آخر تحديث الساعة 06:03 (بتوقيت مكة المكرمة)

التغلغل الاقتصادي لإسرائيل في منطقة آسيا الوسطى..!

الاثنين 23 رجب 1428 الموافق 06 أغسطس 2007
التغلغل الاقتصادي لإسرائيل في منطقة آسيا الوسطى..!
 

أدى الغياب العربي والإسلامي بعد انهيار وتفكك الاتحاد السوفيتي إلى فتح الباب على مصراعية لإسرائيل في اختراق دول آسيا الوسطى من خلال إقامة مشروعات عملاقة وتقديم مساعدات اقتصادية وعسكرية وتكثيف الزيارات الرسمية في سباق مع الزمن لتأسيس بصمات قوية، كما سعت إلى تنظيم هجرات يهودية من بعض تلك الجمهوريات إلى إسرائيل لاستغلال الموروث الديني في بناء جسور من العلاقات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وبدأت الوفود الحكومية في إسرائيل بالقيام بزيارات لتلك الدول وتوقيع الاتفاقيات الاقتصادية معها معبدة الطريق أمام الشركات الإسرائيلية لغزو تلك الجمهوريات، وأنشأت الحكومة الإسرائيلية غرفة للتجارة والصناعة خاصة بالعلاقات مع دول آسيا الوسطى، وأنشأت بنك المعلومات الاقتصادية ودليلاً للمجالات التي يستطيع الإسرائيليون الاستثمار فيها، وسنّت قوانين حماية تلك الاستثمارات والإعفاءات الجمركية والازدواج الضريبي وغيرها، بعد ذلك بدأ سيل الشركات الإسرائيلية والأفراد اليهود من دول كثيرة بالتدفق على تلك الجمهوريات، واستطاع رجال الأعمال هؤلاء فتح مؤسسات ومكاتب تجارية تشتري وتبيع وتستثمر في كل مجال تطاله أياديها، وتركز هذه الشركات أعمالها في مجال الطاقة (النفط والغاز الطبيعي)، المعادن والثروة الباطنية، والزراعة والثروة الحيوانية، والصناعة، والاتصالات، والبنوك والأنظمة المالية والمصرفية، والإدارة والتنمية البشرية، والطب والرعاية الصحية، والفضاء والأبحاث العلمية وغيرها، وخلال عشر سنوات ارتفع حجم التبادل التجاري بين تلك الدول وإسرائيل من (50) مليون دولار سنوياً إلى ما يقارب المليار دولار.
كما شكلت الحرب الأمريكية ضد ما تسميه الإرهاب مظلة جديدة لإطلاق يد الكيان الصهيوني في نشاط عسكري استخباري محموم في آسيا الوسطى، في وقت بدأت فيه واشنطن بتأسيس قواعد عسكرية في أوزبكستان وغيرها من هذه الدول ضمن إستراتيجية تستهدف توسيع الهيمنة الأمريكية في آسيا وبسط نفوذها واستكمال حلقات السيطرة والهيمنة العالمية.

اختراق مبكر

وقد اهتمت إسرائيل منذ وقت مبكر باختراق دول آسيا الوسطى بأكملها، وكانت لديها استراتيجية متكاملة لذلك تعتمد على التركيز في المرحلة الأولى على التغلغل الاقتصادي من خلال رجال الأعمال الصهاينة من شتى الجنسيات من جهة وتقديم إسرائيل نفسها كوسيط نشيط لجذب رؤوس الأموال الغربية والأمريكية إلى تلك البلدان وفتح أبواب واشنطن وغيرها من العواصم الغربية أمامها من جهة أخرى.
وبعد أقل من ثلاثة أشهر على انهيار الاتحاد السوفييتي كانت إسرائيل قد نظمت في العاصمة الأوزبكية طشقند أول مؤتمر اقتصادي مشترك بينها وبين دول آسيا الوسطى في مارس 1992 لبحث احتياجات تلك الدول من المشروعات والمساعدات الاقتصادية، والدور الذي يمكن أن تقوم به الدولة الصهيونية في تلبيتها، وخلال الشهور والأعوام التالية كانت هذه المشروعات قد بدأ يجري تنفيذها بالفعل، وبالنسبة لأوزبكستان فقد قام رئيسها إسلام كريموف بزيارة إلى إسرائيل في أكتوبر عام 1992، وقد تم الاتفاق على تطوير التعاون بين البلدين في شتى المجالات، وشملت المشروعات المشتركة في مجالات تمتد من الري والزراعة والصناعات الزراعية إلى الصناعات السياحية والاتصالات وبناء الفنادق والمقاولات، وباستثمارات صهيونية أو مشتركة ساهم فيها رجال الأعمال الجدد من يهود أوزبكستان!!
كما قامت إسرائيل- بتمويل أمريكي- بتنفيذ برامج للتعاون الفني وتدريب الكوادر في مجالات الزراعة والري خصوصاً والإدارة والبنوك، وغيرها من مجالات بناء الدولة الحديثة واقتصاد السوق.
وتم افتتاح فرع للوكالة اليهودية (سحتوت) في العاصمة الأوزبكية طشقند لتنظيم هجرة اليهود الأوزبك إلى إسرائيل، وكان عدد هؤلاء يبلغ نحو (120) ألفاً، وتم بالفعل تهجير أكثر من سبعين ألفاً منهم، كما تم افتتاح مركز ثقافي صهيوني في طشقند يعمل بنشاط على الترويج للثقافة والأفكار الصهيونية بين اليهود وغيرهم من مواطني أوزبكستان، فضلاً عن تعليم اللغة العبرية.
وهكذا كانت إسرائيل تحقق تغلغلاً سيآسيا واقتصادياً وثقافياً متزايد الاتساع والعمق في أوزبكستان طوال التسعينيات، وضع أساساً قوياً لقيام تعاون أمني واسع النطاق في النصف الثاني من العقد المنصرم وبرعاية أمريكية، غير أن الكثير من جوانب هذه العلاقات ظل طي الكتمان إلى أن بدأت تتكشف في الآونة الأخيرة.

بيئة مناسبة

ولاشك أن ما تشهده دول منطقة آسيا الوسطى من ضعف في الهيكل الأمني والسياسي والاقتصادي، يشكل الفرصة الذهبية السانحة أمام إسرائيل في زيادة تقاربها مع هذه المجموعة من الدول، سواء من حيث التعاون العسكري أو الاستثمارات الاقتصادية أو تزويدها بالمعونة الفنية التي هي في أمس الحاجة إليها، كما أن البعثات التدريبية يمكن أن تساهم في وجود صهيوني في المنطقة، لأن هذه الدول تحتاج إلى متخصصين في الاقتصاد والقانون والإدارة المالية وغيرها من المجالات، ويمكن لهذه البعثات أن تكون خير سفير لإسرائيل في منطقة القوقاز وآسيا الوسطى، ومن المعروف أن نشاط إسرائيل المكثف في بناء شبكة واسعة من النفوذ والمصالح مع دول آسيا الوسطى، يأتي اليوم مدعوماً بخبراتها المتراكمة من جراء تعاونها الإستراتيجي المتميز مع عملاقين آسيويين بارزين هما الصين والهند؛ إذ يقوم بين إسرائيل والصين تعاون أساسي في مجال الزراعة بجانب الاتصالات، كما لا يخفى أن المجال العسكري والصفقات العسكرية هي الأرضية الصلبة التي شيد فوقها صرح العلاقات الصينية - الصهيونية في جميع المجالات المختلفة، أما التعاون بين إسرائيل والهند فيمتد إلى المجالات الاستخباراتية والأمنية والدفاعية والتكنولوجية والنووية، كما تم عقد صفقات بين البلدين في مجالات الأسلحة والذخائر والمعدلات الحربية، واستكمال تطوير طائرة الإنذار المبكر الهندية بنظام فالكون-1، وإنشاء حائط وقائي من المواقع الهندية، وأنظمة الإنذار والمراقبة في منطقة الحدود في كشمير، وآلية تبادل المعلومات الخاصة بمكافحة الإرهاب بين البلدين، وكذا التعاون في مجال إطلاق أقمار التجسس وإمداد الهند بصور من أقمار التجسس الصهيونية أوتيك.

عوامل ساعدت على التغلغل

وقد كانت هناك العديد من العوامل التي سهلت من مهمة إسرائيل في اختراق اقتصاديات مجموعة دول آسيا الوسطى منها:
- ترحيب الولايات المتحدة الأمريكية بالدور الصهيوني في آسيا الوسطى وتدعيمه سيآسيا ومادياً؛ لأن هذا الدور يخدم مصالحها، ويجيء في إطار إستراتيجيات للهيمنة على المنطقة كخلفية من خلفيات الإستراتيجية الأمريكية الهادفة لمحاولة الهيمنة على العالم.
- تؤكد العلاقة التاريخية أنه لا يوجد رصيد عداء بين دول آسيا الوسطى والكيان الصهيوني، مما يعني أن الحديث عن إمكانات التعاون المشترك ونقل التكنولوجيا الصهيونية إلى دول مازالت تحكمها أنماط متخلفة في التنمية موروثة عن الحقبة الشيوعية.
- لم تجد دول آسيا الوسطى وتحديداً الدول الإسلامية أي بديل آخر لقيام تعاون عربي وإسلامي يحميها من التعامل مع إسرائيل، ونلاحظ في هذا الصدد أن الوجود العربي والإسلامي في هذه الدول محدود للغاية سيآسيا واقتصادياً، وخلال السنوات الأخيرة أرسلت مشيخة الأزهر بعثات دينية إلى دول وسط آسيا الإسلامية لم تحدث تأثيراً إلاّ على نطاق ضيق لم يتعد المسائل الفقهية، ولم يصل إلى حد إحداث تغيير فكري يساعد على اكتشاف حقيقة الدور الصهيوني في المنطقة.
-إن التحول من الشيوعية إلى الليبرالية في دول آسيا الوسطى أدى في واقع الأمر إلى هرولة تلك الدول إلى أنماط الحياة الغربية الرأسمالية حتى ولو كانت هذه الأنماط شكلية.
- لاشك أن ما تشهده دول منطقة آسيا الوسطى من ضعف في الهيكل الأمني والسياسي والاقتصادي، يشكل الفرصة الذهبية السانحة أمام دولة الكيان في زيادة تقاربها مع هذه المجموعة من الدول، سواء من حيث التعاون العسكري أو الاستثمارات الاقتصادية أو تزويدها بالمعونة الفنية التي هي في أمس الحاجة إليها، كما أن البعثات التدريبية يمكن أن تساهم في وجود صهيوني في المنطقة؛ لأن هذه الدول تحتاج إلى متخصصين في الاقتصاد والقانون والإدارة المالية وغيرها من المجالات، ويمكن لهذه البعثات أن تكون خير سفير لدولة الكيان في منطقة القوقاز وآسيا الوسطى.
- أفادت العلاقات القوية والمتعددة بين تركيا وإسرائيل كثيرا في فتح الطريق أمام الكيان الصهيوني إلى العمق الآسيوي كون تركيا تمتلك علاقات قوية مع أوزبكستان، مما شكل التمهيد الأولي الواضح والصريح لإسرائيل في تلك المنطقة وخاصة في كازاخستان التي تمتلك ما يقارب ربع احتياطي العالم من اليورانيوم الخام، مما دفع إسرائيل إلى النظر لهذه الثروة على أنها من الثروات المهددة نووياً في ظل وجود دول وتيارات إسلامية في تلك المنطقة، فسعت إسرائيل مباشرة إلى شراء مجمع لمعالجة اليورانيوم في كازاخستان والذي يُعدّ من أكبر مجمعات اليورانيوم في العالم.
- استغلت إسرائيل الفراغ الذي أحدثه الانهيار المفاجئ للاتحاد السوفييتي، وسارعت إلى الاعتراف بدول آسيا الوسطى، وركزت خلال المرحلة الأولى من تاريخ علاقاتها بتلك الدول على الجانب الاقتصادي، وسعت إلى السيطرة على مقومات دول آسيا الوسطى الاقتصادية كمرحلة أولى، ثم ربط اقتصادياتها بالاقتصاد الإسرائيلي، مما يجعل انفصاله عنه صعباً للغاية إن لم يكن مستحيلاً، لذلك لا توفر إسرائيل أي فرصة للالتفاف الاقتصادي على تلك الدول.
وفي النهاية وكما يؤكد الخبراء، فإن إسرائيل تسعى لإختراق منطقة آسيا الوسطى، وذلك على محاور مختلفة ظاهرها توطيد العلاقات السياسية والاقتصادية، وباطنها لها مآرب أخرى، وثمة مؤشرات تجعل من يراقب سلوكيات "إسرائيل" يتوجس من نواياها سواء في منطقة "الشرق الأوسط" أو المناطق ذات التأثير على المصالح العربية والإسلامية، ويُلاحظ أن إسرائيل تتبع سياسة التطويق المبكر لإحكام الحصار حول مصالح العرب والمسلمين في العالم، وليس في بلادهم فقط؛ إذ لعبت "إسرائيل" دوراً مشابهاً في السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي في دول إفريقية جنوب الصحراء، ونجحت إلى حد كبير في تحييد بعضها وضمان التعاون مع أكثرها، إلى درجة أن هذه الدول في فترة من الفترات كانت الباب الخلفي للمهاجرين اليهود إلى الكيان الصهيوني مثل الفلاشا وغيرهم، إلاّ أنه يجب الإشارة هنا إلى أن بعض دول آسيا تنبهوا وانتبهوا للأدوار الأمريكية الإسرائيلية المشبوهة، وغيروا مواقفهم إزاء القواعد الأمريكية، لاسيما بعد اتضاح النوايا الخبيثة لأمريكا بخصوص مهمات هذه القواعد في دولهم.
ولذلك يجب على الدول العربية والإسلامية أن تعي حقيقة وأهداف الدور الإسرائيلي في منطقة آسيا الوسطى، والإسراع في إبرام اتفاقيات اقتصادية وثقافية وعلمية وعسكرية ونفطية مع هذه الدول الصاعدة، وبالتالي الحفاظ على الأمن القومي العربي والإسلامي.

تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.

التعليقات

تعليقات الإسلام اليوم

 

تبقى لديك حرف