الحلقة الحادية والعشرون:
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد وعلى آله وصحابته أجمعين، أما بعد:
قال تعالى: "وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم" وقال: "ربنا واجعلنا مسلمين لك" كرر النداء بـ "ربنا"؛ لإظهار التضرع، وإظهار الفقر إلى الله، وحُسن التملق والسؤال.
وقوله:"واجعلنا مسلمين" فيه دليل على خلق الله لأفعال العباد، قال أهل التفسير: الجعل يقتضي الخلق.
وقالا: "ومن ذريتنا أمة مسلمة لك" أي: ومن ذريتنا فاجعل. قال أهل التفسير: قالا: ومن ذريتنا ولم يقولا: وذريتنا ! هذا من حُسن السؤال وأدب الدعاء.
وقالا: "وأرنا مناسكنا وتب علينا" قرن بينهما، قيل: الفائدة في ذكر التوبة بعد ذكر التوسل والعبادة؛ لِيدل على أن ذلك الموقف وتلك المواضع، مكانٌ للتنصل من الذنوب وطلب التوبة.
وفي قوله تعالى: "ربنا وابعث فيهم رسولاً منهم" إثبات أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم من العرب بأوضح الدلائل.
وفي قوله تعالى: "منهم" الإشارة إلى استحسان أن يكون الداعية والمصلح من أهل المدعوين ومن مجتمعهم.
وقوله سبحانه: " يُعلمهم الكتاب والحكمة ويُزكيهم" فيه الإشارة إلى أن التعليم وحده لا يكفي، وأنه لابد في دعوة الإصلاح من التزكية والتربية الصحيحة، قال صاحب المنار: عَلِم إبراهيم وإسماعيل أن تعليم الكتاب والحكمة لا يكفي لإصلاح الأمم وإسعادها، بل لابد أن يقترن التعليم بالتربية على الفضائل، والحمل على الأعمال الصالحة بحُسن الأسوة والسياسة، فقالا: "ويزكيهم".
ويتفرع عن هذا إبطال منهج التعليم من غير تزكية، أو التزكية من غير تعليم، وأن الداعية الناجح لابد أن يجمع بين المنهجين: التزكية والتعليم، وأن هذا هو منهج النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وهو منهج أبينا إبراهيم عليه السلام، ومَن يرغب عنه فقد سفه نفسه.
وقوله تعالى: "ومَن يرغب عن ملة إبراهيم إلاّ مَن سَفِه نفسه" استُدل بها على حجية شرع مَن قبلنا، وخصوصاً ملة أبينا إبراهيم، وأنها شريعة لنا ما لم يرد في شرعنا ما ينسخها.
واستُدل بالآية على أن النصرانية واليهودية بدعة، ما أنزل الله بها من سلطان، قال قتادة: "إلاّ مَن سفه نفسه" هم اليهود والنصارى، رغبوا عن ملة إبراهيم، واتخذوا اليهودية والنصرانية بدعة ليست من الله تعالى.
قال تعالى: "إذ قال له ربه أسلم قال أسلمتُ لله رب العالمين" فيه إشارتان:
الأولى:فضيلة إبراهيم عليه السلام، وأنه بادر إلى الامتثال لأمر الله، دون تردد أو تباطؤ، كما يُفيده وقوع الجواب: "قال: أسلمتُ لرب العالمين".
الثانية: أنه قال: "أسلمتُ لرب العالمين" ولم يقل: لك. لِيكون قد أتى بالإسلام وبدليله. فيكون قد ذكر الحكم وهو: الإسلام، وذكر دليله وتعليله وهو: كون الله رب العالمين وخالقهم وموجدهم، كأنه يقول: أسلمتُ لك؛ لأنك ربي ورب العالمين.
وقوله سبحانه: "أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوبَ الموتُ" فيه فوائد:
الأولى: فضيلة الدعاء إلى التوحيد، وإلى الحنفية ملة إبراهيم عليه السلام، وفضيلة يعقوب عليه السلام، حيث لم يُشغله الموت والاحتضار عن الوصية بالدين والتوحيد.
الثانية: الاعتبار بقول المحتضر، وأن قوله يُعتبر به ما لم يعترضه دليل آخر يُخرجه عن هذا الأصل.
وقوله تعالى:"ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون" يُستفاد منه فائدتين:
الأولى: الحض على التمسك بالإسلام في كل وقت، وعدم مُفارقته ولو لحظة واحدة؛ لأن الموت يُمكن أن يأتيك في أي لحظة.
قيل: أُدخل النهي على الموت لنكتة أخرى: وهي الإشارة إلى أن هذا الموت، وهو الموت بغير الإسلام، لا خير فيه، وأن من حق هذا الموت ألاّ يحل بكم.
الفائدة الثانية: تضمنت الآية كذلك الإشارة إلى أن غير المؤمن لا ييأس من الدخول في هذا الدين، وعليه أن يُبادر بالدخول فيه، فهاهو لم يمت؛ فليُبادر إليه حتى يتوفاه الله عليه.
وقوله تعالى: "آباءك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق" استدل به الفقهاء على تسمية الجد أباً، وفرعوا عليه القول بتوريثه كتوريث الأب، عند فقده، وأنه يحجب الأخوة في الميراث كما يحجبهم الأب والقول الآخر التشريك بينهم، وفي المسألة خلاف قديم.
وفي قوله تعالى: "قولوا: آمنا بالله وما أُنزل إلينا … الآية" فوائد:
الأولى: جواز التصريح بالمعتقد الصحيح، وإعلان الدين الحق للناس، والصدع بالحق؛ ليحصل الإقتداء والأسوة.
الثانية: الإشارة إلى أن الإيمان واجب جماعي على الأمة، فيجب عليهم تحمله جميعاً، ويجب عليهم الاعتصام به، والاجتماع عليه.
الثالثة: اُستُدل بالآية على جواز قول القائل: (آمنت)، وهذا بخلاف قوله: (أنا مؤمن)؛ فالأول إخبار بالواقع الماضي والحاصل الحاضر، ولا إشكال فيه.
وفي قوله تعالى: "لا نُفرق بين أحد منهم" تبكيت على أهل الكتاب، والتشهير بهم، فهم آمنوا ببعض الرسل وكفروا ببعض، وفرقوا بينهم.
وقال تعالى: "فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به" ولم يقل: فإن آمنوا بما آمنتم به. يعني: ما فائدة (مثل) هنا؟ وعلى أي شيء تدل؟
أن أهل الكتاب يؤمنون بالله، ويؤمنون بما أُنزل على الأنبياء، ولكن إيمانهم بذلك إيمانٌ مُنحرف، وإيمانٌ دخلته الأهواء والبدع والتحريفات.
إذن المطلوب هو الإيمان إيماناً صحيحاً، إيماناً كإيمانكم، ليس مجرد الإيمان، لو قيل لهم: آمنوا بالله وما أُنزل على الأنبياء. لقالوا: نحن نؤمن بذلك.
إذن تقول لهم: آمنوا بالله وما أُنزل على الأنبياء إيماناً صحيحاً، كما بينه القرآن، وكما آمن به المسلمون الصادقون، وهذه فائدة قوله: (بمثل). قال بعض العلماء: لفظ (مثل) هنا هو الذي يقطع عرق الجدل.
وفي قوله تعالى: "صبغة الله ومَن أحسن من الله صبغة" فائدتان:
الأولى: الرد على اليهود والنصارى فيما يعتقدونه صبغة، وما ابتدعوه في ذلك من الدين مع تضييع أصول الشرع. كأنه يقول لهم: الصبغة الحقة هي صبغة الله، المتضمنة الإيمان بالله وبما أنزل وبالعمل الصالح، لا هذه الرسوم والطقوس الخاوية من الإيمان. وقال لهم: "قولوا: آمنا" وقال: " ونحن له مسلمون" وقال: "ونحن له مخلصون".
الفائدة الثانية: الصبغة في العادة تنفذ إلى المصبوغ، وتطبع به جميعَ جسمه. فالتشبيه هنا يدل على شدة التمسك بالدين، كأنه يقول لهم: لِيكن إيمانكم وتمسككم بملة إبراهيم وبدين الإسلام كالصبغة، فهو يتغلغل فيكم وفي أعمالكم كما تتغلغل الصبغة في المصبوغ.
الفائدة الثالثة: يُستفاد من الآية: الأمر بإظهار شعائر الدين وعلامات الاستقامة؛ لأن الله عبّر عن الدين بالصبغة. قال القرطبي – رحمه الله -: سمى الدين صبغة استعارة ومجاز، من حيث تظهر أعماله وسَمْتُه على المتدين كما يظهر أثر الصبغ على الثوب.
وقوله تعالى: "تلك أمة قد خلت" كررها هنا بعد ذكرها قبل آيات لفوائد:
الأولى: قال الراغب: إعادة هذه الآية من أجل أن العادة مُستحكمة في الناس، صالحهم وطالحهم أن يفخروا بآبائهم، ويقتدوا بهم في مُتحرياتهم لاسيما في أمور الدين.
الفائدة الثانية: إن المعنى يختلف باختلاف السياق الذي جيء بالآية فيه، ففي المرة الأولى رَدّت الآية على أهل الكتاب بأنه لا شفاعة لهم يوم القيامة في نسبتهم إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق، وأن النسب لا يُفيد.
وفي المرة الثانية: رد عليهم من جهة ادعائهم النسبة الدينية، وقولهم: أنهم يهود ونصارى فهو يقول لهم: لن ينفعكم الانتساب إلى دين اليهودية والنصرانية، وأن إبراهيم كان مسلماً حنيفاً.
الحلقة الثانية والعشرون:
في قوله سبحانه: "سيقول السفهاء" إخبار لهم عما سيكون، أي إخبار بالغيب الذي سيقع من اعتراض السفهاء على تغيير القبلة، ففيه مُعجزة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، وتأييد للوحي بما يوافق الواقع.
وفيه إثبات أن هؤلاء المُعترضين سفهاء على الحقيقة، وبشهادتهم على أنفسهم وإقرارهم.
قال بعض المفسرين: برغم أن الله تعالى قال: "سيقول السفهاء". أي: أنهم لم يقولوها إلا بعد أن نزلت هذه الآية مما يدل على أنهم سفهاء حقاً، ولو أنهم امتنعوا عن القول – وهذا مُحال – لكان في ذلك تشكيك للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولكن لأنهم سفهاء فعلاً قالوا ذلك.
وقوله سبحانه: "قل لله المشرق والمغرب" تتضمن الإشارة إلى حقيقة الطاعة وإلى حقيقة التشريع. كيف هذا؟
كل الجهات لله، المشرق والمغرب، إذن ما الذي يُميز هذه الجهة من غيرها؟ الذي يُميزها هو أمر الله تعالى، إن قال الله للعبد: ارمِ هذا الحجر. رماه، وإن قال: قَبِّل هذا الحجر. قبّله، وإن قال: توجه إلى هذه القبلة. توجه، أمر الله هو الذي يعطي هذه الجهة الخصوصية وليس ذات الجهات.. فلا وجه للاعتراض بحال.
وقوله تعالى: " وكذلك جعلناكم أمة وسطاً" فيه الإشارة إلى توسط الكعبة للكرة الأرضية، قيل المعنى: كما أن الكعبة وسط الأرض كذلك جعلناكم أمة وسطاً، وسطية الكعبة وسطية المكان، وهذا فيه عدل، ووسطية الأمة وسطية عدالة وخيار.
وفي الآية الكريمة دليل على أن إجماع الأمة حجة قاطعة، وأنهم معصومون في جملتهم عن الخطأ؛ لأن الله تعالى أطلق على مجموعهم لفظ (وسطاً)، قال العلماء: فلو قدر اتفاقهم على الخطأ لم يكونوا وسطاً إلاّ في بعض الأمور، والآية بخلافه.
وقال سبحانه: "لتكونوا شهداء على الناس" وقال: "ويكون الرسول عليكم شهيداً" أخَّر لفظ (على) في شهادة الناس، وقدَّمها في شهادة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم عليهم. لماذا؟
قال صاحب الكشاف: لأن في الأول إثبات شهادتهم على الناس، وفي الآخر اختصاصهم بكون الرسول صلى الله عليه وآله وسلم شهيداً عليهم.
ومن الفوائد: الاستدلال بها على أنه لا يشهد إلاّ العدول، وأنه لا يعتد بقول الغير على الغير إلاّ أن يكون عدلاً.
ومن الفوائد: أن الشاهد يشهد بما حصل له من العلم، وإن لم يُشهده المشهود عليه، وأن الشاهد يشهد على العلم بالسماع والأدلة اليقينية، وإن لم يره بعينه.
ومن الفوائد: أن التزكية أصل عظيم في الشهادة، وأن المُزكِّي يجب أن يكون أعدل وأفضل من المُزكَى.
ومن الفوائد: أن المُزكِّي لا يحتاج إلى تزكية.
ومن الفوائد اللطيفة: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم يشهد على الأمة، وأن الأمة لا تشهد على النبي صلى الله عليه وآله وسلم، قال بعض العلماء: ولهذا قال صلى الله عليه وآله وسلم في حجة الوداع: (ألا هل بلغت ؟) فيقولون: نعم. فيقول: (اللهم اشهد) فجعل صلى الله عليه وآله وسلم الشاهد عليه هو الله سبحانه لا أمته.
ومن الفوائد: إيجاب الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم، ووجوب اتباعه في كل أمر صغيراً كان أو كبيراً، وهذا من مُقتضيات شهادته صلى الله عليه وآله وسلم على أمته.
ومن الفوائد: إثبات اشتراط العدالة في الحكم وفي الشهادة و الإفتاء وما كان من نحو ذلك.
وقال سبحانه: "وما كان الله لِيُضيع إيمانكم" أي صلاتكم السابقة إلى بيت المقدس، قال القرطبي: فسمى الصلاة إيماناً؛ لاشتمالها على نية وقول وعمل. وقال مالك رحمه الله: إني لأذكر بهذه الآية قول المرجئة: إن الصلاة ليست من الإيمان! يعني: أن هذه الآية ترد على المرجئة في قولهم: العمل ليس من الإيمان.
ومن فوائدها الفقهية: أن مَن لم يبلغه الناسخ فهو مُتعبد بالحكم الأول، ولا يصح أن يُقال: إن الحكم الأول يرتفع عنده بوجود الناسخ لا العلم به.
وقوله تعالى: "قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها" فيه فوائد:
الأولى: إثبات علو الله تعالى على خلقه، وأن السماء قبلة الدعاء.
الثانية: أدب النبي صلى الله عليه وآله وسلم العظيم في دعاء ربه ومناجاته.
الثالثة: المنزلة العظيمة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم عند ربه في قوله: "ترضاها" لم يقل: أرضاها. ولكن قال:" ترضاها". قال صاحب التفسير الكبير: وفي الشاهد إذا وصف واحد من الناس محبة آخر، قالوا: فلان يحول القبلة لأجل فلان، على جهة التمثيل.
ومن اللطائف: أن الله تعالى خص الكعبة بإضافتها إليه في قوله: "بيتي"، وخص المؤمنين بإضافتهم بصفة العبودية إليه، وكلتا الإضافتين للتخصيص والتكريم، فكأنه تعالى يقول: يا مؤمن! أنت عبدي، والكعبة بيتي، والصلاة طاعتي، فأقبل بوجهك في طاعتي إلى بيتي وبقلبك إليَّ.
وقوله تعالى: "شطر المسجد الحرام" فيه فائدة فقهية: وهي إثبات أن التكليف إلى جهة الكعبة، لا إلى خصوصية الكعبة لِمن كان خارج المسجد الحرام، قالوا: وإلا لم يكن لكلمة (شطر) فائدة، ولكان لفظ (فول وجهك المسجد الحرام) يُغني عنه.
وقوله تعالى: "ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك" فيه تسلية للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، وفيه إخبار بحال المُعاندين من أهل الكتاب، وأن كفرهم كفر عناد لا بسبب البرهان أو بسبب عدم فهم الإسلام، قال صاحب الظلال رحمه الله: إن كثيراً من طيبي القلوب ليظنون أن الذي يصد اليهود والنصارى عن الإسلام أنهم لا يعرفونه، أو لأنه لم يُقدم لهم في صورة مُقنعة، وهذا وهم، إنهم لا يُريدون الإسلام لأنهم يعرفونه، يعرفونه فهم يخشونه على مصالحهم، وعلى سلطانهم، ومن ثم يكيدون له ذلك الكيد الناصب الذي لا يفتر.
وقوله تعالى: "وما أنت بتابع قبلتهم" قال الراغب: فيه إشارة إلى أن مَن عرف الله حق معرفته، فمن المحال أن يرتد، ولهذا قيل: ما رجع مَن رجع إلاّ من الطريق، أي ما أخل بالإيمان إلاّ مَن لم يصل إليه حق الوصول.
وقوله تعالى: "ولئن اتبعت أهواءهم "استُنبط منه: الترهيب من اتباع أهل الأهواء والبدع، قال الشوكاني رحمه الله: اتباع أهوية المبتدعة يشبه أهوية أهل الكتاب، كما يُشبه الماء الماء، والتمرة التمرة، وقد تكون مفسدة اتباع أهوية المبتدعة أشد على الملة؛ لِكونهم ينتمون إلى الإسلام وهم على العكس.
ومن الفوائد في الآية: النهي الصريح عن اتباع منهج اليهود والنصارى ومنهم المستشرقون، يقول صاحب الظلال رحمه الله في تفسير الآية: وما أجدرنا اليوم أن نستمع إلى هذا التحذير، ونحن في بلاهة منقطعة النظير، نروح نستفتي المستشرقين في أمر ديننا، ونتلقى عنهم تاريخنا، ونأمنهم على القول في تراثنا، ونسمع لما يدسونه من شكوك في دراسة لقرآننا، وحديث نبينا وسيرة أوائلنا، ونُرسل إليهم البعثات من طلابنا يتلقون عنهم علوم الإسلام!
وقوله تعالى: "ولكل وجهة هو موليها فاستبقوا الخيرات" استُدل به على أفضلية الصلاة في أول الوقت، قال المُستدل: ربط الله بين التوجه إلى القبلة وبين الأمر باستباق الخيرات، فعلمنا أن المقصود هو المُبادرة إلى الصلاة.
وقوله تعالى: "ولأُتم نعمتي عليكم" فيه البشارة بدخول الجنة لأهل الإيمان، وللعبد الذي يواظب على الطاعة والصلاة، قال سعيد بن جبير يرحمه الله: ولم تتم نعمة الله على عبده حتى يُدخله الجنة.
الحلقة الثالثة والعشرون:
في قوله تعالى: "ولا تقولوا لمن يُقتل في سبيل الله أموات" أعظم حض وأبلغ ترغيب على الجهاد في سبيل الله، وتعريض النفس على القتل فيه سبحانه، وفيه إثبات أن الشهيد له حياة خاصة غير حياة غيره.
وقوله: "ولكن لا تشعرون" يدل على أن هذه الحياة تكون للشهداء قبل يوم القيامة، أي في حياة البرزخ. كيف هذا؟ لأن الله أخبر أننا لا نشعر بوجود هذه الحياة والإحياء، والإحياء يوم القيامة نشعر به كما نشعر به في هذه الدنيا وأبلغ.
وقال سبحانه: "ولنبلونكم" ثم قال: "وبشر الصابرين" ففي الآية الأولى: أسند البلوى إلى الله تعالى، وفي الآية الثانية: أسند البشارة إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
ومن الفوائد في ذلك: أن إسناد البلوى إلى الرب سبحانه يُخفف من آلامها، ففي استشعار العبد أن البلوى من عند الله تعالى دلالاته على أنها خير محض. إذ إن أفعال الرب سبحانه وتعالى كلها خير وكلها صلاح، ولا يدخل فيها شيء من الشر والفساد.
وأما إسناد البشارة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: هو تكريم له صلى الله عليه وسلم ورفعة لشأنه صلى الله عليه وسلم عند المؤمنين، بحيث تحصل خيراتهم بواسطته.
ومن فوائد الآية: إثبات المحاسبة في حياة البرزخ، وأن القبر إما روضة من رياض الجنان، وإما حفرة من حفر النيران. نسأل الله حسن الخاتمة.
قيل: ولو كان المراد إحياءهم يوم القيامة لقال: سيحيون. ولم يقل: أحياء. الذي يدل على الحاضر الناضر، وفرق بين اللفظين.
وقال سبحانه: "ولنبلونكم بشيء من الخوف و الجوع " وقال في سورة (النحل): "فأذاقها الله لباس الجوع والخوف"ففي الآية الأولى: يُخاطب الله تعالى عباده المؤمنين، فأتى لهم بلفظ (شيء) ليدل على المواساة والتعليل والتهوين.
وأما آية سورة (النحل): فإن الخطاب فيه عن المكذبين الذين كفروا بأنعم الله، فأتى عند الإخبار بلفظ (لباس) وهو لفظ يدل على التكلف واللزوم. نسأل الله لنا العافية.
وفي قوله تعالى: "وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا" لطيفة ونكتة: وهي الإشارة إلى صاحب المصيبة يجمع بين الصبر بالفعل وبين الصبر بالقول، قال صاحب التحرير والتنوير: لأن الاعتقاد يُقوى بالتصريح؛ لأن استحضار النفس للمدركات المعنوية ضعيف، يحتاج إلى التقوية بشيء من الحس.
وفي التعبير القرآني الدقيق: " إذا أصابتهم مصيبة قالوا" فائدة بليغة: وهي أن الاسترجاع يكون عقب المصيبة مُباشرة، وأن الصبر عند الصدمة الأولى، وأن الثواب الأعظم الذي يترتب على الصبر هو ما كان في أول الأمر، وهذا هو الصبر، لهذا قيل: إن الذي يفعله العاقل عند المصيبة، يفعله الجاهل بعد ثلاث.
" إنا لله" أي نحن مملوكون لله، وهو سبحانه المالك لنا ولغيرنا، وأن من حق المالك أن يتصرف في ملكه بما يشاء، وأن لا يعترض المملوك على المالك في شيء. هذه واحدة.
والثانية: أن العقل والمنطق يقتضي أن المالك لا يتصرف في ملكه إلا بما هو الأصلح له، وأنه لا يكون مُفسداً لملكه بحال من الأحوال.
وفي هذا اللفظ الجليل: "إنا لله وإنا إليه راجعون" ما ليس في غيره من الألفاظ الدالة على الاسترجاع، وفيه من التسلية والتعزية للنفس ما ليس في غيره من الجمل والعبارات، فتتجلى فيه بلاغة التفسير القرآني وروعته.
وفي قوله: "إنا لله وإنا إليه راجعون" كمال التعزية والترضية للنفس المصابة، نقول: نحن وغيرنا سنرجع إلى الله، ويُجزينا على كل صبر وفقد.
ونقول: إننا سنرجع إلى الله، وسيعوضنا ما فقدناه أو خيراً منه، وإن كانت المصيبة في عزيز وقريب فستلتقي به عند الله، ولا أحسن من هذه المواساة.
وقال سبحانه: "أولئك عليهم صلوات من ربهم" ولم يقل لهم صلوات! لفظ (عليهم) أبلغ في الدلالة وأعظم في المزية، فهو هنا يدل على اختلاط الصلوات بهم، وإشارة إلى أنهم منغمسون في رحمة الله قد غشيتهم وتجللتهم، كما يقول ذلك الألوسي رحمه الله، في روح المعاني.
واستنبط رسول الله صلى الله عليه وسلم من قوله تعالى: "إن الصفا والمروة " البدء بالصفا قبل المروة، قال صلى الله عليه وسلم:(نبدأ بما بدأ الله به). قال العلماء: فإن بدأ بالمروة قبل الصفا لم يُجزئه.
وقوله تعالى: "فمَن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما" فيه دليل على أنه لا يُشرع السعي مُفرداً، بل لابد أن يكون مُقترناً بكونه حج البيت أو اعتمر.
وفي قوله سبحانه: " ومَن تطوع خيراً" إبطال لجميع البدع. لماذا ؟
لأن الله قيّد التقرب إليه بما هو (خير) والبدع في الدين شر محض ليس فيه خير ألبته، والآية نصت على أن المتطوع إلى الله بالخير يناله الشكر من الله، وعليه: الذي يتطوع بالبدع لا يكون مثله ولا يناله الأجر والشكر، لا يناله غير العناء والنصب.
وفي قوله سبحانه: "إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى" الوعيد الشديد لكتمان العلم، قال العلماء: دلت الآية على أن كتمان العلم من الكبائر؛ لأن الله تعالى قد رتب عليه اللعن الشديد المتتابع منه سبحانه ومن الملائكة والناس أجمعين.
وفرّعوا عليه: أن تبليغ العلم الواجب لا يُستحق الأجرة عليه بذاته، كما لا يُستحق الأجرة على الإسلام، وعلى ما هو واجب فعله.
ومن فوائد الآية: وجوب العمل بخبر الواحد خلافاً لمذهب أهل الكلام، قال المستدل: لم يوجب عليه تبليغ البينات إلا وقد وجب قبول قوله، ولو لم يجب العمل ببيانه لم يكن إظهار هذا البيان واجباً بالنسبة له.
ويؤكده قوله: "إلاّ الذين تابوا وأصلحوا وبينوا". حَكَم سبحانه بوقوع البيان بخبرهم. والبيان يجب العمل به بالاتفاق.
وفي قوله تعالى: "إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا" بيان أن للتوبة شروطاً، وأن من شروطها: الإصلاح والبيان، وأن مَن يعصي الله علانية يجب عليه أن يتوب علانية، وأن مَن يُفسد في الأرض لابد في تصحيح توبته من إصلاح ما أفسد وتبينه.
وقوله: "وماتوا وهم كفار"استدل به على أن الكافر الذي لم يمت لا يجوز لعنه؛ لأنه لا يُعلم بأي شيء يُختم له.
وفي قوله تعالى: "أولئك عليهم لعنة الله" تجويز لعن مَن مات على الكفر بعينه؛ لأن الله أخبر على سبيل التقرير أن الناس يلعنونهم.
ثم قال سبحانه: "وإلهكم إله واحد" جاءت هذه الآية بعد التحذير الشديد من كتم العلم والحق والهدى، قال الشوكاني رحمه الله: فيها الإشارة إلى أن أول ما يجب بيانه ويحرم كتمانه هو أمر التوحيد.
وقوله تعالى:"وإلهكم إله واحد" عقبه بقوله: "لا إله إلا هو" للتأكيد والتقوية، ونفي الاحترازات الموهمة، قال الرازي: لما قال:"وإلهكم إله واحد" أمكن أن يخطر ببال أحد أن يقول: هب أن إلهنا واحد، فلعل إله غيرنا مغاير لإلهنا! فلا جرم أزال هذا الوهم ببيان التوحيد المعلق فقال: "لا إله إلا هو".
وختم الآية بقوله: "الرحمن الرحيم" ليُعلم أن الألوهية الربانية ألوهية رحمة، وأن رحمته سبحانه تسبق عقابه.
الحلقة الرابعة والعشرون:
في قوله تعالى: "إن في خلق السموات والأرض" أعظم دليل على تحقيق معاني التوحيد التي ذكرها الله تعالى في الآية التي قبلها: "وإلهكم إله واحد" قال العلماء: دلت الآية على استحقاق العبودية لله وحده على سبيل اللزوم العقلي.
فكما أنه سبحانه هو المُتفرد بالخلق والتدبير والإنشاء: فهو كذلك المُستحق للعبادة دون سواه، والمتفرد بالألوهية من غير شريك.
وفي قوله تعالى: "إن في خلق" الإشارة إلى أن الاعتبار واجب، وأن النظر لا يكون قاصراً على المخلوق، بل يتعداه إلى الخلق نفسه والحكمة فيه.
ويتفرع عنه: النفي على أولئك القوم الذين لا يتعدون في نظرهم إلى صفات المخلوقين، والذين لا يتجاوزون بعلمهم ظواهر الحياة.
وفي الآية جواز النظر وجواز استعمال الأدلة العقلية الثابتة على الأوجه الصحيحة في الأمكنة المُناسبة.
وفي قوله تعالى: "السماوات والأرض" جَمَعَ لفظ (السماوات) ولم يجمع لفظ (الأرض) فلم يقل: أرضين، مع أنه ثبت تعدد الأرض كما ثبت تعدد السماوات!!
قيل: إن الأرض وإن تعددت: فهي عالم واحد، وأما السماوات فهي عوالم عظيمة مُختلفة مُتباينة.
وقيل: إن الأرض وإن تعددت: فإن طبقاتها غير مُتباينة ولا مُنفصلة وهي كالشيء الواحد، وأما السماوات فإنها مُتباينة جداً كما جاء في الأحاديث الصحيحة: أن بين كل سماء وسماء مسيرة خمسمائة عام.
وفي قوله تعالى: "اختلاف الليل والنهار" نص على أن العبرة أعظم ما تكون الاختلاف بين الليل والنهار، وكأنه يُشير إلى أن هذا الاختلاف فيه سر، وقد ااكتُشف شيء من هذا السر: وهو أن الاختلاف من آثار دوران الأرض حول الشمس.
ومن إشارات اللفظ "اختلاف الليل والنهار" أنهما أعراض وأوصاف وليسا أجساماً كثيفة كما كان يتصورها أهل الجاهلية القدماء.
وقوله تعالى: "والفلك التي تجري في البحر" استُدل به على جواز ركوب البحر مُطلقاً، سواء كان للتجارة أو للعبادة أو للجهاد أو لغير ذلك، وأن ركوبه ليس من الغرر، وليس فيه تعريض بالمُهج في جميع الأحوال.
وفي قوله تعالى: "بما ينفع الناس" الإشارة إلى تحقيق الانتفاع في ركوب الفلك التي تجري في البحر، وفيه إشارة إلى أن الشيء الذي يحصل به النفع تحصل به النعمة الإباحة، قال القرطبي –رحمه الله -: قال بعض مَن طَعَن في الدين: إن الله تعالى يقول في كتابكم: " ما فرَّطنا في الكتاب من شيء" فأين ذكر الملح والفلفل وغير ذلك؟!
فقيل له: في قوله تعالى: "بما ينفع الناس"..
وفي قوله تعالى: "وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض" دليل على أن الله جعل في الماء سبب إحياء الأرض، فهذا فيه إثبات الأسباب وتأثيرها بإذن الله تعالى، والرد على المُنكرين لها.
وفي الآية: إشارة إلى أن الماء النازل من السماء هو الذي يُنبت الزرع، وهو الذي يُحيي به الأرض بعد موتها، وأما الماء الذي في البحر ولم ينزل من السماء: فهو ماء ملح أُجاج، لا تَحيى به الأرض، وكأن ماء البحر إذا صعد إلى السماء وُضع فيه من المواد والصفات والخصائص ما يجعله حياة للأرض.
وفي قوله تعالى: "ومن الناس من يتخذ من دون الله أنداداً" الإشارة إلى بطلان مُعتقدهم وفساد صنيعهم وهذا مُستفاد من لفظ (يتخذ) هنا، فغن الأنداد الحقة لا تُتَخذ ولا تُصنع، وإنما هي ثابتة بنفسها، وهذا في التعبير مثل قوله تعالى: "وقالوا اتخذ الله ولداً".
وقال سبحانه: " من دون الله" ولم يقل: دون الله، يعني ما فائدة لفظ (من)؟
قال أهل اللغة: أن (من) هنا بمعنى: وراء، وهي تُفيد الحيلولة، فقوله: اتخذه دون الله. أي: أفرد غير الله بالمحبة، وقوله: من دون الله. أي: أشركه مع الله في المحبة.
وقال الله تعالى: "والذين آمنوا أشد حُباً لله " ولم يقل: أحب لله.
ففي التعبير الأول: أكثر تأكيداً، وأعظم مزية، كما في قوله سبحانه عن قلوب المشركين: "فهي كالحجارة أو أشد قسوة" ولم يقل أقسى.
وفي قوله تعالى: "أن القوة لله جميعاً" إثبات صفة القوة لله تعالى، والآية نص في المسألة، وفيها رد على المُعتزلة وغيرهم ممَن يُنكر الصفات، تعالى الله عن قولهم.
وقوله تعالى: "أن الله شديد العذاب" بعد قوله: " أن القوة لله جميعاً" تأكيد وإثبات لتحقيق العذاب في مَن كان يتخذ الأنداد، لعل قائل يقول: هب أن القوة لله جميعاً، لعل الله يعفو عنهم ولا يُعذبهم فقال الله سبحانه: "أن الله شديد العذاب".
وفي قوله تعالى: "تقطعت بهم الأسباب" جاء التعبير بلفظ (بهم)؛ ليفيد أنهم قد فقدوا الأسباب التي اتخذوها في أشد ما يحتاجون إليه، أي: وهم مُتلبسون بها، قال صاحب التحرير: الباء في (بهم) للملابسة. أي: تقطعت الأسباب مُتلبسة بهم، أي: فسقطوا.
وفي قوله تعالى: "وما هم بخارجين من النار" دليل قاطع على خلود أهل الكفر الدائم في نار جهنم – عياذاً بالله – ومَن خالف فيه لم يأتِ بطائل، وقد خالف صريح القرآن الذي لا يقبل التأويل.
وفي قوله تعالى: "وما هم بخارجين من النار" إشارة إلى أن أهل الكبائر من الموحدين ليسوا أهل الخلود الدائم في النار، وأنهم خارجون منها، ووجه الدلالة أن لفظ (ما هم) يُفيد تخصيص المُشار إليهم بالحكم، وهم الكُفار دون غيرهم، قال الشوكاني - رحمه الله -: ظاهر هذا التركيب يُفيد الاختصاص.
وفي قوله تعالى: "يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالاً طيباً" الإيماء إلى علة الإباحة ومناط التكليف، وفيه إبطال ما كان يعتقده الجاهلية من تحريم الطيبات، ونعيٌ عليهم وتوبيخ، واُستُدل بالآية إلى أن مَن حرّم طعاماً فإن تحريمه يكون لاغٍ، ولا يحرم عليه.
وفي قوله تعالى: "وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا" الإشارة إلى ذم التقليد في الباطل والنهي الشديد عنه، قال القرطبي – رحمه الله -: قال علماؤنا: وقوة ألفاظ هذه الآية تُعطي إبطال التقليد.
وفي قوله تعالى: "وإذا قيل" جاء التعبير بقوله: (وإذا)؛ لِيدل على أن تقليدهم الآباء في الباطل قاعدة ثابتة عندهم، وهي ليست حادثة واحدة، ولفظ (إذا) يُفيد التجدد والتكرار.
وفي قوله تعالى: "فهم لا يعقلون" (الفاء) تُفيد الربط بين عدم العقل، وبين كونهم صُمٌ بُكمٌ عُميٌ، في هذا إشارة إلى نَعْتَهُم بـ (صُمٌ بُكمٌ عُميٌ) ليس لنفي أصل البصر والسمع والكلام، لكن نفى عنهم فائدة هذه الحواس وثمرة هذه الآلات: وهو العقل عن الله.
وقوله سبحانه: " إن كنتم إياه تعبدون" استنبط منه أن الأكل من الحلال سبب لقبول العبادة، كما أنه سبب لقبول الدعاء، فالآية قد رتبت العبادة الحقة على الامتثال لله بالأكل من الطيبات، والشكر له سبحانه فقال: "كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون" .
ومن الفوائد: أن الله عقَّب على الأمر بالأكل من الطيبات بالشكر له سبحانه، فدل هذا على أن الذي يستبقي النعم هو الشكر، وأن واجب التنعم هو الشكر.
ومن الفوائد: أن الله قرن بين الشكر له سبحانه وبين عبادته ولازم بينهما فقال: "واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون" قال ابن القيم – رحمه الله -: المعنى: أن عبادتكم لله تستلزم شكركم له، فإن كنتم ملتزمين بعبادته، داخلين في جملتها؛ فكلوا من رزقه، واشكروه على نعمه. وهذا كثير ما يورد في الحجاج، كما تقول للرجل: إن كان الله ربك وخالقك؛ فلا تعصه. وإن كان لقاء الله حقاً؛ فتأهب له.
الحلقة الخامسة والعشرون:
قال الله تعالى: "ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر مَن آمن بالله واليوم الآخر" إلى قوله: "أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون".
وقوله سبحانه "ولكن البر مَن آمن" تقديره: ولكن البر بر من آمن، كما قاله سيبويه وغيره، وهو أسلوب بليغ ومثله في القرآن: "أجعلتم سقاية الحاج كمَن آمن" أي: أجعلتم أهل سقاية الحاج كمَن آمن.
وفي قوله سبحانه "وآتى المال على حبه" التقرير بأن حب المال أمر فطري، وأن النفس مجبولة عليه، وفيه أن إعطاء الصدقة في حال الشح والفقر أفضل من إعطائها في حال المرض والغنى.
وفي قوله سبحانه "ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب" ترتيب لأهل المصارف بحسب حاجتهم، وتقديم بعضهم بحسب أحقيتهم في الصدقة وفي الإنفاق.
فهو أولاً قدّم ذوي القربى؛ لكونهم أحق الناس بالمعروف، ولكون الإنفاق عليهم يجمع بين الصلة والصدقة، ثم عقبهم باليتامى، واليتيم: وهو أحق من سائر الفقراء؛ لكون اليتيم مع فقره وحاجته لا كاسب له فهو منقطع عن الأسباب، ثم ذكر المساكين وهم: مَن أسكنتهم الحاجة وفقرهم فقر تام، ثم ابن السبيل، وهو المنقطع عن ماله فهو فقير من وجه لا من كل الوجوه، ثم جاء بعدهم ذكر السائلين، والسائل قد يكون من الفقراء حقاً وقد لا يكون، وأخّر ذكر الرقاب؛ لكونهم لهم أرباب يعولونهم.
واختلف العلماء في المراد بقوله: " وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب" هل هي الزكاة المفروضة أم هي غيرها ؟
والصواب أنها غيرها بل هي صدقة والدليل عليه أن الله جل ذكره ذكر الزكاة عقب هذا الموضع قال: "وأقام الصلاة وآتى الزكاة" بعد قوله: "وآتى المال على حبه" ومن حق المعطوف والمعطوف عليه التغاير والتباين.
وفي قوله سبحانه "آتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى" تجويز إعطاء القريب واليتيم من المال ومن صدقة التطوع ولو كانا غنيين، قال أهل العلم: يُعطى القريب بحكم القرابة والهدية، ويُعطى اليتيم بحكم التحنن والصلة لليُتم.
وفي قوله سبحانه: "وفي الرقاب" نكتة ولطيفة !! جاء بكلمة (في) هنا ولم يُذكر عند غيرهم من أنواع المصارف. قال: "وفي الرقاب" ولم يقل: في ذوي القربى وفي اليتامى. لماذا؟
قيل: الحكمة في ذلك هي أن المال الذي يُصرف لأهل هذه الجهة (الرقاب المملوكة) لا يُقصد به تمليكهم، بل هو لتخليص رقابهم من الرق، لا لتمليكم فهم ليسوا من أهل التمليك.
وفي قوله سبحانه: "والصابرين" نكتة عجيبة! ما قبله مرفوع وهو منصوب قال: "الموفون بعهدهم" ثم قال:" الصابرين" غيّر إعرابه إلى النصب، تنبيهاً إلى مزية الصبر.. قال أهل النحو: الصابرين منصوب على الاختصاص، والتقدير: أخص الصابرين بالذكر.
لماذا خصهم؟
قيل: لأن الصبر تتجمع فيه جميع الفضائل، وهو منشأ كل فضيلة، فكان له إعراب مختلف كأنه هو شيء مُستقل واحد وجميع الفضائل غيره شيء واحد.
وقال: "والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس" قيل: البأساء الفقر، والضراء المرض، وحين البأس القتال، وقد رتبهم سبحانه في الذكر بحسب التدرج، قال الألوسي – رحمه الله -: هذا من باب الترقي في الصبر من الشديد إلى الأشد، لأن الصبر على المرض فوق الصبر على الفقر، والصبر على القتال فوق الصبر على المرض.
وفي قوله سبحانه: "كُتب عليكم القصاص" الإشارة على أن فريضة القصاص فريضة لازمة، وحتم واجب لابد منه، وقد دل على ذلك قوله: "كُتب" وقوله: "عليكم".
وفي قوله سبحانه: "عليكم" حكم يعم مجموع الأمة، ويدخل فيه أولياء القاتل، ويدخل فيه القاتل نفسه، ففيه دلالة على أنه يجب عليهم تمكين أولياء الدم من القصاص.
وفي قوله سبحانه: "القصاص" الإيماء إلى علة الحكم، وأن قتل القاتل إنما شُرع لقصد العدل والمماءلة والمساواة الحقة.
وفي قوله سبحانه: "القصاص" إشارة إلى أن قتل القاتل ينبغي أن يكون بمثل الصفة التي قَتَل بها المقتول، قال أهل اللغة: القصاص: هو المماثلة، ومنه القِصة كأنه يُماثل المحكي، واقتص أثره: أي اتبعه، ومنه قوله تعالى: "وقالت لأخته قصيه".
وفي قوله سبحانه: "فمَن عُفي له من أخيه شيء" إشارة بديعة إلى أن العفو الصادر من أولياء الدم يُسقط القَوَد ولو من أحدهم، قال الله: "فمَن عُفي له من أخيه شيء" ولم يقل سبحانه: فمَن عفا له أخوه. قال الراغب: العدول إلى ذلك للطيفة وهي: أنه لا فرق بين أن يكون صاحب الدم قد عفا أو جماعة فعفا أحدهم، حيث القصاص يبطل ويعدل حينئذ إلى الدية، فقال: "فمن عُفي له من أخيه شيء" ليدل على هذا المعنى.
وفي قوله سبحانه: "شيء" التأكيد على أن العفو يقع ولو من أحدهم، وفيه أن العفو يقع ببعض الدية كما يقع في الكل، قال الشوكاني – رحمه الله – تنكير شيء للتقليل فيتناول العفو عن الشيء اليسير عن الدية، ويتناول العفو الصادر عن فرد من أفراد الورثة.
وفي قوله سبحانه: "أخيه" ترقيق للنفس وتعطف داع لهم إلى العفو.
وفي قوله سبحانه: "أخيه" إثبات قاعدة جليلة عند أهل السنة وهي: أن المعاصي لا تُخرج صاحبها من الإيمان مهما بلغت ولو كانت قتلاً عمداً.
وقال تعالى: "ولكم في القصاص حياة" قال العلماء والبلغاء: هذه العبارة حوت الغاية من الفصاحة والبلاغة، ووجوه الإعجاز مما لا يمكن أن نستقصيه.
وفي قوله سبحانه: "لكم" الإشارة إلى العناية الربانية بهذه الأمة على الخصوص لماذا؟
لأن الله عز وجل صرّح أن هذا التشريع يحصل به حياتهم وهي مرادة له سبحانه.
وقال تعالى: "ولكم في القصاص" ولم يقل: (في القتل)؟ قيل: لتعميم الحكم في القتل وفي غيره مما يحصل به القصاص، فيدخل فيه الجروح والضرب ونحوه.
وقال تعالى: "فاتباع بالمعروف" ولم يقل: اتباعاً بالمعروف ؟ قيل: إن الرفع هنا دال على وجوب الحكم؛ لأن المعنى: عليه اتباع قال النحاس: "فمن عُفي له من أخيه شيء" شرط. والجواب: " فاتباع".
وقال تعالى: "أداء إليه بإحسان" ولم يقل: أداء بإحسان؟ قيل: فائدة (إليه) إشارة إلى أنه لا يُمطله، وأنه يوصل الحق إليه ولا يكلفه الحضور بالمطالبة أو إرسال مَن يستقصيه.
وفي قوله سبحانه: "إن ترك خيراً الوصية" الإيماء إلى أن المال الذي ينبغي أن تقع به الوصية هو المال الحلال المأذون فيه، لا مالاً خبيثاً لا خير فيه.
وفي قوله سبحانه: "فإنما إثمه على الذين يُبدلونه" إبطال لما قد يتعلق به الموصي ويعدل من ترك الوصية بعلة خوف أن يُبدله غيره.
ويتفرع من هذا: أن المكلف إذا أدى ما عليه فقد برئت ذمته ولو خان غيره، واستُدل بها على أن مَن كان عليه دين فأوصى بقضائه برئت ذمته وسلمت تبعته في الآخرة وإن لم يوصله الورثة، ما لم يكن مفرطاً في الحياة.
ومن فوائد الآية: تجويز مقدار الوصية الصحيح دون مقدار الوصية غير الصحيحة، كمَن أوصى بأكثر من الثلث، فيجوز منها الثلث ويبطل ما زاد. قالوا: لأن الله تعالى لم يبطل الوصية جملة بالجور فيها بل جعل فيها ما يصح.
الحلقة السادسة والعشرون:
قال الله تعالى:"يا أيها الذين آمنوا كُتب عليكم الصيام كما كُتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون".
في قوله: "كما كُتِب على الذين من قبلكم" تطييب لأنفس المخاطبين وتهويناً لمشقة الصوم، فهو يقول لهم: كما كُتب عليكم الصوم فقد كُتب على الأمم قبلكم. والأمر الشاق إذا عمّ على الجميع سهل وخف.
وفي قوله تعالى: "لعلكم تتقون" الإشارة إلى أن الصوم يُضعف داعي العصيان، ويحصل به كسر باب الشهوة.
وفي قوله سبحانه: "أياماً معدودات" تهوين – أيضاً – وتسهيل لِمشقة الصيام، فهو يقول لهم: هي أيام قليلة معدودة سهلة، والعرب تقول: الكثير لا يُعد وإنما يُعد القليل.
ويتفرع عنه: أن الداعي إلى الإسلام يُرغب الناس في تكاليفه ويُسهل عليهم الالتزام بشرائعه الظاهرة والباطنة، ويقول لهم نحو ما قاله الله في هذه الآية.
وقوله تعالى: "وعلى الذين يُطيقونه" أي لا يُطيقون الصوم إلاّ بجهد جهيد، وبمشقة عظيمة، كيف هذا؟
الطاقة هي اسم لمقدار ما يُمكن أن يفعله الإنسان مع المشقة.
وفي قوله تعالى: "شهر رمضان نص على أن الواجب هو استيفاء جميع الشهر بالصوم، لو قال: (رمضان) لدل على جميعه، ولكن دلالة الظاهر التي هي أقل من دلالة النص.
وفي قوله تعالى: "شهر رمضان الذي أُنزل فيه القرآن" إشعار بخصوصية قراءة القرآن في شهر رمضان قال الحرالي: أشعرت الآية أن في الصوم حُسن تلقٍّ لمعناه ويُسراً لتلاوته.
و في قوله تعالى: "أُنزل فيه القرآن" إشارة إلى علو الله تعالى على خلقة، وأن الله جل جلاله فوق عباده.
وفي قوله تعالى: "ومن كان مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أخر" الإشارة إلى أفضلية الفطر للمسافر والمريض دون الصوم.
كيف هذا؟
ذكرت الآية أن حق المسافر القضاء دون الصيام، والقضاء يلزم منه الفطر، وما ذكره الله فهو أولى بالتقديم والتأخير.
وفي قوله تعالى: "أو على سفر" دليل على إباحة الفطر لكل مسافر وفي كل سفر قصيراً أو طويلاً، سفر طاعة أو معصية، وبالوسائل الحديثة وبغيرها.
وفي قوله تعالى: "أو على سفر" الإشارة إلى أن استباحة السفر لا تحل إلاّ إذا شرع في السفر. وهو لم يقل: (مسافر). ولكن قال: "على سفر" والعرب لا تقول: على سفر إلاّ لمَن شرع فيه، وربما قالوا: (مسافر) لمَن استقبل السفر وينويه.
وقوله تعالى: "على" تأكيد لهذا المعنى وتقوية له، لأن لفظ (على) دال على الاستعلاء والتمكن، ولا يصح هذا في حق مَن نوى السفر فقط.
وفي قوله تعالى: "أو على سفر" الإيماء إلى أن السفر لابد فيه من وجود النية والقصد بخلاف المرض فهو يحصل بنية وبغير نية.
وفي قوله: "فعدة من أيام أخر" وجوب القضاء بعدد أيام الفطر من غير تعيين الزمان، فهو يقضي عدد ما أفطر في أي زمان شاء، شاءوا صيفاً، أياماً قصيرة أو طويلة، حارة أو باردة، متتابعة أو متفرقة. قال العلماء: لفظ عدة مسترسل لا يختص بزمان دون زمان، ومَن خصصه فلا دليل له، إلاّ أن يكون القضاء في نفس العام.
وفي قوله تعالى: "فعدة من أيام أخر" الإشارة إلى وجوب القضاء بعدد الأيام التي أفطرها دون نقص. وأن مَن أفطر شهراً كاملاً فهو يقضيه كاملاً، وإن كان الشهر ناقصاً قضاه تسعةً وعشرين.
وفي قوله سبحانه: "يُريد الله بكم اليسر" عقب قوله: "ومن كان مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أخر" الإشارة إلى ترجيح الفطر على الصيام لمَن كان في حال المرض أو حال السفر، وأنه هو اليسر، وأنه هو مراد الله تعالى، إذ لا مذكور غيره.
وفي قوله سبحانه: "ولِتكبروا الله على ما هداكم" إشارة إلى آكدية التكبير ليلة عيد الفطر. ووجهه: أن الله تعالى ذكر التكبير بلفظ: (ولتكبروا) رتبه على الشيء الذي أراده الله سبحانه، وما أراده الله تعالى من خلقه فلا يحسن التخلي عنه.
وفي قوله سبحانه: "ولتُكملوا العدة ولتُكبروا الله على ما هداكم" دليل على أن وقت ابتداء التكبير من حين انقضاء غروب آخر يوم من رمضان، فهو الذي يحصل به إكمال العدة وإتمام الشهر.
وقال الله تعالى: "وإذا سألك عبادي عني" ولم يقل: وإن سألك عبادي عني. قال أهل اللغة: (إذا) تدل على الكثرة، و (إن) تدل على القلة، ففيه إشارة إلى استحباب كثرة السؤال لله الواحد القهار.
وقال الله تعالى: "عبادي" ولم يقل: عبيدي. لماذا ؟ قيل: إن لفظ (العباد) أخص من لفظ (العبيد). العبيد هم: المقهورون بربوبية الله، وهم جميع المخاليق، والعباد هم: أهل الطاعة وأهل الكرامة فقط.
وقال الله تعالى: "فإني قريب" ولم يقل سبحانه: (فقل إني قريب) لماذا؟
قيل: للإشعار بفرط قُرب الله منهم، ولإسقاط الوسائط بين الخالق والمخلوق في شأن الدعاء.
وفي قوله سبحانه: "فإني قريب" الإشارة إلى أدب المُناجاة والمُسارَّة في الدعاء، دعاء القريب يكون مُناجاة، ودعاء البعيد يكون مُناداة.
وفي قوله سبحانه: "فإني قريب" إبطال لمناهج المُبتدعة في دعاء غير الله، وأن التوسط والتوسل بالغير إلى الله سبحانه لا فائدة منه، وعبث لا معنى له.
وقال الله تعالى: "فإني قريب" ولم يقل سبحانه: فالعبد مني قريب. لماذا؟
فيه الإشارة إلى أن القرب هو محض تفضل من الله، ومحض تكرم منه سبحانه لا منهم.
وفي قوله سبحانه: "أُجيب دعوة الداع إذا دعان" الإشارة إلى وجوب إخلاص الدعاء لله وحده دون سواه، وأن مَن دعا غير الله فهو حريٌ بعدم الإجابة.
وفي قوله سبحانه: "إذا دعان" إثبات النفع في الدعاء، وأنه من أعظم أسباب تحصيل الرزق وتغيير الحال.
وفي قوله سبحانه: "إذا دعان" إبطال لمنهج المتفلسف الذي يَدَعَ الدعاء ويقول: حالي يُغني عن سؤالي، وهذا لا يصح عن الخليل عليه السلام، ولا عن أتباعه بإحسان رضي الله عنهم.
وقال سبحانه: "فليستجيبوا لي" ولم يقل: فليُجيبوا لي. لماذا؟
قال الراغب: أوثر (فليستجيبوا) على (فليجيبوا) للطيفة، وهي أن حقيقة الاستجابة طلب الإجابة وإن كان قد يُستعمل في معنى الإجابة، فتبين أن العباد متى تحروا إجابته بقدر وسعهم فإنه يرضى عنهم.
ومن فوائد الآية: إثبات آكدية الدعاء في حق الصائم، قال ابن كثير – رحمه الله -: لأن الله تعالى قد تخلل آيات الصيام بآية الدعاء. وقال غيره: وتدل على مشروعية الدعاء عند إتمام كل يوم من رمضان؛ لأن كل يوم صوم مُنفرد.
وفي قوله سبحانه: "الرفث إلى نسائكم" الإشارة إلى أن المحرم على الصائم إنما هو الإفضاء إلى المرأة بالجماع لا ما دونه. كيف؟
لفظ الرفث يدل على الجماع وعلى دواعيه، ولم يقل: الرفث بنسائكم وهو الشائع في الاستعمال، وإنما عداه بـ (إلى) ليتضمن معنى الإفضاء.
وفي قوله سبحانه: "هن لباس لكم وأنتم لباس لهن" الدليل الصريح على جواز معاشرة الرجل زوجه على كل وجه تحصل به المُلابسة.. إلاّ ما خصه الدليل.
وفي قوله سبحانه: "هن لباس لكم" التقعيد لأهل الإيمان أن يتأدبوا في التلفظ فيما لا يحسن ذكره.
وفي قوله سبحانه: "تختانون أنفسكم" الإشارة إلى أن المعاصي يعود ضررها على صاحبها لا على غيره، نسب الله الخيانة هنا إلى نفس العاصي لا إلى غيره.
وفي قوله سبحانه: "وابتغوا ما كتب الله لكم" تحريض على مُباشرة النساء بقصد طلب الولد وحصول الإعفاف. وفيه الإشارة إلى قاعدة دينية نافعة وهي: ابتغاء المصالح الدينية من وراء مزاولة الأعمال الدنيوية واللذائذ الوقتية.
وفي قوله سبحانه: "وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر" دليل على استحباب السحور، ودليل على استحباب تأخيره إلى ذلك الوقت.
وفي قوله سبحانه: "من الفجر" دليل على أن مَن طلع عليه الفجر وهو جُنب لم يُبطل صومه بل يغتسل ويُصلي.
وفي قوله سبحانه: "ثم أتموا الصيام إلى الليل" الإشارة إلى أن مُنتهى الصوم في الشريعة هو الليل.
وفرعوا عليه: أن الصائم يُفطر بمجرد غروب الشمس أكل أو لم يأكل، قال ابن العربي – رحمه الله -: وقد سُئل الإمام أبو إسحاق الشيرازي عن رجل حلف بالطلاق ثلاثاً أنه لا يفطر على حار ولا بارد. فأجاب: أنه بغروب الشمس يفطر ولا شيء عليه.
وفي قوله سبحانه: "إلى الليل" النهي عن مواصلة الصوم في الليل. كيف؟ جعلت الآية نهاية الصوم هو الليل.
وفي قوله سبحانه: "وأنتم عاكفون في المساجد" أدل دليل على مشروعية الاعتكاف في كل مسجد، وأنه لا يختص بمسجد دون مسجد وليس في السنة الصحيحة تخصيص.
الحلقة السابعة والعشرون:
قال تعالى: "ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقاً من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون".
في قول سبحانه: "ولا تأكلوا أموالكم" الإشارة إلى الأخوة الإيمانية، وإلى أن عصمة مال الغير كعصمة مال النفس، فهو يتضمن أن آكل مال غيره كآكل مال نفسه بالباطل. وعبر عن الائتلاف بالأكل. لماذا؟
لأنه هو أهم الحوائج، ولأن به يحصل إتلاف المال غالباً.
وقوله سبحانه "بالباطل" أُستدل به على تحريم كل معاملة ليست بحق. قال القرطبي: هذه الآية متمسك كل مؤالف ومخالف في كل حكم يدّعونه لأنفسهم بأنه لا يجوز فجوابه أن يُقال: لا نسلم بأنه باطل حتى تثبته بالدليل. انتهى. كيف يُثبت كونه باطلاً بالدليل؟ الباطل في المعاملات على أوجه ثلاثة:
الأول: ما يعلم جميع المستمعين أنه باطل كالغصب والسرقة.
الثاني: ما حكم الشرع بأنه باطل، ويخفى كونه باطلا عند أكثر المستمعين، مثل كثير من أنواع الربا.
الثالث: ما استنبطه العلماء وألحقوه بالباطل في الشرع، فهذا لا يستدل عليه بمجرد ذكر الباطل من الآية، بل لابد من الدليل على كونه باطلاً بعينه.
وفي قوله سبحانه: "وتُدلوا بها إلى الحكام" أُستُنبط منه أن حكم الحاكم لا يُحلل حراماً وأن مَن حكم له القاضي بشيء مستدلا في حكمه على باطل كنحو شهادة زور أو يمين فجور فلا يُحلل له ذلك، وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم: "إنكم تختصمون إليّ ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له على ما أسمع فمَن قُضي له من أخيه بشيء فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من النار".
وفي قوله سبحانه: "يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج" الإشارة إلى أن الإحرام بالحج لا يُشرع في غير أوقاته، لو كن مشروعاً في كل وقت لما احتيج إلى معرفة الأهلة في توقيته، إنما احتيج لكونه خاصاً بأشهر معلومة متميزة لا في كل وقت لا يقع في غيرها.
ومن اللطائف: أن يُعكس الاستدلال فيُقال: دلت الآية على جواز الإحرام بالحج في كل وقت، و(هي) ضمير يعود على جميع الأهلة وجميع الشهور وهذا قال به طائفة، والأول هو الأقوى. لماذا؟
لأنه هو ظاهر الآية المتبادر إلى الفهم، وأن التفسير الثاني يضعف معنى الآية الكريمة ويُبطل فائدة التخصيص فيها.
وقال الله تعالى: "مواقيت للناس والحج" ولم يقل مواقيت للصوم أو غيرها من العبادة التي يُشترط فيها التوقيت. لماذا خصص الحج بالذكر؟
قيل: أفرد سبحانه الحج بالذكر لأن أهل الجاهلية من العرب كانوا يؤخرونه عن وقته وكانوا ينسئونه فأبطل الله النسيئة كما في سورة التوبة. وهنا أشار الله إلى أن ذلك لا يجوز تأخير الحج عن وقته، لا يجوز نقل الحج من تلك الأشهر إلى أشهر غيرها، والحج مقصور على الأشهر التي عينها الله.
قال الله تعالى: "وليس البرُّ بأن تأتوا البيوت من ظهورها ولكن البرَّ مَن اتقى وأتوا البيوت من أبوابها" قال الله: " وليس البرُّ" بالرفع، وقال قبل ذلك في نفس السورة: "ليس البرَّ أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب.." رفع في هذا الموضع ونصب في الموضع الأول. لماذا؟
قال أهل اللغة: يكون الاسم معروفاً لك فتلحق به الوصف، ومرة تجهل الاسم وتعرف الوصف فتلحق الاسم بالوصف وهذا سر اختلاف الرفع والنصب في كلمة البر و قال العلماء: في هذه الآية النفي لجنس البر عن هذا العمل ولهذا قال: "وأتوا البيوت من أبوابها" يعني: هذا الفعل ليس من البر بكل حال ليس فيه أي بر، وهناك نفي البر الأعظم، يعني: ليس البر الأعظم هو تولية الوجه للقبلة لم ينفعه، ولهذا لم يقل: وتولَّوا إلى أي جهة.
ومن فوائد الآية: إنكار كل بدعة لم يشرعها الله، وإبطال كل محدثة في الدين، وأن كل ما لم يُشرعه الله لا يُعد قربة بأن يتقرب به متقرب.
ومن فروعه: أن فعل المباح لا يجوز أن يتخذ قربة إلى الله بذاته، مثلاً: نحن لا نلبس زياً معيناً لم يخصصه الشرع ثم نزعم أنه قربة، ولا نتغنى بالشعر ثم نزعم أن التغني قربة.
وفي قوله سبحانه: "وأتوا البيوت من أبوابها" الإشارة إلى تحسين اليسر في كل شيء، فيه تنبيه إلى أن الواجب على العاقل هو أن يأتي الأمر من الطريق السهل القريب الذي جُعل له موصلاً.
ويتفرع عن هذا: الإرشاد إلى الحسن في جميع أحوال الناس وفي جميع أفعالهم من أمور الدين وشؤون الدنيا مثل: طرق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وطريق العلم، وطريق الأكل والشرب والجماع وغيرها من الوظائف وغيرها. استدل بالآية إلى وجوب إتيان الأشياء من أبوابها وطرقها الصحيحة.
وفي قوله سبحانه: "واقتلوهم حيث ثقفتموهم" استدل به على قتال كل مشرك وأنه كافر يستحق القتل بسبب الكفر، غير مَن استثنى الله وهم أهل الجزية. لماذا؟
لأنه سبحانه أطلق فقال: "واقتلوهم" ولم يُعلق قتالهم بالاعتداء منهم، علق القتال بنفي الشرك بقوله: "حتى لا تكون فتنة" أي شركاً وأكده عموم القتال بقوله: "ويكون الدين كله لله" وأكده مرة أخرى بقوله: "فإن انتهوا" أي عن الشرك "فلا عدوان إلاّ على الظالمين" يعني أن كل مشرك هو مستحق للقتال بسبب شركه – غير الكتابيين – وبه قال طائفة من العلماء الفضلاء.
وفي قوله سبحانه: "والحرمات قِصاص" أصل وقاعدة في جواز المقاصة بالمثل.
وفي قوله سبحانه: "فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم" تبيين صفة المقاصة، فهو أولاً أجمل ثم فصل.
وفي قوله سبحانه: "ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة" الإشارة إلى أن ترك الجهاد وترك الإنفاق هو التهلكة بعينها، كيف فُهم هذا؟
سياق الآيات يدل عليه: قال: "وقاتلوا في سبيل الله" وقال "أنفقوا في سبيل الله" ثم قال عقبه: "ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة".
وفي قوله سبحانه: "ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة" النهي عن كل سبب يؤدي إلى التهلكة.
وفي قوله سبحانه: "بأيديكم" لطيفة ونكتة، قال الألوسي: فائدة ذكر الأيدي: التصريح بالنهي عن الإلقاء إليها بالقصد والاختيار.
وفي قوله سبحانه: "وأتموا الحج والعمرة" أُستدل به على وجوب الحج والعمرة وفرضيتهما، واستدل به على وجوب إتمام الحج لمن شرع فيه، ولو كان نفلاً في أصله.
وجه الأول: أن المراد من قوله: " أتموا" الإتيان بهما على وجه الكمال والتمام. ووجه الثاني يكون المعنى: أنكم إن شرعتم فيهما فلابد لكم أن تتموهما.
وعلى الوجه الأول يكون حكم العمرة كحكم الحج واجبة لا مجرد نافلة.
وفي قوله سبحانه: "لله" الإشارة إلى وجوب الإخلاص وزيادة تحقيقه لوجه الله تعالى، ولم يقل سبحانه في الصلاة والزكاة: (لله) وإنما خص الحج. لماذا؟
قيل: لأنهم في الجاهلية كانوا يتقربون إلى أصنامهم ببعض أفعال الحج فخصها بالذكر.
وقيل: لأن الحج عبادة ظاهرة ظهوراً عظيماً فهي أولى بمراعاة الإخلاص ومدافعة الرياء.
وفي قوله سبحانه: "تلك عشرة كاملة" فوائد، فصل العلماء في ذكر بعضها:
منها: نفي التوهم في أن يكون المقصود هو التخيير إما ثلاثاً وإما عشرة. لماذا ؟ لأن لفظ (الواو) قد يأتي للتخيير.
ومنها: الإشارة إلى أن صوم الصائم الذي لم يجد النسك فعله وحجه كامل كما هو شأن الناسك الذي لم يذبح.
ومنها: أن هذا الخطاب مع العرب ولم يكونوا أهل حساب، فبين الله ذلك بياناً شافياً قاطعاً للشك والريب، كما ورد مثله عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في الشهر: (هكذا وهكذا) وأشار بيديه ثلاثاً وأشار مرة أخرى وأمسك إبهامه في الثالثة.
ومنها: إزالة اللبس في أن المراد بـ (السبعة) هو العدد لا الكثرة.
وفي قوله سبحانه: "كاملة" إشارة إلى تأكيد قضية الصوم ولحصول
الأجر فيه كما يحصل في الهدي. كيف هذا؟
إن المعتاد أن يكون البدل أضعف من المبدل منه، فينفي الله هذا الاحتراز بقوله: "كاملة"، فهي كاملة في البدل عن الهدي، وهي كاملة في الثواب عند الله، وهي كاملة في صفة الحج ومناسكه.
الحلقة الثامنة والعشرون:
قال تعالى: "فمَن فرض فيهن الحج" نَسَبَ الفرض إلى العبد المكلَّف، والفرض لا يكون إلاّ من الله. لماذا؟
قيل: السر في ذلك أن الحج عبادة تعرض بالشروع فيها ولو كانت في الأصل مندوبة، تقدير الآية: فمَن ألزم نفسه فيهن بالحج. كيف يلزم نفسه؟
يلزم نفسه بالشروع في الحج، يكون بالنية قصداً باطناً، وبالإحرام فعلاَ ظاهراً، وبالتلبية نطقاً مسموعاً، ويكون بإشعار الهدي وتقليده.
وفي قوله سبحانه: "فمَن فرض فيهن الحج" الإشارة إلى أن الحج لا يكون في غير أشهره، وأنه لا يجوز الإحرام بالحج إلاّ في تلك الأشهر كما قال ابن عباس رضي الله عنهما وغيره. قيل: لو جاز أن يكون في غير تلك الأشهر لما كان لذكر (فيهن) فائدة.
وقال سبحانه: "وما تفعلوا من خير" ولم يقل: وما تفعلوا من شيء. قيل الفائدة في ذلك أن السياق يقتضيه، المحرم بالنسك يقتضي أن يُرغب في الخير ويُحض عليه، يقول للحاج: كل ما تتحمله من أنواع المشقة في سبيل الخير وكل ما تفعله من خير فإنني به عليم، أنا مطلع عليه أجزيك عليه.
وفي قوله سبحانه: "من خير" الترغيب في فعل كل خير، والإشارة إلى أنه يجب على الحاج في ذلك الوقت أن يستغل كل فرصة لفعل الخير، وأن يستغل فضل الزمان والمكان. قال العلماء: (من) للتخصيص على العموم.
وفي قوله سبحانه: "وما تفعلوا من خير" بعد قوله: "فلا رفث ولا فسوق ولا جدال" الإشارة إلى أنه لا يكفي المكلف الترك والاجتناب للمنهيات، لكن عليه أن يقرن ترك الشر بفعل الخير والمواظبة على الطاعة.
وفيه إشارة إلى أن ترك الحرام لا يستحق عليه الأجر إلاّ من جهة أنه حرام وأن الله أمر بتركه. وإلاّ لم يُسمَ خيراً.
وفي قوله سبحانه: "وتزودوا فإن خير الزاد التقوى" الإشارة إلى مشروعية الجمع بين عمل الدنيا النافع وبين عمل الآخرة الخالص. التزود من القوت والتزود من الطاعة، وأن هذا من ذاك ولا يُعارضه.
وفي قوله سبحانه: "فإن خير الزاد التقوى" الإشارة إلى أن الدنيا ليست بدار قرار وأنها دار سفر.
وفي قوله سبحانه: "ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم" إباحة الاتجار في الحج، وأنه فعل لا يُنقص الثواب والأجر، ولا يُخرج المكلف من اسم الإخلاص ولب العبادة.
وقال الله تعالى: "فضلاً من ربكم" ولم يقل: رزقاً أو زاداً!
قيل: لأن ذكر الزاد، والمشار هنا أكثر منه. المعنى: أن الحاج يتزود للحج قبل مجيئه فإذا حضر لا بأس أن يبتغي فضلاً وزيادة من الرزق. قال: "من ربكم" زيادة في التحليل والإشعار بنعمة الخالق على المخلوق.
وفي قوله سبحانه: "المشعر الحرام" الإشارة إلى أن عرفات ليست من الحرم، والتنصيص على أن مزدلفة منه. قال عنها (مشعر) لأنها علامة على مناسك الحج من المبيت والدعاء والذكر والصلاة.
وفي قوله سبحانه: "ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس" بعد قوله: "فإذا أفضتم من عرفات" الإشارة إلى وجوب المبيت في مزدلفة. لماذا؟
قال: "فإذا أفضتم من عرفات" ثم قال: "ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس" (ثم) تدل على التراخي وعلى التأخر، ومقتضى التراخي هنا بين الإفاضتين هو المبيت في منى ليلة العاشر.
وقيل: لفظ (ثم) ليس للتراخي، وليس هنا إفاضتان، هي إفاضة واحدة تُسمى الحُمس كانوا يفيضون من مزدلفة الحرام ترفعاً وتكبراً أن يفيضوا مع الناس، فأكد الله عليهم مكان الإفاضة بقوله: " ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس" أي: أفيضوا من عرفات حيث أفاض الناس.
ما وظيفة (ثم) على هذا القول؟
(ثم) هنا ليست للتراخي، مستعارة لإظهار التفاوت بين الإفاضتين في الرتبة، فلإشعار أن أحدهما صواب والأخرى خطأ.
وفي قوله سبحانه عقبه: "واستغفروا الله" تعقيد لسنة شريفة وهي ختم العبادات بالتوبة والاستغفار، وأكدها بقوله: " فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله".
وفيه إشارة إلى إثبات قصور العبد في أداء حق الرب سبحانه.
وفي قوله سبحانه: "ومن الناس مَن يقول" عقب قوله: "فاذكروا الله" الإشارة إلى أدب عظيم من آداب الدعاء، وهو تقديم الذكر والثناء على الله وتمجيده.
وفي قرن الذكر بالدعاء فائدة عزيزة ونكتة، قال الألوسي – رحمه الله – قرن سبحانه الذكر بالدعاء للإشارة إلى أن المعتبر من الذكر ما يكون عن قلب حاضر وتوجه باطن كما هو حال الداعي حين طلب حاجة، لا مجرد التفوه والنطق به.
وفي قوله سبحانه: "كذكركم آباءكم أو أشد ذكراً" التعريض بما كان عليه أهل الجاهلية من التفاخر بالأنساب، وإبطال التفاخر بالآباء.
ومن الفوائد في الآية: إثبات أن الدعاء ذكر، وأن الذكر دعاء؛ لأن الله سبحانه ربط بينهما فقال: "ومن الناس مَن يقول" بعد قوله: "فاذكروا الله كذكركم آباءكم".
ومن الفوائد: إثبات أن الدعاء يكون بخيري الدنيا والآخرة، وأن الاقتصار على طلب الآخرة لوحدها مع الإعراض عن خير الدنيا ليس هو المطلوب.
ومن الفوائد: الرد على مَن يزعم أن عبادة الله منزهة عن الأغراض، لا لأجل ثواب ولا لخوف عقاب، وإنما هي لذات الله سبحانه.
الحلقة التاسعة والعشرون:
قال الله سبحانه: " من الناس مَن يُعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه" وفي قراءةٍ: "يشهد اللهُ على ما في قلبه" قوله سبحانه: "والله يشهد أن المنافقين لكاذبون" قال العلماء هذه الآية الكريمة في وصف حال المنافق، وهو من أدق وصف لحال أهل النفاق. ما المناسبة بينها وبين ما قبلها؟
لما ذكر أهل الإيمان بقوله سبحانه: "ومن الناس مَن يقول ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة" ثم ذكر أهل النفاق بقوله: "ومن الناس مَن يقول ربنا آتنا في الدنيا حسنة وما له في الدنيا من خلاق" بقي صنف ثالث: وهم أهل النفاق ذكرهم هنا عقب الآيتين السابقتين.
وفي قوله سبحانه: " يُعجبك قوله في الحياة الدنيا" الإيماء إلى الذي لا يُحسا إلاّ الحديث عن الدنيا هو مظنة للتهمة، وأن الأمر الحسن حقيقة هو ما كان في الآخرة والأمر الباقي، في الحديث الشريف ما هو أبلغ من الذم، قال صلى الله عليه وسلم: (ما اجتمع قوم في مجلس لا يذكرون الله فيه إلا كان عليهم حسرة يوم القيامة).
وفي قوله سبحانه: "وهو ألد الخصام" التنفير ممَن كان هذا وصفه، وفيه الإشارة إلى ذم الخصومة الشديدة.
واستدل به على ذم علم الجدل.
ثم قال الله تعالى: "وإذا تولى سعى في الأرض ليُفسد فيها" يعني إذا انصرف من عندك كان عمله عمل الفساد لا كقوله الذي يُعجبك.
وقيل: "وإذا تولى" إي إذا غلب وصار والياً عمل ما يفعله ولاة السوء من الفساد في الأرض بإهلاك الحرث والنسل.
وهذا التفسير سائغ في اللغة، ولكن التفسير الأول هو الأولى هنا؛ لأنه هو المناسب للسياق قبله. قال: "ومن الناس مَن يُعجبك قوله" ثم قال: "وإذا تولى".
وفي قوله سبحانه: "ليُهلك الحرث والنسل" الإشارة إلى زراعة الأرض وغرس الأشجار، وأن جلب النسل - وهو نماء الحيوان - أمر مطلوب.
وفي قوله سبحانه: "ليُهلك الحرث والنسل" التوعد لكل عمل يحصل به فساد الأرض من غير حق وبلا مصلحة، قال بعض العلماء في الآية: أن مَن يقتل حماراً أو كدساً من الزرع فقد استوجب الملامة، ولحقه الشين إلى يوم القيامة.
وقوله سبحانه "ليهلك الحرث والنسل" من الألفاظ الفصيحة جداً الدالة مع اختصارها على المبالغة الكثيرة.
ومن فوائد الآية: تفطين أهل الإيمان لئلا يغترّوا بالمظاهر دون الحقائق، وأن يعتبروا بما وراء الكلام الحسن.
ومن الفوائد: إثبات مشروعية تحرّية الشهود، وهذا مذهب المالكية. قال القرطبي – رحمه الله -: وفي هذه الآية دليل وتنبيه على الاحتياط فيما يتعلق بأمور الدين والدنيا، واستبراء أحوال الشهود والقضاة.. لأن الله بيّن أحوال الناس، وأن منهم مَن يظهر قولاً جميلاً وهو ينوي قبيحاً.
ومن الفوائد في الآية: أن الاعتبار في التزكية هو الأفعال لا مجرد الأقوال، وأن الأقوال التي تصدر من الشخص لا تدل بمفردها على صلاحه أو فساده.
واستدل المالكية بها أن القاضي يُخيِّر الشهود، وأنه لا يغتر بتمويههم وتزكية أنفسهم لأنفسهم.
وفي قوله سبحانه: "والله لا يُحب الفساد" النهي عن كل فساد قلَّ أو كثر في الدين أو في الدنيا. ما هو الفساد؟
الفساد هو: إخراج الشيء عن حالة محمودة لا لغرض صحيح، فكل ما حصل فساد فهو منهي عنه. قال عطاء – رحمه الله -: أن رجلاً أحرم في جبة فأمره النبيصلى الله عليه وسلم أن ينزعها. قال قتادة لعطاء: إنا كنا نسمع أن نشقها فقال عطاء: إن الله لا يُحب الفساد.
وقال الله تعالى: "وإذا قيل له: اتق الله" أي إذا نُصح هذا المنافق "أخذته العزة بالإثم".
وفي قوله سبحانه: "وإذا قيل له: اتق الله" إشارة إلى أن المذكور الموصوف يُخالف فعله قوله، فقوله حسن يُعجب، وفعله قبيح غير معجب.
قال تعالى: "وإذا قيل له: اتق الله" لماذا؟ لأن فعله يدعونا إلى الإنكار عليه يدعونا إلى أن نقول له: اتق الله.
سبحانه: " أخذته" تفسير عجيب: كأن العزة الباطلة قد أحاطت به، بل هي جذبته إليها جذباً شديداً وصار كالمأخوذ بها.
وقال تعالى: "بالإثم" لماذا ؟
لأن العزة قد تكون بحق بغير إثم، كما في قوله سبحانه: "ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين".
ومن فوائد الآية: الذم البليغ لمَن يُعرض عن الموعظة.
ومن الفوائد: الوعيد الشديد لمَن يستنكف من قول: اتق الله، قيل لبعض السلف: اتقِ الله. فوضع خده على الأرض. فقال ابن مسعود رضي الله عنه: إن من أكبر الذنب أن يقول الرجل لأخيه: اتقِ الله. فيقول له: عليك نفسك.
وقد فرّع الفقهاء على هذا المعنى مسائل. قالوا: إذا قال الخصم للقاضي: اعدل. فله أن يُعزره، وإن قال له: اتق الله. فلا يفعل به شيئاً.
ثم قال الله سبحانه: "ومن الناس مَن يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله" هذا صنف والأول صنف، هذا مؤمن وذلك منافق، بين الله صفة الرجلين فكان مناسباً تمام المناسبة.
قرأ رجل عند ابن عباس رضي الله عنهما الآيات:"وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة …" ثم قوله: "ومن الناس مَن يشري نفسه ابتغاء …" فقال ابن عباس: اقتتل الرجلان، أرى هذا أخذته العزة بالإثم بقوله: اتقِ الله. فيقول هذا: وأنا أشتري نفسي ابتغاء مرضاة الله. فيُقاتله.
وفي قوله سبحانه: "ادخلوا في السلم كافة" التنصيص على أن الواجب هو العمل بجميع الدين، والدخول في جميع شرائعه وأحكامه.
وفي قوله سبحانه: "كافة" الرد على جميع أهل البدع والأهواء. كيف هذا؟
ما من صاحب بدعة إلاّ وهو تارك لبعض الدين وهو منكر لبعض الشرع جهلاً أو تأويلاً أو تكذيباً.
وفي قوله سبحانه: "كافة" أدل دليل على إبطال مذهب اللادينيين، إبطال الفريا العظيمة التي جعلت الدين أجزاء، وعملت ببعض الشرائع وكفرت بالبعض. عملت بالعقيدة والعبادة كما يفهمون، وكفرت بالاقتصاد والسياسة.
وفي قوله سبحانه: "ولا تتبعوا خطوات الشيطان" بعد قوله: "ادخلوا في السلم كافة" يعني أن مَن لم يدخل في الإسلام، فهو ولابد يتبع خطوات الشيطان.
لما أمرهم أن يدخلوا في السلم حذرهم من اتباع الشيطان، كأنه يقول: إما الإسلام وإما طريق الشيطان، وليس ثمة خيار بين الطريقين " ادخلوا في السلم كافة ولا تتبعوا خطوات الشيطان".
وقال تعالى: "خطوات الشيطان" ولم يقل الشيطان. لماذا ؟ ما فائدة ذكر الخطوات والتنصيص عليها؟
ليُبيّن لنا سبحانه وهو الرؤوف الرحيم كيف يضلنا إبليس وجنده.
إن للشيطان خططاً ومخططات فتزيينه ووسوسته كالخطوات واحدة تتلو الأخرى.
وهي خطوات كذلك تندرج في الشر.
وهي خطوات كذلك كل خطوة تتبع الأخرى.. كل معصية وإثم يورّث معصية وإثماً. وهي خطوات كذلك.
ثم قال تعالى: " فإن زللتم".
جاء التعبير هنا يناسب لفظ (خطوات) تمام المناسبة.
الزلل: أصله الزلق. الذي يتبع خطوات الشيطان، الذي يتبع وسوسته يتضرر به ليحصل به الزلق.
يشبه الذي يمشي على أثر غيره. يعني: يقع منه الزلل. كيف هذا؟
طريق الرحمن طريق مستقيم، وطريق إبليس طريق منحرفة، الذي يتبع طريق إبليس يخرج عن الطريق المستقيم، يعني: يزل بخروجه إلى طريق الشيطان وإلى اتباع خطواته. قال بعض أهل البلاغة: إن ما يأمر به الشيطان بمنزلة الطريق المزلقة.
وفي قوله سبحانه: "من بعد ما جاءتكم البينات" دليل على أن عقوبة العالم بالشيء أعظم من عقوبة غيره.
وفي قوله سبحانه: "من بعد ما جاءتكم البينات" دليل على أن الحجة في مجيء الآيات لا في فهمها ومعرفتها. كيف هذا؟
قال: "من بعد ما جاءتكم" ولم يقل: من بعد ما أيقنتم، يعني أن المعتبر هو حصول البيان لا حصول التبيين بها.
ويتفرع عنه أن المكلف لا يُعذر بمجرد الجهل، الذي جاءته البينات والآيات لا يُعذر ولو لم يحصل منه العلم، يلحقه الوعيد كما يلحق العارف لأنه مفرط في طلب الحق.
وفي قوله سبحانه: "فإن زللتم فاعلموا أن الله عزيز حكيم" تهديد بليغ، أبلغ من التصريح بالعقوبة.
لو قال الوالد لولده: إن خالفت أمري فأنت تعرفني، تعرف بأني كذا وكذا. فهذا أبلغ.
وقوله سبحانه "عزيز حكيم" تدليل مناسب للتهديد بالعقوبة، "عزيز حكيم" هنا تلويح بالعقوبة وتهديد بالكف عن المخالفة.
روي أن أعرابياً سمع قارئاً قرأ هذه الآية وقال: فإن الله غفور حكيم، فأنكره - وهو لا يحفظ لفظ الآية – وقال: لا يقول الحكيم كذا، لا يذكر الغفران عند الزلل لأنه إغراء عليه.
وفي قوله سبحانه: "حكيم" إيحاء أن ما أمر به لا يخرج عن مقتضى الحكمة، وأن شرع الله هو الخير المحض لا طرق الشيطان.
وفي قوله سبحانه: "إنه لكم عدو مبين" تبيين وتنبيه لقوله: "خطوات الشيطان" يعني: إشارة إلى أن مَن لم يُدرك عداوته في مبدأ الخطوات، أدركه في العاقبة وفي الغايات، يعني: الشيطان عدو مبين لكم فلا تعتبروا به ولا تغتروا بخطواته، وهي خطوات لخفاء مكره لا لخفاء عداوته. ودّ العدو لو أهلك عدوه لأول وهلة، ولكن مقتضى الإضلال يقتضي التدرج والإمهال.
الحلقة الثلاثون:
قال الله سبحانه: "هل ينظرون إلاّ أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة وقُضي أمر الله وإلى الله تُرجع الأمور" هذا خطاب المكذبين، تهديد ووعيد، كقوله سبحانه: " وجاء ربك والملك صفاً صفاً وجيء يومئذ بجهنم".
وقال: "الغمام" لماذا؟
الغمام هو السحاب، أو هو السحاب الأبيض منه، والغمام عند اليأس مظنة الرحمة وهو رمز لحصول الخير، وتجد هذا في قصصهم وفي أشعارهم وفي صورهم. لو قيل لأحدهم: صوّر لنا منظر يستوحي منه الناظر معاني الرحمة. لما وجد شيئاً أحسن من تصويره لمنظر الغمام.
أن الغمام هو مظنة للرحمة فإذا نزل منه العذاب كان أفظع، لأن الشر إذا جاء من حيث لا يُحتسب فهو أهول، فكيف إن جاء من حيث يُحتسب أن يأتي منه الخير ! لا شك هذا أفظع وأهول.
وفي قوله سبحانه: " وقُضي الأمر" إشارة إلى أن أحوال يوم القيامة إن جاءت فهي متتالية سريعة التتابع، كما جاء في وصف علامات الساعة الكبرى، يقع أمر الله تعالى ليس لقضائه دافع ولا لحُكمه مانع، سبحانه وتعالى ما أعظم شأنه.
وقال تعالى: "زُيّن للذين كفروا الحياة الدنيا" ولم يقل: زُيّنت الحياة الدنيا. لفظ (زُيّنت) مؤنث والحياة مؤنثة. لماذا جاء اللفظ هنا (زين) المذكر ؟ ما هو الجواب ؟
قيل: لأنه فصل بين لفظ (زُيّن) وبين لفظ (الحياة الدنيا) بقوله: " للذين كفروا" وإذا فُصل بين المؤنث وبين الاسم بفاصل، حسُن تذكير الفعل، لأن الفاصل يغني في هذا الحال عن تاء التأنيث.
وفي قوله سبحانه: "زُيّن للذين كفروا" إشارة إلى الابتهاج بالدنيا هو من خصائص الذين كفروا، فلا ينبغي لنا أهل الإيمان أن نكون مثلهم.. وفيه أن هذه الدنيا هي آفة الخلق من الانقطاع عن الحق سبحانه.
وفي قوله سبحانه: " زُيّن للذين كفروا الحياة الدنيا" إشارة إلى أن سبب الكفر هو تزيين الحياة الدنيا وشهواتها المحرمة وفي مثله قالوا: حب الدنيا رأس كل خطيئة. وفيه إشارة إلى أن الكفار وأن أعمالهم إنما هي لأجل الحياة الدنيا، وأنها لا لأجل القيم ولا المعاني السامية، ولا لأجل منطق ولا غيره من أغراض الخير، ولهذا يقول أهل الخبرة والحقائق: أن ما يستحسن من أخلاق الكفار إنما هي في الحقيقة أخلاق تجارية، تؤول في حقيقتها إلى مصالح دنيوية لا غير.
وقال تعالى: "والذين اتقوا فوقهم يوم القيامة" ولم يقل سبحانه: والذين آمنوا. لماذا؟
قيل: لأجل أن بني إسرائيل هم يدعون الإيمان لأنفسهم، فجاء لهم لفظ لا يُمكن أن يدعوه.
وقيل: آثر التعبير بالتقوى للإشعار بعلية الحكم.
وفي قوله سبحانه: "يرزق مَن يشاء بغير حساب" الإيماء إلى أن مقدورات الله غير متناهية.
وفي قوله سبحانه: "بغير حساب" إشارة إلى أن كل ما أعطاه فقد أعطاه بمحض الفضل والإحسان لا بسبب الاستحقاق، وهو تفضل وتكرم لا غير.
وفي قوله سبحانه:"بغير حساب" إشارة إلى أن الرزق قد يكون له سبب ظاهر، وقد لا يكون له سبب، وأن الأمر في الحقيقة مرده كله إلى الله.
وقال الله تعالى: "كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مُبشرين ومُنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه إلاّ الذين أُتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغياً بينهم فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم".
وفي قوله سبحانه: "فبعث الله" إشارة إلى كلام محذوف مقدر، يعني: كان الناس أمة واحدة فاختلفوا، فبعث الله النبيين.
كيف فُهم؟ هذا ومن أين؟
الفاء في قوله: "فبعث" تقتضي ذلك، تقتضي أن يكون بعثهم بعد الاختلاف. لو كانوا قبل ذلك أمة واحدة – كما يدل عليه اللفظ من غير تقدير لكان بعثة الرسل قبل هذا الاختلاف أولى وأحق؛ لأنهم لما بعثوا عندما كان بعضهم محقاً وبعضهم مبطلاً، فلأنْ يُبعثوا حين ما كانوا كلهم مبطلين مصرين على الكفر كان أولى.
ويؤيده قوله تعالى: "وأنزل معهم الكتاب ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه" هو تأييد وتأكيد إلى وقوع الاختلاف قبل البعث.
وفي قوله سبحانه: "ليحكم" التنصيص على علة إنزال الكتاب، أي أن الله تعالى أنزل الكتاب من أجل أن يحكم بين الناس، لم ينزل الكتاب ليُركن ويُعلق أو تُغطى به الجدر أو حتى ليُعتنى به ويُرتل فقط.
نصت الآية على أن الكتاب أُنزل ليحكم.
أسند الضمير في "ليحكم" إلى الكتاب. لماذا ؟ ليدل على أن الحاكم على الحقيقة هو الله سبحانه وتعالى.
وفي قوله سبحانه: "ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه" إشارة بليغة إلى أن وحدة الأمة لا تكون إلاّ عن طريق إثبات الحق، ويُقدم حكم الكتاب على كل حكم.
وفي قوله سبحانه: "ليحكم بين الناس" الرد على كل مَن أخر حكم الكتاب.
وفي قوله سبحانه: "معهم" إيذان بالمصاحبة على جهة التأييد والنصر.
هي أن الكتاب يحصل به النصرة والتأييد كما في قوله تعالى لموسى وهارون: "إنني معكما أسمع وأرى" وقال هنا: "أنزل معهم الكتاب".
وقال تعالى: "فهدى الله" ولم يقل: ثم هدى الله. قيل: لأن للإيذان سرعة اهتداء المؤمنين في مواطن الاختلاف، وفيه التنبيه إلى عظم تدارك رحمة الله بهم.
وقال سبحانه: "فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق" ولم يقل: فهدى الله الذين آمنوا إلى الحق فيما اختلفوا فيه، بمعنى: لماذا قدم لفظ الاختلاف ؟
قال أهل التفسير: قدم لفظ الاختلاف على لفظ الحق للاهتمام به، إذ القضية المعتنى بها هنا هي قصة الاختلاف، كما في قوله سبحانه: "لم يكن له كفواً أحد" قدم كفء على أحد بنفي الكفء والمثيل والنظير عن الله.
وقال سبحانه: "أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولمّا يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم، مسّتهم البأساء والضراء وزلزلوا، حتى يقولَ الرسول والذين آمنوا معه: متى نصر الله؟ ألا إن نصر الله قريب".
قال تعالى: "ولمّا يأتكم" ولم يقل: ولم يأتكم؟!
قال كثير من المفسرين: (لمّا) هي مثل (لم) للنفي و (ما) زائدة!
هل هذا صحيح ؟ الجواب: لا. ليس في القرآن حرف زائد، ولله في كتابه وألفاظ القرآن مقاصد.
(ما) ليست زائدة؛ (لمّا) تقع في مواضع لا تقع فيها (لم).
(لمّا) لما على التوقع، إذا قال القائل: لم يأتني زيد. فهو نفي لقولك: أتاك زيد؟
وإذا قال: (لمّا) يأتيني. فمعناه: لم يأتِ بعد وأنا أتوقعه.
وقال تعالى: "لمّا يأتكم مَثَل الذين خلوا" ولم يقل سبحانه: مِثْل.
قال أهل البيان: إن لفظ (المَثل) فيه معنى المثلية، ولكن زيادة معنى الروعة والتعجب.
وقال سبحانه: "مستهم الضراء" لفظ (مستهم) تدل على تحقق وقوع الضر وبلوغه كل مبلغ.
وقال: "وزلزلوا" وفيه إيحاء بحقيقة الزلزلة، أعني: أن لفظ (زلزلوا) يوحي لنا عند نطقه بصورة الزلزلة وواقعية معناها.. وهذا من خصائص هذه اللغة ومن عجائب القرآن.
"زلزلوا" يُشير إلى معنى الزلزلة، وهو الوقوع المتكرر المتخالف. لفظ (الزلزلة) يعني: تحرك الجسم من مكانه بشدة والتضعيف فيه (زل زل) يدل على تكرار الفعل، يعني: تكرار الوقوع.
مثل لفظ(كُبكِبوا) يوحي هذا اللفظ بحقيقة معناه، نطقه يصور لنا واقعية المعنى وكيفية وقوع الحدث.
ونختم هذا الحديث بجملة مناسبة للعالم ابن المنيّر - رحمه الله – يقول: فتنبه لهذا السر فإنه بديع، لا تجده يراعى إلاّ في الكتاب العزيز؛ لاشتماله على أسرار البلاغة، ونكت الفصاحة، ولا يُستفاد منه إلاّ بالتنقيب في صياغة البيان، وعلم اللسان.
والله تعالى أعلم