مما لا شك فيه أن هناك تأثيراً كبيراً يحدثه الاستثمار في سوق المال (البورصة) على السيولة، سواء المتوافرة للشركات (المستثمرة أو المضاربة في أسهم شركات أخرى) بمستوياتها الكبرى، والمتوسطة، والصغرى، أو المتوافرة للأفراد المتعاملين مع سوق المال، سواء للاستثمار أو المضاربة .
وهذا التأثير ناتج من توجيه كميات كبيرة من الأموال النقدية السائلة،- المخصصة في حسابات التداول– نحو الاستثمار أو المضاربة في سوق المال، خاصة في حالة انتعاش هذه الأسواق .
ومن المتعارف عليه أن الإنسان جُبل على حب المال، ونمائه، وهذا ما يدفعه إلى المضـاربة في أسـواق المال لتحقيق الربح السريع، والوفير، وذي المعدلات الربحية المرتفعة، مقارنة بأوجه الاستثمار الأخرى المتاحة في السوق، وقد يتغافل عن المخاطر المرتفعة التي تقابل معدلات الربحية المرتفعة، وهذا مبدأ اقتصادي أصيل؛ إذ توجد علاقة طردية بين الربحية والمخاطر (كلما زادت المخاطر، زادت الربحية).
ومـن المتعارف عليه أيضاً، أن هناك حاجات فسيولوجية للإنسان لابد له من تحقيقها، وهي المأكل، والملبس، والسكن، ووسيلة الانتقال... الخ، وهذه الحاجات لابد من إشباعها؛ إذ لا حياة للإنسان بدونها.
وفي حـالة توجيه فرد ما لكـل أو جل أمواله نحو الاستثمار أو المضاربة في سوق المال، فمـن أين له أن يحقق هـذه الحاجات الأساسية والضرورية لممارسة حياته الطبيعية؟
وإذا نظرنا إلى الصورة من زاوية أخرى، وهي زاوية تذبذب، أو انخفاض مؤشرات سوق المـال إلى درجات دنيا، أو انهياره، ففي هذه الحالة يجد الفرد نفسه أمام إفلاس تام، أو ضياع معظم أمواله، وهو مطالب إذا كان من شريحة أصحاب الرواتب المتوسطة (وما أكثر تواجدهم في سوق المال)، أو من أصحاب الدخول المرتفعة، أو من أصحاب رؤوس الأموال (ولكنه فقدها كلها أو معظمها حسب حجم استثماره)، يجدون أنفسهـم مطالبين بإشباع حاجاتهم الأساسية، مثل بنـاء بيت، وتأثيثه، وشراء سيارة... فمن أين له أن يحقق هذا؟!
وهنا تبرز أهمية البيع بالتقسيط، ولكن قبل إبراز هذه الأهمية، نريد أن نلقي الضوء على بعض ما خلص إليه رأي مجمع الفقه الإسلامي المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي، قرار رقم [51 (2/ 6)] بشأن البيع بالتقسيط:
أولاً: تجوز الزيادة في الثمن المؤجل عن الثمن الحال، كما يجوز ذكر ثمن المبيع نقداً، وثمنه بالأقساط لمدد معلومة، ولا يصح البيع إلاّ إذا جزم العاقدان بالنقد أو التأجيل. فإن وقع البيع مع التردّد بين النقد والتأجيل بأن لم يحصل الاتفاق الجازم على ثمن واحد محدد، فهو غير جائز شرعاً.
ثانياً: لا يجوز شرعاً، في بيع الأجل، التنصيص في العقد على فوائد التقسيط، مفصولة عن الثمن الحال، بحيث ترتبط بالأجل، سواء اتفق العاقدان على نسبة الفائدة أم ربطاها بالفائدة السائدة.
ثالثاً: إذا تأخر المشتري المدين في دفع الأقساط عن الموعد المحدد فلا يجوز إلزامه بأي زيادة على الدين بشرط سابق أو بدون شرط؛ لأن ذلك ربا محرم.
رابعاً: يحرم على المدين المليء أن يماطل في أداء ما حل من الأقساط، ومع ذلك لا يجوز شرعاً اشتراط التعويض في حالة التأخر عن الأداء.
خامساً: يجوز شرعاً أن يشترط البائع بالأجل حلول الأقساط قبل مواعيدها، عند تأخر المدين عن أداء بعضها، ما دام المدين قد رضي بهذا الشرط عند التعاقد.
سادساً: لا حق للبائع في الاحتفاظ بملكية المبيع بعد البيع، ولكن يجوز للبائع أن يشترط على المشتري رهن المبيع عنده لضمان حقه في استيفاء الأقساط المؤجلة".
وما خلص إليه العلماء الذين يقرون بمشروعية البيع بالتقسيط :
' إن البيع بالتقسيط فيه تخيير للمشتري بين الشراء نقدًا بثمن أقل أو بثمن أكثر مؤجلاً بخلاف الربا فإنه لا تخيير فيه .
كما أن الربا استغلال للناس، ومص للدماء، وخيانة للمجتمع، وظلم للطبقة الكادحة من قبل أهل الطمع والجشع، أما البيع بالتقسيط فهو تيسير لمعاملات الناس وتخفيف عنهم.
إن البيع بثمن مؤجل لا تحدث فيه زيادة في الثمن حتى ولو ماطل المشتري في الدفع عند حلول أجل الوفاء فليس للبائع إلاّ ما اتفق عليه، وذلك بخلاف عقد الربا؛ إذ يستمر المقترض في دفع الفوائد في حالة عدم تسديد القرض حتى يتضاعف بشكل كبير، و في الغالب قد تكون الفائدة بسعر أعلى من السعر العادي عند التأخير في الدفع .
إن البيع بالتقسيط يترتب على من يتعامل به مختلف آثار ومقتضيات البيع بالطرق الشرعية، ولاسيما ما يتعلق بالخيارات، وليس الأمر كذلك فيما يتعلق بالقرض بفائدة ربوية .
إن الثمن في البيع بالأجل هو ثمن السلعة مُراعى فيه الأجل، وهو من التجارة المشروعة المعرضة للربح والخسارة، وأما الزيادة في الربا فهي بلا مقابل، وهو الذي حرمه الله تعالى ورسوله -صلى الله عليه وسلم- لأخطاره وأضراره.
إنه في حالة البيع بثمن مؤجل يُفترض أن تكون العلاقة بين البائع والمشتري علاقة تكافؤ في الأعم الأغلب ولا عبرة للحالات الشاذة؛ لأن القدرة على المساومة والتفاوض مفتوحة لكلا الطرفين على قدم المساواة، أما في حالة القرض الربوي فيُفترض عدم التكافؤ؛ إذ إن طرفًا فيها يعاني من حالة صعبة بالنسبة للطرف الآخر.
إن التبادل في حالة الربا يتم على أشياء مثلية، في حين أن التبادل في حالة البيعتين على أشياء مختلفة سلعة مقابل نقد، وهذا الاختلاف في الأشياء المتبادلة هو الذي ينشئ النشاط التجاري المفيد المنتج في البيع بالمقارنة مع النشاط الربوي".
وتبرز أهمية البيع بالتقسيط، من عَدّهِ من أهم، وأيسر السبل لتحقيق إشباع هذه الحاجـات الأساسية للفرد، في ظل عدم توافر السيولة، الناتج عن الاستثمار، أو المضاربة، أو زيادتهما في حالة رواج وانتعاش سوق المال، أو الناتج عن ضياع وخسارة الأموال في حالة انخفاض، أو انهيار سوق المال .
وإذا تحدثنا عن بعض فوائد برامج البيع بالتقسيط الأخرى، والمُمَارسـة بشكل عملي في الحياة اليومية، نجد من صورها - سواء كانت هذه البرامـج مقدمـة مــن الشركات أو البنوك – المساهمة بشكل كبير وفعّال في حل كثير من الأزمات والمشاكل المالية، التي تتعرض لها الأسر، خاصة الأزمات المالية المفاجئة، مثل كساد تجارة عائل الأسرة .. وغيرها من الأزمات .
وللشباب أيضاً نصيب فعّال من برامج التقسيط – وهذا واقع ملموس – فقد سـاهمت هذه البرامج بشكل فعّال في التيسير على عدد كبير من الشباب المقبل على بناء حياته الزوجية؛ إذ يعمد هؤلاء إلى شراء سيارات بالتقسيــط لبيعها و الاستفادة من قيمتها للدخول في مشروع الزواج، الأمر الذي يساهـم في زيــادة تحصين هؤلاء الشباب لأنفسهم، وزيادة التنمية البشرية والاجتماعية .
وقد يستخدم هؤلاء الشباب حصيلة بيع هذه السيارات مثلاً، لاستثمارها في بناء مشروعات اقتصادية صغيرة، يستطيعون من خلالها تأمين رزق حلال لهم، يقيهم ذلّ الفقر، ويوفر لهم حياة كريمة، وفي هذا تنمية اجتماعية هامة، وتساعد هذه المشـروعات أيضاً في التنمية الاقتصادية للمجتمع ككل، بزيادة المشروعات المنتجة فيه، واستخدام طاقات الشباب بدلاً من إهدارها في البطالة، وما تجلبه هذه البطالة من انحرافات، يعاني منها الفرد العاطل بصفة خاصة، والمجتمع بصفة عامة .