آخر تحديث الساعة 06:03 (بتوقيت مكة المكرمة)

المنفلوطي.. أديب مدافع عن الإسلام وقضاياه

السبت 13 ذو القعدة 1433 الموافق 29 سبتمبر 2012
المنفلوطي.. أديب مدافع عن الإسلام وقضاياه
مصطفى لطفي المنفلوطي
 

من منَّا لا يعرف المنفلوطي؟ من منَّا لم تَنْسَبْ دموعُه مع عَبَرَاته؟ من منَّا لم يجلس معه في "ظلال الزيزفون"؟، ولا أكتمكم سرًّا أنَّني- وقد تجاوزت الثانية والخمسين من عمري- لا أعرف شجرة الزيزفون هذه وأنا الفلاح ابن الفلاح.

نعم، أعرف شجر الصفصاف، والزنزلخت، والجميز، وشعر البنت، والسرو، والتوت، والجازورينا، والسدر... وغيرها من الأشجار التي نَعِمْنا بظلالها ونحن صغار، واختفت اليوم مع التشويه الذي طال كل شيء في حياتنا.

إنَّه "مصطفى لطفي المنفلوطي" الذي وُلِد في بلدة "منفلوط" من مدن الوجه القبلي بصعيد مصر، غلب عليه النسب إليها، وكان ذلك في سنة (1877م)، وقالت مصادر أخرى (1876م)، وقالت أخرى إنَّه وُلِد قبل ذلك بخمسة أعوام.

وهو أديب مصري، قام بالكثير من ترجمة واقتباس بعض الروايات الغربية الشهيرة بأسلوب أدبي فذٍّ، واستخدام رائع للغة العربية، حفظ القرآن في مقتبل عمره، ثم انتقل إلى الأزهر وتلقى هناك الكثير من العلوم والمعارف على يد أساتذة العلم واللغة والأدب، ومكث في الأزهر عشر سنوات.

رجع المنفلوطي إلى بلده حيث مكث عامين متفرغًا لدراسة كتب الأدب القديم؛ فقرأ لابن المقفع، والجاحظ، والمتنبي، وأبى العلاء المعري، وكوَّن لنفسه أسلوبًا خاصًّا يعتمد على شعوره وحساسية نفسه. وسُجِنَ أشْهرًا لقصيدةٍ قالها تعريضًا بالخديوي عباس حلمي، ونشر في جريدة المؤيد عِدَّة مقالات تحت عنوان "النظرات"، ووَلِي أعمالًا كتابية في وزارة المعارف، ووزارة الحقانية، وأمانة سر الجمعية التشريعية، وأخيرًا في أمانة سر المجلس النيابي، وكان- رحمه الله- مكثرًا من القراءة منصرفًا لها.

توفي المنفلوطي يوم الخميس، الثاني عشر من يونيه سنة 1924م، عن عمر يناهز الثانية والخمسين عامًا تقريبًا، وكانت وفاته في اليوم الذي جرت فيه محاولة اغتيال سعد زغلول الذي نجا من تلك المحاولة، ولكنه أصيب إصابة بالغة؛ فانشغل الناس بتلك الحادثة ولم يلتفتوا كثيرًا لوفاة المنفلوطي.

ولقد رثاه حافظ إبراهيم وأحمد شوقي في مأتم أقيم في وقت لاحق، قال شوقي:

اخترتَ يوم الهول يوم وداعِ

ونعاك في عصف الرياح الناعي

هتف النعاة ضحًى فأَوْصد دونهم

جرحُ الرئيس منافذَ الأسماعِ

من مات في فزع القيامة لم يجد

قدمًا تشيِّع أو حفاوة ساعي

مؤلفاته

للمنفلوطي أعمال أدبية كثيرة اختلف فيها الرأي وتدابر حولها القول، وقد بدأت أعمال المنفلوطي تتبدى للناس من خلال ما كان ينشره في بعض المجلات الإقليمية؛ كمجلة "الفلاح"، و"الهلال"، و"الجامعة"، و"العمدة"... وغيرها، ثم انتقل إلى أكبر الصحف آنذاك وهي "المؤيَّد".

كَتَب المنفلوطي الكتب التالية:

1- النَّظرات.

2- في سبيل التَّاج.

3- ماجدولين أو تحت ظلال الزيزفون.

4- بول وفرجيني أو "الفضيلة".

5- "الشاعر" أو سبرانودي برجراك.

6- العَبَرات.

7- "مختارات المنفلوطي"، وهي مختارات شعرية ونثرية انتقاها المنفلوطي من أدب الأدباء العرب في مختلف العصور.

المنفلوطي والدفاع عن الإسلام

قدَّم اللورد كرومر إلى حكومته في بريطانيا تقريرًا، فانتقص فيه من الإسلام والمسلمين مرددًا ما سبقه من أقوال بني جلدته؛ أمثال "هانوتو" وزير خارجية فرنسا و"رينان"، ووضع كلماته التي تقطر سُمًّا وحقدًا على الإسلام والمسلمين في كتابه "مصر الحديثة"؛ حيث يقول:

إنَّ الإسلام دين موضوع، ابتدعه رجل عربي بدوي أُمِّي، ما قرأ في حياته صحيفة، ولا سمع حكمة اليونان، ولا رأى مدنية الرومان.

وإنَّ الدين الإسلامي لا يتسع صدرُه للمدنية الإنسانية، ولا يصلح للنظام الاجتماعي، وإنَّ ما لا يصلح له الدين الإسلامي يصلح له الدين المسيحي، ويستدل على الإسلام بالمسلمين وعلى المسيحية بالمسيحيين، وهذا منطق أملاه التعصب المقيت ضد الحنيفية السمحة شايع فيه كرومر المنصِّرين وتُجَّار العقائد.

ويتصدى المنفلوطي لمزاعم كرومر الباطلة وقياسه الخاطئ، موضحًا أنَّ ما أصاب المسلمين من وَهَنٍ وضعف إنَّما كان بسبب النصرانية لا الإسلام، وكل ما نراه من خلط في عقيدة القضاء والقدر، والتوكل، وغيرها أَثَرٌ من آثار المسيحية وليس من الإسلام في شيء.

ويذكِّر المنفلوطيُّ كرومرَ بما كان من تخلُّف أوربا حينما أهدى هارون الرشيد العباسي ساعةً لشارلمان ملك فرنسا؛ فظنَّ قومُه أنَّها تشتمل على الجنِّ والشياطين، ودَوْرِ محاكم التفتيش في العصور الوسطى، وموقفها ممن كانوا يزاولون العلوم، كما يناقشه قائلًا: "إذا كان لابد من الاستدلال بالأثر على المؤثِّر كما يزعم كرومر؛ فإنَّ المدنية الغربية اليوم أَثَرٌ من آثار الإسلام بالأمس".

والدين الإسلامي لم يترك صغيرةً ولا كبيرة إلا أحصاها، ويعدد مآثر الإسلام وحضارته التي شهد بها المنصفون من الغرب في مجالات العلم المختلفة، إلى أنْ يجهر لممثل السلطة الإنجليزية المحتلة آنذاك قائلًا: "إنَّك أسأت إلينا وإلى ديننا فلم نَرَ بُدًّا من الذَّبِّ عنه بما نعلم أنَّه حق وصواب".

قضية الحجاب

قام المنفلوطي بتوجيه النقد الشديد لقاسم أمين صاحب الدعوة المزعومة إلى تحرير المرأة، ولم يكن المنفلوطي متساهلًا وإنَّما صَبَّ جام غضبه؛ ففي محاورة طريفة له بعنوان: "يوم الحساب"؛ صور المنفلوطي ما جناه قاسم أمين على المرأة بأنَّه كان كمن أعطى الجاهل سيفًا ليقتل به غيره فقتل نفسه.

ويقول: "لقد جنى كتابُك- يقصد قاسم أمين- على المرأة ما جناه؛ من هتْك حرمتها، وفسادها، وتبذلها، وإراقة تلك البقية الصالحة التي كانت في وجهها من ماء الحياء".

ويقول في مقال بليغ تحت عنوان "الحجاب": "لقد كنَّا وكانت العفة في سقاء من الحجاب موكوء، فمازلتم به تثقبون في جوانبه كل يوم ثقبًا، والعفة تتسلل منه قطرة قطرة، حتى تقبَّض وتكرَّش، ثم لم يكفكم ذلك منه حتى جئتم اليوم تريدون أنْ تحلُّوا وكاءه؛ حتى لا تبقى فيه قطرة واحدة.

عاشت المرأة المصرية حقبة من دهرها مطمئنة في بيتها، راضية عن نفسها وعن عيشها، ترى السعادة كلَّ السعادة في واجب تؤديه لنفسها، أو وقفة تقفها بين يدي ربها، أو عطفة تعطفها على ولدها، أو جلسة تجلسها إلى جارتها تبثها ذات نفسها، وتستبثها سريرة قلبها، وترى الشرف كلَّ الشرف في خضوعها لأبيها، وائتمارها بأمر زوجها، ونزولها عند رضاهما.

وكانت تفهم معنى الحب، وتجهل معنى الغرام؛ فتحب زوجها لأنَّه زوجها، كما تحب ولدها لأنَّه ولدها، فإنْ رأى غيرها من النساء أنَّ الحب أساس الزواج رأت هي أنَّ الزواج أساس الحب. فقلتم لها إنَّ هؤلاء الذين يستبدون بأمرك من أهلك ليسوا بأوفر منك عقلًا، ولا أفضل رأيًا، ولا أقدر على النظر لك من نظرك لنفسك؛ فلا حق لهم في هذا السلطان الذي يزعمونه لأنفسهم عليك؛ فازدرتْ أباها، وتمرَّدتْ على زوجها، وأصبح البيت- الذي كان بالأمس عرسًا من الأعراس الضاحكة- مناحة قائمة، لا تهدأ نارها، ولا يخبو أوارها.

وقلتم لها لابد لك أنْ تختاري زوجك بنفسك؛ حتى لا يخدعك أهلك عن سعادة مستقبلك؛ فاختارت لنفسها أسوأ مما اختار لها أهلها، فلم يزد عمر سعادتها على يوم وليلة، ثم الشقاء الطويل بعد ذلك، والعذاب الأليم... إلى أنْ يقول:

إنَّا نضرع إليكم... أنْ تتركوا تلك البقية الباقية من نساء الأمة مطمئنات في بيوتهنَّ، ولا تزعجوهنَّ بأحلامكم وآمالكم كما أزعجتم من قبلهنَّ؛ فكل جرح من جروح الأمة له دواء إلا جرح الشرف، فإنْ أبيتم إلا أنْ تفعلوا فانتظروا بأنفسكم قليلًا ريثما تنتزع الأيام من صدوركم هذه الغيرة التي ورثتموها عن آبائكم وأجدادكم؛ لتستطيعوا أنْ تعيشوا في حياتكم الجديدة سعداء آمنين".

وهذه صراحة من المنفلوطي تشهد بجرأته في الصدع بالحق، وأنَّه لا يخشى في الله لومة لائم، وشنَّ حملة شعواء على ما شاهده من تبذل وسفور في المراقص، التي تخرب البيوت العامرة، وتذبل الرياض الزاهرة، قائلًا:

"والله، لا يبلغ العدو منا بخيله وأساطيله وقنابله ما يبلغ منا المرقص ببغاياه".

وفي مقال بعنوان: "احذري أيتها المسلمة"، يقول المنفلوطي:

لن تجد المرأة المسلمة يهوديًّا أو نصرانيًّا يهدي إليها النصيحة، ويحذرها من الفتن!، ولا تستكثر المرأة المسلمة أنْ تكتب لها صفحات توضح لها الطريق، وتبين لها المسير، ويبقى بعد القراءة العمل وتوقي الحذر.

احذري أيتها المسلمة، وبَالِغِي في الحذر، واجعلي أخصَّ طباعك الحذر وحده، احذري تمدُّنَ أوروبا أنْ يجعل فضيلتك ثوبًا يوسع ويضيق، فلبس الفضيلة على ذلك هو لبسها وخلعها... احذري فَنَّهم الاجتماعي الخبيث الذي يفرض على النساء في مجالس الرجال أنْ تؤدي أجسامهن ضريبة الفنِّ... احذري تلك الأنوثة الاجتماعية الظريفة؛ إنَّها انتهاء المرأة بغاية الظرف والرقة إلى الفضيحة، احذري تلك النسائية الغزلية؛ إنَّها في جملتها ترخيص اجتماعي للحرة أنْ تشارك البغي في نصف عملها.

احذري- وأنتِ النجم الذي أضاء منذ النبوة- أنْ تقلدي هذه الشمعة التي أضاءت منذ قليل... إلى أنْ يقول:

إنَّ المرأة المسلمة هي استمرار متصل لآداب دينها الإنساني العظيم، هي دائمًا شديدة الحفاظ، حارسة لحوزتها؛ فإنَّ قانون حياتها دائمًا هو قانون الأمومة المقدَّس؛ هي الطهر والعفة، هي الوفاء والأنَفَة، هي الصبر والعزيمة، هي كل فضائل الأم، فما هو طريقها الجديد في الحياة الفاضلة إلا طريقها القديم بعينه.

محاربة البدع وأدعياء التصوف

لقد انبرى المنفلوطي في "نظراته" لدحض البدع التي شاعت في أوساط العامة؛ كالتبرك بالقبور، ورصد النذور لأصحابها؛ مما يعد شركًا في العقيدة.

ويقول في مقال بعنوان: "دمعة على الإسلام":

كُتب إلى أحد علماء الهند كتابٌ يقول فيه صاحبه إنَّه اطلع على مؤلَّف ظهر حديثًا بلغة "التاميل"، وهي لغة الهنود الساكنين بناقور وملحقاتها بجنوب مدراس، موضوعه: تاريخ حياة السيد عبد القادر الجيلاني وذكر مناقبه وكراماته، فرأى فيه من الصفات والألقاب التي وصف بها الكاتب السيد عبد القادر ولقَّبه بها، صفات وألقابًا هي بمقام الإلاهية أليق منها بمقام النبوة، فضلًا عن مقام الولاية. كقوله:

"سيد السموات والأرض" و"النفَّاع الضَّرار" و"المتصرف في الأكوان" و"المطلع على أسرار الخليقة" و"محيي الموتى" و"مبرئ الأعمى والأبرص والأكمه" و"أمره من أمر الله" و"ماحي الذنوب" و"دافع البلاء" و"الرافع الواضع" و"صاحب الشريعة" و"صاحب الوجود التام"... إلى كثير من أمثال هذه النعوت والألقاب!

ويقول الكاتب: إنَّه رأى في ذلك الكتاب فصلًا يشرح فيه المؤلف الكيفية التي يجب أنْ يتكيَّف بها الزائر لقبر السيد عبد القادر الجيلاني، يقول فيه:

"أول ما يجب على الزائر أنْ يتوضأ وضوءًا سابغًا، ثم يصلي ركعتين بخشوع واستحضار، ثم يتوجه إلى تلك الكعبة المشرفة؛ وبعد السلام على صاحب الضريح المعظم يقول:

يا صاحب الثقلين أغثني وأمدَّني بقضاء حاجتي وتفريج كربتي، أغثني يا محيي الدين عبد القادر، أغثني يا ولي عبد القادر، أغثني يا سلطان عبد القادر، أغثني يا بادشاه عبد القادر، أغثني يا خوجة عبد القادر".

"يا حضرة الغوث الصمداني، يا سيدي عبد القادر الجيلاني، عبدُك ومريدك مظلوم عاجز، محتاج إليك في جميع الأمور في الدين والدنيا والآخرة".

ويقول الكاتب أيضًا: إنَّ في بلدة "ناقور" في الهند قبرًا يسمى "شاه الحميد"، وهو أحد أولاد السيد عبد القادر- كما يزعمون- وإنَّ الهنود يسجدون بين يدي ذلك القبر سجودهم بين يدي الله، وإنَّه في كل من بلدان الهنود وقراها مزار يمثل مزار السيد عبد القادر، فيكون القبلة التي يتوجه إليها المسلمون في تلك البلاد، والملجأ الذي يلجئون في حاجاتهم وشدائدهم إليه، وينفقون من الأموال على خدمته وسدانته وفي موالده وحضراته ما لو أُنفِق على فقراء الأرض جميعًا لصاروا أغنياء.

هذا ما كتبه إلي هذا الكاتب؛ ويعلم الله أنَّي ما أتممت قراءة رسالته حتى دارت بي الأرض الفضاء، وأظلمت الدنيا في عيني، فما أبصر ممن حولي شيئًا؛ حزنًا وأسفًا على ما آلت إليه حالة الإسلام بين أقوام نكروه بعدما عرفوه، ووضعوه بعدما رفعوه، وذهبوا به مذاهب لا يعرفها ولا شأن له بها.

ثم أخذ يفنِّد تلك الخزعبلات، فيقول:

"أي عين يجمل بها أنْ تستبقي في محاجرها قطرةً واحدة من الدمع فلا تريقها أمام هذا المنظر المؤثر المحزن؟، منظر أولئك المسلمين وهم ركع سجد على أعتاب قبر، ربَّما كان بينهم من هو خير من ساكنه في حياته، فأحرى أنْ يكون كذلك بعد مماته!.

أي قلب يستطيع أنْ يستقر بين جنبي صاحبه ساعة واحدة فلا يطير جزعًا حينما يرى المسلمين- أصحاب دين التوحيد- أكثر من المشركين إشراكًا بالله، وأوسعهم دائرة في تعدد الآلهة وكثرة المعبودات؟!.

لِمَ ينقم المسلمون التثليث من المسيحيين؟ لِمَ يحملون لهم في صدورهم تلك الموجدة وذلك الضغن؟ عَلَامَ يحاربونهم؟ وفيم يقاتلونهم وهم لم يبلغوا من الشرك بالله مبلغهم، ولم يغرقوا فيه إغراقهم؟!.

يدين المسيحيون بآلهة ثلاثة، ولكنهم يشعرون بغرابة هذا التعدد وبُعْدِه عن العقل؛ فيتاولون فيه ويقولون: إنَّ الثلاثة في حكم الواحد.

أمَّا المسلمون فيدينون بآلاف الآلهة، أكثرها جذوع أشجار، وجثث أموات، وقطع أحجار، من حيث لا يشعرون!.

كثيرًا ما يضمر الإنسان في نفسه أمرًا وهو لا يشعر به، وكثيرًا ما تشتمل نفسه على عقيدة خفية لا يحس باشتمال نفسه عليها، ولا أرى مثلًا لذلك أقرب من المسلمين الذين يلتجئون في حاجاتهم ومطالبهم إلى سكان القبور، ويتضرعون إليهم تضرعهم للإله المعبود؛ فإذا عتب عليهم في ذلك عاتب قالوا: إنا لا نعبدهم، وإنَّما نتوسل بهم إلى الله، كأنَّهم يشعرون أنَّ العبادة ما هم فيه، وأنَّ أكبر مظهر لإلاهية الإله المعبود أنْ يقف عِبَاده بين يديه ضارعين خاشعين، يلتمسون إمداده ومعونته؛ فهم في الحقيقة عابدون لأولئك الأموات من حيث لا يشعرون.

جاء الإسلام بعقيدة التوحيد ليرفع نفوس المسلمين، ويغرس في قلوبهم الشرف والعزة والأنفة والحمية، وليعتق رقابهم من رق العبودية فلا يذل صغيرهم لكبيرهم، ولا يهاب ضعيفهم قويهم، ولا يكون لذي سلطان بينهم سلطان إلا بالحق والعدل.

وقد ترك الإسلام- بفضل عقيدة التوحيد- ذلك الأثر الصالح في نفوس المسلمين في العصور الأولى؛ فكانوا ذوي أَنَفَة وعزة، وإباء وغَيْرَة، يضربون على يد الظالم إذا ظلم، ويقولون للسلطان إذا جاوز حده: قف مكانك، ولا تغل في تقدير مقدار نفسك؛ فإنَّما أنت عبدٌ مخلوقٌ لا رب معبود، واعلم أنَّه لا إله إلا الله.

هذه صورة من صور نفوس المسلمين في عصر التوحيد، أمَّا اليوم وقد داخل عقيدتهم ما داخلها من الشرك الباطن تارة والظاهر أخرى؛ فقد ذلَّت رقابهم، وخفقت رءوسهم، وضرعت نفوسهم، وفترت حميتهم؛ فَرَضُوا بخطة الخسف، واستناموا إلى المنزلة الدنيا؛ فوجد أعداؤهم السبيل إليهم، فغلبوا على أمرهم، وملكوا عليهم نفوسهم وأموالهم، ومواطنهم وديارهم؛ فأصبحوا من الخاسرين.

واللهِ، لن يسترجع المسلمون سالف مجدهم، ولن يبلغوا ما يريدون لأنفسهم من سعادة الحياة وهناءتها؛ إلَّا إذا استرجعوا قبل ذلك ما أضاعوه من عقيدة التوحيد؛ وإنَّ طلوعَ الشمس من مغربها وانصباب ماء النهر في منبعه أقربُ من رجوع الإسلام إلى سالف مجده؛ مادام المسلمون يقفون بين يدي الجيلاني كما يقفون بين يدي الله، ويقولون للأول كما يقولون للثاني: "أنت المتصرف في الكائنات، أنت سيد الأرضين والسموات".

إنَّ الله أَغْيَر على نفسه من أنْ يسعد أقوامًا يزدرونه ويحتقرونه ويتخذونه وراءهم ظهريًّا، فإذا نزلت بهم جائحة، أو ألمت بهم ملمة ذكروا الحَجَر قبل أنْ يذكروه، ونادوا الجذع قبل أنْ ينادوه.

يا قادةَ الأمة ورؤساءها، عَذَرْنا العامة في إشراكها، وفساد عقائدها، وقلنا إنَّ العامي أقصر نظرًا، وأضعف بصيرة من أنْ يتصور الإلاهية إلَّا إذا رآها ماثلة في النصب والتماثيل، والأضرحة والقبور.

فما عذركم أنتم؟ وأنتم تتلون كتاب الله، وتقرأون صفاته ونعوته، وتفهمون معنى قوله تعالى: "قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ" [النمل: ٦٥]، وقوله مخاطبًا نبيه: "قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا" [الأعراف: ۱٨٨]، وقوله: "وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى" [الأنفال: ۱۷].

إنَّكم تقولون في صباحكم ومسائكم وغُدوِّكم ورواحكم:

وكل خير في اتباع من سلف

وكل شر في ابتداع من خلف

فهل تعلمون أنَّ السلف الصالح كانوا يجصصون قبرًا، أو يتوسلون بضريح؟!.

وهل تعلمون أنَّ واحدًا منهم وقف عند قبر النبي- صلى الله عليه وسلم- أو قبر أحد من أصحابه وآل بيته يسأله قضاء حاجة، أو تفريج هم؟!.

وهل تعلمون أنَّ الرفاعي والجيلاني والبدوي أكرم عند الله وأعظم وسيلة إليه من الأنبياء والمرسلين والصحابة والتابعين؟!.

وهل تعلمون أنَّ النبي- صلى الله عليه وسلم- حينما نهى عن إقامة الصور والتماثيل نهى عنها عبثًا ولعبًا أم مخافة أنْ تعيد للمسلمين جاهليتهم الأولى؟ وأي فرق بين الصور والتماثيل وبين الأضرحة والقبور مادام كل منها يجر إلى الشرك ويفسد عقيدة التوحيد؟!

واللهِ، ما جهلتم شيئًا من هذا ولكنكم آثرتم الحياة الدنيا على الآخرة؛ فعاقبكم الله على ذلك بسلب نعمتكم، وانتقاض أمركم، وسلط عليكم أعداءكم يسلبون أوطانكم، ويستعبدون رقابكم، ويخربون دياركم، والله شديد العقاب.

إلى أبطال الإسلام في العراق

أمَّا المقالة المفاجأة فكانت تحت عنوان "إلى أبطال الإسلام في العراق" وكأنَّه كتبها اليوم، يقول فيها:

أبطال "العراق"، وليوث "الرافدين"، وحماة الثغور، وذادة المعاقل والحصون...

صبرًا قليلًا في مجال الموت؛ فها هي نجمة النصر تلمع في آفاق السماء، فاستنيروا بنورها، واهتدوا بهديها حتى يفتح الله عليكم، إنَّ الله وعدكم النصر، ووعدتموه الصبر، فأنجزوا وعدكم ينجز لكم وعده.

لا تحدثوا أنفسكم بالفرار؛ فوالله إنْ فررتم لا تفرون إلَّا عن عرض لا يجد له حاميًا، وشرف لا يجد له ذائدًا، ودين يشكوا إلى الله قومًا أضاعوه، وأنصارًا خذلوه.

إنَّكم لا تحاربون رجالًا أشداء بل أشباحًا تتراءى في ظلال الأساطيل، وخيالات تلوذ بأكناف الأسوار والجدران؛ فاحملوا عليها حملة صادقة تطير بما بقي من ألبابها، فلا يجدون لبنادقهم كفًّا، ولا لأسيافهم ساعدًا.

إنَّهم يطلبون الحياة وأنتم تطلبون الموت، ويطلبون القوت وتطلبون الشرف، ويطلبون غنيمة يملئون بها فراغ بطونهم وتطلبون جنة عرضها السموات والأرض؛ فلا تجزعوا من لقائهم؛ فالموت لا يكون مُرَّ المذاق في أفواه المؤمنين.

إنَّكم تعتمدون على الله، وتثقون بعدله ورحمته؛ فتقدموا إلى الموت غير شاكين ولا مرتابين، فما كان الله ليخذلكم ويكلكم إلى أنفسكم، وأنتم من القوم الصادقين.

إنَّ هذه القطرات من الدماء التي تسيل من أجسامكم ستستحيل غدًا إلى شهب نارية حمراء تهوي فوق رءوس أعدائكم فتحرقهم، وإنَّ هذه الأنَّات المتصاعدة من صدوركم ليست إلا أنفاس الدماء صاعدة إلى إله السماء أنْ يأخذ لكم بحقكم ويعديكم على عدوكم، والله سميع الدعاء.

إنَّ أعداءكم قتلوا أطفالكم، وبقروا بطون نسائكم، وأخذوا بلحى شيوخكم الأجلاء فساقوهم إلى حفائر الموت سوقًا؛ فماذا تنتظرون بأنفسكم؟ اجلبوا عليهم بخيلكم ورَجْلِكم، واصدقوا حملتكم عليهم، وجعجعوا بهم، واقتلوهم حيث ثقفتموهم، واطلبوهم بكل سبيل، وفوق كل أرض، وتحت كل سماء، وأزعجوهم حتى عن طعامهم وشرابهم، ويقظتهم ومنامهم؛ فما أعذب الموت في سبيل تنغيص الظالمين!.

احفروا لأنفسكم بسيوفكم قبورًا؛ فالقبر الذي يحفر بالسيف لا يكون حفرة من حفر النار، لا تطلبوا المنزلة بين المنزلتين، ولا الواسطة بين الطرفين، ولا العيش الذي هو الموت أشبه منه بالحياة، بل اطلبوا إمَّا الحياة أبدًا وإمَّا الموت أبدًا.

غدًا ينتهك أعداؤكم حرمة أرضكم ودياركم، ويملكون عليكم نساءكم وأولادكم، ويطأون بحوافر خيولهم مساجدكم ومعابدكم، وينظمون في ثقوب آنافكم مقاود يقودونكم بها إلى مواقف الذل والهوان كما تقاد الإبل المخشومة إلى معاطنها؛ فافتدوا أنفسكم من هذا المصير المهين بجولة تجولونها في سبيل الله، ثم تموتون موت الجبان في حياته وحياة الشجاع في موته، فموتوا لتعيشوا، فوالله ما عاش ذليل ولا مات كريم.

إنَّ هذه الأساطيل الرابضة على شواطئكم، والمدافع الفاغرة أفواهها إليكم، والبنادق المسددة إلى صدوركم ونحوركم- لا يمكن أنْ يتألف منها سُورٌ منيع يعترض سبيلكم في رحلتكم من هذه الدار إلى تلك الدار؛ فسيروا في طريقكم إلى آخرتكم، فإنَّ الأعداء إنْ ملكوا عليكم طريق الحياة لا يملكون عليكم طريق الموت.

المستميت لا يموت، والمستقتل لا يقتل، ومن يهلك في الإدبار أكثر ممن يهلك في الإقدام؛ فإنْ كنتم لابد تطلبون الحياة فانتزعوها من بين ماضغي الموت.

إنَّ كُتَّاب التاريخ قد علقوا أقلامهم بين أناملهم، ووضعوا صحائفهم بين أيديهم، وانتظروا ما تملون عليهم من حسنات أو سيئات؛ فأملوا عليهم من أعمالكم ما يترك في نفوسهم مثل ذلك الأثر الذي تركته في نفوسكم تلك الصحائف البيضاء، التي سجلها التاريخ لأولئك الأبطال العظام.

موتوا اليوم أعزاء قبل أنْ تموتوا غدًا أذلاء، موتوا قبل أنْ تطلبوا الموت فيعوزكم، وتنشدوه فيعجزكم، موتوا اليوم شهداء في ساحة الحرب تكفنكم ثيابكم، وتغسلكم دماؤكم، وتصلي عليكم ملائكة الرحمن قبل أنْ يسبق قضاء الله إليكم فيموت أحدكم فلا يجد بجانبه مسلمًا يصلي عليه صلاة الجنازة، ثم يمشي وراء نعشه إلى قبره حتى يودعه حفرته، ويخلي بينه وبين ربه.

إنَّ الشيخين أبا بكر وعمر، والفارسين خالدًا وعليًّا، والأسدين حمزة والزبير، والفاتحين سعدًا وأبا عبيدة، والبطلين طارق بن زياد وعقبة بن نافع، وجميعَ حماة الإسلام وذادته من السابقين الأولين والمهاجرين الصابرين- "كأنِّي بهم" يشرفون عليكم اليوم من علياء السماء لينظروا ماذا تصنعون بميراثهم الذي تركوه في أيديكم؛ فامضوا لسبيلكم، واهتكوا بأسيافكم حجاب الموت القائم بينكم وبينهم، وقولوا لهم: إنَّا بكم لاحقون، وإنَّا على آثاركم لمهتدون.

إنَّ هذا اليوم له ما بعده؛ فلا تسلموا أعناقكم إلى أعدائكم؛ فإنَّكم إنْ فعلتم فلن يُعَبَدَ الله بعد اليوم على ظهر الأرض أبدًا.

تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.

التعليقات

  1. 1 - 4 ًصباحا 12:42:00 2012/09/30

    نتمنى من الشيخ سلمان العودة حفظه الله زيارة موقع الشاعر عبدالله بن عبار العنزي

  2. 2 - أسامة أحمد مساءً 04:11:00 2012/10/06

    السلام عليكم ورحمة الله , مقالة رائعة جعلتنا نتعرف على كاتب عظيم لم أتوقع أن يكون بهذا الرقي والابداع وجزا الله كاتب المقالة كل خبر

  3. 3 - خلده ًصباحا 01:21:00 2012/10/09

    حتى المنفلوطي تكلم بلسان المرأه المسلمه . . وشعر واحس بكل ماتشعر به وبكل ماتحس به ويعلم مافي نفسها ومافي ليس بنفسها . . . . لاحول ولاقوة اللا بالله العلي العظيم . . . . . سبحان الله اجتمعت معظم قلوب العلماء والمفكرين والادباء وووووومن الرجال على انهم يعرفون بالضبط الصحيح شعور واحاسيس وخلجات نفس ومعاناة واهات واحزان وسعادة المراه متى وكيف هي ومالذي تشعر به عندما تلبس الحجاب وتخضع لزوجها ولابيها وتخدمهم . . وتنظف مخلفاتهم ومقدماتهم . . . وكيف تسعد وتفرح بذلك وووووو . . . . لا حول ولا قوة اللا بالله العلي العظيم . . .. لو سمحتم مانبي احد يتكلم عنا وبلسانا كل له لسان يقدر يتكلم عن نفسه اكثر من غيره . . . . . . استغفر الله واتوب اليه استغفر الله العظيم . . . . مدري كيف يقول وتشعر المرأه بأنها سعيده في بيتها وسعيده بخضوعها لزوجها ومطمئنه وووو . . . كيف عرف مافي داخلها هل هو مطلع على النفوس . . . من رب العالمين . . . . كفى كتابات عن المرأه فمعظمها خطأ ولم تصل الى المرأه ابدا . . . . . ولم تؤثر او تتأثر بها المرأه . . . . . اليس كذلك اليس هذا الواقع مع هذه المؤلفات الكثيره عن المرأه والتكلم عنها والدفاع بلسانها . . . . هل اتت بايجابيه او بشيء ملموس حتى مقنع . . . . . . . من يذهب الى الراقصات والنوادي الليليه ويحرمه على نسائه فلن يجعل ربي بأذن الله على لسانه صدق . . . او من يعلم بوجود الراقصات ولم يكن من الذين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويرى نفسه واهله يملؤهم الاستقامه فكفى بذلك فهو مخدوع . . . ستغفر الله واتوب اليه استغفر الله العظيم . . .

تعليقات الإسلام اليوم

 

تبقى لديك حرف