آخر تحديث الساعة 06:03 (بتوقيت مكة المكرمة)

دورة تدريبية نبوية.. على تُراب يثرب

الاحد 26 ربيع الثاني 1431 الموافق 11 إبريل 2010
دورة تدريبية نبوية.. على تُراب يثرب
 

لا تُصادم الشريعة الفطرة التي فطرَ الله النّاس عليها, ولا تنحر الحاجة البشرية الطبيعية في الانتماء إلى جماعة تحفّ بهم روابط الدم والتراب والتاريخ, بل إنّها تُقرها وتُهذّبها بتعاليم الدّين, وتُطوّعها لخدمته. فقد كان الرسول – صلى الله عليه وسلم – يُثني على كل قبيلةٍ بما فيها من محاسن الأخلاق وكمائل الشيم, ويُمايز بينها بالأفعال والأدوار وما تقدمه للدفاع عن الدين؛ لعلمه بتمسك العرب بقبائلهم أولاً, ووعيه بفائدة تحلُّق الناس حول القبيلة وما لهُ من أثر في الاستقرار والتماسك والتلاحم, والتعاون على البر في داخل القبيلة, والتقوى خارجها حين تُهَذَّب بتعاليم القرآن الكريم وبأسس السنة الشريفة.

فالإسلام لم يقضِ على روح الانتماء للقبيلة أو يستبدله بالانتماء للدين وإنما عمل على ترتيب الأولويات, وتهذيب النفوس والقضاء على العصبية المُفضية إلى الظلم, ورفع منسوب الانتماء للدين وجعله في غرة الانتماءات.

ففي سُنن ابن ماجه؛ سُئل أبا القاسم – صلى الله عليه وسلم -: أمِنَ العصبية أنْ يُحِب الرجُل قومه ؟. قال: "لا, ولكنّ العصبية أنْ يُعين الرجُل قومهُ على الظلم".

فقد بُعِثَ "ابن عبد المطلب" في قومٍ لعبت العصبية في عقولهم حتى أنهكتها؛ وسيطرت على حياتهم إلى الحد الذي تسرّبت فيه إلى عباداتهم؛ فصار لكُل قبيلة منهُم تلبية خاصة تصدح بها أثناء طوافها حولَ الكعبة.

وحينَ أرادَ الرسُول – صلى الله عليه وسلّم - أنْ يقضي على "العصبية" القبلية ويُطهّر الُمسلمين من درنِها أمر بالمُآخاة بين قومين أجنبيين؛ فلكي يُضعِف من وطأة انتماء مُتعمق في نفوسِ العرب؛ مُتمثل في تقديسِ القبيلة, ولكي يُحطّم صنم العصبية المُنتَصب في نفوسهم؛ كانَ لابُد عليه أنْ يأتيهم بانتماءٍ آخر, ويفرض عليهم تطبيق قانون جديد يعمل بمُقتضاه, ويُهيمِن عليهم؛ بدءًا من الأخوّة في اللسان.. مرورًا بمُقاسمة الدور والأموال, ونهايةً بالإرث.

وكان لابُد أن يُخضِعهم لدورة تدريبية عنوانها: الولاء لله ولرسُوله وللمُؤمنين, تتنوّع فيها أساليب التربية وطرائق التغيير والتدريب من اللّين إلى الشدّة, ومن التلميح إلى التصريح,  فيجعل محبتهم خالصة لخالقهم وللمبعُوث منه, ولكل من يدين بدينه.. ولا تفاضل بينهم إلا بهذا؛ حتى يسمُو بهم من وحلِ العصبية المُوحشة, وطبقات القبليّة المُجحفة, وقوانينها الباغية, إلى ربوة العقيدة الصافية وقمّة التفاضل القويم, وينقلهم بعد تلكَ الدورة من حالٍ إلى حال, ويزيد من رسُوخ تلكَ القيمة التي أدارَ أن يغرسها فيهم, وليكُون تنوُّع الأساليب بحسب مُقتضيات الحال طريقًا لكُل من يُريد أن يجعل من منهج الرسُول – صلى الله عليه وسلم – واقعًا مُعاشًا.

فأرسى دعائم الحُب في الله, وهي البنية التحتية لبناء الأمة الواعدة وانطلاق نهضتها؛ فالأمة التي لا يجتمع أفرادها على اعتقادٍ واحد؛ كانَ ذلكَ مدعاة للتشتت والتشرذم والفرقة, وسبيلاً للضعف والهوان؛ وليسَ أعظم من الخالق – عز وجل – ليتحد المسلمُون في حبه, وجعل الدين وكل سبيل يُفضي إلى خدمته هو مناط التفضيل وذريعة التقديم.

فتعمّقت تلك المعاني في نفوس المسلمين لا سيما الأنصار؛ الذين أشرقت عليهم شمس الإسلام في ليلةٍ كانوا لازالوا يتناوشون فيها أَثَرات "سميرٍ" وَ "بُعاث", إلا أنّهم تطهروا بإسلامهم من درن الجاهلية فأينعت ثمارها في أفعالهم ومواقفهم, فحفلت سيرهم بالكثير من المآثر التي تدُل على فهمهم العميق وتطبيقهم الحقيق لتلكَ المبادئ, حتى يخالهم الناظر إليهم "يذهبون بالأجر كله"!

وفيما تقدّم؛ درسٌ مُباشر وإشارة صريحة, ومعلُومة مُركّزة تقُول: إنّ "الإسلام" أولاً !

وأنهُ أقوى وأولى, وأهم وأعزّ انتماء, وأن كُل روابط الدم والحسَب والنّسب.. والتُّراب! تتهاوى عن المنصّة إذا حضرَ الإسلام.

ثمّ انتهت الدورة؛ بزوال وحشة "الغربة" عن نفوس المهاجرين, وأنسهم بـ "وطنهم" الجديد, ومعرفتهم لدروب الرزق فيه, واشتداد عود صفوف الدولة الجديدة وعمق التحامها, وعادت الحياة كما كانت, والإرث للأقارب.. بعدَ أنْ نجحَ المُسلمون وخرجوا بشهاداتٍ من السماء, مُصدّقة تحت الشجرة!

ولذلك تكُون كُلْ المُحاولات في الترويج لأي انتماءات أخرى وتصعيدها على السطح على حساب الانتماء للدين, أو حتى لمدافعته - وإن أُلبِسَت بلَبُوس الدّين -؛ عبث !

فابن نبينا نوح – عليه السلام – ليسَ من أهلهِ (!) حين كفرَ بالله – عزّ وجل –؛ فتحللت أعظم أواصر القُربى والمُتمثلة في الأبوُّة والبنوُّة حين صارَ أحد الطرفين "عملٌ غيرُ صالح", والخليل إبراهيم – عليه السلام – حين كفرَ قومهُ وصدّوا عنه وحادوا عن الطريق القويم؛ تبرأ منهم ومن صنيعهم, وهاجر إلى أرضٍ جديدة طاعةً لربه؛ فوهبهُ الله ذريةً صالحة هبة وأعطية ومنة من الله تعالى وجزاءً لهُ على صنيعه, وشُعيب عليه السلام يفر من أهل مدين, وموسى يهرب ببني إسرائيل من مصر, ونبي الله صالح هاجر ناجيًا برهطه.. ثمّ تُختَم سلسلة هجرات الأنبياء والرُسل بخاتم الأنبياء حينَ هاجرَ إلى يثرب..

وضُوح تلكَ القدوات ورسُوخ تلكَ القيم كان سببًا لأن يظهر لنا في جيل الصحابة مصعب بن عُمير – رضي الله عنه – فيوصي أخيه في الدين أن يشُد على يدي أخيه بالنسب لأنّ أمه ذاتَ مال, وجوابه على أخيه: إنّ الأنصاري أخي دونك. وأن يقتل ابن الخطاب خالهُ العاص في بدر, وأبا بكر يدعو ابنه للمبارزة, وعلي يقتل ابن عمه, وأبا عبيدة يقتل أباه في أحد.. وهكذا تتوالى المواقف تلوَ المواقف من رجالٍ يتنزّل عليهم القرآن ولسانُ حالهم "سمعنا وأطعنا".

فقد جعل الله مُوالاة الآباء والأخوة والأبناء من الظلم؛ إنْ همُ استحبوا الكفر على الإيمان, ليُبيّن لهم أنّ "الإيمان" هوَ الآصرة الأولى, وهيَ مناط الولاء والعِداء.

وفي أكثر من موضع في القرآن يُؤكّد الله تعالى على الآلية الجديدة للمسلمين في اتخاذ العلاقات وترتيبها تبعًا لقانون الإسلام, ويستشرف مآلات الأمُور في حال الإخلال في أحد بنود العلاقات أو التساهل والتفريط فيها؛ سواء أكان في الولاء أو الطاعة.. أو حتى المحبة, فيُنبئهم أنّ مصيرهم سيصير إلى الخذلان والظلم والخسارة. 

وروابط التراب على نفس الحال أيضًا, فالمُسلم حين يُضيّق عليه في دينه يجد بأنهُ مأمُور بالهجرة إلى "وطن" آخر يُقيم فيه شرع ربه, ويجد بأنهُ مُضطر للبداية من جديد, والبقاء على تُراب جديد, واستنشاق هواء جديد, ومُعاشرة أُناس جُدد.. وغُربة! كل ذلك نفاذًا من غربة الدين والأُنس به, ففي مقاييس المسلمين تهون غربة الأوطان - رغم من مرارتها - أمام غربة الأديان.

تمامًا كما فعل المُهاجرون؛ وهاجرُوا إلى الحبشة ثمّ إلى يثرب نفاذًا بدينهم.. مُخلّفين وراءَهم الدُّور والأموال, ومطارح الصبا ومسارح الشباب.. و"أحبُّ الدّيار إلى نبيهم"!  مُيمّمين وجوههم شطرَ "وطن" جديد؛ ليُقيموا على أرضه مدينة الإسلام الأولى.

ومن ذلك نُدرك أنّ الانتماء بين المسلمين لا يحدهُ دمٌ ولا نسب, ولا حدود بلدٍ عن بلد, وأنّ كل التقسيمات الجديدة المُستحدثة لا تزيد المُسلمين إلا فُرقة, وأنّ كل حاجز يُنصب بين مسلم وآخر ينخر في جسد هذه الأمة.. ويُنهك كاهلها, ولنعلم أنّ المجد الإسلامي لن يعود مادامت عقيدة الولاء تُحَدّد وتُرسم بخطوط الطول والعرض, ونُدرك بأنّ المسلم حين يرى أخوه المسلم فلا يُحس بالانتماء إليه إلا بقدر المسافات الفاصلة بين أرضهِ وأرضه فهوَ لا يفعل شيء سوى زيادة الوحشة بين أعضاء الجسد الواحد.. ونعلم أننا لن نتقدّم نحو النصر درجة ما لم نلفظ كل الفروقات والانتماءات عن المنصة ونعيدها لـ"الإسلام" مرةً أخرى, ونطهرها من ذرات التراب وقطرات الدم ونجعلها عقيدة خالصة, ونُدرك أن قراءة سيرة الرسول – صلى الله عليه وسلم – وصحابته الكرام وما تضمّنتها من أحداث ليست للتأمل والإعجاب فحسب, وليست أهازيج يُتغنى بها في المحافل والخطب, بل هيَ قواعد لتغذية الهمم وتنقية النفوس حتى ترتقي وتكون كما كان الجيل الأوّل, وتتجه لواقع التطبيق, بعد أن تشبّعت بالنظرية وآمنت بها.

تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.

التعليقات

  1. 1 - يحيى ًصباحا 08:27:00 2010/04/12

    سلم يراعك يا مدى ...

  2. 2 - نعم مساءً 06:07:00 2010/04/14

    جميل جدا ..

  3. 3 - أحسنت مساءً 05:25:00 2010/04/16

    جزيت كل خير , مقالة ثرية . لكن وددت أنك لم تكتبي يثرب في عنوان مقالك هذا . فهي المدينة المنورة ..

  4. 4 - محمد مساءً 03:58:00 2010/04/19

    أبدعت يا مدى أيما إبداع, تحفة لغوية راقية, سلم القلم والفكر ..

  5. 5 - سيف الشرق مساءً 07:19:00 2010/04/26

    بورك بِكم ، حُق لنا أن نفتخر بأمثالكم زادكم الله من فضله ونعيمه ، وكثر من أمثالكم أخيكِ أبو الخطاب

  6. 6 - صقر مساءً 02:05:00 2010/11/09

    الله يعطيك العااافيه

تعليقات الإسلام اليوم

 

تبقى لديك حرف