آخر تحديث الساعة 06:03 (بتوقيت مكة المكرمة)

أخي.. جاوز الظالمون المدى!

الاثنين 22 ذو القعدة 1433 الموافق 08 أكتوبر 2012
أخي.. جاوز الظالمون المدى!
علي محمود طه
 

                                         (علي محمود طه وقصيدته "فلسطين")

"علي محمود طه" من أعلام مدرسة "أبولو"، التي أرستْ أُسس الرومانسية في الشعر العربي. يقول عنه أحمد حسن الزيات: كان شابًّا منضور الطلعة، مسجور العاطفة، مسحور المخيلة، لا يبصر غير الجمال، ولا ينشد غير الحب، ولا يحسب الوجود إلَّا قصيدةً من الغزل السماوي ينشدها الدهر ويرقص عليها الفلك!.

وُلِد علي محمود طه في الثالث من أغسطس سنة 1901م، بمدينة المنصورة عاصمة الدقهلية، لأسرة من الطبقة الوسطى، وقضى فيها صباه.

حصل على الشهادة الابتدائية، وتخرَّج في مدرسة الفنون التطبيقية سنة 1924م حاملًا شهادةً تؤهله لمزاولة مهنة هندسة المباني، واشتغل مهندسًا في الحكومة لسنوات طويلة، إلى أنْ يسَّر له اتصالُه ببعض الساسة العملَ في مجلس النواب.

وقد عاش حياة سهلة لينة، ينعم فيها بلذات الحياة كما تشتهي نفسه الحساسة الشاعرة. وأتيح له- بعد صدور ديوانه الأول "الملَّاح التائه" عام 1934م- فرصة قضاء الصيف في السياحة في أوربا؛ يستمتع بمباهج الرحلة في البحر، ويصقل ذوقه الفني بما تقع عليه عيناه من مناظر جميلة.

وقد احتل علي محمود طه مكانةً مرموقة بين شعراء الأربعينيات في مصر منذ صدر ديوانه الأول "الملَّاح التائه"، وفي هذا الديوان نلمح أثر الشعراء الرومانسيين الفرنسيين واضحًا لاسيما شاعرهم لامارتين.

وإلى جانب تلك القصائد التي تعبر عن فلسفة رومانسية غالبة كانت قصائده التي استوحاها من مشاهد صباه- حول المنصورة وبحيرة المنزلة- من أمتع قصائد الديوان وأبرزها.

وتتابعت دواوين علي محمود طه بعد ذلك؛ فصدر له:

- "ليالي الملَّاح التائه" 1940م.

- "أرواح وأشباح" 1942م.

- "شرق وغرب" 1942م.

- "زهر وخمر" 1943م.

- "أغنية الرياح الأربع" 1943م.

- "الشوق العائد" 1945م. وغيرها.

وقد كان التغني بالجمال أوضح في شعره من تصوير العواطف، وكان الذوق فيه أغلب من الثقافة، وكان انسجام الأنغام الموسيقية أظهر من اهتمامه بالتعبير؛ قال صلاح عبد الصبور في كتابه "على مشارف الخمسين":

"قلت لأنور المعداوي: أريد أنْ أجلس إلى علي محمود طه. فقال لي أنور: إنَّه لا يأتي إلى هذا المقهى، ولكنه يجلس في محل "جروبي" بميدان سليمان باشا. وذهبت إلى "جروبي" عدة مرات، واختلست النظر حتى رأيته... هيئته ليست هيئة شاعر ولكنها هيئة عين من الأعيان، وخفت رهبة المكان فخرجت دون أنْ ألقاه.

ولم يسعف الزمان؛ فقد مات علي محمود طه في 17 نوفمبر سنة 1949م، إثر مرض قصير لم يمهله كثيرًا، وهو في قمة عطائه وقمة شبابه، ودفن بمسقط رأسه بمدينة المنصورة".

ويرى د. سمير سرحان ود. محمد عناني أنَّ "المفتاح لشعر هذا الشاعر هو فكرة الفردية الرومانسية والحرية التي لا تتأتى بطبيعة الحال إلَّا بتوافر الموارد المادية التي تحرر الفرد من الحاجة ولا تشعره بضغوطها... بحيث لم يستطع أنْ يرى سوى الجمال، وأنْ يخصص قراءاته في الآداب الأوروبية للمشكلات الشعرية التي شغلت الرومانسية عن الإنسان والوجود والفن، وما يرتبط بذلك كله من إعمال للخيال، الذي هو سلاح الرومانسية الماضي..."

كان علي محمود طه أول من ثاروا على وحدة القافية ووحدة البحر؛ مؤكدًا على الوحدة النفسية للقصيدة؛ فقد كان يسعى- كما يقول الدكتور محمد حسين هيكل في كتابه "ثورة الأدب"- أنْ تكون القصيدة بمثابة "فكرة أو صورة أو عاطفة يفيض بها القلب في صيغة متسقة من اللفظ تخاطب النفس وتصل إلى أعماقها من غير حاجة إلى كلفة ومشقة... كان علي محمود طه في شعره ينشد للإنسان، ويسعى للسلم والحرية، رافعًا من قيمة الجمال كقيمة إنسانية عليا.

ويعد الشاعر علي محمود طه أبرز أعلام الاتجاه الرومانسي العاطفي في الشعر العربي المعاصر، وقد صدرت عنه عدة دراسات منها: كتاب أنور المعداوي "علي محمود طه: الشاعر والإنسان"، وكتاب السيد تقي الدين "علي محمود طه، حياته وشعره"، وكتاب محمد رضوان "الملَّاح التائه علي محمود طه"، وقد طبع ديوانه كاملًا في بيروت.

ويذكر أنَّ قصائد "الجندول، وفلسطين، وكليوباترا" غناها الموسيقار محمد عبد الوهاب، وثَمَّة قصائد وأشعار أخرى ل"طه" دخلت عالم الغناء، وخلدت هذا الاسم الكبير.

أخي، جاوز الظالمون المدى!

ليس ثَمَّة شك أنَّ فلسطين قلب الوطن العربي والإسلامي النابض، وماضي الأمة العربية والإسلامية وحاضرها ومستقبلها؛ لما لها من موقع جغرافي متميز، ومكانة دينية مقدسة.

وقد أصيب الأحرار والشرفاء في العالَمَيْن العربي والإسلامي بصدمة عند اغتصابها؛ فهب الأدباء والخطباء والشعراء بالدفاع عنها آملين أنْ تحرك كلماتُهم الحكامَ والشعوب لتحرير مقدساتها.

ومن هؤلاء الشعراء الشاعر على محمود طه، الذي امتشق قلمه ونظم قصيدته التي يحث فيها العالَمَيْن العربي والإسلامي على الدفاع عن فلسطين ومقدساتها.

يقول في قصيدته الرائعة:

أخي، جاوز الظالمون المدى

فحقَّ الجهادُ، وحقَّ الفدا

أنتركهُمْ يغصبونَ العُروبةَ

مجد الأبوَّةِ والسؤددا؟

وليسوا بِغَيْرِ صليلِ السيوفِ

يُجيبونَ صوتًا لنا أو صدى

فجرِّدْ حُسامَكَ من غمدِهِ

فليس لهُ، بعدُ، أنْ يُغمدا

أخي، أيها العربيُّ الأبيُّ

أرى اليوم موعدنا لا الغدا

أخي، أقبلَ الشرقُ في أمةٍ

تردُّ الضلال وتُحيي الهُدى

أخي، إنَّ في القدسِ أختًا لنا

أعدَّ لها الذابحون المُدى

صبرنا على غدْرِهم قادرينا

وكنا لَهُمْ قدرًا مُرصدًا

طلعْنا عليهم طلوع المنونِ

فطاروا هباءً، وصاروا سُدى

أخي، قُمْ إلى قبلة المشرقيْن ِ

لنحْمِ الكنيسة والمسجدا

أخي، قُمْ إليها نشقُّ الغمارَ

دمًا قانيًا ولظى مرعدا

أخي، ظمئتْ للقتال السيوفُ

فأوردْ شَباها الدم المُصعدا

أخي، إنْ جرى في ثراها دمي

وشبَّ الضرام بها موقدا

ففتِّشْ على مهجةٍ حُرَّة

أبَتْ أن يَمُرَّ عليها العِدا

وَخُذْ راية الحق من قبضةٍ

جلاها الوَغَى، ونماها النَّدى

وقبِّل شهيدًا على أرضها

دعا باسمها الله واستشهدا

فلسطينُ، يفدي حِماكِ الشبابُ

وجلُّ الفدائي والمُفتدى

فلسطين، تحميكِ منا الصدورُ

فإمَّا الحياة وإما الرَّدى

تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.

التعليقات

  1. 1 - عبدالتواب ًصباحا 10:49:00 2016/03/10

    كل ظالم له نهاية

تعليقات الإسلام اليوم

 

تبقى لديك حرف