لقد ولَّى الزمن الذي كانت فيه المواد الأولية تضمن لأصحابها حياة هادئة مطمئنة!
فالبترول الذي يعتبر إلى الآن المصدر الوحيد الذي يصنف "استراتيجيا" تجاوز سعر برميله 96 دولاراً بينما وصل سعر طن القمح 230 يورو في السوق الدولية كانعكاس مباشر لارتفاع أسعار الطاقة . وإذا كان هذا الارتفاع المذهل في سعر المادتين الأساسيتين في العالم يمثل مصدر سعادة لبعض المضاربين، فإنه على النقيض من ذلك يمثل مصدر شقاء لآخرين (المستهلكين) الذين وجدوا أنفسهم فجأة في مواجهة ظاهرة الارتفاع الجنوني للأسعار من البنزين إلى القمح ومشتقاته الضرورية لحياة الإنسان.
وحتى قبل حلول فصل الشتاء فإن سعر برميل (الذهب الأسود(البترول) يقارب حاجز 100 دولار ونفس السيناريو يتكرر على مستوى المواد الزراعية الأساسية حيث ارتفع سعر القمح بنسبة 180% منذ صيف العام الماضي 2006.
كما ارتفع سعر الذرة بنسبة 100% لنفس الفترة. فكل المواد تتجه للصعود المذهل في الأسواق العالمية حتى المواد التي تمثل سندات قيم كالذهب مثلا.
وربما الاستثناء الوحيد في هذا المجال هو السكر الذي انخفض سعره (بنسبة 40 دولاراً للطن الواحد) منذ يناير الماضي.
والسبب في ذلك تقول السيد"هيلين مولين" من (مكتب الاستشارات التجارية) هو إنتاج كل من البرازيل والهند لكميات هامة جداً من هذه المادة.
وفي المحصلة فالكل يجد تفسيره في الأسس الاقتصادية المعروفة: العرض، الطلب، والاحتياطي.
والواقع أن الأسواق الدولية تقاد من طرف "قوى مشتركة" يقول البروفيسور فيليب شالمين من جامعة باريس، فالزيادة الكبيرة لاحتياجات الصين (الجانب المتعلق بالطلب) ، والعجز المزمن في مجال الاستثمارات الخاصة بوسائل وتقنيات الإنتاج (جانب العرض) تفسر ظاهرة الارتفاع الحاد في أسعار بعض السلع الإستراتيجية.
ولعلاج ظاهرة عدم التوازن بين العرض والطلب فإننا نلجأ للمخزون، والذي هو تاريخنا- في مستويات منخفضة.
"وهذا يعني أننا سنجد أنفسنا أمام مخزون عالمي لأسبوعين أو ثلاثة أسابيع فقط".
يقول" اكزافييه بيلين" نائب رئيس رابطة منتجي القمح والذرة.
وتبقى تأثيرات تقلبات المناخ حاضرة بقوة في هذا المجال، حيث أدت ظاهرة الجفاف التي ضربت مناطق كبيرة من استراليا إلى انخفاض مستوى إنتاجها السنوي من القمح إلى 12 مليون طن بدلاً من 18 مليون طن سنويا.
وقد تزامن ذلك مع تجميد أوكرانيا لصادراتها من القمح بسبب الجفاف كذلك وذلك منذ شهر يوليو الماضي.
كما أن الشائعات التي راجت حول الضرائب المفروضة على صادرات روسيا من القمح قفزت بسعر القمح ليصل إلى 300 يورو للطن الواحد في شهر سبتمبر.
وإذا كانت أسعار القمح قد شهدت استقراراً (وهدوءاً نسبياً) إلا أنها مع ذلك تبقى في مستويات مرتفعة، مما ينعكس على سعر (الذرة) كذلك.
هل يتأثر سعر المواد الأولية بأسعار البترول؟
تطورات الأشهر والأسابيع الأخيرة على مستوى الأسواق العالمية تؤكد ذلك، حيث تتبع أسعار المواد الزراعية (خطوة بخطوة) سعر برميل النفط في السوق الدولية، وهذا ما يفسر توجه الكثير من البلدان لتطوير مصادر جديدة للطاقة (الطاقة البديلة) اعتماداً على بعض المنتجات الزراعية كالذرة، حيث تم تخصيص 24% من محصول هذه السنة للجوانب المتعلقة بالطاقة في الولايات المتحدة وكندا. وعلى المستوى الأوروبي فإن نسبة 10% من المحاصيل الزراعية سيتم استغلالها في الجوانب المتعلقة بالطاقة البديلة بحلول عام 2010.
وهذا يعني أن هناك فارقا هاما بين الواقع الذي يتسم بمحدودية (استخدام مصادر الطاقة البديلة، وبين التطلعات) كما تقول "باتريسيا ليكادر" المديرة المساعدة لمركز أبحاث الحبوب الزراعية.
إن العلاقة بين البترول والمواد الأولية قائمة أساساً على المضاربة، حيث يعمد بعض المستثمرين إلى شراء " سلة متنوعة" (قليل من النحاس وقليل من البترول... إلخ) بحسب رأي مسير أرصدة بالشركة العامة( Asset Manaj meut) وهو ما يفسر حقيقة المنطق الذي يتحكم في أسعار المواد الأساسية في الأسواق.