لا داعي للدهشة والامتعاض عندما نرى "كريمة" الفلاحة المحافظة ابنة الفلاح المحافظ "حامد الأخضر" تعلن صراحةً عن أشواقها، ولا تكتفي بإعلان رغبتها في عروس واحد وفتى واحد إنَّما هي تريد هذا وتنتظر ذاك!.

والغريب أنَّ أباها لا يزجرها ولا أحد من أقاربها، بل يتفهمون حالتها ويرعون رغباتها؛ لأنَّهم تلبسوا جميعًا بهذه الحالة من الوجد السيناوي؛ فلا المجذوب مجذوب بل فيلسوف وراشد ينطق بالحكمة، ولا الفلاح جانح للراحة والدَّعَة والاستقرار إلى جانب أرضه وجاموسته في حضن النهر والنماء في الدلتا، إنَّما مغامر جانح للهجرة والتجوال، ولا "كريمة" الشابة اليانعة الفلاحة المحافظة هي "كريمة" إنَّما هي سيناء بأشواقها إلى فرسانها الكثر، لمن يحمونها ويدافعون عنها ويسترونها بالخضرة والنماء.

فرسان وأبطال شجعان، مهاجرون وأنصار.. تنتظرهم سيناء الشابة ليكتشفوا كنوزها وليرووا عطشها وليزرعوها بالأمان، وليحرقوا أسلاك أطماع الأعداء والحاقدين والمتربصين التي زرعت في أحشائها.

الْحُلم والواقع

رغم هذا الواقع الملغوم بالفتن والمؤامرات والمهجوس بالقلق والخوف من المستقبل وتوقع الفشل- فالأبطال يعايشونه بالغناء، ويتحداه الفلاحون بتفاصيل الفرح التلقائي البسيط، ويطغى حلم الإعمار والإخضار وسنابل القمح الفارعة على الملامح والنظرات والانفعالات والمناوشات والخصومات والقفشات والضحكات، وكل شيء.

ينام أبطال العرض ويستيقظون على هذا الْحُلم!

وعند كلمة "الْحُلم" أتوقف قليلًا:

فلم يتحدث العرض عن حُلم ما، ولم ترد هذه الكلمة ولو عرضًا على لسان أحد من أبطال المسرحية؛ فما رأيناه أمامنا هو الواقع؛ فهذه سيناء ورمالها وصحراؤها وجبالها، وهؤلاء هم رجالها وأبطالها الحقيقيون قد أتوا إليها بعد طول انتظار. وقد قرروا أخيرًا العمل والتحرك والإنجاز، بعد أنْ ملَّت سيناء من سماع الوعود والشعارات.

ما رأيناه في عرض "كفر الأخضر" ليس أحلامًا إنَّما إصرار على مقاومة التحديات الكبيرة ولو بالاحتيال والخداع لمجموعة من الفلاحين ذوي الأماني القاصرة، الذين ظنوا أنَّ هجرات الخليج ستغنيهم، وهنا تأتى أهمية الوحدة ليحتويهم إخوانهم بالحيلة ليعوا شيئًَا فشيئًا أنَّ وطنهم لا يستغني عنهم وأنَّ أرضهم أولى بهم.

أيضًا ما رأيناه ليس حلمًا إنَّما واقع يتخطى عوامل الفتنة ومؤامرات الأعداء، وأخبثهم العدو الصهيوني الذي يحاول زرع الفرقة بين الأشقاء، وإقناع الجميع بترك سيناء خالية جدباء والهجرة إلى خارج مصر، ويساعدهم ويدعمهم بأموال التأشيرات.

ما رأيناه كان واقعًا وليس حلمًا، وما سمعناه من "حامد الأخضر" والفلاح "شندويل"من "مونولوجات" ذاخرة بالدراما والوجع يؤكِّد لنا أنَّه واقع مبني على تجارب ومحن، وقصص ألم وفقد، وتاريخ روته التضحيات.

فهؤلاء الفلاحون المهاجرون ليسوا كأي أحد؛ إنَّهم أصحاب قضية وولاة دم، فمن غير المنطقي أنْ يذهبوا لسيناء في رحلة تلاوة أمنيات وترديد أشعار وأغان واستدعاء أحلام.

هؤلاء المهاجرون إلى سيناء- كما يتبين لنا لاحقًا بعد قراءة النص وتحليله- ليسوا واعين فقط بأهمية تخضير سيناء وزراعتها بالقمح لدعم استقلال القرار المصري والإرادة المصرية، وليسوا واعين فقط بطبيعة المواجهة المحدودة التي يطلق عليها البعض "الصراع العربي الإسرائيلي"، الذي يعود بالذاكرة العربية فقط لعدة عقود سابقة منذ زرع الكيان الصهيوني على أرض فلسطين.

إنَّما وعيهم أشمل وأعمق وأبعد بكثير؛ فما سر هذا الترابط بين من هاجر من أبناء الدلتا- تمثلهم أسرة "حامد الأخضر"- وبين أهل سيناء - يمثلهم الشاب عودة-؟.

وما سر هذا الإخلاص الشديد والحماسة والتجرد والوفاء وهذا الإيثار بلا مقابل؛ عندما يتنازل "عودة" عن أرضه للوافدين الجدد لإنجاح التجربة.

تساؤلات تبحث عن خلفية ثقافية وعن رابط حضاري، إلى جانب سؤال الهوية الذي يلح علينا طيلة العرض؛ إذ ما الذي يدفع هؤلاء لتلك المجازفة والمغامرة الكبيرة؟، ما الذي يدفعهم لتحمل تبعات معاناة الهجرة؟، وكيف يغامرون بثرواتهم وأرضهم ويستوطنون أرضًا بلا مستقبل واضح المعالم؟.

والحيرة لا تدوم طويلًا، والإجابة عن جميع الأسئلة تبدو يسيرة ونحن نقرأ هذه الإحالة التي عالجها مؤلف النص ببراعة شديدة، لنكتشف أنَّنا أمام واقع شديد الشبه بواقع هجرة الجيل الأول من المسلمين من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة، في تأصيلٍ للقضية بشكل أعمق ينعش الذاكرة القومية والدينية ويفسر هذه الحماسة الشديدة في تبني القضية، ويضع المسيرة الطويلة والمعاناة الشاقة من الدلتا إلى سيناء في سياقها التاريخي والحضاري والوجودي.

فالقضية ليست مجرد مواجهة عمرها عقود، ولا لمجرد استرداد أرض سيناء كاملة وحماية الأمن القومي المصري، إنَّما هو صراع وجود عُمْره من عُمْر الإسلام؛ لذلك اتضحت أمامنا على خشبة المسرح ملامح القضية سريعًا بنفس أطراف الصراع والمدافعة الثلاث وهم: "مهاجرون - أنصار - مناوئون متربصون حاقدون"؛ وكأننا نشاهد تفاصيل هجرة المسلمين الأوائل بنفس المعاناة وتحمل المشاق ومواجهة التحديات، ثم استقبال الأنصار وتفانيهم وتضحياتهم وإيثارهم، في مناخ مشحون بالتربص اليهودي الذي يسعى في بث الفرقة وإحداث الانقسام لإفشال التجربة الوليدة.

فالمهاجرون هنا بقيادة "حامد الأخضر" يتكبدون المشاق، ويضحون بكل ما يملكون ويقدِّمون المصلحة العامة على المصلحة الخاصة، ويقرِّرون مواجهة التحديات من أجل بناء مصر ونهضتها، ومن أجل التمكين في الأرض وإنهاء مرحلة الإذلال والاستضعاف إلى غير رجعة.

وهناك الأنصار في سيناء يمثلهم الشاب السيناوي صاحب الوجه الباسم المستبشر "عودة"، وهو الأنصاري الفدائي الذي يحتوي أخاه المهاجر ويأويه وينصره ويدعمه ويؤثره على نفسه ولو كان به خصاصة؛ فيتنازل عن نصف أرضه وماله للمهاجري الدلتاوي، ويتحمل اتهامات التخوين والإساءة- بسبب سعي الصهاينة بين الأشقاء بالفتنة- ويتعالى على جراحه من أجل القضية، ومن منطلق انتمائه لوطنه.

هو واقع شبيه بواقع المدينة المنورة في بداية بناء الدولة الإسلامية، يستوحيه المؤلف ببراعة لوصف واقع سيناء المشابه في بداية البناء الحقيقي للدولة المصرية، وتحولها من الخضوع لتسلط صناديد القوى الدولية وكونها مجرد تابع لسياسات وإرادات الغرب وأمريكا، إلى دولة قوية حرة مستقلة، تتعامل مع جميع الفرقاء بندية، ويجبر الجميع على احترامها وسماع كلمتها وعدم تجاوزها.

مهاجرون وأنصار، فما كان أروع هذه المشاهد الدافئة الحميمية! وما أجمل أنْ يكون لسيناء مهاجرون وأنصار، يتكاتفون ويشبكون أذرعهم ويتحدون لهزيمة المؤامرات والمخططات التي تنفذ على الأرض، وتسعى لتقويض دولتهم وتخريب مشروع نهضتهم!.

الشخصية التي رمزت للوجود الصهيوني في سيناء هو "عبده الكيماوي"، هو عدو ضئيل الحجم، ضعيف جدًّا إذا اتحد العرب والمسلمون ضده، وكان المشهد عندما تم القبض عليه وكشف حقيقته كاشف فقد كاد المصري- السيناوي والدلتاوي- إلى جانب العربي السعودي يفتكون به، فقد ظهر ضئيلًا جدًّا هزيلًا جدًّا في حال وحدتهم الطارئة!.

لكنَّ للصهاينة قوة خفية صنعوها بسعيهم بالفتنة وإحداث الفرقة بين البشر وامتلاك أسباب القوة المادية؛ لذلك يعمد "بريزة" المجذوب الحكيم صاحب الحدس لمناداة الصهيوني "عبده الكيماوي" بالثعبان الذي يبث سمومه ويسعى لزرع الأحقاد والكراهية بين الأشقاء.

المفارقة هنا مفعمة بالتحدي، عندما تعود ذاكرة المشاهد إلى المجد الذي بناه المهاجرون والأنصار الأُوُل عندما اتحدوا وتغلبوا على وساوس الأعداء ومؤامراتهم، واستمروا على طريق الوحدة فحازوا المجد وبنوا دولة قوية ناهضة مترامية الأطراف.

وسرعان ما تعود الذاكرة المحملة بفخر الماضي وأمجاده أسيفة على وقع دراما مشهد النهاية الصادم؛ فقد استطاع هذا العدو الضئيل المزروع في قلب الجسد المصري هزيمةَ عائلة "حامد الأخضر" ومن نصروهم من أهل سيناء ومن التحقوا بهم من العرب، وأحرق القمح الذي زرعوه، ووقف يضحك ويقهقه في مقدمة خشبة المسرح، وخلفه العرب يتصايحون ويندبون حظهم.

الحالة هنا ليست في حاجة لتوصيف؛ فهذا هو واقعنا المعاش، عندما فشلنا في تحقيق الوحدة بيننا، وعندما دبَّ في قلوبنا الشعور البغيض بالتوجس والريبة من كل شخص ينتمي إلى سيناء، وعندما مددنا أيدينا للتعاون مع العدو طمعًا في الربح السريع- استطاع العدو الضئيل الهزيل الماكر هزيمتنا وإجهاض أحلامنا في سيناء.

هكذا عدنا مجبرين إلى استخدام مصطلح "الْحُلم"؛ فكأن المشاهد واللقطات والجمل والحوارات والاستعراضات والغناء، جميعها كانت تقف على خطوط التماس بين الواقع والحلم.. واقع الشتات والفرقة والانقسام والفتنة والتوجس والريبة والمؤامرات والصحراء القاحلة الممتدة، وحُلْم الوحدة والنهضة والتعمير والبناء والخضار.

والشك طوال العرض يظل قائمًا ملتصقًا بخيال المشاهد وذهنه، متلبسًا بكيانه، فلا يستطيع أنْ يجزم أنَّ هؤلاء الفلاحون في سيناء، وهذا الترابط والنصرة والالتحام بين أهل مصر من الدلتا وسيناء وزراعة صحراء سيناء قمحًا... إلخ؛ فهل هذا هو الواقع نعيشه أم أنَّه مجرد "حُلْم"؟.

إشارات فنية

- الانسجام الحركي والحواري جاء خادمًا لفكرة العرض الأساسية؛ فالوحدة تصنع النصر وتحقق المستحيل، وهذا الانسجام الجميل المبهر بين أبطال العرض من جهة وبين عناصره من حوار واستعراض وغناء وأضواء- أضفي البهجة والروعة والبعد الجمالي على فكرة الوحدة، بدون طرحها بشكل مباشر زاعق.

- الأداء التلقائي لمعظم أبطال العرض عكس مصداقيتهم وإيمانهم بالقضية؛ فنجحوا في إقناعنا أنَّهم أصحاب قضية وأصحاب رسالة، وأنَّهم أشخاص حقيقيون، وليسوا ممثلين على خشبة المسرح.

- دور البطولة أسند لفلاح عادى بسيط ملامحه مألوفة، هي ملامح الفلاح التقليدي، وكان مبهرًا ومقنعًا بهذه الملامح؛ فليس من الضروري أنْ يكون البطل وسيمًا ليبهرني، وقد أبدع المخرج في اختيار بطل يرمز للأرض المصرية، ضعيف البنية، مهدود الحيل، به شيء أعمق من الملامح ومن الكلمات المؤثرة ومن جمله وحركاته الوئيدة على المسرح، ذلك الشيء هو الإحساس الذي أوجد بين الفنان "عادل ماضي" وبين الجمهور هذا التفاعل السحري.

- المخرج رغم أنَّه يسبح في أرض إبداعية خصبة تغري الكثيرين بالاسترسال الذي ينذر بالترهل- إلَّا أنَّه استطاع الإمساك بخيوط القضية ومحطاتها الأساسية، وقام بتحريك فريق عمله ومزج أدواته في تناغم وتصاعد درامي سريع ومقنع وحاسم؛ فخرجت المسرحية محبوكة في إبهار القصيدة المتكاملة أو اللوحة الفنية المنسجمة الألوان والعناصر.

- الأشعار للأديبة "صفاء البيلي" رائعة ومنسجمة مع الأحداث، وكانت لمحة ذكية فلم يكن العرض ليخرج بهذا الشجن المؤثر وهذا الوهج الذي ظل يوقظ الحنين شيئًا فشيئًا إلى سيناء بدون هذه الكلمات، وأيضًا هذه الموسيقى التي تناغمت مع خطو "حامد الأخضر" وأشواقه الوئيدة إلى أرض المهجر.

- لا أرغب هنا في رصد بعض الهنات والسلبيات القليلة جدًّا؛ فتكامل العمل وتناغمه جعلنا نتنازل عن بعض المطالب الجمالية التي يتشكل منها سقف ذوقنا الفني.

أشكر فريق العمل بالمسرحية، والقائمين على فرقة "يناير تياترو" على هذا العرض الممتع النافع، وأتمنى لهم مزيدًا من التألق والنجاح والإبداع.

تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.

التعليقات

تعليقات الإسلام اليوم

 

تبقى لديك حرف