آخر تحديث الساعة 06:03 (بتوقيت مكة المكرمة)

دليل المصلي في أحكام الصلاة

الاثنين 07 ربيع الأول 1436 الموافق 29 ديسمبر 2014
دليل المصلي في أحكام الصلاة
 


 

الإصدار الأول

حقوق الطبع والنشر والتداول متاحة لكل مسلم ومسلمة

ذو القعدة 1435م - سبتمبر 2014م

غزة - فلسطين

        

لتحميل البحث بنسخة (PDF) اضـغـط هنـــا

شكر وعرفان

أحمد الله - تبارك وتعالى-  حمداً طيباً كثيراً كما يحب ويرضى، وأشكره كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، فهو سبحانه ولي كل نعمة، وبتوفيقه تتم الصالحات، فاللهم لك الحمد على كثرة إنعامك، وتوالي فضلك ومننك عليّ حتى أتممت هذا العمل، وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

ثم امتثالاً لتوجيه نبينا الكريم عليه أزكى الصلاة والتسليم كما جاء في الحديث النبوي الشريف: (من لا يشكر الناس لا يشكر الله)، أرى من الواجب علىّ أن أسجل جزيل شكري وخالص دعائي لمشايخنا الأكارم الذين نهلنا من علمهم وتتلمذنا على أيديهم، وأخص بالذكر منهم شيخي الفاضل/ حاتم بن علي كامل الشوبكي "أبو إبراهيم" حفظه الله ورعاه، فقد كان يحثني دائماً على إنجاز هذا العمل المبارك بإذن الله تعالى، سائلاً الله له ولكل مشايخنا طول العمر وحسن العمل وأن يجمعنا ربنا في الفردوس الأعلى من الجنة على سرر متقابلين لربنا ناظرين لمحمد صلى الله عليه وسلم مجاورين، اللهم آمين.  

مقدمة:

       الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، وعلى آله وصحبه والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا اللهم علماً، اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين، اللهم آمين، ثم أما بعد؛

       الصلاة هي قرة عُيون المحبين، ولذة أرواح الموحدين، وبستان العابدين، ولذة نفوس الخاشعين، ومحك أحوال الصادقين، وميزان أحوال السالكين، وهي رحمةُ الله المهداة إلى عباده المؤمنين.

       ولما كان الإنسان بطبيعته يميل إلى الشهوات هيأ الله له مأدبة يجد فيها ما يطيب له، ففيها النور والقوة في القلب والجوارح، والسعة في الرزق، والقبول في الأرض، تفرح بها الملائكة، وتحوز فيها على رحمة الله تعالى ورضوانه، فكأن الصلاة للمؤمن في ظل هموم الدنيا وشهواتها كمطر يروي أرض جدباء قحطاء، فينبت منها زهراً وورداً وإيماناً ويقيناً.

       إن الأحكام الفقهية للصلاة متشعبة ومعظمها مختلف فيه بين العلماء، ونظراً لأهمية فهم أحكام الصلاة من قبل كل مسلم ومسلمة وجدنا من الضرورة إعداد مادة سهلة مبسطة لتكون دليلاً لعامة المسلمين ومفتاحاً لطلبة العلم الشرعي المبتدئين، وليعم الخير بإذن الله تبارك وتعالى.

       وسنستعرض في هذا الدليل أهم المسائل الفقهية من غير تفصيل ومن غير تطرق إلى كل الأدلة التي استند إليها الفقهاء، وعلى طلبة العلم ومن أحب الاستزادة أن يرجع إلى الكتب الفقهية المتخصصة، سائلاً الله عز وجل الإخلاص في القول والعمل، وأن يجعل هذا العمل المتواضع في ميزان حسناتنا وحسنات مشايخنا، وأن يكون علماً يُنتفع به بإذن الله تعالى.

      وسنتولى تقسيم أحكام فقه الصلاة التي سنبينها في هذا الدليل إلى عدة دروس على النحو التالي:

الدرس الأول: فضل الصلاة ووجوبها.

الدرس الثاني: مواقيت الصلاة.

الدرس الثالث: قضاء الفوائت.

الدرس الرابع: الأوقات المنهي عن الصلاة فيها.

الدرس الخامس: شروط صحة الصلاة.

الدرس السادس: صفة الصلاة الصحيحة.

الدرس السابع: مكروهات الصلاة ومبطلاتها.

الدرس الثامن: السنن الرواتب وصلاة الوتر.

الدرس التاسع: سجود السهو والتلاوة والشكر.

الدرس العاشر: الصلوات المسنونة (صلاة الضحى، صلاة الاستخارة، صلاة الحاجة، صلاة التسابيح، صلاة الكسوف والخسوف، صلاة العيدين، صلاة الاستسقاء).

الدرس الحادي عشر: صلاة الجنازة.



الدرس الأول

فضل الصلاة ووجوبها

تعريفها: الصلاة هي عبادة ذات أقوال وأفعال مخصوصة، مفتتحة بالتكبير ومختتمة بالتسليم.

فضلها: الصلاة هي آكد ركن من أركان الإسلام بعد الشهادتين وهي عماد الدين الذي لا يقوم إلا به، فقد قال صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل رضي الله عنه: " أَلا أُخْبِرُكَ بِرَأْسِ الأَمْرِ وَعَمُودِهِ وَذِرْوَةِ سَنَامِهِ؟ فقال معاذ: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: رَأْسُ الأَمْرِ الإِسْلامُ وَعَمُودُهُ الصَّلاةُ وَذروَةُ سَنَامِهِ الجِهَادُ". (رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح)

       وقد جاء في فضلها أحاديث كثيرة، نذكر منها حديث أبي هريرة رضي الله عنه  قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " أَرَأَيْتُمْ لَوْ أَنَّ نَهْرًا بِبَابِ أَحَدِكُمْ يَغْتَسِلُ مِنْهُ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ، هَلْ يَبْقَى مِنْ دَرَنِهِ شَيْءٌ؟ قَالُوا: لَا يَبْقَى مِنْ دَرَنِهِ شَيْءٌ، قَالَ: فَذَلِكَ مَثَلُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، يَمْحُو اللَّهُ بِهِنَّ الْخَطَايَا ". (متفق عليه)    وعنه رضي الله عنه أن رسول الله قال: " الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ وَالْجُمُعَةَ إِلَى الْجُمُعَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُنُّ، مَا لَمْ تُغْشَ الْكَبَائِرُ ". (رواه مسلم)

       وعنه رضي الله عنه قال: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يقول: " إنَّ أَوَّلَ مَا يُحَاسَبُ بِهِ الْعَبْدُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ عَمَلِهِ صَلاتُهُ، فَإِذَا صَلَحَتْ فَقَدْ أَفْلَحَ وَأَنْجَحَ، وَإِنْ فَسَدَتْ خَابَ وَخَسِرَ، فَإِنِ انْتَقَصَ مِنْ فَرِيضَتِهِ شَيْئاً، قَالَ الرَّبُّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: انْظُرُوا هَلْ لِعَبْدِي مِنْ تَطَوُّعٍ فَيُكَمَّلُ بِهَا مَا انْتَقَصَ مِنْ فَرِيضَتِهِ، ثُمَّ يَكُونُ سَائِرُ عَمَلِهِ عَلَى ذَلِك". (رواه الترمذي وقال حديث حسن)

       وللأهمية ينبغي أن نشير في هذا الموضع إلى فضل الصلاة في جماعة في المسجد، فعن ابن عمر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم  قَالَ: " صَلاَةُ الْجَمَاعَة أفْضَلُ مِنْ صَلاَةِ الْفَذِّ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً". (متفق عليه)

       وقد ذم النبي صلى الله عليه وسلم   في حديث خطير من لا يشهد الصلاة من الرجال في المسجد، فعن أبي هريرة رضي الله عنه : أنَّ رَسُول اللهِ صلى الله عليه وسلم ، قَالَ: " وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَقَدْ هَمَمْتُ أنْ آمُرَ بحَطَبٍ فَيُحْتَطَبَ، ثُمَّ آمُرَ بِالصَّلاَةِ فَيُؤذَّنَ لهَا، ثُمَّ آمُرَ رَجُلاً فَيَؤُمَّ النَّاسَ، ثُمَّ أُخَالِفَ إلى رِجَالٍ فَأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهمْ ". (متفق عليه)

       وعن أبي هريرة قَالَ: أَتَى النبيَّ صلى الله عليه وسلم رَجُلٌ أعْمَى، فقَالَ : يا رَسُولَ اللهِ، لَيسَ لِي قَائِدٌ يَقُودُنِي إلى الْمَسْجِدِ، فَسَأَلَ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم أنْ يُرَخِّصَ لَهُ فَيُصَلِّي فِي بَيْتِهِ، فَرَخَّصَ لَهُ، فَلَّمَا وَلَّى دَعَاهُ، فَقَالَ لَهُ: هَلْ تَسْمَعُ النِّدَاءَ بِالصَّلاَةِ؟ قَالَ : نَعَمْ . قَالَ: فَأجِبْ. (رواه مُسلِم)

وجوبها: تجب الصلاة على المسلم البالغ العاقل، لحديث عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قَالَ: " رفع القلم عن ثلاث: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يعقل ". (رواه أحمد)

       وإن كانت صلاة الصبي غير واجبة عليه، إلا أنه ينبغي لوليه أن يعلمه الصلاة ويأمره بها إذا بلغ سبع سنين، ويضربه على تركها إذا بلغ عشر سنين؛ حتى يتمرن على الصلاة ويلتزم بها بعد البلوغ، فعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله : " مُرُوا أَوْلادَكُمْ بِالصَّلاةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِ سِنِينَ، وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرٍ، وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ " (رواه أحمد وأبو داود).

       ووجوب الصلاة وفرضيتها أمر معلوم بالكتاب والسنة والإجماع، فقد قال تعالى: " وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ " [البقرة:43] ، وقال أيضاً: " حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ ". [البقرة:238]

       وعن طَلْحَةَ بن عبيد الله رضي الله عنه ، قَالَ : جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ ثَائِرُ الرَّأس نَسْمَعُ دَوِيَّ صَوْتِهِ، وَلاَ نَفْقَهُ مَا يَقُولُ، حَتَّى دَنَا مِنْ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم ، فَإذا هُوَ يَسألُ عَنِ الإسْلاَم ، فَقَالَ رسول الله: (خَمْسُ صَلَواتٍ في اليَوْمِ وَاللَّيْلَةِ) قَالَ : هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهُنَّ ؟ قَالَ: (لا، إِلاَّ أنْ تَطَّوَّعَ)، فَقَالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: (وَصِيامُ شَهْرِ رَمَضَانَ) قَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهُ ؟ قَالَ: (لاَ، إِلاَّ أنْ تَطَّوَّعَ)، قَالَ: وَذَكَرَ لَهُ رسول الله صلى الله عليه وسلم الزَّكَاةَ، فَقَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ قَالَ: (لاَ، إِلاَّ أنْ تَطَّوَّع)، فَأدْبَرَ الرَّجُلُ وَهُوَ يَقُولُ: وَاللهِ لاَ أُزِيدُ عَلَى هَذَا وَلاَ أنْقُصُ مِنْهُ، فَقَالَ رسول الله: (أفْلَحَ إنْ صَدَقَ). (متفقٌ عَلَيْهِ)

حكم تركها: الصلاة فريضة من فرائض الإسلام، ولا يجوز لمسلم أن يقصر أو يفرط فيها، فقد قال تعالى: " فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ، الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ " [الماعون:4،5] ، ومعنى الويل في هذه الآية العذاب الشديد، وقيل: إنه واد في جهنم يسيل من صديد أهل النار وقيحهم نسأل الله العافية.

       وقال تعالى أيضاً: "  فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا " [مريم:59] ، وتفسير غياً في هذه الآية خساراً ودماراً وعاقبة سيئة، وقال بعض المفسرين (غياً): يعني واد في جهنم خبيثاً طعمه بعيداً قعره، نسأل الله العافية.

       ومن الجدير بالذكر أن الوعيد الشديد في الآيتين السابقتين محمول على من ترك الصلاة بالكلية كما قاله ابن عباس، وعلى من أخرجها عن الوقت المقدر لها شرعاً كما قاله مسروق وأبو الضحى.

       ومن ترك الصلاة جحوداً وإنكاراً فهو كافر مرتد بإجماع المسلمين، يستتاب وإلا يقتل لردته.

       أما من تركها عمداً وتكاسلاً من غير عذر، فقد اختلف الفقهاء في شأنه، منهم من قال إنه فاسق عاصٍ مرتكب لكبيرة وليس بكافر، ومنهم من قال إنه كافر خارج عن ملة الإسلام، مستدلين بحديث جابر بن عبد الله حيث قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن بين الرجل وبين الشرك والكفر، ترك الصلاة " (رواه مسلم) ، وحديث بريدة بن الحصيب حيث قال: قال رسول الله صلى الله: " العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر ". (رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح)



الدرس الثاني

مواقيت الصلاة

       الصلوات المفروضة خمس في اليوم والليلة، ولها أوقات محددة لابد أن تؤدى فيها، لقوله تعالى: " إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتاً ". [النساء:103]

       وقد بين لنا النبي صلى الله عليه وسلم فضل الصلاة في أول وقتها، فعن ابن مسعود رضي الله عنه، قال: سألت رَسُول اللهِ صلى الله عليه وسلم أيُّ الأعْمَالِ أفْضَلُ؟ قَالَ: (الصَّلاَةُ عَلَى وَقْتِهَا) قلتُ: ثُمَّ أيٌّ ؟ قَالَ: (بِرُّ الوَالِدَيْنِ) قلتُ: ثُمَّ أيٌّ؟ قَالَ: (الجِهَادُ في سَبِيلِ اللهِ) (متفقٌ عَلَيهِ) ، قال الحافظ بن حجر في فتح الباري: (قال ابن بطال: فيه أن البدار إلى الصلاة في أول وقتها أفضل من التراخي فيه).

       ولا أريد أن أفصل كثيراً في مواقيت الصلاة من حيث ربطها بالشمس من حيث طلوعها وزوالها وغيابها ... الخ، وإنما أقول وبكل بساطة أن وقت الظهر من أذان الظهر حتى أذان العصر، ووقت العصر من أذان العصر حتى أذان المغرب، ووقت المغرب من أذان المغرب حتى أذان العشاء، أما وقت صلاة العشاء فهو من أذان العشاء حتى منتصف الليل على القول الراجح، ووقت صلاة الفجر من طلوع الفجر الصادق (الأذان الثاني) حتى طلوع الشمس.

       ولابد من الإشارة هنا إلى عدة أمور، وهي:

1-  يستحب تعجيل صلاة العصر، فيكره تأخيرها إلى ما بعد اصفرار الشمس إذا كان لغير عذر، فعن أنس بن مالك قال: سمعت رسول الله r يقول: " تِلْكَ صَلَاةُ الْمُنَافِقِ، يَجْلِسُ يَرْقُبُ الشَّمْسَ، حَتَّى إِذَا كَانَتْ بَيْنَ قَرْنَيِ الشَّيْطَانِ قَامَ، فَنَقَرَهَا أَرْبَعًا، لَا يَذْكُرُ اللَّهَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلاً ". (رواه مسلم)

ويؤكد على أهمية تعجيل صلاة العصر والمحافظة عليها أن الله عز وجل أمرنا مرتين بالمحافظة عليها في الآية الكريمة، قال تعالى: "حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ" [البقرة:238]، فذكرها مرة بالعموم عندما قال: (حافظوا على الصلوات) وخصها ثانية عندما قال: (والصلاة الوسطى) أي صلاة العصر.

وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الذي تفوته صلاة العصر، كأنما وُتِرَ أهله وماله" (متفق عليه)، أي فقد أهله وماله.

وعن بريدة قال: قال صلى الله عليه وسلم : " من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله ". (رواه البخاري)

2-  آخر وقت صلاة العشاء منتصف الليل على القول الراجح،  كما في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " وقت صلاة العشاء إلى نصف الليل الأوسط ". (رواه مسلم)

فإذا انتصف الليل انتهى وقت العشاء، لكن يبقى وقت الضرورة فإذا صلى المسلم بعد نصف الليل تكون في الوقت، لكن مع الإثم إذا أخرها عامداً، أما إذا كان ناسياً أو جاهلاً فلا شيء عليه، ووقت الضرورة يمتد إلى طلوع الفجر واختار هذا القول شيخ الإسلام ابن تيمية، والشيخ ابن باز رحمه الله تعالى.

    ومن أهل العلم من رأى أن وقت صلاة العشاء ينتهي بنصف الليل, وأنها بعد ذلك تكون قضاء، وقد ذهب إليه بعض الشافعية، واختاره الشيخ ابن عثيمين رحمه الله.

3-  قولاً واحداً ينتهي وقت صلاة الفجر بطلوع الشمس، ومن صلاها بعد هذا الوقت بغير عذر فهو آثم مقصر.

مسألة: بمَ تدرك الصلاة في الوقت؟

في المسألة قولان:

القول الأول: تدرك الصلاة بإدراك تكبيرة الإحرام في الوقت، وهو مذهب أبي حنيفة والمشهور عند أحمد وقال به جماعة من الشافعية.

القول الثاني: تدرك الصلاة بإدراك ركعة كاملة في الوقت، وهو مذهب مالك ورواية عند أحمد وبعض الشافعية، ورجحه شيخ الإسلام ابن تيمية وابن باز وابن عثيمين، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة ". (رواه البخاري ومسلم)

وعليه لو أن مصلياً كبر لصلاة الظهر وبعد أن انتهى من الركعة الأولى إذ بالمؤذن يؤذن لصلاة العصر فإنه يعد قد أدرك صلاة الظهر في ميقاتها.

       وقد سئل فضيلة الشيخ ابن عثيمين: هل تدرك صلاة الجماعة بإدراك التشهد الأخير، أم بإدراك ركعة كاملة، وهل الأفضل لمن لم يدرك إلا التشهد الأخير مع الإمام أن يدخل معه أم ينتظر، ولو أنه دخل مُصلٍّ مع الإمام في التشهد الأخير ثم حضرت جماعة أخرى، فهل يجوز له قطع صلاته أو قلبها نفلاً والدخول مع الجماعة الأخيرة؟

فأجاب فضيلته بقوله: " الصواب أن جميع إدراكات الصلاة لا تكون إلا بركعة، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة"، فصلاة الجماعة لا تدرك إلا بإدراك ركعة كاملة، ولكن إدراك ما دون ركعة خير بعدم الإدراك بالكلية، وعلى هذا فإذا أتى والإمام في التشهد الأخير فالأولى الدخول معه ما لم يعرف أنه يدرك جماعة أخرى، فإن عرف ذلك لم يدخل مع الإمام وصلى مع الجماعة الأخرى سواءً كانت جماعة في مسجد آخر أم في المسجد الذي أدرك فيه إمامه في التشهد الأخير. وإذا دخل مع الإمام في التشهد الأخير ثم حضرت جماعة فله قطع الصلاة ليدرك صلاة الجماعة من أولها في الجماعة الأخرى، وله أن يكمل صلاته وحده ".

مسألة: ما حكم من أدرك جزءاً من الوقت ثم جاءه عذر (كالجنون أو الإغماء أو الحيض ونحو ذلك)، فمثلاً إذا حاضت امرأة بعد أذان العصر بربع ساعة قبل أن تصلي العصر، هل يلزمها قضاء العصر بعد أن تطهر؟

في المسألة قولان:

القول الأول: يلزمها القضاء، فتقضي تلك الصلاة التي وجبت عليها، وهو مذهب الشافعي وأحمد، فقد ثبتت صلاة العصر في حقها ولزمها أن تقضيها، ما دام قد دخل وقتها وهي طاهرة بمقدار الركعة.

القول الثاني: لا يلزمها القضاء، وهو مذهب أبي حنيفة ومالك، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية؛ لأنه قد طرأ عليها العذر في وقت يجوز لها تأخير الصلاة إليه، وهي غير مفرطة ولا معتدية، ولأنه لم ينقل أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر امرأة بقضاء صلاة حاضت في وقتها.

       وعليه إذا لم تقض لا شيء عليها وإن كان الأحوط أن تقضي، كما قال ابن عثيمين: "والاحتياط لها أن تقضيها لأنها صلاة واحدة لا مشقة في قضائها".

مسألة: ما حكم من صار أهلاً للصلاة قبل خروج وقتها، فمثلاً إذا طهرت المرأة الحائض مثلاً قبيل المغرب بقليل (أي في وقت العصر)، ولما اغتسلت دخل وقت المغرب، فماذا عليها أن تقضي؟

عليها أن تقضي العصر قولاً واحداً، لكن في قضائها للظهر خلاف وفق الأقوال الثلاثة الآتية:

القول الأول: إذا طهرت قبل الغروب لزمها الظهر والعصر، وإن طهرت قبل الفجر لزمها المغرب والعشاء، وهو قول الجمهور (مالك، الشافعي، أحمد)، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية ورجحه ابن باز؛ لأن الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، يجمعان في حال العذر في وقت إحداهما، فإذا طهرت في آخر النهار فوقت الظهر باقٍ فتصليها قبل العصر، وإذا طهرت في آخر الليل فوقت المغرب باقٍ في حال العذر فتصليها قبل العشاء.

القول الثاني: إذا طهرت في وقت العصر لزمها العصر وليس عليها الظهر، وإذا طهرت قبل الفجر لزمها العشاء وليس عليها المغرب، وهو مذهب أبي حنيفة، ورجحه ابن عثيمين.

القول الثالث: إذا طهرت قبل الغروب بوقت يتسع للصلاتين صلت الظهر والعصر، وإن لم يتسع إلا لواحدة لزمها العصر فقط، وهو قول لمالك والأوزاعي.



الدرس الثالث

قضاء الفوائت

       بعد حديثنا عن مواقيت الصلاة لابد أن نتحدث عن قضاء من فاتته الصلاة لعذر أو لغير عذر، فهل يقضي من أخر الصلاة لغير عذر، وهل يصح قضاؤه؟ ومن أخر الصلاة لعذر متى يقضي؟ وكيف يقضي من فاتته أكثر من صلاة؟ وكيف تقضى صلاة الجمعة؟

أولاً: مسألة قضاء من فاتته الصلاة بغير عذر:

       اتفق العلماء على أن من فوت الصلاة بغير عذر آثم وقد فعل ذنباً كبيراً وعليه أن يتوب إلى الله سبحانه وتعالى، إلا أنهم اختلفوا في قضائه للصلاة على قولين:

القول الأول: يجب عليه قضاؤها، وهو مذهب جمهور العلماء من الأئمة الأربعة.

القول الثاني: لا يجب عليه قضاؤها، بل ولا تصح منه إن قضاها، وبه قال عمر بن الخطاب وابنه عبد الله وسعد بن أبي وقاص وابن مسعود، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية والعلامة الألباني وابن عثيمين رضى الله عنهم أجمعين.

       وتجدر الإشارة إلى أن الحكم بعدم القضاء على من ترك الصلاة حتى خرج وقتها بغير عذر، ليس تخفيفاً عليه، وإنما هو في الحقيقة تنكيل به وسخط لفعله، فالإثم لا يسقط وإن صلاها مرات كثيرة بعد وقتها، إلا أنه يتوب إلى الله تعالى ويستغفره ويكثر من الطاعات، فإن الحسنات يذهبن السيئات.

ثانياً: متى يقضي من فاتته الصلاة لنوم أو نسيان؟

       من فاتته الصلاة لنومٍ أو نسيان فعليه أن يقضي متى تذكر ولا يؤخر الصلاة، وقد اشتهر بين عامة الناس أن من فاتته صلاة يقضيها في موعدها من اليوم التالي، وهذا لم نجد له أصلاً ولم نقف فيه على دليل، وهو مخالف لهدي النبي صلى الله عليه وسلم القولي والفعلي، وعليه من فاتته صلاة فإنه يقضيها بدون تأخير، لحديث أبي قتادة قال: ذكروا للنبي صلى الله عليه وسلم نومهم عن الصلاة فقال: "إنه ليس في النوم تفريط إنما التفريط في اليقظة، فإذا نسي أحدكم صلاة أو نام عنها فليصلها إذا ذكرها" (رواه النسائي والترمذي) ، وعن أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها لا كفارة لها إلا ذلك" (رواه البخاري ومسلم).

       وقد اختلف العلماء في من نام عن الصلاة أو نسيها أيقضيها على الفور أم على التراخي؟ فذهب المالكية والحنابلة بأنه يقضيها وجوباً على الفور للأحاديث المذكورة أعلاه. في حين ذهب الحنفية والشافعية إلى استحباب القضاء على الفور وجواز التراخي في القضاء، إلا أنه لا يُقصد بالتراخي هنا تأخير الصلاة كثيراً أو تأخيرها لليوم التالي، وقد استدلوا بحديث عمران بن الحصين حيث قال: سرينا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما كان من آخر الليل عرّسنا فلم نستيقظ حتى أيقضنا حر الشمس، فجعل الرجل منا يقوم دهشاً إلى طهوره قال: فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يسكنوا، ثم ارتحلنا فسرنا حتى ارتفعت الشمس توضأ ثم أمر بلالاً فإذن ثم صلى الركعتين قبل الفجر. ثم أقام فصلينا، فقالوا: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا نعيدها في وقتها من الغد؟ فقال: "أينهاكم ربكم تعالى عن الربا ويقبله منكم" (رواه أحمد).

ثالثاً: هل يشترط الترتيب في قضاء الفوائت لمن فاتته أكثر من صلاة؟

       الأصل فيمن فاتته أكثر من صلاة أن يصليهما على الترتيب فمن فاتته صلاتي الظهر والعصر ودخل وقت المغرب، فإنه يقضى الظهر ثم العصر ثم يصلي المغرب في وقتها، فعن جابر بن عبد الله: أن عمر بن الخطاب جاء يوم الخندق بعد ما غربت الشمس, فجعل يسب كفار قريش, وقال: يا رسول الله, ما كدت أصلي العصر حتى كادت الشمس تغرب, فقال النبيصلى الله عليه وسلم : "والله ما صليتها" فتوضأ وتوضأنا, فصلى العصر بعد ما غربت ثم صلى بعدها المغرب" (رواه البخاري ومسلم).

وروى النسائي وأحمد عن أبي سعيد قال: حبسنا يوم الخندق عن الصلاة حتى كان بعد المغرب بهوى من الليل كفين، وذلك قول الله تعالى: "وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قوياً عزيزاً"[الأحزاب:25]. قال: فدعا رسول الله بلال، فأقام الظهر فصلاها فأحسن صلاتها كما كان يصليها في وقتها، ثم أمره فأقام العصر فصلاها فأحسن صلاتها كما كان يصليها في وقتها، ثم أمره فأقام المغرب فصلاها فأحسن صلاتها كما كان يصليها في وقتها، ثم أمره فأقام المغرب فصلاها كذلك، قال: وذلك قبل أن ينزل الله عز وجل في صلاة الخوف: "فإن خفتم فرجالاً أو ركباناً" [البقرة:239].

       وجمهور العلماء يرون الوجوب في ترتيب الفوائت على اختلاف بينهم في تفاصيل خلافاً للشافعية الذين يرون في ترتيب الفوائت الاستحباب لا الوجوب.

مسألة: دخل شخص المسجد فأقيمت الصلاة للعصر فتذكر أنه لم يصل الظهر ماذا يفعل؟

       مسألة ترتيب الفوائت فيها سعة كما أسلفنا فالشافعية يرون في ترتيب الفوائت الاستحباب لا الوجوب، لكن لو أخذنا بقول الجمهور القائل بوجوب الترتيب فإنه يدخل مع الإمام بنية صلاة الظهر فيصلي الظهر مع المصلين الذين يصلون العصر، ولا يضر اختلاف نيته عن نية إمامه، ثم بعدها يصلي العصر.

مسألة: لو أخذنا بقول وجوب الترتيب في قضاء الفوائت فماذا يفعل من دخل المسجد وقد أقيمت صلاة المغرب وقد فاتته صلاة العصر، وماذا يفعل من دخل المسجد وقد أقيمت صلاة العشاء وهو لم يصل المغرب؟

       من دخل المسجد وقد أقيمت صلاة المغرب وقد فاتته صلاة العصر، فإنه يدخل مع الإمام بنية صلاة العصر فيصلى العصر مع المصلين الذين يصلون المغرب، وعند سلام الإمام يتم ركعة بعد الإمام تتمة لصلاة العصر، ثم بعدها يصلي المغرب.

       ومن دخل المسجد وقد أقيمت صلاة العشاء وقد فاتته صلاة المغرب، فإنه يدخل مع الإمام بنية صلاة المغرب فيصلى المغرب مع المصلين الذي يصلون العشاء، وأمامه خياران – كما بين الشيخ ابن عثيمين-:

1-  عند قيام الإمام للركعة الرابعة يجلس ويقرأ التشهد وينتظر الإمام حتى يتم الصلاة ويسلم مع الامام وبعدها يصلي العشاء، وهذا ما يقول به الشيخ ابن باز. فقد سئل الشيخ ابن باز عن رجل دخل لصلاة العشاء والإمام في الركعة الثانية وتذكر أنه لم يصل المغرب، فأجابه: " المشروع لك وأمثالك إذا جئت والإمام في صلاة العشاء، وأنت لم تصلِ المغرب أن تدخل معهم بنية المغرب، ولا حرج في ذلك في أصح قولي العلماء، فإذا كان قد صلى واحدة نويت المغرب وصليت معهم الثلاث وتكفيك عن المغرب وتسلم معهم، وإن كنت جئتهم وهم في أول الصلاة دخلت معهم، وإذا فرغت من الركعة الثالثة جلست تنتظر الإمام حتى يسلم ثم تسلم معه، وتكفيك عن المغرب، ثم تصلي العشاء بعد ذلك وحدك إن لم يتيسر جماعة أخرى".

2-  عندما يقوم الإمام للركعة الرابعة يجلس ويقرأ التشهد ويسلم، ومن ثم يدخل مع الإمام فيما بقي من صلاة العشاء.

ومن الجدير بالذكر أنه يسقط الترتيب في قضاء الفوائت في عدة حالات، أهمها:

1-  ضيق وقت الصلاة الحاضرة: لأن فرض الوقت آكد من فرض الترتيب، فمن تفوته صلاة الظهر لنوم فيستيقظ قبل أذان العصر بدقائق معدودة، يسقط عنه الترتيب؛ لأن الترتيب هنا بأن يصلي الظهر أولاً يخرج صلاة العصر عن وقتها، فيكون قد صلى الظهر والعصر خارج وقتهما، في حين أنه لو صلى العصر في موعدها ثم قضى الظهر لكان أفضل.

2-  فوات ما لا يمكن قضاؤه على وجه الانفراد كصلاة الجمعة: فلو دخل شخص إلى صلاة الجمعة وتذكر أنه لم يصل الفجر، فإنه يصل الجمعة وبعدها يقضي الفجر؛ لأن فوات صلاة الجمعة لا يمكن قضاؤه على حاله.

3-  الجهل أو النسيان: فلو صلى الفوائت بغير ترتيب ناسياً أو جاهلاً لا شيء عليه، فعن ابن عباس رضى الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه" (رواه ابن ماجه).

ملاحظة: ذهب الإمام أحمد في رواية اختارها شيخ الإسلام أحمد بن تيمية إلى أن الترتيب يسقط بخوف فوات الجماعة، فمن فاتته صلاة الظهر مثلاً فخشي إن قضاها أن تفوته جماعة العصر، سقط عنه الترتيب، فيصلي مع الجماعة العصر، ثم يقضي الظهر بعدها.

والمسألة الأخيرة في قضاء الفوائت: كيف تقضى صلاة الجمعة ؟

       صلاة الجمعة إذا فاتت لا تقضى جمعة وإنما تقضى ظهراً أربع ركعات. وقد سئل الشيخ ابن عثيمين عن ذلك، فأجاب: " إن صلاة الجمعة إذا فاتت لا تقضى وإنما يقضى بدلها، فإذا جاء المصلي بعد رفع الإمام من الركعة الثانية فإنه في هذه الحال يصلي ظهراً، فيدخل مع الإمام بنية الظهر، وكذلك من جاء بعد تسليم الإمام فإنه يصلي ظهراً، وأما من أدرك الركوع من الركعة الثانية فإنه يصلي جمعة، أي يصلي ركعة بعدها إذا سلم الإمام، وهذه يجهلها كثير من الناس، فإن بعض الناس يأتي يوم الجمعة والإمام قد رفع من الركعة الثانية، ثم يصلي ركعتين على أنها جمعة وهذا خطأ، بل إذا جاء بعد رفعه من الركعة الثانية فإنه لم يدرك من الجمعة شيئاً فعليه أن يصلي ظهراً، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة"، ومفهومه أن من أدرك أقل فإنه لم يدرك الصلاة، والجمعة تقضى ظهراً، ولهذا يجب على النساء في البيوت وعلى المرضى الذين لا يأتون الجمعة، أن يصلوا ظهراً ولا يصلوا جمعة، فإن صلوا جمعة في هذه الحال فإن صلاتهم باطلة ومردودة ".

       وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية في إدراك صلاة الجمعة: " ... الجمعة لا تدرك إلاَّ بركعة كما أفتى به أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم: ابن عمر، وابن مسعود، وأنس وغيرهم، ولا يعلم لهم في الصحابة مخالف، وقد حكى غير واحد أن ذلك إجماع الصحابة "، وهذا قول جمهور العلماء، ورجحه ابن عثيمين وابن باز رحم الله تعالى علماءنا أجمعين.

       ومن الجدير بالذكر أن من ترك صلاة الجمعة بغير عذرٍ فقد ارتكب إثماً كبيراً وذنباً عظيماً، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "من ترك الجمعة ثلاث مرات تهاوناً بها طبع الله على قلبه" (رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه). ورواية الدارمي لهذا الحديث من غير قيد الثلاثة: "من ترك الجمعة تهاوناً طبع الله على قلبه". وروى مسلم في صحيحه عن عبد الله بن عمر وأبي هريرة رضي الله عنهم أنهما سمعا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول على أعواد منبره: " لينتهينَّ أقوام عن ودعهم الجمعات، أو ليختمنَّ الله على قلوبهم ثم ليكوننَّ من الغافلين". فليتق الله من وقع في هذا التفريط، وليسارع إلى التوبة، فإن الله يتوب على من تاب وعاد إليه وأناب.


الدرس الرابع

الأوقات المنهي عن الصلاة فيها

       الأوقات المنهي عن الصلاة فيها خمسة هي:

أولاً: من بعد صلاة الفجر إلى طلوع الشمس.

ثانياً: عند طلوعها حتى ترتفع قيد رمح أي يمضي بعد طلوعها ما يقارب ربع ساعة.

ثالثاً: عند قيامها في وسط السماء وقت الظهيرة أي قبيل زوالها حتى تزول، أي قبل أذان الظهر بعشر دقائق أو ربع ساعة، ويستثنى من ذلك التطوع يوم الجمعة.

رابعاً: من بعد صلاة العصر إلى شروع الشمس في الغروب.

خامساً: إذا شرعت الشمس في الغروب حتى يستكمل غروبها.

       فهذه الأوقات منهي عن الصلاة فيها إلا صلوات ذات السبب كقضاء الفرائض، وكذلك الطواف بالبيت، والصلاة في المسجد الحرام، وتحية المسجد، وسنة الفجر لمن لم يصليها قبل الفريضة، وصلاة الكسوف أو الخسوف، وغيرها.

       وقد ورد في تعليل النهي حديث، فعن ابن عبسة قال: قلتُ: يا رسول الله، أخبرني عن الصلاة، قال: "صلِّ صلاة الصبح، ثم أقصر عن الصلاة حين تطلع الشمس؛ فإنها تطلع بين قرني شيطان، وحينئذٍ يسجدُ لها الكفَّار، ثم صلِّ فإن الصلاة محضورة مشهودة حتى يستقل الظل بالرمح، ثم أقصِرْ عن الصلاة؛ فإنه حينئذٍ تسجر جهنَّم، فإذا أقبل الفيء، فصلِّ فإن الصلاة مشهودة محضورة حتى تصلِّي العصر، ثم أقصِرْ عن الصلاة حتى تغرُبَ الشمس؛ فإنها تغرُبُ بين قرني شيطان، وحينئذٍ يسجد لها الكفَّار" (رواه مسلم وأحمد).

       وعن عقبة بن عامر قال: " ثلاث ساعات كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ينهانا أن نصلي فيهن، وأن نُقبِر فيهن موتانا: حين تطلع الشمس بازغةً حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تزول الشمس، وحين تتضيَّف الشمس للغروب" (رواه مسلم).

       قال ابنُ تيميّةَ -رحمه الله- في مَعْرِضِ بيانِ حديثِ عقبةَ بنِ عامرٍ رضي الله عنه: " صلاةُ الجنازةِ لا تُكْرَهُ في هذا الوقتِ بالإجماعِ، وإنّما معناه تعمُّدُ تأخيرِ الدّفنِ إلى هذه الأوقاتِ كما يُكْرَهُ تعمُّدُ تأخيرِ صلاةِ العصرِ إلى اصفرارِ الشّمسِ بلا عذرٍ، فأمّا إذا وقع الدّفنُ في هذه الأوقاتِ بلا تعمُّدٍ فلا يُكْرَه ".

مسألة: ما حكم الصلاة في مكة في أوقات النهي؟

ذهب الشافعية إلى أن الصلاة في مكة جائزة في كل الأوقات، حتى ولو كان الوقت منهيًّا عن الصلاة فيه. وذهب الإمام أحمد إلى أن الجائز في مكة في هذه الأوقات، هو ركعتا الطواف فقط دون ما عداهما، وذهب أبو حنيفة ومالك إلى عدم جواز ذلك؛ لعموم أحاديث النهي.

الدرس الخامس

شروط صحة الصلاة

       شروط صحة الصلاة هي الشروط التي إذا لم تتحقق تكون الصلاة باطلة، وهي على النحو التالي:

1-  دخول الوقت:

       قال الله تعالى: {إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَّوْقُوتاً} [النساء:103]. وقد حددت السُّنة مواقيت الصلوات –كما أسلفنا-، والصلاة عبادة مؤقتة بوقت محدد بدايته ونهايته، فلا يصح فعلها قبل وقتها بالإجماع ولا يصح فعلها بعد وقتها إلا لعذر.

       وقال الشيخ ابن عثيمين: " والصلاة لا تصح قبل الوقت بإجماع المسلمين، فإن صلى قبل الوقت فإن كان معتمداً فصلاته باطلة، ولا يسلم من الإثم، وإن كان غير متعمد لظنه أن الوقت قد دخل، فليس بآثم، وتعتبر صلاته نفلاً، ولكن عليه الإعادة، لأن من شروط الصلاة الوقت ".

2-  الطهارة:

       قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ...} [المائدة:6]. وقال أيضاً: {لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّىَ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ وَلاَ جُنُباً إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىَ تَغْتَسِلُواْ} [النساء:43].

       وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ" (رواه البخاري ومسلم). وعن ابن عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لا يقبل الله صلاة بغير طهور" (رواه مسلم والترمذي والنسائي وأبو داود وابن ماجه).

       ويشترط الطهارة في البدن والثوب والمكان.

       فمن صلي بغير وضوء ناسياً لا تصح صلاته وعليه الإعادة، ولو تذكر أثناء الصلاة عليه أن يقطعها ويتوضأ ويرجع ليصلي.

       أما بخصوص من صلى وعلى ثوبه نجاسة فإن صلى وهو عالم بها، فلا تصح صلاته، لأنه خالف أمر الله ورسوله، فوجب عليه إعادة الصلاة، وإن صلى وهو متلبس بالنجاسة على الثوب، لكن جهلها حتى فرغ من الصلاة، ففي هذه المسألة ثلاثة أقوال:

أحدها: لا تفسد صلاته. وهو قول: ابن عمر، وعطاء، وسعيد ابن المسيب، وسالم، ومجاهد، والشعبي، والزهري، وإسحاق، وابن المنذر، والشافعي في قول، وأحمد في رواية، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ورجحه الشيخ ابن باز وابن عثيمين.

الثاني: يعيد الصلاة وهو قول: أبي قلابة، والشافعي في الأصح، والإمام أحمد في رواية، وعليها المذهب، لأنها طهارة مشترطة للصلاة، فلم تسقط بجهلها، كطهارة الحدث.

الثالث: يعيد الصلاة ما كان في الوقت ولا يعيد بعده، وهذا قول ربيعة ومالك.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: " فلو صلى وببدنه أو ثيابه نجاسة ولم يعلم بها إلا بعد الصلاة لم تجب عليه الإعادة في أصح قولي العلماء، وهو مذهب مالك وغيره وأحمد في أقوى الروايتين. وسواءً كان علمها ثم نسيها أم جهلها ابتداء؛ لما ورد أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في نعليه ثم خلعهما في أثناء الصلاة لما أخبره جبريل أن بهما أذى، ومضى في صلاته ولم يستأنفها مع كون ذلك موجوداً في أول الصلاة لكن لم يعلم به، فتكلفه للخلع في أثنائها -مع أنه لولا الحاجة لكان عبثاً أو مكروهاً- يدل على أنه مأمور به من اجتناب النجاسة مع العلم، ومظنة تدل على العفو عنها في حال عدم العلم بها ".

       ويشترط كذلك طهارة المكان، وقد جعلت الأرض مسجداً وطهوراً للنبي صلى الله عليه وسلم وأمته، غير أن هناك أماكن لا تجوز الصلاة فيها، وهي:

أولاً: المقبرة: فعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام" (رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه)، ولأن الصلاة في المقبرة قد تُتخذ ذريعة إلى عبادة القبور، أو إلى التشبه بمن يعبد القبور، ويستثنى من ذلك الصلاة على الجنازة، فقد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث المرأة التي كانت تقمُّ المسجد أنها ماتت بليل فكرهوا أن يخبروا النبي صلى الله عليه وسلم، وفي الصباح سأل عنها فقالوا: إنها ماتت، فقال: "دلوني على قبرها"، فخرج الرسول صلى الله عليه وسلم إلى البقيع ودلوه على قبرها فصلى عليها.

ثانياً: الحمام: والحمام مكان المغتسل، فعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول اللهصلى الله عليه وسلم: "الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام" (رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه)، والعلة في ذلك أن الحمام تكشف فيه العورات ولا يخلو من بعض النجاسة.

ثالثاً: مكان قضاء الحاجة: وهو مكان قضاء الحاجة لأنه أولى من الحمام، ولا يخلو من النجاسة، ولأنه نجس خبيث، ولأنه مأوى الشياطين والشياطين خبيثة، فلا ينبغي أن يكون هذا المكان الخبيث الذي هو مأوى الخبائث مكاناً لعبادة الله عز وجل، فعن زيد بن أرقم أن رسول الله  قال: "إن هذه الحُشوش محتضَرَة، فإذا دخل أحدكم الخلاء فليقل: أعوذ بالله من الخُبُث والخبائث" (رواه أبو داود وابن ماجه).

رابعاً: معاطن الإبل ومباركها: وهو المكان الذي تبيت فيه الإبل وتأوي إليه، والمكان الذي تبرك فيه عند صدورها من الماء، أو انتظار الماء، وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الصلاة فيه فقال: "لا تصلوا في مبارك الإبل فإنها من الشياطين" (رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه). وقال بعض أهل العلم: إنما نهى عن الصلاة في مبارك الإبل أو أعطانها لأنها خُلقت من الشياطين، كما جاء ذلك في الحديث الذي رواه الإمام أحمد بإسناد صحيح، فإذا كانت مخلوقة من الشياطين فلا يبعد أن تصحبها الشياطين، وتكون هذه الأماكن مأوى للإبل ومعها الشياطين، وتكون الحكمة في النهي عن الصلاة في الحش، وهذا الذي اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية.

مسألة: متى يكون الشك مؤثراً في الطهارة ؟

       سئل الشيخ ابن عثيمين عن ذلك، فأجاب: الشك في الطهارة نوعان:

أحدهما: شك في وجودها بعد تحقق الحدث.

والثاني: شك في زوالها بعد تحقق الطهارة.

أما الأول: وهو الشك في وجودها بعد تحقق الحدث كأن يشك الإنسان هل توضأ بعد حدثه أم لم يتوضأ؟ ففي هذه الحال يبني على الأصل، وهو أنه لم يتوضأ، ويجب عليه الوضوء، مثال ذلك: رجلٌ شكَّ عند أذان الظهر هل توضأ، بعد انتقاض وضوئه أم لم يتوضأ؟ فنقول له: ابن على الأصل، وهو أنك لم تتوضأ، ويجب عليك أن تتوضأ.

أما النوع الثاني: وهو الشك في زوال الطهارة بعد وجودها، فإننا نقول: أيضاً ابنِ على الأصل ولا تعتبر نفسك محدثاً، مثاله: رجل توضأ في الساعة العاشرة، فلما حان وقت الظهر شك هل انتفض وضوؤه أم لا؟ فنقول له: إنك على وضوئك، ولا يلزمك الوضوء حينئذ؛ وذلك لأن الأصل بقاء ما كان على ما كان عليه.

مسألة: إمام صلى وهو غير متوضئ تجب عليه الإعادة، ولكن هل على المأمومين إعادة الصلاة؟

       صلاة المأمومين صحيحة حال عدم علمهم بعدم وضوء الإمام على رأي جمهور العلماء وهو الرأي الراجح، أما صلاة من يعلم منهم عدم وضوء الإمام باطلة وعليهم إعادتها. فعن أبي هريرة قال: قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم: "يصلون بكم، فإن أصابوا فلكم ولهم، وإن أخطئوا فلكم وعليهم" (رواه البخاري وأحمد).

       وسئلت اللجنة الدائمة للإفتاء عن رجل صلى إماماً صلاتي الظهر والعصر وهو جنب، وكان لا يعلم بجنابته، فأجابت: " يجب عليك إعادة صلاتي الظهر والعصر بعد أن تغتسل غسل الجنابة، ويجب أن تعجل بذلك، أما من صلى وراءك هذه الصلوات فلا يجب عليهم إعادتها ، فإن عمر رضي الله عنه صلى بالناس صلاة الفجر وهو جنب وقد كان ناسياَ فأعاد الفجر ولم يأمر من صلى وراءه تلك الصلاة أن يعيدها ، ولأنهم معذورون لكونهم لا يعلمون حدثك ".

       وقال الشيخ ابن عثيمين في هذا المسألة: " والصحيح في هذه المسألة: أنَّ صلاةَ المأمومينَ صحيحةٌ بكُلِّ حالٍ، إلا مَن عَلِمَ أنَّ الإِمامَ مُحدِثٌ، وذلك لأنهم كانوا جاهلين، فهم معذورون بالجهلِ، وليس بوسعِهم ولا بواجبٍ عليهم أن يسألوا إمامَهم: هل أنت على وُضُوءٍ أم لا؟ وهل عليك جنابةٌ أم لا؟ فإذا كان هذا لا يلزمُهم وصَلَّى بهم وهو يعلم أنه مُحدثٌ، فكيف تَبطلُ صلاتُهم ".

مسألة: إذا انتقض وضوء الإمام أثناء الصلاة أو تذكر في صلاته أنه على غير وضوء ماذا يفعل؟

       إذا انتقض وضوء الإمام أثناء الصلاة أو تذكر أنه على غير وضوء عليه أن يستخلف أحد المأمومين لإتمام الإمامة بالناس، وينصرف ليعيد الوضوء، ثم يلحق بالصلاة مأموماً إن لحق، فقد استخلف عمر رضي الله عنه لعذر عندما طعن في صلاة الفجر، فقدم عبد الرحمن بن عوف فصلى بهم صلاة خفيفة، كما في البخاري، ويروى أن علياً رضي الله عنه رعف وهو في الصلاة فأخذ بيد رجل فقدمه ليتم بالناس ثم انصرف.

ولا يجوز للإمام أن يكمل الصلاة وهو على غير وضوء، وإن فعل ذلك فهو آثم، وصلاة المأمومين صحيحة حال عدم علمهم كما بينا في المسألة السابقة.

3- ستر العورة:

       يجب أن يكون ثوب المصلي ساتراً لعورته لا يصف ولا يشف، وَحَدُّ عوْرة الرجل ما بين سُرَّتِهِ ورُكْبتِهِ، فعن جَرْهَد قال: " مر رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وعليَّ بُرْدَة وقد انكشفت فخذي، فقال: "غط فخذيك، فإن الفخذ عورة " (رواه أحمد وأبو داود والترمذي).

والأولى والأفضل أن يجعل على عاتقه شيئاً من الثياب؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم  نهى الرجل أن يصلي في الثوب ليس على عاتقه منه شيء، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " لا يُصَلِّي أَحَدُكُمْ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ لَيْسَ عَلَى عَاتِقِهِ مِنْهُ شَيْءٌ  " (رواه البخاري ومسلم). العاتق عند أهل اللغة: ما بين العنق والمنكب، أي: الكتف.

       وأما المرأة: فجميعُ جسدها عورة يجب عليها ستره في الصلاة ما عدا الوجه والكفين إلا إذا خشيت أن ينظر إليها رجل غير ذي محرم فعليها حينئذ ستر وجهها وكفيها، وذلك لحديث عائشة رضي اللّه عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لا يَقبل اللّه صلاةَ حائضٍ إلا بِخمار " (رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه وصححه الألباني).

أما قدما المرأة، فلا يجوز لها كشفهما في الصلاة وهذا مذهب جمهور العلماء، بينما يرى أبو حنيفة وجمع من الحنابلة: أن للمرأة كشف قدميها في الصلاة، وهو ما رجحه الشيخ العثيمين تبعاً لشيخ الإسلام ابن تيمية.

ويقول الشيخ ابن عثيمين في ذلك: " هذه المسألة اختلف فيها أهل العلم, هل كف المرأة وقدماها عورةٌ في الصلاة أو لا؟ وليس هناك شيء صريحٌ صحيح من السنة يبين ذلك, ولكن الاحتياط أن تستر المرأة كفيها وقدميها, إلا أنها لو لم تفعل وصلت فصلاتها صحيحة".

مسألة: من انكشفت عورته في الصلاة بلا قصد، هل تبطل صلاته؟

       ذهب الجمهور إلى أن مَن انكشف من عورته شيء في الصلاة –ولو بلا قصد- تبطل صلاته إذا لم يسترها في الحال، وقيده الحنفية بانكشاف ربع عضو، قدر أداء ركن، بينما ذهب الحنابلة إلى أنه لا تبطل الصلاة بانكشاف عورته لزمن قصير، كما لو أطارت الريح ثوبه عن عورته، وكذلك لو بدا يسير من العورة ولو طال زمن الانكشاف، لحديث عمرو بن سلمة قال: " انطلق أبي وافداً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في نفر من قومه فعلمهم الصلاة، فقال: يؤمكم أقرؤكم، وكنت أقرأهم لما كنت أحفظ، فقدموني، فكنت أؤمهم وعليَّ بردة لي صغيرة صفراء، فكنت إذا سجدت انكشفت عني، فقالت امرأة من النساء: واروا عنا عورة قارئكم، فاشتروا لي قميصًا عمانيًّا، فما فرحت بشيء بعد الإسلام فرحي به " (رواه البخاري وأبو داود). ولم يرد أن النبي صلى الله عليه وسلم أنكر ذلك ولا أحد من الصحابة.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: " يعفى عن يسير العورة قدراً أو زماناً، فلو انكشف منها يسير -وهو ما لا يفحش في النظر- في جميع الصلاة، أو كشفت الريح عورته فأعادها بسرعة، أو انحل مئزره فربطه لم تبطل صلاته ". وعليه تبطل الصلاة عند كشف العورة عن غير قصد إذا تحقق أمران: الأول: أن يكون المنكشف كثيراً أو فاحشاً في العرف، والثاني: أن يطول الزمن.

4-استقبال القبلة مع القدرة:

       قال تعالى: " فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَام وَحَيْثُ مَا كُنْتُم فوَلّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ " [البقرة:144].  ولحديث: "إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء، ثم استقبل القبلة" (رواه البخاري ومسلم).

       ويكون استقبال القبلة للقادر على ذلك، فإنْ عَجز عن استقبالها لعذر فإن صلاته صحيحة، ويجب على من يشاهد الكعبة في صلاته أن يستقبل الكعبة ذاتها، أما من لا يُشاهدها فيستقبل جهتها.

مسألة: متى يسقط استقبال القبلة؟

استقبال القبلة شرط لصحة الصلاة، ولكن يستثنى من ذلك حالات تصح فيها الصلاة بدون استقبال القبلة، وهي:

1-  العاجز عن استقبال القبلة: كالمريض الذي لا يستطيع الحركة وليس معه من يوجهه للقبلة، فهو معذور، لقوله تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن:16]، وقوله: {لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا} [البقرة:268].  

2-  من خفيت عليه القبلة فاجتهد، فصلى إلى غيرها: من خفيت عليه القبلة وجب عليه أن يسأل من يدلُّه، فإن لم يجد، اجتهد في تحديدها، فإن اجتهد وصلى ثم تبيَّن خطؤه أثناء الصلاة وجب عليه أن يستدير إلى القبلة أثناء الصلاة، وإذا تبين خطؤه بعد فراغه من الصلاة فصلاته صحيحة ولا إعادة عليه على الراجح، لحديث عامر بن ربيعة رضي الله عنه قال:  كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر في ليلة مظلمة، فلم نَدْرِ أين القبلة، فصلى كل رجل منا على حياله، فلما أصبحنا ذكرنا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فنزل: {فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} [البقرة:115] .

3-  عند شدة الخوف من عدو ونحوه: قال تعالى: {حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلاَةِ الْوُسْطَى وَقُومُواْ لِلّهِ قَانِتِينَ ، فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً} [البقرة:238،239]. وجاء في حديث ابن عمر في صلاة الخوف: "... فإن كان خوف هو أشد من ذلك صلَّوا على أقدامهم أو ركبانًا، مستقبلي القبلة أو غير مستقبليها" (أخرجه البخاري ومالك) .

4-   في صلاة النافلة للراكب في السفر: فيجوز للمسافر أن يصلي النافلة وهو راكب دابته (السيارة أو الطائرة أو السفينة) ولا يلزمه استقبال القبلة إن تعذَّر عليه، فعن ابن عمر أنه كان يصلي على دابته من الليل وهو مسافر، ما يبالي حيثما كان وجهه، وقال: " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسبح [يعني: يصلي] على الراحلة قِبل أي وجه توجَّه، ويوتر عليها غير أنه لا يصلي عليها المكتوبة" (رواه البخاري ومسلم).

وإن استطاع أن يبتدئ صلاته مستقبلاً القبلة ثم يتوجه مع راحلته حيث توجهت فهو أفضل، لما ورد: "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد أن يتطوع على ناقته استقبل بها القبلة فكبر، ثم صلى حيث وجَّهه ركابه" (رواه أبو داود).



الدرس السادس

صفة الصلاة الصحيحة

1- تبدأ الصلاة بالنية، وتعد أول وأهم ركن من أركان الصلاة، قال الله تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} (البينة:5). وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى» (متفق عليه).

ومحل النية القلبُ دون اللسان في جميع العبادات التي منها الصلاة، حيث إننا نرى كثير من الناس يتلفظ بالنية تلفظاً، وقد قال شيخ الاسلام ابن تيمية في ذلك: «الجهر بالنية في الصلاة من البدع السيئة، ليس من البدع الحسنة، وهذا متفق عليه بين المسلمين، لم يقل أحد منهم أن الجهر بالنية مستحب ولا هو بدعة حسنة، فمن قال ذلك فقد خالف سنة الرسول صلى الله عليه وسلم وإجماع الأئمة الأربعة وغيرهم ... وقائل هذا يستتاب، فإن تاب وإلا عوقب بما يستحقه ... » .

والنية أيسر من أن يتلفظ بها المصلي، فمن قام ليتوضأ ثم خرج إلى المسجد عالماً بمراده من ذلك فقد حقق النية، ولذا قال شيخ الإسلام: «النية تتبع العلم، فمن علم ما أراد فعله فقد نواه».

2- يكبر المصلي تكبيرة الإحرام، وهي ركن من أركان الصلاة باتفاق عامة أهل العلم لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم» (رواه أبو داود والترمذي وصححه الألباني).

وصفة تكبيرة الإحرام: أن يرفع يديه مضمومتي الأصابع ممدودة مستقبلاً بهما القبلة إلى حذو منكبيه (أي كتفيه) [انظر صورة 1] ؛ لقول ابن عمر رضي الله عنه: أَنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم كان يرفعُ يدَيهِ حَذْوَ مَنكِبيهِ إذا افتَتحَ الصلاةَ، وإذا كَبَّرَ للرُّكوعِ، وإذا رَفعَ رأْسَهُ منَ الرُّكوعِ" (رواه البخاري) أو إلى محاذاة أذنيه [انظر صورة 2] ؛ لحديث مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ: أَنَّ رَسُولَ اللّهِ كَانَ إِذَا كَبَّرَ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى يُحَاذِيَ بِهِمَا أُذُنَيْه (رواه مسلم) .

               

ملاحظة: من السنة رفع اليدين كما هو مبين في (الصورتين 1،2) في أربعة مواضع: (عند تكبيرة الإحرام، عند الركوع، بعد الرفع من الركوع، بعد القيام من التشهد الأوسط).

3- ثم يقبض كوع يده اليسرى بيده اليمنى ويضعهما على صدره [انظر صورة 3]، أو يضع يده اليمنى على كفه وذراعه الأيسر ويضعهما على صدره [انظر صورة 4]، لحديث وائل ابن حُجر ( فَكَبَّرَ وَرَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى حَاذَتَا بِأُذُنَيْهِ ثُمَّ وَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى كَفِّهِ الْيُسْرَى وَالرُّسْغِ وَالسَّاعِدِ (رواه أحمد وأبو داود والنسائي وغيرهم).

                     

ملاحظة: وضع اليد تحت السرة في الصلاة ورد في حديث ضعيف رواه أبو داود وأحمد وغيرهما، عن عليٍّ رضي الله عنه قال: إن من السنة في الصلاة وضع الأكف على الأكف تحت السرة. وبهذا الحديث أخذ أبو حنيفة وأحمد في إحدى الروايات عنه، ومذهب الشافعي ومن وافقه هو وضعهما فوق السرة وتحت الصدر. والثابت هو وضعهما على الصدر ودليله حديث وائل بن حجر رضي الله عنه، قال: صليت مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فوضع يده اليمنى على يده اليسرى على صدره (أخرجه ابن خزيمة في صحيحه). أما حديث عليٍّ رضي الله عنه المتقدم فهو ضعيف باتفاق أئمة الجرح والتعديل، كما ذكر النووي في شرح صحيح مسلم ، وفي المجموع شرح المهذب. فيتحصل من هذا أن السنة وضع اليدين على الصدر وليس تحت السرة. وأما وضعهما تحت السرة فلا يقال إنه محرم؛ لأن كلا الأمرين مروي، وأخذ به جماعة من أهل العلم، ولم يرد نهي عن ذلك، والأمر فيه واسع، وغاية ما في وضع اليدين ومكان وضعهما حال الصلاة الاستحباب، ولا إثم على من تركه.

4- وينظر إلى موضع سجوده، لقول عائشة رضي الله عنها عن صلاته صلى الله عليه وسلم : "ما خَلّف بَصرهُ موضعَ سجوده" (رواه البيهقي وصححه الألباني). ولا يرفع بصره إلى السماء لأن النبي نهى عن رفع البصر إلى السماء في الصلاة (رواه البخاري).

5- ثم يقرأ دعاء الاستفتاح، وهو سنة، وأدعية الاستفتاح كثيرة، منها: (سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك)، أو يقول: (اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم نقني من خطاياي كما يُنقى الثوب الأبيض من الدنس، الله اغسلني بالماء والثلج والبَرَد).

6- ثم يستعيذ، أي يقول: (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم)، ثم يبسمل أي يقول: (بسم الله الرحمن الرحيم). ثم يقرأ الفاتحة في كل ركعة لقوله صلى الله غليه وسلم: " لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب " (متفق عليه)، وهي ركن لا تصح الصلاة بدونها. وإذا كان المصلي لا يُجيد الفاتحة، فإنه يقرأ ما تيسر من القرآن بدلها، فإذا كان لا يجيد ذلك، فإنه يقول: (سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله) (رواه أبو داود وصححه الألباني في صفة صلاة النبي)، ويجب عليه المبادرة بتعلم الفاتحة. ثم يقرأ بعد الفاتحة ما تيسر من القرآن الكريم، إما سورة كاملة، أو عدة آيات.

7- ثم يركع قائلاً: (الله أكبر)، رافعاً يديه إلى حذو منكبيه (أي كتفيه) أو إلى حذو أذنيه، كما سبق عند تكبيرة الإحرام [انظر صورة 1،2]، ويجب أن يسوى ظهره في الركوع حتى لو صبَّ عليه الماء لاستقر، ويمكِّن يديه من ركبتيه كأنه قابض عليهما ويفرج بين أصابعه ويجافي وينحي مرفقيه عن جنبيه وينظر موضع سجوده [انظر صورة 5،6]، ويقول في ركوعه (سبحان ربي العظيم) ثلاث مرات.

ويسن أن يقول في ركوعه: (سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي)، أو يقول: (سبوح قدوس رب الملائكة والروح).

ملاحظة: من الأخطاء التي يقع فيها كثير من المصلين النظر إلى القدمين أثناء الركوع، وهذا أمر مخالف لهدي النبي ، والسنة الثابتة عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان ينظر في صلاته كلها إلى موضع سجوده إلا عندما يكون في التشهد، فإنه كان يرمي ببصره إلى سبابته.

8- ثم يرفع رأسه من الركوع قائلاً: (سمع الله لمن حمده)، ويُسَن أن يرفع يديه كما سبق عند تكبيرة الإحرام [انظر صورة 1،2]، ثم يقول بعد أن يستوي قائماً (ربنا لك الحمد)، أو (ربنا ولك الحمد)، أو (اللهم ربنا لك الحمد)، أو (اللهم ربنا ولك الحمد)، أو يقول: ( رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ حَمْداً كَثِيراً طَيِّباً مُبَارَكاً فِيهِ) أو يقول: (ربنا لك الحمد ملء السماوات والأرض وملء ما شئت من شيء بعد، أهل الثناء والمجد، أحق ما قال العبد، وكلنا لك عبد، لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد). ومن الخطأ قول: "رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ والشُكْر"؛ لأن كلمة (والشكر) بعد قول: ربنا ولك الحمد، زيادة لم تَرِد في السُّنة، والأولى تركها.

ويسن أن يضع يده اليمنى على اليسرى على صدره في هذا القيام، كما فعل في القيام الأول قبل الركوع [انظر صورة 3،4] ويرجح ذلك ابن باز وابن عثيمين، ويجوز أن يرسلهما على جنبه، وهذان قولان لأهل السنة والجماعة.

ولا يرفع يديه عند قول سمع الله لمن حمده كما يرفع يديه عند الدعاء.


9- ثم يسجد قائلاً: (الله أكبر)، ويقدم ركبتيه قبل يديه عند سجوده [انظر صورة 7ب،7ج]، لحديث وائل بن حُجر رضي الله عنه قال: "رأيت النبي صلى الله عليه وسلم إذا سجد وضع ركبتيه قبل يديه" (رواه النسائي). ويجب أن يسجد المصلي على سبعة أعضاء: رجليه، وركبتيه، ويديه، وجبهته مع الأنف، ولا يجوز أن يرفع أي عضو منها عن الأرض أثناء سجوده، ويجعل المصلي في حال السجود كفيه حذو منكبيه أو حذو أذنيه مضمومة الأصابع موجهة رؤوسها للقبلة، وقيل يضع وجهه بين كفيه.

وإذا لم يستطع المصلي أن يسجد بسبب المرض فإنه ينحني بقدر استطاعته حتى يقرب من هيئة السجود [انظر صورة 8].

ويُسَن في السجود أن يُبعد عضديه عن جنبيه [انظر صورة 7د]، لأنه صلى الله عليه وسلم كان يسجد حتى يُرى بياض إبطيه، إلا إذا كان ذلك يؤذي من بجانبه.

ويُسَن في السجود أن يُبعد بطنه عن فخذيه [انظر صورة 7د].

ويُسَن في السجود أن يفرق ركبتيه، أي لا يضمهما إلى بعض، وأما القدمان فإنه يلصقهما ببعض لفعله صلى الله عليه وسلم ذلك في سجوده، لأنه صلى الله عليه وسلم كان يرص عقبيه في سجوده  [انظر صورة 7د]. ويستقبل القبلة بأصابع القدمين.

ويكره أن يتكئ المصلي بيديه على الأرض في سجوده فيكون كانبساط الكلب [انظر صورة 9]؛ لحديث أنس رضي الله عنه قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: "اعتدلوا في السجود ولا يبسط أحدكم ذراعيه انبساط الكلب" (متفق عليه).

ولكن يجوز أن يتكئ بيديه على فخذيه إذا تعب من طول السجود [انظر صورة 10].

ويقول في سجوده (سبحان ربي الأعلى) ثلاث مرات. ويسن أن يقول في سجوده: (سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي)، أو يقول: (سبوح قدوس رب الملائكة والروح).

10- ثم يرفع رأسه قائلاً: (الله أكبر)، ويسن أن يجلس بين السجدتين مفترشاً رجله اليسرى ناصباً رجله اليمنى [انظر صورة 11].

ويقول وهو جالس بين السجدتين: (رب اغفر لي) مرة واحدة، وما زاد على ذلك فهو سنة. ويُسَن أن يقول: (رب اغفر لي وارحمني واهدني وعافني وارزقني) (رواه أبو داود وصححه الألباني)، وعند الترمذي: (اللهم اغفر لي وارحمني واجبرني واهدني وارزقني)، وعند أبي داود: (اللهم اغفر لي وارحمني وعافني واهدني وارزقني)، وعند ابن ماجه: (رب اغفر لي وارحمني واجبرني وارزقني وارفعني)، وعند الحاكم : (اللهم اغفر لي وارحمني، واجبرني، وارفعني، واهدني، وارزقني(.

ويضع يديه في هذه الجلسة على فخذيه، وأطراف أصابعه عند ركبتيه [انظر صورة 12]، وله أن يضع يده اليمنى على ركبته اليمنى ويده اليسرى على ركبته اليسرى كأنه قابض لهما [انظر صورة 13].

                     

ملاحظة: ورد استحباب الإقعاء في الجلوس بين السجدتين (انظر الصورة أسفل)، ويقصد به  أن يفرش قدميه ويجلس على عقبيه. قال أبو عبيدة: هذا قول أهل الحديث. فعن أبي الزبير أنه سمع طاووسا يقول: قلنا لابن عباس في الإقعاء على القدمين. فقال: هي السنة، قال: فقلنا: إنا لنراه جفاء بالرجل. فقال: هي سنة نبيك صلى الله عليه وسلم. رواه مسلم. وعن ابن عمر رضي الله عنهما: أنه كان إذا رفع رأسه من السجدة الأولى يقعد على أطراف أصابعه، ويقول: إنه من السنة.


11- ثم يسجد مرة أخرى ويفعل مثل في فعل في السجدة الأولى، ثم يقوم ليتم الركعة الثانية على نحو ما ذكرنا.

12- ثم في نهاية الركعة الثانية يجلس للتشهد الأول مفترشاً [انظر صورة 11]، وتكون هيئة يده اليمنى بأن يقبض أصبعه الخنصر والبنصر ويُحلق الإبهام مع الوسطى ويشير بالسبابة عند الدعاء [انظر صورة 14] أو يقبض جميع أصابع يده اليمنى ويشير بالسبابة عند الدعاء [انظر صورة 15] ، أما يده اليسرى فيقبض بها على ركبته اليسرى، وله أن يبسطها على فخذه الأيسر دون قبض الركبة.

ويقول في هذا الموضع: (التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله) (أخرجه البخاري ومسلم وابن أبي شيبة من حديث ابن مسعود).


مسألة مهمة: أقوال العلماء في هيئة اليد اليمنى في التشهد والإشارة بالسبابة وتحريكها:

§        رأي الحنفية: وهم على ثلاثة أقوال: الأول: بسط جميع الأصابع دون الإشارة بالسبابة عند التشهد، والقول الثاني: بسط جميع الأصابع ثم عند النفي في الشهادتين يرون رفع الأصبع؛ يعني: عند قوله: "لا إله" ، ويضعها عند الإثبات؛ يعني: عند قوله "إلا الله"، مع قبض الخنصر والبنصر والتحليق بالوسطى والأبهام وهو القول المنسوب الى أبي حنيفة وهو الراجح في المذهب، وأما القول الثالث والذي عليه المتأخرون بسط جميع الأصابع ثم رفع السبابة عند النفي ووضعها عند الإثبات دون تحليق.

§        رأي المالكية: يرون قبض جميع الأصابع إلا السبابة والإبهام، ويشار بالسبابة من أوّل التّشهّد إلى آخره، ويحرك السبابة يميناً وشمالاً على القول المشهور وإلى أعلى وأسفل على قول آخر، والاستمرار في التحريك أيضاً على قولين: الأول: التحريك في جميع التشهد، والقول الثاني: التحريك عند النطق بالشهادتين فقط وهو القول المشهور.

§        رأي الشافعية: ولهم ثلاثة أقوال، الأول قبض جميع الأصابع ما عدا السبابة وهو القول المشهور عندهم، والثاني قبض جميع الأصابع ما عدا الإبهام والسبابة، والثالث قبض الخنصر والبنصر والتحليق بالوسطى والإبهام.

وترفع السبابة عند قول " إلا الله " إلى القيام في التشهد الأول والسلام في التشهد الأخير مع تثبيتها وعدم التحريك، ويرمي المصلي بصره إلى السبابة في جميع ذلك.

§         رأي الحنابلة: يرون قبض الخنصر والبنصر والتحليق بالوسطى والإبهام ويشير بالسبابة عند لفظ الجلالة (أي تُرفع السبابة كلّما ذُكر لفظ الجلالة "الله")، ولا يحركها تحريكاً مستمراً.

13- إذا كانت الصلاة من أربع ركعات، كالظهر والعصر والعشاء، فإنه يجلس في التشهد الأخير متوركاً [انظر صورة 17،16]؛ لحديث أبي حميد: "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا جلس في الركعتين جلس على رجله اليسرى، ونصب الأخرى، وقعد على مقعدته" (أخرجه البخاري). وفي رواية أبي داود: "فإذا كانت الرابعة أفضى بوركه اليسرى إلى الأرض، وأخرج قدميه من ناحية واحدة".

                               

وتكون هيئة يديه كما سبق في التشهد الأول، ويقول كما قال في التشهد الأول (التحيات لله... الخ)، ثم يقول بعدها: (اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد ، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد).

ومن صيغ الصلاة الإبراهيمية: (اللهم صلى الله عليه و سلم على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد) وهناك صيغ أخرى للصلاة الإبراهيمية ولكن نكتفي بهذا القدر.

14- يُسَن أن يقول بعد الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وقبل التسليم أدعية، ومنها: (اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم ، ومن عذاب القبر ، ومن فتنة المحيا والممات ، ومن شر فتنة المسيح الدجال)، و(رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)، و(اللَّهمَّ اغفِرْ لي ما قَدَّمتُ وما أَخَّرْتُ ، وما أَسْرَرْتُ ومَا أعْلَنْتُ ، وما أَسْرفْتُ ، وما أَنتَ أَعْلمُ بِهِ مِنِّي، أنْتَ المُقَدِّمُ ، وَأنْتَ المُؤَخِّرُ ، لا إله إلاَّ أنْت)، ثم يدعو بما شاء، كقول (اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك).

15- ثم يسلم عن يمينه وعن يساره، والصحيح الثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم في التسليم هو قوله: (السلام عليكم ورحمة الله) عن يمينه وشماله، وقد ورد هذا عنه صلى الله عليه وسلم بأسانيد صحيحة من حديث: جابر بن سمرة، وابن عمر، وابن مسعود.

وعن عامر بن سعد عن أبيه قال: " كنت أرى رسول الله صلى الله عليه وسلم يسلم عن يمينه وعن يساره حتى أرى بياض خده " (رواه مسلم).

16- ومن السنة قول الأذكار التالية بعد السلام:

أ‌-     (أستغفر الله، أستغفر الله، أستغفر الله، اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام).

ب‌-(لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجَد منك الجَد).

ت‌-(لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير ، لا إله إلا الله ولا نعبد إلا إياه ، له النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن ، لا إله إلا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون).

ث‌-(اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك).

ج‌-  (اللهم إني أسألك علماً نافعاً ورزقاً طيباً، وعملاً متقبلاً) (بعد السلام من صلاة الفجر).

ح‌-  (اللهم أجرني من النار) (بعد صلاة الفجر والمغرب).

خ‌-  (سبحان الله 33 مرة)، (الحمد لله 33 مرة)، (الله أكبر 33 مرة)، ويقول بعدها تمام المائة: (لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير).

د‌-    قراءة آية الكرسي (مرة واحدة).

ذ‌-    قراءة سورة { قل هو الله أحد } ، و{ قل أعوذ برب الفلق } ، و{ قل أعوذ برب الناس } (ثلاث مرات بعد صلاتي الفجر والمغرب، ومرة بعد الصلوات الأخرى).

ر‌-   (لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير) (مرة بعد كل صلاة إلا الفجر والمغرب 10 مرات).



الدرس السابع

مكروهات الصلاة ومبطلاتها

أولاً: مكروهات الصلاة:

1- عبث المصلي بثوبه أو ببدنه إلا إذا دعت إليه الحاجة فإنه حينئذ لا يكره: فعن معيقب قال: سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن مسح الحصى في الصلاة فقال: "لا تمسح الحصى وأنت تصلي فإن كنت لابد فاعلاً فواحدة: تسوية الحصى" (رواه أبو داود). فقد كانت أرض المسجد في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم من الحصى، أما في زماننا ينطبق ذلك على سجاد المسجد.

وإذا تعلَّق بالجبهة تراب أو حصى من السجود بالأرض فإنه يكره إزالته لما فيه من العمل المشغل عن الصلاة ولا سيما إذا تكرر وكثر. فعن أبي سعيد قال: " رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يسجد في الماء والطين حتى رأيت أثر الطين في جبهته " (رواه البخاري ومسلم). فإن كان يؤذي المصلي فإنه يُزال ويمسح، وهذا ينطبق على من يصلي في زماننا في الخلاء يوم العيد أو على رمل شاطئ البحر.

2- رفع البصر إلى السماء: لحديث أبي هريرة رضي اللّه عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لَيَنْتَهِينًّ أقوام يرفعون أبصارَهم إلى السماء في الصلاة أو لَتُخْطَفَنَّ أبصارُهم" (رواه مسلم وأحمد والنسائي، ونحوه في البخاري وأبي داود).

3-  الالتِفَاتُ لغير حاجة: لحديث عائشة رضي الله عنها: "سألت النبي صلى الله عليه وسلم  عن الالْتِفاتِ في الصلاة فقال: هو اخْتِلاس يَخْتَلِسُهُ الشيطانُ من صلاة العبد" (رواه البخاري والترمذي).

4- النظرُ إلى ما يُلهِيهِ عن الصلاة: لحديث عائشة رضي الله عنها قالت: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم  في خَمِيْصَةٍ لها أعْلامٌ. فقال: شَغَلَتْني أعلامُ هذه، اذهبوا بها إلى أبي جَهْم بن حُذَيْفَةَ وائْتُوني بِأنبجَانِيَّتِهِ" (رواه البخاري ومسلم وأبو داود). ويفهم من هذا الحديث أن أبا جهم وهو عامر بن حذيفة أهدى النبي صلى الله عليه وسلم  خميصة وهي كساء من خز أو صوف، فشغلت النبي في صلاته، فطلب أن تُرد لأبي جهم الخميصة وأن يؤتى له بالإنبجانية جبراً لخاطر أبي جهم، والإنبجانية هي كساء غليظ له وبر ولا علم.

5- التَّخَصُّرُ (وهو وضع اليد على الخاصرة): لما روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يصلي الرجل مُتَخَصِّراً " (متفق عليه).

6- تغميض العينين: لأنه يشبه فعل المجوس عند عبادتهم النيران، وقيل: يشبه فعل اليهود أيضاً، وقد نهينا عن التشبه بالكفار. يذكر أن ابن القيم قال في تغميض العينين في الصلاة: " والصواب أن يقال: إن كان تفتيح العين لا يخل بالخشوع فهو أفضل وإن كان يحول بينه وبين الخشوع لما في قبلته من الزخرفة والتزويق أو غيره مما يشوش عليه قلبه فهناك لا يكره التغميض قطعا، والقول باستحبابه في هذا الحال أقرب إلى أصول الشرع ومقاصده من القول بالكراهة ".

7- افتراش ذراعيه في السجود: لحديث أنس رضي الله عنه قال: قال رسول اللّه r: "اعتدلوا في السجود ولا يبسط أحدكم ذراعيه انبساط الكلب" (متفق عليه).

8- تغطية الفم والسدل: فعن أبي هريرة قال: " نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن السدل في الصلاة، وأن يغطي الرجل فاه". (رواه أبو داود وأحمد والترمذي وابن ماجه). قال الخطابي: السدل إرسال الثوب حتى يصيب الأرض، وقال الكمال بن الهمام: ويصدق أيضا على لبس القباء من غير إدخال اليدين في كمه.

9- الصلاة بحضرة الطعام: فعن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "إذا وضع العشاء وأقيمت الصلاة فابدءوا بالعشاء" (رواه مسلم وأحمد). وروى أحمد ومسلم وأبي داود عن عائشة قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم  يقول: "لا يصلي أحد بحضرة الطعام، ولا هو يدافعه الأخبثان".  قال الخطابي: إنما أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يبدأ بالطعام لتأخذ النفس حاجتها منه فيدخل المصلي في صلاته وهو ساكن الجأش لا تنازعه نفسه شهوة الطعام فيعجله ذلك عن إتمام ركوعها وسجودها وإيفاء حقوقها.

10- الصلاة مع مدافعة الأخبثين ونحوهما مما يشغل القلب: لما رواه أحمد ومسلم وأبي داود عن عائشة قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم  يقول : " لا يصلي أحد بحضرة الطعام ، ولا هو يدافعه الاخبثان". والأخبثان هما: البول والغائط.

11- الصلاة عند مغالبة النوم: عن عائشة أن النبي قال: " إذا نعس أحدكم فليرقد حتى يذهب عنه النوم، فإنه إذا صلى وهو ناعس لعله يذهب يستغفر فيسب نفسه" (رواه الجماعة).

12- التزام مكان خاص من المسجد للصلاة فيه غير الإمام: فعن عبد الرحمن بن شبل قال: " نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نقرة الغراب، وافتراش السبع، وأن يوطن الرجل الماكن في المسجد كما يوطن البعير" (رواه أحمد). أي أن يجعل المصلي له مكاناً خاصاً في المسجد لا يصلي إلا فيه، فيكون كالبعير لا يبرك إلا في مكان خاص اعتاده.

13- كَفُّ الشعر والثوب: لحديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: " أُمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يسجد على سبعة أعظم، ولا يكفَّ ثوبه ولا شعره" (أخرجه البخاري). والكفّ: قد يكون بمعنى الجمع، أي: لا يجمعهما ويضمهما، وقد يكون بمعنى المنع، أي: لا يمنعهما من الاسترسال حال السجود. وكله من العبث المنافي للخشوع في الصلاة.

14- البصاق في جهة القبلة أو عن اليمين لمن يصلي في فلاة: ولا يتصور أن يبصق المصلي في المسجد على الأرض، ولكن إن صلى في فلاة كصلاة العيد مثلاً، فيكره أن يبصق جهة القبلة أو عن يمينه؛ لحديث جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن أحدكم إذا قام يصلى فإن الله تبارك وتعالى قبل وجهه، فلا يبصقن قبل وجهه ولا عن يمينه، وليبصق عن يساره تحت رجله اليسرى، فإن عجلت به بادرة فليقل بثوبه هكذا» ثم طوى ثوبه بعضه على بعض" (رواه مسلم).

15- تشبيك الأصابع: لحديث أبي هريرة قال: قال رسول الله r: " إذا توضأ أحدكم في بيته ثم أتى المسجد كان في صلاة حتى يرجع، فلا يقل هكذا، وشبك بين أصابعه ". فقد نهي النبي r من توضأ وأتى المسجد يريد الصلاة عن فعل ذلك، فكراهته في الصلاة من باب أولى. والتشبيك بين الأصابع: إدخال بعضها في بعض. وأما التشبيك خارج الصلاة فلا كراهة فيه.

16- فرقعة الأصابع: عن علي -رضي الله عنه- أن النبي r قال: "لا تفقع أصابعك في الصلاة "    (رواه ابن ماجه). وهي إن قلَّت في الصلاة: كُرهت، لأنها مشغلة عن الصلاة، وإن كثرت: حَرُمت، لأن فيها تلاعباً بالصلاة: وعن شعبة مولى ابن عباس قال: " صليت إلى جنب ابن عباس ففقعت أصابعي، فلما قضيت الصلاة، قال: لا أمَّ لك، أتفقع أصابعك وأنت في الصلاة ".

17- التطبيق في الركوع: وهو جعل بطن الكف على بطن الكف الأخرى ووضعهما بين الركبتين والفخذين في الركوع. فعن مصعب بن سعد قال: " صليت إلى جنب أبي، قال: وجعلت يدي بين ركبتي، فقال لي أبي: اضرب بكفيك على ركبتيك، قال: ثم فعلت ذلك مرة أخرى، فضرب يدي وقال: إنا نهينا عن هذا، وأمرنا أن نضرب بالأكف على الركب " (رواه البخاري ومسلم).

18- قراءة القرآن في الركوع والسجود: لقول النبي صلى الله عليه وسلم: " ألا وإني نهيت أن أقرأ القرآن راكعاً أو ساجداً... " (رواه مسلم).

19- وضع اليد على الأرض في الجلوس في الصلاة إلا لعذر: فعن ابن عمر قال: " نهى النبي صلى الله عليه وسلم إذا جلس الرجل في الصلاة أن يعتمد على يده اليسرى" (رواه أبو داود وأحمد). وفي رواية أن ابن عمر قال: لا تجلس هكذا، فإن هكذا يجلس الذين يعذبون.

20- جلسة الإقعاء: ويعني (إلصاق الإليتين بالأرض ونصب الساقين ووضع اليدين على الأرض): وهذه الهيئة لا تجوز في الجلوس في الصلاة: لحديث عائشة في صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم وفيه: "... وكان ينهى عن عُقبة الشيطان... " (رواه مسلم). وهذا الإقعاء المكروه كإقعاء الكلب، فعن أبي هريرة  -رضي الله عنه- قال: " أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ r بِثَلاَثٍ، وَنَهَانِي عَنْ ثَلاَثٍ: أَمَرَنِي بِرَكْعَتَي الضُّحَى كُلَّ يَوْمٍ، وَالْوِتْرِ قَبْلَ النَّوْمِ، وَصِيَامِ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَنَهَانِي عَنْ: نَقْرَةٍ كَنَقْرَةِ الدِّيكِ، وَإِقْعَاءٍ كَإِقْعَاءِ الْكَلْبِ، وَالْتِفَاتٍ كَالْتِفَاتِ الثَّعْلَبِ" (رواه أحمد).

ومن الجدير بالذكر أن للإقعاء معنى آخر، وهو نصب القدمين ووضيع الإليتين على العقبين في الجلوس بين السجودين، وهو مشروع.

§        جلسة الإقعاء المكروهة:                                  - جلسة الإقعاء الجائزة:

                      

21- التثاؤب في الصلاة من دون منعه بوضع اليد على الفم: لحديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " التثاؤب في الصلاة من الشيطان، فإذا تثاءب أحدكم فليكظم ما استطاع" (رواه البخاري ومسلم والترمذي).

22- الإشارة باليدين عند السلام: فعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَة، قَالَ: " كُنَّا إِذَا صَلَّيْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قُلْنَا: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ، السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ، وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى الْجَانِبَيْنِ، فَقَال رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: عَلَامَ تُومِئُونَ بِأَيْدِيكُمْ، كَأَنَّهَا أَذْنَابُ خَيْلٍ شُمْسٍ، إِنَّمَا يَكْفِي أَحَدَكُمْ أَنْ يَضَعَ يَدَهُ عَلَى فَخِذِهِ، ثُمَّ يُسَلِّمُ عَلَى أَخِيهِ مَنْ عَلَى يَمِينِهِ وَشِمَالِه " (رواه مسلم).

وفي هذا الحديث تشبيه لمن يشير بيديه عند السلام بأذناب الدواب النافرة الَّتِي لَا تَسْتَقِرّ بَلْ تَضْطَرِب وَتَتَحَرَّك بِأَذْنَابِهَا، وهذا فيه تحقير وذم لمن يفعل ذلك.

ثانياً: مبطلات الصلاة:

1- ما يَنْقُضُ الوضوء: لأن الطهارة شرط في صحة الصلاة كما تقدم، فإذا انتقضت الطهارة انتقضت الصلاة أي بطلت.

2- كشف العورة: لأن ستر العورة شرط في صحة الصلاة كما علمت، فإذا انكشفت العورة عمداً، بطلت الصلاة، وإذا انكشف منها جزء كبير وطال الزمن بغير عمد بطلت الصلاة.

3- استدْبار الكعبة: لأنه شُرِطَ استقبالها لصحة الصلاة، فإن كان عالماً عامداً بطلت صلاته.

4- الزِّيادة في الأركان أو النقص منها عمداً: لأنها عبادة تَوقيفية لا تجوز الزيادة عليها ولا النقص منها، فإن فعل عامداً بطلت صلاته.

5- تقديم بعض الأركان على ما قبلها: ترتيب الأركان ركن من الصلاة كما علمت فإن قدم أو أخر عمدا أخلَّ بهذا الترتيب وبطلت صلاته.

6- فَسْخُ النية أو تغييرها: لأن النية واستدامتها ركن من أركان الصلاة، فإن فسخها أو نوى الخروج من الصلاة بطلت صلاته. ومن غير نيته فلا يجوز وتبطل صلاته، فمن يتذكر وهو يصلي العصر أنه لم يصلِّ الظهر، فلا يجوز أن يقلبها ظهراً، ويبطل الفرضان؛ صلاة العصر لأنه قطعها، وصلاة الظهر لعدم النية قبل البدء فيها.

    وقد سئل فضيلة الشيخ ابن عثيمين عن تغيير النية في الصلاة، فأجاب: " تغيير النية إما أن يكون من معيَّن لمعيَّن ، أو من مطلق لمعيَّن: فهذا لا يصح، وإذا كان من معيَّن لمطلق: فلا بأس.

مثال ذلك:

§        من معيَّن إلى معيَّن: كتغير النية من صلاة الظهر إلى صلاة العصر ، ففي هذه الحالة تبطل صلاة الظهر؛ لأنه تحول عنها، ولا تنعقد صلاة العصر؛ لأنه لم ينوها من أولها وحينئذ يلزمه قضاء الصلاتين .وكمن أراد أن ينتقل من سنة الضحى إلى راتبة الفجر التي يريد أن يقضيها، كبَّر بنية أن يصلي ركعتي الضحى، ثم ذكر أنه لم يصل راتبة الفجر فحولها إلى راتبة الفجر: فهنا لا يصح؛ لأن راتبة الفجر ركعتان ينويهما من أول الصلاة.

§        وأما من مطلق لمعيَّن: فمثل أن يكون شخص يصلي صلاة مطلقة - نوافل - ثم ذكر أنه لم يصل الفجر، أو لم يصل سنة الفجر فحوَّل هذه النية إلى صلاة الفجر أو إلى سنة الفجر: فهذا أيضاً لا يصح .

§        أما الانتقال من معيَّن لمطلق: فمثل أن يبدأ الصلاة على أنها راتبة الفجر، وفي أثناء الصلاة تبين أنه قد صلاها: فهنا يتحول من النية الأولى إلى نية الصلاة فقط. ومثل إنسان شرع في صلاة فريضة وحده ثم حضر جماعة ، فأراد أن يحول الفريضة إلى نافلة ليقتصر فيها على الركعتين (ثم يصلي الفريضة مع الجماعة) فهذا جائز ؛ لأنه حوَّل من معين إلى مطلق.

هذه القاعدة : من معين لمعين: لا يصح. ومن مطلق لمعين: لا يصح. من معين لمطلق: يصح".

7- ترك شرط من شروط الصلاة أو ركن من أركانها بدون عذر: لقول النبي صلى الله عليه وسلم  للمسيء صلاته لما رآه لا يطمئن في صلاته: "ارجع فصلِّ فإنك لم تصلِّ" (رواه البخاري ومسلم).

8- الكلام عمداً لغير مصلحة الصلاة: فمن تكلم عامداً عالماً بحرمة الكلام في الصلاة بطلت صلاته، لحديث زيد بن أرقم: " كنا نتكلم في الصلاة، يكلم الرجل منا صاحبه وهو إلى جنبه في الصلاة فنزلت (وَقُومُوا لله قَانتين) ، فَأُمِرْنا بالسُّكوتِ ونُهِينا عن الكلام" (رواه الجماعة إلا ابن ماجه).

فمن تكلم في الصلاة ناسيًا أو جاهلاً بالحكم لم تبطل صلاته ففي حديث معاوية بن الحكم في قصة صلاته مع النبي صلى الله عليه وسلم وعطس رجل من القوم فحمد الله فقال له: يرحمك الله، فجعل الناس ينظرون إليه فقال: واثكل أُمياه ما لكم تنظرون إلي ...، الحديث وفيه أنه تكلم وأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يبطل صلاته ولم يأمره بالإعادة لأنه كان جاهلاً بالحكم وإنما قال له: "إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن" (رواه مسلم).

9- العمل الكثير عمداً: وقد اختلف العلماء في ضابط القلة والكثرة، فقيل: الكثير هو ما يكون بحيث لو رآه إنسان من بعد تيقن أنه ليس في الصلاة، وما عدا ذلك فهو قليل. وقيل: هو ما يخيل للناظر أن فاعله ليس في الصلاة. وقال النووي: إن الفعل الذي ليس من جنس الصلاة إن كان كثيرا أبطلها بلا خلاف وإن كان قليلا لم يبطلها بلا خلاف، واختلفوا في ضبط القليل والكثير، والجمهور أن الرجوع فيه إلى العادة، فلا يضر ما يعده الناس قليلاً كالإشارة برد السلام، وخلع النعل، ورفع العمامة، ووضعها ولبس ثوب خفيف ونزعه، وحمل صغير ووضعه، ودفع مار ودلك البصاق في ثوبه وأشباه هذا، وأما ما عده الناس كثيرا كخطوات كثيرة متوالية وفعلات متتابعة فتبطل الصلاة. واتفق أصحاب الآراء في المذهب الشافعي على أن الكثير إنما يبطل إذا تولى فإن تفرق بأن خطا خطوة، ثم سكت زمنا، ثم خطا أخرى، أو خطوتين، ثم خطوتين بينهما زمن إذا قلنا لا يضر الخطوتان وتكرر ذلك مرات كثيرة حتى بلغ مائة خطوة فأكثر، لم يضر بلا خلاف. وأما الحركات الخفيفة كتحريك الأصابع في سبحة أو حكة أو حل أو عقد فالصحيح المشهور أن الصلاة لا تبطل به وإن كثرت متوالية، لكن يكره. وقد نص الشافعي رحمه الله: " أن لو كان يعد الآيات بيده عقداً لم تبطل صلاته، لكن الأولى تركه ".

10- الأكل والشرب عمداً: قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن من أكل أو شرب في صلاة الفرض عامداً أن عليه الإعادة.

11- مسابقة الإمام عمداً: ويرى أكثر أهل العلم بطلان صلاة من سبق الإمام عمداً؛ لقوله صلى الله عليه وسلم : "أما يخشى أحدكم إذا رفع رأسه قبل الإمام أن يجعل الله رأسه رأس حمار، أو يجعل صورته صورة حمار" (أخرجه البخاري). فقد قال الإمام أحمد: " لَيْسَ لِمَنْ سَبَقَ الْإِمَامَ صَلَاةٌ  ". وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : " أَمَّا مُسَابَقَةُ الْإِمَامِ فَحَرَامٌ بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ . لَا يَجُوزُ لِأَحَدِ أَنْ يَرْكَعَ قَبْلَ إمَامِهِ وَلَا يَرْفَعَ قَبْلَهُ وَلَا يَسْجُدَ قَبْلَهُ . وَقَدْ اسْتَفَاضَتْ الْأَحَادِيثُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالنَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ ... وَإِذَا سَبَقَ الْإِمَامَ سَهْوًا لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ لَكِنْ يَتَخَلَّفُ عَنْهُ بِقَدْرِ مَا سَبَقَ بِهِ الْإِمَامَ ... وَأَمَّا إذَا سَبَقَ الْإِمَامَ عَمْدًا فَفِي بُطْلَانِ صَلَاتِهِ قَوْلَانِ مَعْرُوفَانِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد وَغَيْرِهِ  ". وقد رجح الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى القول ببطلانها فقال: " ومَن رَفَعَ مِن السجودِ أو مِن الرُّكوعِ قبلَ إمامِهِ فالحكمُ واحدٌ، فإذا رَفَعَ قبلَ رَفْعِ إمامِهِ مِن الرُّكوعِ عالماً عمداً فصلاتُهُ باطلةٌ، وإذا رَفَعَ مِن السُّجودِ كذلك فصلاته باطلَةٌ على القولِ الصحيح ". وعن ابن مسعود رضي الله عنه أنه نظر إلى من سبق الإمام فقال :" لا وحدك صليت ، ولا بإمامك اقتديت"  أي أن الذي لم يصل وحده، ولم يقتد بإمامه فذلك لا صلاة له.

12- الضحك بصوت: وهو القهقهة، فإنه يبطلها بالإجماع، لأنه كالكلام بل أشد، ولما في ذلك من الاستخفاف والتلاعب المنافي لمقصود الصلاة، أما التبسم بلا قهقهة فإنه لا يبطلها.



الدرس الثامن

السنن الرواتب وصلاة الوتر

أولاً: السنن الرواتب:

حكمة مشروعيتها: إضافة لما لصلاة النوافل من أجر فالصلاة من خير ما يتقرب العبد به إلى الله تعالى وبها يتحصل العبد على الرفعة في الجنة، فإنها تجبر النقص في الفرائض، فعن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن أول ما يحاسب عنه العبد المسلم يوم القيامة الصلاة، فإن أتمها، وإلا قيل: انظروا هل له من تطوع؟ فإن كان له تطوع أكلمت الفريضة من تطوعه، ثم يفعل بسائر الأعمال المفروضة مثل ذلك" (رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه).

عددها: اختلف العلماء في عددها فمنهم من قال إنها عشر ركعات، فعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: "حفظت عن النبي صلى الله عليه وسلم عشر ركعات: ركعتين قبل الظهر، وركعتين بعدها، وركعتين بعد المغرب، وركعتين بعد العشاء، وركعتين قبل صلاة الصبح" (رواه البخاري ومسلم).

ومنهم من قال إنها اثنتا عشرة: كالعشر السابقة لكن قبل الظهر أربع، لحديث عائشة رضي الله عنها قالت: "كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يدع أربعاً قبل الظهر" (رواه البخاري).

وعن أم حبيبة رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من صلى اثنتي عشرة ركعة في يوم وليلة، بُنى له بهن بيت في الجنة» قالت أم حبيبة: فما تركتهن منذ سمعتهن من رسول الله صلى الله عليه وسلم" (رواه مسلم والترمذي وأبو داود وابن ماجه).

وعليه فإن السنن الرواتب وفق الجدول التالي:

الصلاة

عدد السنة القبلية الراتبة

عدد السنة البعدية الراتبة

الفجر

2

-

الظهر

2 أو 4

2

العصر

-

-

المغرب

-

2

العشاء

-

2

ملاحظات مهمة في السنن:

1-  آكد السنن الرواتب ركتا الفجر، وهما سنة الفجر القبلية، لقوله صلى الله عليه وسلم: "ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها" (رواه مسلم). ولقول عائشة –رضي الله عنها- عن هاتين الركعتين: "ولم يكن يدعهما أبداً" (رواه البخاري). وعنها، قالت: " لَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَلَى شَيْءٍ مِنَ النَّوَافِلِ أشَدَّ تَعَاهُدَاً مِنهُ عَلَى رَكْعَتَي الفَجْرِ" (متفقٌ عَلَيهِ).

2-  إن في المحافظة على صلاة أربع ركعات قبل الظهر وأربع بعدها أجرا عظيما، فعن أُمّ حَبِيبَةَ رَضِيَ اللهُ عَنها، قالت: قال رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "مَنْ حَافَظَ عَلَى أرْبَعِ رَكَعَاتٍ قَبْلَ الظُّهْرِ، وَأرْبَعٍ بَعْدَهَا، حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ" (رواه أبُو دَاوُدَ وَالتِّرمِذِيُّ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صحيح).

3-    ليس للعصر سنة راتبة مؤكدة، لكن هناك حديث حسن يدلل على مشروعية صلاة أربع ركعات قبل صلاة العصر، فعن ابن عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "رحم الله امرأً صلى قبل العصر أربعاً" (رواه أحمد والترمذي وحسنه الألباني).

4-  هناك حديث يدلل على مشروعية صلاة ركعتين في كل الصلوات بين الأذان والإقامة، فعن عبد الله بن مُغَفَّلٍ رضي الله عنه، قَالَ: قال رَسُول اللهِ صلى الله عليه وسلم: " بَيْنَ كُلِّ أذَانَيْنِ صَلاَةٌ، بَيْنَ كُلِّ أذَانَيْنِ صَلاَةٌ، بَيْنَ كل أذانين صلاة، قال في الثَّالِثةِ: لِمَنْ شَاءَ " (متفقٌ عَلَيهِ). والمُرَادُ بِالأَذَانيْنِ: الأذَانُ وَالإقَامَةُ.

مسألة: كيف تصلى السنة الراتبة الرباعية؟

       الأولى لمن أراد أن يصلي السنة الراتبة الرباعية كراتبة الظهر القبلية مثلاً أن يصليها ركعتين ركعتين، وهذا قول الجمهور، لحديث ابن عمر رضي الله عنه  عن النبي صلى الله عليه وسلم: "صلاة الليل والنهار مثنى مثنى" (رواه الترمذي وأبو داود والنسائي وابن ماجه). وجاء في صحيح مسلم عن عقبة بن حريث قال: " قلت لابن عمر: ما معني مثنى مثنى ؟ قال : تسلم من كل ركعتين" .

كما ويجوز أن تصلى السنة الراتبة الرباعية أربعاً، وهذا قول الحنفية.

مسألة: هل يشرع قضاء السنن الرواتب لمن فاتته؟

       اختلف العلماء في قضاء السنن الرواتب على عدة أقوال، غير أنه يشرع قضاء السنن الرواتب إذا فات وقتها في أصح أقوال العلماء، وهذا مروي عن ابن عمر، وهو مذهب الشافعي وأحمد والأوزاعي وغيرهم، ومن الأدلة على ذلك:

1-  عن قيس بن عمرو قال : "رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً يصلي بعد صلاة الصبح ركعتين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (صلاة الصبح ركعتان)، فقال الرجل: إني لم أكن صليت الركعتين اللتين قبلهما فصليتهما الآن، فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم" (رواه أبو داود).

2-  حديث أم سلمة رضي الله عنها أنها رأت النبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم يصلي ركعتين بعد العصر -وقد نهى عن ذلك- فسألته عنها، فقال: "يَا ابْنَةَ أَبِي أُمَيَّةَ سَأَلْتِ عَنْ رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ العَصْرِ، فَإِنَّهُ أَتَانِي أُنَاسٌ مِنْ بَنِي عَبْدِ القَيْسِ شَغَلُونِي عَن الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ بَعْدَ الظُّهْرِ وَهُمَا هَاتَانِ" (رواه البخاري ومسلم).

مسألة: ماذا يفعل المصلي إذا أقيمت الصلاة وهو يصلي السنة الراتبة، أيكملها أم يقطعها ويدخل في صلاة الفريضة؟

       عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم : " إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة " (رواه مسلم)، وفي ضوء هذا الحديث اختلف العلماء في هذه المسألة، غير أن الشيخ ابن عثيمين أجاد وأفاد عندما قال: "والذي نرى في هذه المسألة: أنك إن كنت في الركعة الثانية: فأتمها خفيفة، وإن كنت في الركعة الأولى: فاقطعها". وفسر الشيخ ابن عثيمين الحديث بأنه لا يجوزُ أنْ يبتدئَ صلاةَ نافلةٍ بعدَ شُروعِ المقيمِ في الإقامةِ، لأنَّ عِلَّة النَّهي موجودةٌ في هذه الصُّورةِ، ومِن بابِ أَولى أن لا يَشرعَ في النَّافلةِ إذا انتهتِ الإقامةُ، أو إذا شَرَعَ الإمامُ في الصَّلاةِ. وقولُه صلّى الله عليه وسلّم: " فلا صلاةَ إلا المكتوبةُ "، أي: فلا صلاةَ تُبتدأُ إلا المكتوبةُ، لأنَّ الإنسانَ إذا ابتدأَ النافلةَ في هذا الوقتِ سوف يتأخَّرُ عن صلاةِ الجماعةِ.

ثانياً: صلاة الوتر:

فضلها: صلاة الوتر سنة مؤكدة عند الجمهور، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: " إن الله وتر يحب الوتر " (رواه البخاري ومسلم).

وقتها: أجمع أهل العلماء على أن ما بين صلاة العشاء وطلوع الفجر وقت للوتر، فعن عمرو بن العاص قال حدثني أبي بصرة أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم قال: " إن الله زادكم صلاة، وهي صلاة الوتر، فصلوها فيما بين العشاء إلى الفجر " (رواه أحمد وصححه الألباني).

       واختلفوا في جوازه بعد الفجر، فذهب بعضهم إلى أنها تصلى ولو بعد طلوع الفجر ما لم يصل الصبح، وذهب آخرون إلى أنه لا تصلى بعد طلوع الفجر، فإذا طلع الفجر فلا وتر، لقوله صلى الله عليه وسلم: " صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشي أحدكم الصبح صلى ركعة واحدة، توتر له ما قد صلى" (رواه البخاري).

       وأداء صلاة الوتر آخر الليل أفضل منه في أوله، لكن يستحب تعجيله أول الليل لمن ظن أنه لا يقوم آخر الليل، لما رواه جابر رضي الله عنه أن رسول الله  rقال: " من خاف أن لا يقوم من آخر الليل فليوتر أوله، ومن طمع أن يقوم آخر الليل فليوتر آخر الليل؛ فإن صلاة أخر الليل مشهودة، وذلك أفضل " (رواه مسلم).

عددها وكيفية أدائها: أقل صلاة الوتر ركعة واحدة، ويجوز ذلك بلا كراهة عند جمهور العلماء، والاقتصار عليها خلاف الأولى، واستدلوا لذلك بما ورد عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رجلاً قال: يا رسول الله كيف صلاة الليل؟ قال صلى الله عليه وسلم: (مثنى مثنى، فإذا خفت الصبح فأوتر بواحدة) (رواه البخاري ومسلم).

       وأدنى الكمال للوتر ثلاث ركعات، فلو اقتصر على ركعة كان خلاف الأولى كما أسلفنا، وبين الشيخ ابن عثيمين أن الوتر بثلاث ركعات جائز على صفتين، كلتاهما مشروعة، وهما: أن يصلي ركعتين ويسلم ثم يصلي الثالثة وحدها، أو يصلي الثلاث بتشهد واحد، غير أنه لا يشرع أن يصلي ثلاثاً بتشهدين وتسليم كصلاة المغرب، فقد نهى النبي  صلى الله عليه وسلم عن ذلك في قوله: " لاَ تُوتِرُوا بِثَلاَثٍ تشبهُوا الْمَغْرِبَ " (رواه الحاكم والبيهقي والدرقطني).  

       وللعلم يجوز الإيتار بخمس أو سبع أو أكثر، فأكثر الوتر عند الشافعية والحنابلة إحدى عشرة ركعة، وفي قول عند الشافعية ثلاث عشرة ركعة.

مسألة: هل يجوز صلاة قيام الليل أو التهجد بعد صلاة الوتر؟

       من صلى الوتر ثم أراد أن يصلي من الليل جاز له ذلك ولا يعيد الوتر. لما رواه أبو داود والنسائي والترمذي وحسنه عن علي قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " لا وتران في ليلة".

وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي ركعتين جالساً بعد الوتر، فعن عائشة أن النبي  صلى الله عليه وسلم كان يسلم تسليما يسمعنا، ثم يصلي ركعتين بعد ما يسلم وهو قاعد، (رواه مسلم). وعن أم سلمة: أنه رسول الله  صلى الله عليه وسلم كان يركع ركعتين بعد الوتر وهو جالس، (رواه أحمد وأبو داود والترمذي وغيرهم).

مسألة: هل يجوز قضاء صلاة الوتر لمن فاتته؟

       ذهب جمهور العلماء إلى مشروعية قضاء الوتر لما رواه البيهقي والحاكم وصححه على شرط الشيخين عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا أصبح أحدكم ولم يوتر فليوتر". وروى أبو داود عن أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من نام عن وتره أو نسيه فليصله إذا ذكره".

فإذا طلع الفجر ولم يوتر المسلم فالمشروع في حقه أن يقضيه وقت الضحى وتراً مشفوعاً بركعة، وإن قضاه بعد الظهر لا بأس في ذلك.

وقضاء الوتر بالنهار يكون شفعاً، فإذا كان من عادته أنه يوتر بثلاث جعلها أربعاً، وإن كان من عادته أن يوتر بخمس جعلها ستاً، وذلك لحديث عائشة رضي الله عنها: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا غلبه نوم أو وجع عن قيام الليل صلى من النهار ثنتي عشرة ركعة" (رواه مسلم).


الدرس التاسع

سجود السهو والتلاوة والشكر

أولاً: سجود السهو:

تعريفه:سجدتان يسجدهما المصلي لجبر الخلل الحاصل في صلاته من أجل السهو قبل التسليم أو بعده.

الحكمة من سجود السهو: إن سجود السهو من محاسن الشريعة؛ حيث إن كل إنسان لا يمكنه التحرز منه؛ فلابد من وقوعه منه في هذه العبادة العظيمة، ولما كانت هذه العبادة مطلوبة على وجه مخصوص، وكان الإنسان معرضاً للزيادة والنقص والشك فيها، وبذلك يكون الإنسان قد أتى بها على غير الوجه المشروع فينقص ثوابها، شرع سجود السهو فيها من أجل أن يتلافى النقص في ثوابها أو بطلانها، وسجود السهو فيه إرغام للشيطان الذي هو سبب النسيان والسهو وجبر للنقصان الذي طرأ في الصلاة إرضاءً للرحمن بإتمام عبادته وتدارك طاعته.

أسباب سجود السهو:

1-   الزيادة: فإن الإنسان إذا زاد الصلاة ركوعاً أو سجوداً أو قياماً أو قعوداً متعمداً بطلت صلاته، أما إذا زاد ذلك ناسياً فإن صلاته لا تبطل، ولكنه يسجد للسهو سجدتين بعد التسليم ثم يسلم ثانية. لحديث عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى الظهر خمساً، فقيل له: أزيد في الصلاة؟، فقال: وما ذاك، قال: صليت خمساً، فسجد سجدتين بعد ما سلم (رواه البخاري).

2-   النقص:

أ‌-     إن نقص الإنسان ركناً من أركان الصلاة، فلا يخلو إما أن يذكره قبل أن يصل إلى موضعه من الركعة الثانية؛ فحينئذ يلزمه أن يرجع فيأتي بالركن وبما بعده. وإما أن لا يذكره إلا حين يصل إلى موضعه من الركعة الثانية، وحينئذ تكون الركعة الثانية بدلاً من التي ترك ركناً منها فيأتي بدلها بركعة، وفي هاتين الحالين يسجد للسهو سجدتين بعد التسليم ثم يسلم.

مثال ذلك: رجل قام حين سجد السجدة الأولى من الركعة الأولى، ولم يجلس بين السجدتين، ولم يسجد السجدة الثانية، ولما شرع في القراءة ذكر أنه لم يسجد ولم يجلس بين السجدتين، فحينئذ يرجع ويجلس بين السجدتين، ثم يسجد، ثم يقوم فيأتي بما بقى من صلاته، ويسجد السهو بعد السلام ثم يسلم. أما إذا  قام الرجل من السجدة الأولى في الركعة الأولى، ولم يسجد السجدة الثانية ولم يجلس بين السجدتين، ولكنه لم يذكر إلا حين جلس بين السجدتين في الركعة الثانية، ففي هذه الحال تكون الركعة الثانية هي الركعة الأولى، ويزيد ركعة في صلاته، ويسلم ثم يسجد للسهو سجدتين ثم يسلم.

ب‌- ومن صلي أقل من عدد ركعات الصلاة عليه أن يكمل ويسجد للسهو ويسلم، لحديث أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: " صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إحدى صلاتي العَشِيِّ إما الظهر وإما العصر، فسلَّم في ركعتين، ثم أتى جذعاً في قِبْلة المسجد فاستند إليها مُغْضَباً، وفي القوم أبو بكر وعمر، فهابا أن يتكلما، وخرج سُرْعانُ الناس: قُصِرت الصلاةُ، فقام ذو اليدين فقال: يا رسول الله أقُصرت الصلاة أم نسيتَ؟ فنظر النبي صلى الله عليه وسلم يميناً وشمالاً فقال: ما يقول ذو اليدين؟ قالوا: صدق، لم تصلِّ إلا ركعتين، فصلى ركعتين وسلم، ثم كبَّر ثم سجد، ثم كبَّر فرفع، ثم كبَّر وسجد، ثم كبَّر ورفع، قال: وأُخبرت عن عمران بن حصين أنه  قال: وسلَّم" (رواه مسلم والبخاري وأحمد والنَّسائي والترمذي).

3-  الشك:

إذا شك المصلي أي تردد في عدد ركعاته فإنه يتحرى صلاته، ومعنى التحري أن يحاول تذكر عدد الركعات التي صلاها بأن يتذكر مثلاً أنه قرأ الفاتحة مرة أو مرتين فيعلم بذلك عدد الركعات التي صلاها أو يحاول أن يتذكر التشهد ونحو ذلك، وبعد التحري يستخلص إلى أمرين:

الأمر الأول: أن يترجح عنده أحد الأمرين، فإنه في هذه الحالة يطرح الشك ويبني على ما ترجح عنده ويسجد بعد السلام سجدتين السهو ثم يسلم، فعن ابن مسعود –رضي الله عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " ... وَإِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ، فَلْيَتَحَرَّ الصَّوَابَ، فَلْيُتِمَّ عَلَيْهِ، ثُمَّ لِيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ " (رواه مسلم).

ومثال ذلك: رجل يصلى الظهر ثم شك: هل هو في الركعة الثالثة أو الرابعة؟ وترجح عنده أنها الثالثة؛ فيأتي بركعة، ثم يسلم، ثم يسجد للسهو ثم يسلم.

الأمر الثاني: إذا لم يترجح له أحد الأمرين فإنه ينبني على اليقين –وهو الأقل منهما- ويسجد قبل السلام، فعن أبي سعيد الخدري –رضي الله عنه- قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر كم صلى ثلاثاً أم أربعاً فليطرح الشك، وليبن على ما استيقن، ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم، فإن كان صلى خمساً شفعن له صلاته، وإن كان صلى إتماماً لأربع كانتا ترغيماً للشيطان " (رواه مسلم وأحمد).

ومثال ما استوى فيه الأمران: رجل يصلي الظهر فشك: هل هذه الركعة الثالثة، أو الرابعة؟ ولم يترجح عنده أنها الثالثة، أو الرابعة؛ فيبني على اليقين وهو الأقل، ويجعلها الثالثة، ثم يأتي بركعة ويسجد للسهو قبل أن يسلم.

4-  ترك التشهد الأوسط:

عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ مِنْ الرَّكْعَتَيْنِ فَلَمْ يَسْتَتِمَّ قَائِماً فَلْيَجْلِسْ، فَإِذَا اسْتَتَمَّ قَائِماً فَلَا يَجْلِسْ وَيَسْجُدْ سَجْدَتَيْ السَّهْو " (رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه).

ويقول الشيخ ابن عثيمين فيمن ترك التشهد الأوسط:

§        إن لم يذكر إلا بعد أن استتم قائماً فإنه يستمر في صلاته ولا يرجع للتشهد، ويسجد للسهو قبل السلام.

§        وإن ذكر بعد نهوضه وقبل أن يستتم قائماً فإنه يرجع ويجلس ويتشهد ويكمل صلاته، ويسجد للسهو قبل السلام.

§        إن ذكر قبل أن ينهض فخذيه عن ساقيه فإنه يستقر جالساً ويتشهد ثم يكمل صلاته، ولا يسجد للسهو؛ لأنه لم يحصل منه زيادة ولا نقص.

وينطبق على واجبات الصلاة ما ينطبق على حكم ترك التشهد الأوسط.

وسئل الشيخ ابن باز –رحمه الله–  ما حكم الصلاة في حالة نسيان الإمام الجلوس للتشهد الأول في الصلاة الثلاثية أو الرباعية، بعد أن اعتدل قائماً للركعة الثالثة، ففتح المصلون على الإمام فنزل إلى التشهد بعد الاعتدال؟

فأجاب: المشروع له بعد الاعتدال أن يمضي وأن يتابعوه ويسجد السهو، ولكنه رجع ولا يضر إن شاء الله، لو رجع يجلسون معه ويسجد السهو أيضاً، لكن الأفضل إذا استتم قائماً يمضي ويسجد السهو بعد ذلك سجدتين قبل أن يسلم، وهم يتابعونه، لكن لو تذكر بعد ما قام ورجع فإنهم يجلسون معه، وعليه سجود السهو، أما لو تذكر عند القيام، يلزمه الجلوس حتى يتم التشهد الأول وهم معه كذلك، لكن لو استتم قائماً فهذا هو محل كراهة عند بعض أهل العلم، وجاء في حديث عن المغيرة في هذا المعنى يدل على أنه يستمر قائماً ولا يرجع، أما إذا شرع في القراءة فليس له الرجوع، بل يستمر وعليه سجود السهو فقط، والحمد لله.

وقد لخص الشيخ ابن عثيمين أسباب سجود السهو في الجدول التالي:

م.

المســألـــة

حالتهـــا

موضع السجود

1.

في السلام قبل تمام الصلاة: (إذا سلم المصلي قبل تمام الصلاة ناسياً) .

إن ذكر بعد مضي زمن طويل أعاد الصلاة. وإن ذكر بعد زمن قليل كخمس دقائق فإنه يكمل صلاته ويسلم منها.

يسجد بعد السلام للسهو سجدتين ويسلم مرة ثانية

2.

في الزيادة في الصلاة : (إذا زاد المصلي في صلاته قياماً أو قعوداً أو ركوعاً أو سجوداً).

إن ذكر بعد الفراغ من الزيادة فليس عليه إلا السجود للسهو، وإن ذكر في أثناء الزيادة وجب عليه الرجوع عن الزيادة .

يسجد بعد السلام للسهو سجدتين ويسلم مرة ثانية

.3

في ترك الأركان: (إذا ترك ركن من أركان الصلاة غير تكبيرة الإحرام ناسياً) .

فإن وصل إلى مكانه من الركعة التي تليها لغت الركعة التي تركها وقامت التي تليها مقامها، وإن لم يصل إلى مكانة من الركعة التي تليها وجب عليه الرجوع إلى محل الركن المتروك ويأتي به وبما بعده

في كلتا الحالتين يسجد بعد السلام للسهو سجدتين ويسلم مرة ثانية

4.

في الشك في الصلاة: (إذا شك في عدد الركعات هل صلى ركعتين أو ثلاثاً فلا يخلو من حالتين)

الحالة الأولى: أن يترجح عنده أحد الأمرين فيعمل بالراجح ويتم عليه صلاته ثم يسلم

الحالة الثانية: ألا يترجح عنده أحد الأمرين فإنه يبني على اليقين وهو الأقل ثم يتم عليه

- يسجد للسهو بعد السلام ويسلم مرة ثانية في الحالة الأولى

- يسجد للسهو قبل السلام في الحالة الثانية

.5

في ترك التشهد الأول: (إذا ترك التشهد الأول ناسياً)، وحكم بقية الواجبات حكم التشهد الأول .

1-   إن لم يذكر إلا بعد أن استتم قائماً فإنه يستمر في صلاته ولا يرجع للتشهد .

2-   إن ذكر بعد نهوضه وقبل أن يستتم قائما فإنه يرجع ويجلس ويتشهد ويكمل صلاته .

3-   إن ذكر قبل أن ينهض فخذيه عن ساقيه فإنه يستقر جالساً ويتشهد ثم يكمل صلاته ولا يسجد للسهو لأنه لم يحصل منه زيادة ولا نقص .

يسجد للسهو قبل السلام

موضع سجود السهو: سجود السهو يجوز قبل السلام وبعده، وإنما خلاف العلماء في الأفضل من ذلك. وإذا أراد المصلي السجود بعد السلام فإنه إذا سلم التسليمتين يكبر ويسجد، ثم يكبر ويجلس كما يجلس بين السجدتين، ثم يسجد الثانية مكبراً، ثم يرفع رأسه مكبراً ثم يسلم تسليمتين.

مسألة: كيف ينبه المأموم الإمام حال سهوه؟

إذا سها الإمام فأتى بفعلٍ في غير موضعه، لزم المأمومين تنبيهه، فإذا كانوا رجالاً سبَّحوا قائلين: سبحان الله، وإن كانوا نساء صفَّقْن ببطون أكفِّهنَّ على ظهور الأخرى؛ روى البخاري ومسلم عن سهل بن سعد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إِذَا نَابَكُمْ مِنْ صَلاتِكُمْ شَيْءٌ فَلْيُسَبِّحِ الرِّجَالُ, وَيُصَفِّقِ النِّسَاءُ ". وهذا قول جمهور العلماء.

وأجاز بعض العلماء تنبيه المأموم للإمام بكلام؛ كأن يقول: زدت بركعة، أو نقصت؛ لأن هذا الكلام لمصلحة الصلاة، وعليه فإنه لا يبطلها.

مسألة: ماذا يفعل من نسي سجود السهو؟

قال الشيخ ابن عثيمين: " إذا نسي الإنسان سجود السهو حتى سلم فليسجد، أما إذا طال الفصل فإنه يسقط عنه عند أكثر العلماء، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: متى ذكر سجد، حتى لو مضت عليه ساعة، أو ساعتان، فإنه يسجد، ولكن الذي يظهر لي: أنه لا يسجد إذا طال الفصل، أما إذا كان أربع، أو خمس دقائق فيسجد، ويسلم ".

والمسألة الأخيرة في سجود السهو: إذا سها المأموم في صلاته هل يسجد سجود السهو وحده؟

لا يشرع للمأموم أن يسجد للسهو وراء الإمام؛ لما ثبت في حديث أبي هريرة عند أبي داود وأحمد في مسنده : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " الإمام ضامن "، وعليه إذا سها المأموم وراء الإمام ؛ فإنه الإمام يحمل عنه السهو، ولا يسجد المأموم للسهو لوحده عند تسليم الإمام.

قال الإمام النووي: " إذا سَهَا المأموم خلف الإمام تَحمَّل الإمام سهوَه ولا يسجد واحدٌ منهما بلا خلاف لحديث معاوية -رضي الله عنه- قال: "بينا أنا مع رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- إذ عطس رجلٌ من القوم فقلت: يرحمك الله، فحدقني القوم بأبصارهم فقلت: واثُكل أمِّياه، ما بالكم تنظرون إليَّ؟ فضرب القومُ بأيديهم على أفخاذهم، فلمَّا انصرف رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - دعاني - بأبي وأمِّي هو ما رأيت مُعَلِّماً أحسن تعليماً منه، والله ما ضربني ولا كرهني- قال: (إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيءٌ من كلام الناس إنما هي التسبيح والتكبير وقراءة القرآنرواه الإمام مسلم وأبو داود والنسائي، قال الشيخ أبو حامد: وبهذا قال جميع العلماء إلا مكحولاً فإنه قال: يسجد المأموم لسهو نفسه".

والراجح أنه لا سجود على المأموم إلا تبعاً لإمامه، فقد قال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-: ولا سجود على مأموم إلا تبعاً لإِمامه ".

ثانياً: سجود التلاوة:

مشروعيته: ثبتت مشروعية سجود التلاوة بالسُنَّة، فعن ابنِ مسعودٍ - رضي الله عنه - أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم   قرأ: ﴿ وَالنَّجْمِ ﴾ فسجد فيها، وسجدَ مَن كانَ معه " (رواه البخاري ومسلم).

وعن أبي رافعٍ قال: صلَّيتُ مع أبي هريرةَ العَتَمة فقرأَ: ﴿ إذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ ﴾، فسجد فيها، فقلتُ: ما هذه؟ فقال: سجدتُ بها خلف أبي القاسِمِ صلى الله عليه وسلم  ، فما أزالُ أسجدُ فيها حتَّى ألقاه " (رواه البخاري ومسلم).

فضله: عن أبي هريرة رضى الله عنه قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم : " إذا قرأ ابنُ آدمَ السَّجدةَ فسجد، اعتزلَ الشَّيطانُ يبكي، يقولُ: يا وَيْلَهُ، أُمِرَ بالسُّجودِ فسجَدَ؛ فله الجنَّةُ، وأُمِرْتُ بالسُّجود فعصيْتُ؛ فلِيَ النَّار" (رواه مسلم).

حكمه: ذهب جمهور الفقهاء إلى أن سجود التلاوة سنة للقارئ والمستمع؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم فعله وتركه، فدل ذلك على عدم الوجوب، فعن عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ -رَضِي اللَّه عَنْه- أنه قَرَأَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ عَلَى الْمِنْبَرِ بِسُورَةِ النَّحْلِ حَتَّى إِذَا جَاءَ السَّجْدَةَ نَزَلَ فَسَجَدَ وَسَجَدَ النَّاسُ، حَتَّى إِذَا كَانَتِ الْجُمُعَةُ الْقَابِلَةُ قَرَأَ بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءَ السَّجْدَةَ قَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا نَمُرُّ بِالسُّجُودِ فَمَنْ سَجَدَ فَقَدْ أَصَابَ وَمَنْ لَمْ يَسْجُدْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَسْجُدْ عُمَرُ رَضِي اللَّه عَنْهم، وَزَادَ نَافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِي اللَّهم عَنْهمَا إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَفْرِضِ السُّجُودَ إِلَّا أَنْ نَشَاءَ  (رواه البخاري).

غير أنه إذا لم يسجد القارئ لا يسجد المستمع؛ لأن المستمع تبع فيها القارئ، فقد جاء في صحيح البخاري أن زيد بن ثابت قرأ على النبي صلى الله عليه وسلم سورة النجم فلم يسجد فيها ولم يسجد النبي صلى الله عليه وسلم.

مواضعه:

مواضع سجود التلاوة في القرآن الكريم خمسة عشر موضعاً، فعَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ -رضي الله عنه- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقْرَأَهُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَجْدَةً فِي الْقُرْآنِ، مِنْهَا ثَلَاثٌ فِي الْمُفَصَّلِ وَفِي سُورَةِ الْحَجِّ سَجْدَتَانِ) (أخرجه الترمذي وأبو داود وابن ماجه ومالك)، وهي على الترتيب: (سورة الأعراف- الآية 206، سورة الرعد- الآية 15، سورة النحل- الآية 50، سورة الإسراء- الآية 109، سورة مريم- الآية 58، سورة الحج- الآية 18، سورة الحج- الآية 77، سورة الفرقان- الآية 60، سورة النمل- الآية 26، سورة السجدة- الآية 15، سورة ص- الآية 24، سورة فصلت- الآية 38، سورة النجم- الآية 62، سورة الانشقاق- الآية 21، سورة العلق- الآية 19).

صفته ودعاؤه:

إذا مر القارئ بآية فيها سجدة من سجدات التلاوة الخمسة عشر المذكورة أعلاه، يسجد سجدة واحدة، وصفة ذلك بأن يكبر ثم يسجد، ثم يكبر لرفعه من السجود، ودليل هذا التكبير أنه قد ورد عنه عليه الصلاة والسلام أنه كان يكبر في كل خفض ورفع.

ويقال فيه أحد الأدعية التالية:

1-  عن عائشةَ -رضي الله عنها- قالت: كانَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يقولُ في سجودِ القُرآن: سجدَ وجهي للَّذي خلقَه، وشقَّ سمعَه وبصرَه بحولِهِ وقوَّتِه، فتبارَكَ اللهُ أحسنُ الخالِقين. (رواه الترمذي وأبو داود والنسائي وصححه الألباني).

2-  عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، رأيتني الليلة وأنا نائم كأني أصلي خلف شجرة، فسجدت، فسجدت الشجرة لسجودي، فسمعتها تقول: اللهم اكتب لي بها عندك أجراً، وضع عني بها وزراً، واجعلها لي عندك ذخراً، وتقبلها مني كما تقبلتها من عبدك داود . قال ابن عباس : فقرأ النبي صلى الله عليه وسلم سجدة ثم سجد، فسمعته وهو يقول مثل ما أخبره الرجل عن قول الشجرة. (رواه الترمذي ، وابن ماجه )

3-  يجوز أيضاًَ أن يقول فيها: سبحان ربي الأعلى كما في سجود الصلاة، فقد أشار إلى ذلك الإمام أحمد فقال: " أما أنا فأقول: سبحان ربي الأعلى".

ما يشترط فيه: ذهب جمهور العلماء إلى أن سجود التلاوة يشترط فيه ما يشترط للصلاة من الطهارة واستقبال القبلة وسائر الشروط، وهذا هو الأفضل والأكمل. بينما ذهب غيرهم إلى عدم اشتراط ذلك؛ لأن السجود ليس بصلاة، ورجح ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية.

مسألة: هل لسجود التلاوة تسليم؟

اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:

1-  وقول جمهور أهل العلم وهو الراجح، أن التسليم لا يُشرع لسجود التلاوة لأنه لم ينقل عن النبي صلي الله عليه وسلم أنه فعله، وقد صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" (متفق عليه). وفي رواية مسلم: "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد". قال ابن قدامة في المغني: " قال ابن المنذر: قال أحمد، أما التسليم فلا أدري ما هو. قال النخعي، والحسن، وسعيد بن جبير، ويحيى بن وثاب: ليس فيه تسليم وروي ذلك عن أبي حنيفة ".

2-  ذهب الشافعية إلى السلام لسجود التلاوة، وعليه من سلم من سجود التلاوة لا يُنكر عليه ذلك.

مسألة: من مر بآية سجدة تلاوة في الصلاة، أيسجد أم لا؟

يستحب لمن قرأ آية فيها سجدة تلاوة في صلاته أن يسجد من غير فرق بين الفريضة والنافلة، وسواءً أكان منفرداً أم في جماعة، في صلاة سرية أم جهرية. لكن يكره أن يكره أن يقرأ بها الإمام في الصلاة السرية ويسجد بها لما يخشى من الاختلاط على المأمومين، وهذا مذهب جمهور العلماء.

وعليه فإنه غير واجب عليه السجود فإما أن يسجد بها أو لا، والمأموم في الصلاة تابع للإمام في سجود التلاوة إن سجد تابعه على السجود وإن ترك لم يسجد لأنه مأمور بمتابعته ومنهي عن مخالفته.

وقد سئل فضيلة الشيخ ابن عثيمين: إذا سجد الإمام للتلاوة فظن المأموم أن الإمام ركع فركع فما الحكم؟

فأجاب فضيلته بقوله: " إذا سجد الإمام للتلاوة فظن المأموم أنه ركع ثم ركع بناء على أن الإمام قد ركع ، فلا يخلو من حالتين:

إحداهما: أن يعلم بأن الإمام ساجد وهو راكع، ففي هذه الحالة يجب عليه أن يسجد اتباعاً لإمامه.

الحالة الثانية: أن لا يشعر أن الإمام ساجد إلا بعد أن يقوم من السجدة، وحينئذ نقول للمأموم الذي ركع ارفع الآن وتابع الإمام واركع مع إمامك واستمر، وسجود التلاوة سقط عنك حينئذ، لأن سجود التلاوة ليس ركناً في الصلاة حتى يحتاج أن تأتي به بعد إمامك، وإنما يجب عليك متابعة للإمام، والمتابعة هنا قد فاتت فهي سنة قد فات محلها وتستمر في صلاتك ".

مسألة: إذا كانت السجدة آخر السورة، ماذا يفعل؟

إذا قرأ سجدة التلاوة في الصلاة، وكانت آخر السورة، فهو مخير بين ثلاثة أمور:

1-  أن يسجد سجدة التلاوة ثم يقوم فيقرأ سورة أخرى ثم يركع.

2-  أن يسجد ثم يكبر فيقوم، ثم يركع من غير زيادة قراءة.

3-  أن لا يسجد سجود التلاوة ويركع مباشرة؛ لأن سجود التلاوة سنة وليس واجباً.

والمسألة الأخيرة في سجود التلاوة: هل يجوز الاكتفاء بالتسبيح: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر لا حول ولا قوة إلا بالله أو غيره من التسابيح عوضاً عن السجود للتلاوة؟

         لا يصح الإتيان بالتسبيح أو شيء من الأذكار بدلاً من السجود ، بل هذا من البدع المحدثة التي ينبغي النهي عنها. فعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ "(متفق عليه).

       وَسُئِلَ ابن حجر رحمه الله عن قول بعضهم: (سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَك رَبَّنَا وَإِلَيْك الْمَصِيرُ) عِنْدَ تَرْكِ السُّجُودِ لِآيَةِ السَّجْدَةِ لِحَدَثٍ أَوْ عَجْزٍ عَنْ السُّجُودِ؟

فَأَجَابَ: " إنَّ ذَلِكَ لَا أَصْلَ لَهُ . فَلَا يَقُومُ مَقَامَ السَّجْدَةِ ، بَلْ يُكْرَهُ لَهُ ذَلِكَ إنْ قَصَدَ الْقِرَاءَةَ لأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ فِيهِ شَيْءٌ".

       وسئل الشيخ ابن عثيمين رحمه الله : عندما نقرأ في كتاب الله وتمر علينا سجدة ، ونحن في مكان غير المسجد والمصلى، كالمدرسة وغيرها نقول (لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير) أربع مرات، فهل يجوز ذلك أم لا ؟ وإذا كان لا يجوز فماذا نفعل؟

فأجاب: " إذا مر القارئ بآية سجدة، فإن كان في محل يمكنه فيه السجود فليسجد استحباباً ، ولا يجب السجود على القول الراجح ؛ لأنه ثبت عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، أنه قرأ وهو يخطب يوم الجمعة آية السجدة فنزل وسجد، ثم قرأها في الجمعة الثانية فلم يسجد وقال: (إن الله لم يفرض علينا السجود إلا أن نشاء) وإذا لم يسجد فإنه لا يقول شيئاً بدل السجود؛ لأن ذلك بدعة، ودليله أن زيد بن ثابت قرأ عند النبي صلى الله عليه وسلم سورة النجم فلم يسجد فيها، ولم يعلمه النبي صلى الله عليه وسلم شيئاً يقوله بدلاً من السجود".

ثالثاً: سجود الشكر:

تعريفه: هو سجدة واحدة يسجدها الانسان المسلم إذا حلت عليه نعمة أو اندفعت عنه نقمة شكراً لله تبارك وتعالى.

دليل مشروعيته: روى أبو داود، وغيره، عن أبي بكرةَ ـ رضي الله عنه ـ عن النبي صلى الله عليه وسلم: " أنه كان إذا جاءه أمر سرور، أو بشر به خرَّ ساجدًا شاكراً لله ".

ما يقال فيه: المشروع في هذه السجدة التسبيح، والشكر، والحمد بأي صيغة كانت، ويحمد الله تعالى على النعمة، أو اندفاع النقمة؛ لأن المقام مقام حمد وشكر وثناء، قال الشيخ ابن باز رحمه الله: " سجود الشكر يقال فيه ما يقال في سجود الصلاة: سبحان ربي الأعلى، سبحان ربي الأعلى، سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي، سبوح قدوس رب الملائكة والروح، ويدعو فيه بما يسر الله من الدعوات الطيبة، ويشكر الله في سجود الشكر زيادة، يشكر الله على النعمة التي بلغته ...".

ما يشترط فيه: لا يشترط له الطهارة ولا استقبال القبلة؛ لأنه ليس بصلاة، ولكن يستحب ذلك.         قال الإمام النووي في المجموع: "ويفتقر سجود الشكر إلى شروط الصلاة وحكمه في الصفات وغيرها حكم سجود التلاوة خارج الصلاة ".


الدرس العاشر

الصلوات المسنونة

أولاً: صلاة الضحى:

تعريفها ووقتها: الضحى عند الفقهاء: ما بين ارتفاع الشمس إلى زوالها، وهي صلاة مسنونة يبتدئ وقتها بعد قُرابة ربع ساعة من طلوع الشمس، وتنتهي حين يقوم قائم الظهيرة ‏وقت الزوال، وذلك قبل دخول وقت صلاة الظهر بنحو ربع ساعة أو أكثر قليلاً.

وأفضل وقتها: أن تؤخر إلى أن يشتد الحر، لحديث زيد بن أرقم أن النبي  صلى الله عليه وسلم قال: "صلاة الأوَّابين حين تَرْمِضُ الفصال" (رواه مسلم وأحمد). ومعناه: أن تحمى الرمضاء –وهي الرمل- فتجد هذه الحرارة الفصالُ (صغارُ الإبل) بخفافها.

فضلها والحث عليها: ثبتت أحاديث كثيرة في فضلها وحث النبي صلى الله عليه وسلم عليها، ومن ذلك:

1-   حديث أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يُصبح على كلِّ سُلامى من أحدكم صدقة، فكل تسبيحة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهى عن المنكر صدقة، ويجزئ من ذلك ركعتان يركعهما من الضحى" (رواه مسلم وأبو داود وأحمد).

2-   عن بريدة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " في الإنسان ستون وثلاثمائة مفصل، عليه أن يتصدق عن كل مفصل منها صدقة» قالوا: فمن الذي يطيق يا رسول الله؟ قال: "النخامة في المسجد يدفنها، أو الشيء ينحيه عن الطريق، فإن لم يقدر فركعتا الضحى تجزئ عنه" (رواه أبو داود وأحمد).

والحديثان يدلاَّن على عظم فضل صلاة الضحى وكبر موقعها، وتأكد مشروعيتها، وأن ركعتيها تجزيان عن ثلاثمائة وستين صدقة، وما كان كذلك فهو حقيق بالمواظبة والمداومة.

3-   حديث أبي هريرة قال: " أوصاني خليلي صلى الله عليه وسلم بثلاث: صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وركعتي الضحى، وأن أوتر قبل أن أرقد " (رواه البخاري ومسلم).

4-   حديث معاذة العدوية قالت: قلت لعائشة: أكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الضحى؟ قالت: "نعم، أربعاً ويزيد ما شاء" (رواه مسلم وابن ماجه).

عدد ركعاتها:

لا خلاف في أن أقلهَّا ركعتان، لكن اختلف العلماء في أكثرها صلاة الضحى على ثلاثة أقوال:

الأول: أكثرها ثمان ركعات: وهو مذهب المالكية والشافعية والحنابلة.

الثاني: أكثرها اثنتا عشرة ركعة: وهو مذهب الحنفية.

الثالث: لا حد لعدد ركعاتها: وهو مروي عن جماعة من السلف.

ثانياً: صلاة الاستخارة:

       من أراد أمراً من الأمور المباحة، والتبس عليه وجه الخير والصواب فيه، فإنه يُسَنُّ له أن يصلي ركعتين من غير الفريضة –أية ركعتين ولو من السنن الرواتب- ثم يدعو عقبهما بالدعاء الوارد في الحديث الآتي:

عن جابر بن عبد الله قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم  يعلِّمنا الاستخارة في الأمور كلها، كما يعلمنا السورة من القرآن، يقول: " إذا هَمَّ أحدكم بالأمر، فليركع ركعتين من غير الفريضة، ثم ليقُلْ: «اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقُدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علاَّم الغيوب، اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر [ويُسمِّي حاجته] خيراً لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري (أو قال: عاجله وآجله) فاقدره لي ويسَّره لي، ثم بارك لي فيه. وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شرٌّ لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري (أو قال: عاجله وآجله) فاصْرِفْهُ عنِّي واصرفني عنه، واقدر لي الخير حيث كان ثم ارضني به " (رواه البخاري والترمذي وأبو داود والنسائي وابن ماجه).

       ومن الجدير الانتباه إلى التنبيهات التالية:

1-  الاستخارة إنما تشرع عند الهمِّ بأمر مباح، فلا تشرع في المستحبات إلا في التخيير بينهما، ولا تشرع في الواجبات والمحرمات.

2-  ينبغي أن يفعل بعد الاستخارة ما ينشرح له، فلا ينبغي أن يعتمد على انشراح كان له فيه هوى قبل الاستخارة، بل ينبغي للمستخير ترك اختياره رأساً وإلا فلا يكون مستخيراً لله، بل يكون مستخيراً لهواه.

3-  ليس من شرط الاستخارة أن يرى صاحبها رؤيا في منامه كما يعتقده كثير من العوام، وإنما تكون بما ينشرح له الصدر، أو يؤول له الأمر بطبيعته وفق ما اختاره الله تعالى.

4-  ربما جاء اختيار الله تعالى للعبد على غير هواه، أو على ما يراه –هو- شرًا فعليه أن يستسلم لله ولأمره {وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} (سورة البقرة: 2016).

5-  الاستخارة دعاء فلا بأس بتكرارها.

مسألة: متى وقت دعاء الاستخارة قبل السلام أم بعده؟

العلماء مختلفون في وقت دعاء الاستخارة، وقول الجمهور إن الدعاء بعد السلام أفضل، وإن كان لو دعا قبل السلام أجزأه ذلك. ورجح الشيخ ابن عثيمين رحمه الله الدعاء بعد السلام فقد قال ما لفظه: "والدعاء يكون بعد السلام كما دل عليه قوله (فليصل ركعتين من غير الفريضة ثم ليقل) وهذا صريح في الترتيب أن الدعاء يكون بعد صلاة الركعتين وأما الدعاء في غير الاستخارة فالأفضل لمن أراد أن يدعو الله عز وجل بشيء أن يدعوه قبل أن يسلم ".

ثالثاً: صلاة الحاجة:

دليل مشروعيتها وحكمها: ورد في سنن الترمذي وابن ماجه وغيرهما من حديث عبد الله بن أبي أوفى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من كانت له إلى الله حاجة أو إلى أحد من بني آدم فليتوضأ فليحسن الوضوء ثم ليصل ركعتين ثم ليثن على الله وليصل على النبي صلى الله عليه وسلم ثم ليقل لا إله إلا الله الحليم الكريم سبحان الله رب العرش العظيم الحمد لله رب العالمين أسألك موجبات رحمتك وعزائم مغفرتك والغنيمة من كل بر والسلامة من كل إثم لا تدع لي ذنبا إلا غفرته ولا هما إلا فرجته ولا حاجة هي لك رضا إلا قضيتها يا أرحم الراحمين " زاد ابن ماجه في روايته " ثم يسأل الله من أمر الدنيا والآخرة ما شاء فإنه يقدر".

فهذه الصلاة بهذه الصورة سماها أهل العلم صلاة الحاجة. وقد اختلف أهل العلم في العمل بهذا الحديث بسبب اختلافهم في ثبوته، فعامة الفقهاء يرى بصحتها واستحبابها، ونقل مؤلفو الموسوعة الفقهية اتفاق الفقهاء على مشروعيتها، وإنما اختلفوا في صفتها، جاء في الموسوعة الفقهية: " اتفق الفقهاء على أن صلاة الحاجة مستحبة ... واختلف في عدد ركعات صلاة الحاجة، فذهب المالكية والحنابلة ـ وهو المشهور عند الشافعية وقول عند الحنفية ـ إلى أنها ركعتان، والمذهب عند الحنفية أنها أربع ركعات، وفي قول عندهم ـ وهو قول الغزالي ـ إنها اثنتا عشرة ركعة، وذلك لاختلاف الروايات الواردة في ذلك، كما تنوعت صيغ الدعاء لتعدد الروايات ".

ويرى بعض أهل العلم عدم صحتها ومنهم ابن عثيمين وابن باز رحمهما الله، وقد سئل الشيخ ابن عثيمين عن حكم صلاة الحاجة، فأجاب: " صلاة الحاجة هي أخت صلاة التسبيح أيضاً لم يصح فيها عن النبي صلى الله عليه وسلم شيء والإنسان إذا احتاج إلى ربه في حاجة وهو محتاجٌ إلى ربه دائماً فليسأل الله سبحانه وتعالى على الصفات المعروفة الصحيح الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم والمعروفة بين الأمة، أما هذه الصلاة فلا أصل لها صحيحاً يرجع إليه فلا ينبغي للإنسان المسلم أن يقوم بها.

وقتها: فلم يرد نص بخصوص وقت معين لأدائها، وعليه فإنها تأخذ حكم نوافل الصلوات فيجوز أداؤها ليلاً أو نهاراً في أي وقت، سوى أوقات النهي أو الكراهة، ويفضل فعلها في الأوقات الفاضلة كجوف الليل وغيره.

عدد ركعاتها: اختلف في عدد ركعات صلاة الحاجة، فذهب المالكيّة والحنابلة، وهو المشهور عند الشّافعيّة، وقول عند الحنفيّة إلى أنّها ركعتان، والمذهب عند الحنفيّة أنّها‏:‏ أربع ركعات، وفي قول عندهم وهو قول الغزاليّ‏:‏ إنّها اثنتا عشرة ركعة. وعليه فإن مذهب الجمهور هو أن صلاة الحاجة ركعتان.

رابعاً: صلاة التسبيح أو التسابيح:

تعريفها: صلاة التسبيح أو التسابيح: نوع من صلاة النفل تفعل على صورة خاصة يأتي بيانها، وإنما سميت «صلاة التسبيح أو التسابيح» لما فيها من كثرة التسبيح، ففيها في كل ركعة خمس وسبعون تسبيحة.

حكمها: اختلف أهل العلم في حكمها لاختلافهم في ثبوت الحديث الوارد فيها وهو:

حديث ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للعباس بن عبد المطلب: " يا عباس يا عماه ألا أعطيك ألا أمنحك ألا أحبوك ألا أفعل بك؟ عشر خصال إذا أنت فعلت ذلك غفر الله لك ذنبك أوله وآخره قديمه وحديثه خطأه وعمده صغيره وكبيره سره وعلانيته، عشر خصال أن تصلي أربع ركعات تقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب وسورة فإذا فرغت من القراءة في أول ركعة وأنت قائم قلت سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر خمس عشرة مرة ثم تركع فتقولها وأنت راكع عشرًا ثم ترفع رأسك من الركوع فتقولها عشرًا ثم تهوي ساجدًا فتقولها وأنت ساجد عشرًا ثم ترفع رأسك من السجود فتقولها عشرًا ثم تسجد فتقولها عشرًا ثم ترفع رأسك فتقولها عشرًا، فذلك خمس وسبعون في كل ركعة، تفعل ذلك في أربع ركعات، إن استطعت أن تصليها في كل يوم مرة فافعل فإن لم تفعل ففي كل جمعة مرة فغن لم تفعل ففي كل شهر مرة فإن لم تفعل ففي كل سنة مرة فإن لم تفعل ففي عمرك مرة " (رواه أبو داود وابن ماجه).

       وقد اختلف أهل العلم في حكمها على ثلاث أقوال:

الأول: أنها مستحبة: وبه قال ابن المبارك وغير واحد من أهل العلم، وبعض الشافعية وهؤلاء صححوا الحديث فقالوا به.

الثاني: أنها لا بأس بها (جائزة): وبه قال بعض الحنابلة، قالوا: لو لم يثبت الحديث فيها فهي من فضائل الأعمال فيكفي فيها الحديث الضعيف.

الثالث: أنها غير مشروعة وهو مذهب الإمام أحمد، فقد قال: ما تعجبني، قيل له: لم؟ قال: ليس فيها شيء يصح، ونفض يده كالمُنكر. ورجح شيخ الإسلام ابن تيمية وابن عثيمين وابن باز عدم صحة صلاة التسابيح.

وقد صحح صلاة التسبيح الإمام مسلم، وصححها جمع، وألف في تصحيحها ابن ناصر الدين كتابه (الترجيح في صلاة التسابيح)، فجمع جميع طرق صلاة التسابيح، وصحح إمام هذا العصر في الحديث الشيخ الألباني رحمه الله حديث صلاة التسابيح في صحيح الترغيب وقال عنه: صحيح لغيره.

خامساً: صلاة الكسوف والخسوف:

تعريفها: هي صلاة تؤدى بكيفية مخصوصة عند ذهاب ضوء أحد النيِّرين (الشمس والقمر) أو بعضه، وتغيُّره إلى سواد، والخسوف مرادف للكسوف، وقيل: الكسوف للشمس، والخسوف للقمر.

حكمها: ذهب جمهور أهل العلم إلى أن الصلاة لكسوف الشمس أو خسوف القمر سنة مؤكدة وتصلى جماعة على الرأي الراجح.

وقتها: وقت صلاة الكسوف من ظهور الكسوف إلى حين زواله، لحديث المغيرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتموها فادعوا الله، وصلوا حتى ينجلي... " (رواه البخاري ومسلم).

فواتها: تفوت صلاة كسوف الشمس بأحد أمرين: انجلاء جميعها، فإن انجلى بعضها جاز الشروع في الصلاة للباقي. وغروبها كاسفة.

وتفوت صلاة خسوف القمر بأحد أمرين: الانجلاء الكامل. وطلوع الشمس.

ما يستحب لمن رأى الكسوف أو الخسوف:

1-  الإكثار من الذكر والاستغفار والتكبير والصدقة وسائر القُرَب: ففي حديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "... فإذا رأيتم ذلك فادعوا الله وكبِّرا وصلُّوا وتصدقوا... " (رواه البخاري ومسلم).

2-  الخروج للصلاة جماعة في المسجد، لما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم .

3-  النداء للصلاة بـ«الصلاة جامعة» من غير أذان ولا إقامة: فعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: "لما كسفت الشمس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم نودي: إن الصلاة جامعة" (رواه البخاري ومسلم). وليس لها أذان ولا إقامة اتفاقًا.

4-  الخطبة بعد الصلاة: يُسَنُّ أن يخطب لها بعد الصلاة كخطبة العيد، لحديث عائشة: إن النبي صلى الله عليه وسلم لما فرغ من الصلاة قام وخطب الناس، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: «إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله عز وجل، لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك فادعوا الله وكبِّروا وصلُّوا وتصدقوا» (رواه البخاري ومسلم). وهذا مذهب الشافعي وإسحاق وأكثر أهل الحديث.

كيفية صلاة الكسوف:

لا خلاف بين أهل العلم في أن صلاة الكسوف ركعتان، وإنما اختلفوا في كيفيتها على أقوال، أشهرها قولان:

الأول: أنها ركعتان، في كل ركعة قيامان وقراءتان وركوعان وسجدتان، وهو قول الجمهور وهو الرأي الراجح.

الثاني: أنها ركعتان، في كل ركعة قيام واحد وركوع واحد وسجدتان كسائر النوافل: وهو مذهب أبي حنيفة.

والراجح قول الجمهور، وقد قال العلامة الألباني: " ... وخلاصة القول في صلاة الكسوف أن الصحيح الثابت فيها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما هو ركوعان في كل ركعة من الركعتين، جاء ذلك عن جماعة من الصحابة في أصح الكتب والطرق والروايات، وما سوى ذلك: إما ضعيف أو شاذ لا يحتج به".

خلاصة صفة صلاة الكسوف:

1- أن يكبِّر، ويستفتح، ويستعيذ، ويقرأ الفاتحة، ويقرأ ما تيسر من القرآن.

2- يركع ركوعًا طويلاً.

3- يرفع من الركوع، ويقول: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد.

4- لا يسجد، بل يقرأ الفاتحة وسورة دون الأولى.

5- يركع مرة أخرى ركوعاً طويلاً، هو دون الركوع الأول.

6- يرفع من الركوع ويقول: سمع الله لمن حمد، ربنا ولك الحمد.

7- يسجد ثم يجلس ثم يسجد.

8- يقوم إلى الركعة الثانية، ويفعل مثل ما فعل في الأولى.

المسبوق في صلاة الكسوف:

من فاتته الركعة الأولى من صلاة الكسوف قام بعد سلام الإمام وأتى بركعة مشتملة على قيامين وركوعين، لكن اختلف أهل العلم هل يحصل إدراك الركعة بإدراك الركوع الأول أو الثاني منهما، فعند الحنابلة والشافعية المعتبر في ذلك هو إدراك الركوع الأول وهذا ما رجحه الشيخ ابن عثيمين ورجحته اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء التي كان يرأسها الشيخ ابن باز.

يقول الإمام النووي في المجموع: "المسبوق إذا أدرك الإمام في الركوع الأول من الركعة الأولى فقد أدرك الركعة كلها ويسلم مع الإمام كسائر الصلوات وإن أدركه في الركوع الأول من الركعة الثانية فقد أدرك الركعة، فإذا سلم الإمام قام فصلى ركعة أخرى بركوعين وقيامين كما يأتي بها الإمام, وهذا لا خلاف فيه ، ولو أدركه في الركوع الثاني من إحدى الركعتين فالمذهب الصحيح الذي نص عليه الشافعي في البويطي واتفق الأصحاب على تصحيحه، وقطع به كثيرون منهم أو أكثرهم أنه لا يكون مدركا لشيء من الركعة، كما لو أدرك الاعتدال في سائر الصلوات ".

سادساً: صلاة العيدين:

حكمها ودليل مشروعيتها: صلاة العيد سنة مؤكدة، لحديث أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- قَالَ: " كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْرُجُ يَوْمَ الْفِطْرِ وَالْأَضْحَى إِلَى الْمُصَلَّى فَأَوَّلُ شَيْءٍ يَبْدَأُ بِهِ الصَّلاةُ ثُمَّ يَنْصَرِفُ فَيَقُومُ مُقَابِلَ النَّاسِ وَالنَّاسُ جُلُوسٌ عَلَى صُفُوفِهِمْ فَيَعِظُهُمْ وَيُوصِيهِمْ وَيَأْمُرُهُمْ فَإِنْ كَانَ يُرِيدُ أَنْ يَقْطَعَ بَعْثًا قَطَعَهُ أَوْ يَأْمُرَ بِشَيْءٍ أَمَرَ بِهِ ثُمَّ يَنْصَرِفُ " (رواه البخاري).

وقتها: ووقت صلاة العيد كوقت صلاة الضحى، يبتدئ بعد ارتفاع الشمس قدر رمح أي بعد حوالي ربع ساعة من طلوع الشمس وينتهي بزوال الشمس أي قبل أذان الظهر بربع أو ثلث ساعة.

ويستحب تعجيل صلاة عيد الأضحى، وتأخير صلاة عيد الفطر،  لما أخرجه الحسن بن أحمد البناء، من حديث جُندُب قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي بنا الفطر، والشمس قدر رمحين ، والأضحى على قدر رمح ". قال ابن قدامة: ويسن تقديم الاضحى ليتسع وقت الضحية وتأخير الفطر ليتسع وقت إخراج صدقة الفطر

مكانها: صلاة العيد يجوز أن تؤدى في المسجد، لكن أداءها في المصلى خارج البلد أفضل (ما عدا مكة، فإن صلاة العيد في المسجد الحرام أفضل) ما لم يكن هناك عذر كمطر ونحوه، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم  كان يصلي العيد في المصلى، ولم يصل العيد في مسجده إلا مرة لعذر المطر .وعليه يسن أن تصلى صلاة العيد في العراء.

كيفيتها: صلاة العيد ركعتان، يكبر في الأولى تكبيرة الإحرام ثم يكبر بعدها سبع تكبيرات على رأي الشافعية أو ست تكبيرات على رأي المالكية والحنابلة وكله صحيح بإذن الله، ثم يقرأ الفاتحة، ويقرأ ما تيسر من القرآن، ويسن أن يقرأ سورة (ق) في الركعة الأولى، وفي الركعة الثانية يقوم مكبراً تكبيرة القيام، ثم يكبر بعدها خمس تكبيرات، ويقرأ سورة الفاتحة، ثم سورة القمر فهاتان السورتان كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ بهما في العيدين، وإن شاء قرأ في الأولى بسورة الأعلى، وفي الثانية بسورة الغاشية. ثم يتم صلاته، فإذا سلم من الصلاة؛ خطب خطبتين، يجلس بينهما؛ لما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم .

ومن أحكام العيد أن الصلاة قبل الخطبة لحديث جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: "إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ يَوْمَ الْفِطْرِ فَبَدَأَ بِالصَّلاةِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ" (رواه البخاري ومسلم)، ومما يدلّ على أن الخطبة بعد الصلاة حديث أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- قَالَ: " كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْرُجُ يَوْمَ الْفِطْرِ وَالْأَضْحَى إِلَى الْمُصَلَّى فَأَوَّلُ شَيْءٍ يَبْدَأُ بِهِ الصَّلاةُ ثُمَّ يَنْصَرِفُ فَيَقُومُ مُقَابِلَ النَّاسِ وَالنَّاسُ جُلُوسٌ عَلَى صُفُوفِهِمْ فَيَعِظُهُمْ وَيُوصِيهِمْ وَيَأْمُرُهُمْ، فَإِنْ كَانَ يُرِيدُ أَنْ يَقْطَعَ بَعْثًا قَطَعَهُ أَوْ يَأْمُرَ بِشَيْءٍ أَمَرَ بِهِ ثُمَّ يَنْصَرِفُ " (رواه البخاري).

ملاحظة: استحب أحمد والشافعي الفصل بين كل تكبيرتين بذكر الله مثل أن يقول سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر. وقال أبو حنيفة ومالك يكبر متواليا من غير فصل بين التكبير بذكر.

عدم الأذان والإقامة في العيدين:

قال ابن القيم : كان صلى الله عليه وسلم إذا انتهى إلى المُصلى ، أخذ في الصلاة غير أذان ولا إقامة، ولا قول (الصلاة جامعة). والسنة لا يفعل شيء من ذلك. وعن ابن عباس وجابر رضي الله عنهما قالا: لم يكن يؤذن يوم الفطر ولا يوم الأضحى. (متفق عليه).

هل تشرع صلاة تحية المسجد في مصلي العيد؟

‏إذا صلى المسلمون صلاة العيد في العراء، فلا يشرع لمن أتى المصلى أن يصلي تطوعاً، لا تحية المسجد ولا غيرها؛ وذلك عملاً بما في الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنهما‏:‏ " ‏أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج يوم عيد الفطر فصلى ركعتين لم يصل قبلهما ولا بعدهما‏"‏ (رواه البخاري ومسلم). وإن أقيمت صلاة العيد في أحد المساجد فلا بأس بصلاة تحية المسجد عند الدخول.

المسبوق في صلاة العيد:

       من فاتته التكبيرات الزوائد مع الإمام في صلاة العيدين وأدركه في القراءة فإنه يكبر للإحرام ويأتي بالزوائد، وهو مذهب الحنفية والمالكية، وعند الشافعية والحنابلة إن حضر المأموم وقد سبقه الإمام بالتكبيرات أو ببعضها لم يتدارك شيئا مما فاته، لأنه ذكر مسنون فات محله.

وقد سئل الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى: ما الحكم لو أدركت الإمام وهو يصلي العيد وكان يكبر التكبيرات الزوائد، هل أقضي ما فاتني أم ماذا أعمل؟ فأجاب: "إذا دخلت مع الإمام في أثناء التكبيرات، فكبر للإحرام أولاً، ثم تابع الإمام فيما بقي، ويسقط عنك ما مضى".

وسئل فضيلة الشيخ ابن عثيمين أيضاً: ما الحكم لو أدرك الإمام أثناء التكبيرات الزوائد في صلاة العيد؟ فأجاب فضيلته بقوله: "سبق الجواب عليه إذا أدركه في أثنائه، أما إذا أدركه راكعاً فإنه يكبر للإحرام فقط، ثم يركع، وإذا أدركه بعد فراغه من التكبير فإنه لا يقضيه لأنه فات".

       أما من فاته ركعة منها فإنه يدخل مع الإمام فيما بقي، وإذا سلم الإمام يقوم ويأتي بركعة ثانية بتكبيراتها الخمس؛ لأن القضاء مثل الأداء، وهذا الأفضل، وإن قضاها كسائر الصلوات بدون التكبيرات الخمس واكتفى بالتكبيرة التي يقوم بها من جلوسه بعد سلام إمامه فلا بأس، ولا حرج عليه، وهذا ما أفتت به اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء برئاسة الشيخ ابن باز رحمه الله.

اجتماع العيد والجمعة في يوم واحد:

للعلماء عند اجتماع العيد والجمعة في يوم واحد عدة أقوال:

الأول: أن الجمعة واجبة على كل من صلى العيد، وهو قول أبي حنيفة ورواية عند مالك وهو اختيار ابن حزم وابن المنذر وابن عبد البر، مستدلين بالأدلة العامة على وجوب الجمعة.

الثاني: الرخصة لأهل البر والبوادي في ترك الجمعة وصلاتها ظهراً، وهو قول الشافعي ورواية عند مالك وقد استدلوا بما رواه أبو عبيد قال: شهدت العيد مع عثمان بن عفان، وكان ذلك يوم الجمعة فصلى قبل الخطبة ثم خطب فقال: " يا أيها الناس إن هذا اليوم قد اجتمع لكم فيه عيدان فمن أحب أن ينتظر الجمعة من أهل العوالي فلينتظر ومن أحب أن يرجع فقد أذنت له " (رواه البخاري). وأهل العوالي: هم الذين تقع منازلهم خارج المدينة .

الثالث: إن من شهد العيد سقطت عنه فرضية الجمعة ويصلي الظهر، ولكن على الإمام أن يقيم الجمعة ليشهدها من شاء شهودها، ومن لم يشهد العيد، وهو قول الإمام أحمد واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وبه قال الشعبي والنخعي والأوزاعي والصنعاني والشوكاني. واستدلوا بما رواه أبو داود في سننه عن إياس بن أبي رملة الشامي، قال شهدت معاوية بن أبي سفيان وهو يسأل زيد بن أرقم قال أشهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عيدين اجتمعا في يوم ؟ قال نعم، قال فكيف صنع ؟ قال صلى العيد ثم رخص في الجمعة ، فقال: "من شاء أن يصلي فليصل". وبما رواه أبو داود في سننه أيضاً عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " قد اجتمع في يومكم هذا عيدان، فمن شاء أجزأه من الجمعة، وإنا مجمعون" ، فدل ذلك على الترخيص في الجمعة لمن صلى العيد في ذلك اليوم، وربما اجتمعا في يوم فقرأ بهما فيهما، ومن لم يحضر الجمعة ممن شهد صلاة العيد وجب عليه أن يصلي الظهر ، عملاً بعموم الأدلة الدالة على وجوب صلاة الظهر على من لم يصل الجمعة .وهذا ما أفتت به اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، وبذلك قال الشيخ ابن عثيمين وهو (القول الراجح).

قضاء صلاة العيد:

       من فاتته صلاة العيد مع الإمام وأحب أن يؤديها في وقتها الذي يمتد للزوال -أي قبل صلاة الظهر بربع أو ثلث ساعة- استحب له ذلك، فيصليها على صفتها من دون خطبة بعدها، فقد روي عن أنس -رضي الله عنه- أنه كان إذا فاتته صلاة العيد مع الإمام جمع أهله ومواليه، ثم قام عبد الله بن أبي عتبة مولاه فيصلي بهم ركعتين، يكبر فيهما. ولمن حضر يوم العيد والإمام يخطب أن يستمع الخطبة ثم يقضي الصلاة بعد ذلك حتى يجمع بين المصلحتين كما بينت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء التي كان يرأسها الشيخ ابن باز رحمه الله.

       أما من فاتته صلاة العيد حتى خرج وقتها، فقد اختلف فيه أهل العلم فمنهم من قال: إنها تقضى على صفتها في وقتها من الغد، حيث قال ابن عمير بن أنس: حدثني عمومتي من الأنصار، من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: أعمي علينا هلال شوال، وأصبحنا صياماً، فجاء ركب في آخر النهار، فشهدوا عند رسول الله أنهم رأوا الهلال بالأمس، فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يفطروا، وأن يخرجوا إلى عيدهم من الغد (رواه أحمد والنسائي وابن ماجه). وفي هذا الحديث حجة للقائلين : بأن الجماعة إذا فاتتها صلاة العيد بسبب عذر من الأعذار ، أنها تخرج من الغد فتصلي العيد .

ومنهم من قال: إنها لا تقضى، والقائلون بأنها لا تقضى يقولون لأنها صلاة قد شرعت على وجه الاجتماع فلا تقضى إذا فاتت كصلاة الجمعة لكن صلاة الجمعة يجب أن يصلى الإنسان بدلها صلاة الظهر لأنها فريضة الوقت. أما صلاة العيد فليس لها بدل فإذا فاتت مع الإمام فإنه لا يشرع قضاؤها وهذا هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.

سابعاً: صلاة الاستسقاء:

تعريفها: هي صلاة نفل بكيفية مخصوصة لطلب السُّقْيا من الله تعالى بإنزال المطر عند الجدب.

حكمها: إذا قحط الناس وأجدبت الأرض واحتبس المطر، فيستحب –عند الجمهور- أن يخرج الإمام ومعه الناس إلى المصلى على صفة تأتي، ويصلي بهم ركعتين، لأنه الثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. فعن عبَّاد بن تميم عن عمه قال: «خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى المصلى يستسقي، واستقبل القبلة فصلَّى ركعتين، وقَلَب رِدَاءه: جعل اليمن على الشمال» (رواه البخاري ومسلم).   

كيفيتها: صلاة الاستسقاء كصلاة العيد ركعتين يجهر فيهما، فعن ابن عباس قال: «خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم مبتذلاً متواضعاً متضرِّعاً، حتى أتى المصلى فرقى المنبر فلم يخطب خطبتكم هذه، ولكن لم يزل في الدعاء والتضرُّع والتكبير، ثم صلَّى ركعتين كما يصلي في العيد» (رواه أبو داود والترمذي والنسائي). وفي حديث عبد الله بن زيد: «... ثم صلى ركعتين جهر فيهما بالقراءة» (رواه البخاري ومسلم).

وعليه فإن صفة صلاة الاستسقاء كصلاة العيد، تصلي ركعتين ويُكبر فيها بعد تكبيرة الإحرام سبع تكبيرات على رأي الشافعية أو ست تكبيرات على رأي المالكية والحنابلة وكله صحيح بإذن الله، وفي الركعة الثانية يكبر بعد تكبيرة القيام خمس تكبيرات، ثم يتم صلاته.

ملاحظة: استحب أحمد والشافعي الفصل بين كل تكبيرتين بذكر الله مثل أن يقول سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر. وقال أبو حنيفة ومالك يكبر متواليا من غير فصل بين التكبير بذكر.

المسبوق في صلاة الاستسقاء:

       عرفنا أن صلاة الاستسقاء كصلاة العيدين وتأخذ نفس أحكامها، وعليه من فاتته التكبيرات الزوائد مع الإمام في صلاة الاستسقاء وأدرك الإمام في القراءة فإنه يكبر للإحرام ويأتي بالزوائد، وهو مذهب الحنفية والمالكية.

وعند الشافعية والحنابلة إن حضر المأموم وقد سبقه الإمام بالتكبيرات أو ببعضها لم يتدارك شيئاً مما فاته، لأنه ذكر مسنون فات محله.

وقد سئل الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى: ما الحكم لو أدركت الإمام وهو يصلي العيد وكان يكبر التكبيرات الزوائد، هل أقضي ما فاتني أم ماذا أعمل؟ فأجاب: "إذا دخلت مع الإمام في أثناء التكبيرات، فكبر للإحرام أولاً، ثم تابع الإمام فيما بقي، ويسقط عنك ما مضى".

وسئل فضيلة الشيخ ابن عثيمين أيضاً: ما الحكم لو أدرك الإمام أثناء التكبيرات الزوائد في صلاة العيد؟ فأجاب فضيلته بقوله: "سبق الجواب عليه إذا أدركه في أثنائه، أما إذا أدركه راكعاً فإنه يكبر للإحرام فقط، ثم يركع، وإذا أدركه بعد فراغه من التكبير فإنه لا يقضيه لأنه فات".

       أما من فاته ركعة من صلاة الاستسقاء فإنه يدخل مع الإمام فيما بقي، وإذا سلم الإمام يقوم ويأتي بركعة ثانية بتكبيراتها الخمس؛ لأن القضاء مثل الأداء، وهذا الأفضل، وإن قضاها كسائر الصلوات بدون التكبيرات الخمس واكتفى بالتكبيرة التي يقوم بها من جلوسه بعد سلام إمامه فلا بأس، ولا حرج عليه، وهذا ما أفتت به اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء برئاسة الشيخ ابن باز رحمه الله.

خطبة الاستسقاء: ذهب مالك والشافعي وأحمد في المشهور عنه وأكثر أهل العلم إلى أن خطبة الاستسقاء بعد الصلاة؛ لحديث عبد الله بن زيد قال: «خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المصلَّى فاستسقى وحوَّل رداءه حين استقبل القبلة وبدأ بالصلاة قبل الخطبة ثم استقبل القبلة ودعا» (رواه أحمد).

وذهب مالك وأحمد في رواية ثانية عنهما إلى أن الخطبة قبل الصلاة، لحديث عبد الله بن زيد قال: «خرج النبي صلى الله عليه وسلم يستسقي، فتوجَّه إلى القبلة يدعو، وحوَّل رداءه، ثم صلَّى ركعتين جهر فيهما بالقراءة» (رواه البخاري ومسلم).  

       والأمر في هذا واسع فيجوز أن يخطب قبل الصلاة أو بعدها، ويستحب أن تكون خطبته مناسبة للحديث، مشتملة إظهار الافتقار والندم والتوبة إلى الله تعالى، كما قال العباس حينما استسقى به عمر بن الخطاب رضي الله عنهما: «وهذه أيدينا إليك بالذنوب، ونواصينا إليك بالتوبة، فاسقنا الغيث».

والسؤال هنا: هل خطبة الاستسقاء خطبة واحدة أم خطبتين كالجمعة؟

ذهب المالكيّة والشّافعيّة ومحمّد بن الحسن إلى أنّهما خطبتان كخطبتي العيد.

وذهب الحنابلة وأبو يوسف إلى أنّها خطبة واحدة وهذا ما يرجحه الشيخ ابن عثيمين فيقول: " أما الاستسقاء فهو خطبة واحدة، حتى على قول من يرى أن صلاة العيد لها خطبتان، فهي خطبة واحدة؛ إما قبل الصلاة وإما بعد الصلاة. فالأمر كله جائز".

ملاحظة: من الجدير بالذكر أن الشيخ ابن عثيمين ذكر في كتابه الشرح الممتع على زاد المستقنع أوجه الاختلاف بين صلاة الاستسقاء وصلاة العيدين، فيقول: " خالفت صلاة الاستسقاء صلاة العيد في أمور منها:

أولاً: أنه يخطب في العيد خطبتين على المذهب، وأما الاستسقاء فيخطب لها خطبة واحدة.

ثانياً: أنه في صلاة الاستسقاء تجوز الخطبة قبل الصلاة وبعدها، وأما في صلاة العيد فتكون بعد الصلاة.

ثالثاً: أنه في صلاة العيد تُبَيَّنُ أحكام العيدين، وفي الاستسقاء يكثر من الاستغفار، والدعاء بطلب الغيث ".

من سنن الاستسقاء:

1-   خروج الناس مع الإمام إلى المصلى متبذِّلين متواضعين متضرِّعين: فقد روى أبو داود والترمذي والنسائي عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج لصلاة الاستسقاء مبتذلاً متواضعاً متضرِّعاً.

2-   أن يدعو الإمام ويكثر المسألة قائماً مستقبل القبلة رافعاً مبالغاً في رفعهما جاعلاً ظهور كفيه إلى السماء، ويرفع الناس أيديهم، ويحوِّل الإمام رداءه: فعن عبد الله بن زيد: «أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج بالناس يستسقي بهم، فقام فدعا الله قائماً، ثم توجَّه قِبَل القبلة وحوَّل رداءه، فأُسقوا» (رواه البخاري). وقد ورد عند البخاري ومسلم وأبي داود أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يمدَّ يديه –ويجعل بطونهما مما يلي الأرض- حتى يرى بياض إبطيه.

    وأما تحويل الإمام رداءه الوارد في حديث عبد الله ابن زيد، فمعناه: أن يجعل ما على يمينه  -من ردائه- على يساره والعكس، واستحبه الجمهور، وقيل: يستحب أن يقلب ظهر رداءه لبطنه وبطنه لظهره، والحكمة في ذلك التفاؤل بتحويل الحال، ومحلّ تحويل الرّداء في أثناء الخطبة حين يستقبل القبلة للدّعاء، وهو عند الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة، وعند المالكيّة بعد الفراغ من الخطبتين.

من مأثور الدعاء في الاستسقاء:

1-  عن جابر قال: أتت النبي صلى الله عليه وسلم بَوَاك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «اللهم اسقنا غيثًا مغيثًا مريئًا نافعًا غير ضارٍّ عاجلاً غير آجل» فأطبقت عليهم السماء (رواه أبو داود).  

2-  عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا استسقى قال: «اللهم اسق عبادك وبهائمك، وانشر رحمتك، وأَحْيِ بلدك الميت» (رواه أبو داود).  

ملاحظة: من الجدير بالذكر أنه يجوز الاستسقاء بدون صلاة مخصوصة، فقد استسقى –أي دعا بنزول المطر- النبي صلى الله عليه وسلم في خطبة الجمعة، واستسقى في المسجد في غير جمعة ومن غير صلاة، كما استسقى خارج المسجد.

ما يقال ويفعل إذا نزل المطر:

1-   يستحب –إذا نزل المطر- أن يدعو بالمأثور، ومن ذلك: عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا رأى المطر، قال: «اللهم صيِّباً نافعاً» (رواه البخاري).

2-   يستحب أن يدعو عند المطر، فإنه مظنة الإجابة: لما رُوى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «اطلبوا استجابة الدعاء عند: التقاء الجيوش، وإقامة الصلاة، ونزول الغيث»  (صححه الألباني في صحيح الجامع).

3-   إذا كثر المطر وخيف الضرر منه: فيستحب أن يدعو رافعاً يديه كما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم : «اللهم حوالَيْنا ولا علينا، اللهم على الآكام والظراب وبطون الأودية ومنابت الشجر». والآكام: دون الجبل وأعلى من الرابية، والظِّراب: الجبال المنبسطة غير العالية، والمعنى: بين الظِّراب والآكام مُتقارب.



الدرس الحادي عشر

صلاة الجنازة

حكمها: الصلاة على الميت فرض كفاية، إذا فعلها بعضهم سقط الإثم عن الباقين، فقد روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة –رضى الله عنه-: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يؤتى بالرجل المتوفى عليه الدين، فيسأل هل ترك لدينه فضلاً؟ فإن حدث أنه ترك وفاء صلى، وإلا قال للمسلمين: " صلوا على صاحبكم".

فضلها: عن أبي هريرة  أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " من تبع جنازة وصلى عليها فله قيراط، ومن تبعها حتى يفرغ منها فله قيراطان، أصغرهما مثل أحد أو أحدهما مثل أحد ".  (رواه الجماعة) ، وفي رواية أخرى عند البخاري ومسلم : "... قيل: وما القيراطان؟ قال: (مثل الجبلين العظيمين).

وقتها: وقت الصلاة على الميت يبدأ بعد تغسيله وتكفينه وتجهيزه إن كان حاضراً، أو بلوغ خبر وفاته إن كان غائباً.

شروطها: يشترط فيها ما يشترط للصلاة من طهارة البدن والثوب والمكان وستر العورة واستقبال القبلة.

كيفيتها: صلاة الجنازة أربع تكبيرات من غير ركوع ولا سجود. يقوم فيها الإمام عند رأس الرجل ووسط المرأة، لما رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه من حديث أنس " أنه صلى على جنازة رجل، فقام عند رأسه فلما رفعت، أتي بجنازة امرأة، فصلى عليها فقام وسطها، فسئل عن ذلك وقيل له: هكذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوم من الرجل حيث قمت، ومن المرأة حيث قمت؟ قال: نعم ". ثم يكبر للإحرام، ويتعوذ بعد التكبير، ثم يسمي، ثم يقرأ الفاتحة سراً، ثم يكبر ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة الإبراهيمية (اللهم صل على محمد وعلى آل محمد ... إنك حميد مجيد)،  ثم يكبر ويدعو للميت بالدعاء الوارد عن النبي r، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: (اللهم اغفر له وارحمه واعف عنه وعافه وأكرم نزله ، ووسع مدخله ، واغسله بماء وثلج وبرد ، ونقه من الخطايا كما ينقى الثوب الابيض من الدنس ، وأبدله دارا خيرا من داره وأهلا خيرا من أهله وزوجا خيرا من زوجه ، وقه فتنة القبر وعذاب النار" (رواه مسلم). ومنه قوله أيضاً صلى الله عليه وسلم: " اللهم اغفر لحينا وميتنا ، وصغيرنا وكبيرنا وذكرنا وأنثانا وشاهدنا وغائبنا ، اللهم من أحييته منا فأحيه على الإسلام ، ومن توفيته منا فتوفه على الإيمان " (رواه أحمد أبو داود والترمذي). فإذا كان المصلى عليه طفلاً استحب أن يقول المصلي : اللهم اجعله سلفا لوالديه وفرطاً وذخراً. ثم يكبر ويقف بعد قليلاً، وإن دعا بما تيسر فحسن كأن يقول: (اللهم لا تحرمنا أجره ولا تفتنا بعده) أو يقول: (ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار). ثم يسلم تسليمة واحدة عن يمينه، وإن سلم تسليمتين فلا بأس بذلك.

استحباب الصفوف الثلاثة وتسويتها:

يستحب أن يصف المصلون على الجنازة ثلاثة صفوف وأن تكون مستوية، لما رواه مالك بن هبيرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما من مؤمن يموت فيصلي عليه أمة من المسلمين يبلغون أن يكونوا ثلاثة صفوف إلا غفر له " ، فكان مالك ابن هبيرة يتحرى إذا قل أهل الجنازة أن يجعلهم ثلاثة صفوف.  (رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه والترمذي).

أحكام المسبوق في صلاة الجنازة:

1-  من فاته بعض التكبير في صلاة الجنازة وأدرك الإِمام بين تكبيرتين فقد اختلف العلماء في حكمه: أيدخل مع إمامه في الحال، أو ينتظر تكبيرة الإِمام التالية؟

ولهم في ذلك قولان:

القول الأول: أن المسبوق ينتظر حتى يكبر الإِمام فيكبر معه، ولا يدخل معه بين تكبيرتين. وهذا مذهب الحنفية، وهو المذهب عند المالكية، ورواية في مذهب الحنابلة، وحكاه ابن المنذر عن الحارث بن يزيد، والثوري وإسحاق.

القول الثاني: أن المسبوق ببعض التكبير في الجنازة يدخل مع إمامه حين يحضر، ولا ينتظر تكبيرة إمامه، ويكون بذلك مدركًا للتكبيرتين جميعًا. وبهذا قال أبو يوسف من الحنفية وهو رواية عن الإِمام مالك وهو مذهب الشافعية والصحيح من مذهب الحنابلة، وبه قال الليث والأوزاعي.

2-  من فاتته بعض التكبيرات اختلف العلماء في حكم قضائها على قولين:

القول الأول: أنه يجب على المسبوق قضاء ما فاته من التكبير بعد سلام الإمام، فإن لم يفعل لم تصح صلاته، وهذا مذهب الحنفية والمالكية والشافعية وهو رواية عند الحنابلة، ومن السلف قال به سعيد، وعطاء، والنخعي، والزهري، وقتادة، والثوري.

القول الثاني: أنه لا يجب على المسبوق قضاء ما فاته من التكبير - بل يستحب له ذلك. هذا هو المذهب عند الحنابلة، وهو قول ابن عمر، والحسن البصري، وربيعة، وأيوب، والشعبي، والأوزاعي.

3-  اختلف العلماء في صفة قضاء التكبيرات الفائتة على مصلي الجنازة على ثلاثة أقوال:

القول الأول: أنه يقضيه نسقًا أي متتابعاً (بدون ذكر في أثنائه ولا دعاء)، وهذا مذهب الحنفية وقول في مذهب المالكية وقول في مذهب الشافعية والحنابلة.

القول الثاني: أنه يقضي ما فاته من التكبيرات على صفة أدائها (بأن يأتي بالتكبير والذكر المشروع في محله). وهذا هو الأصح من مذهب الشافعية وهو المذهب عند الحنابلة.

القول الثالث: أن المسبوق يقضي ما فاته على صفته إن لم يخف رفع الجنازة، فإن خافه قضاه نسقًا (أي متتابعاً دون أذكار بين التكبيرات). وهذا هو المذهب عند المالكية وهو قول عند الشافعية، وهو القول الثاني عند الحنابلة، واختاره القاضي وأبو الخطاب.

4-  من دخل مع الإمام في صلاة الجنازة  وقد أتى بالتكبيرة الثانية، فإنه يدخل مع الإمام ويبدأ بقراءة الفاتحة ، ثم يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم بعد التكبيرة الثانية، فإذا سلم الإمام قضى ما فاته من صلاة الجنازة، فيدعو للميت.

قال الشيخ ابن باز رحمه الله : "  السنة لمن فاته بعض تكبيرات الجنازة أن يقضي ذلك ؛ لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا أقيمت الصلاة فامشوا إليها وعليكم السكينة والوقار، فما أدركتم فصلوا ، وما فاتكم فاقضوا) ، وصفة القضاء : أن يجعل ما أدركه هو أول صلاته وما يقضيه هو آخرها ، لقوله صلى الله عليه وسلم : (فما أدركتم فصلوا ، وما فاتكم فأتموا) ، فإذا أدرك الإمام في التكبيرة الثالثة كبر وقرأ الفاتحة، وإذا كبر الإمام الرابعة كبر بعده وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا سلم الإمام كبر المأموم المسبوق، ودعا للميت دعاء موجزاً، ثم يكبر الرابعة ويسلم " .

وسئل علماء اللجنة الدائمة للإفتاء: ما حكم من أدرك مع الإمام تكبيرة من صلاة الجنازة ، وفاته ثلاث تكبيرات ، وماذا يفعل؟

فأجابوا : "يكمل صلاة الجنازة فيكبر ثلاث تكبيرات قضاء قبل رفع الجنازة، لما فاته ثم يسلم ، ويعتبر ما أدركه مع الإمام أول صلاة، ويكفيه أقل الواجب بعد التكبيرة الثانية والثالثة، فيقول بعد الثانية: اللهم صل على محمد، وبعد الثالثة: اللهم اغفر له، ويسلم بعد الرابعة " .

أما الشيخ محمد بن عثيمين رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فقد سئل عن المصلي الذي يدخل مع الإمام في التكبيرة الثالثة هل يقرأ الفاتحة، أو يدعو للميت؛ لأن هذا مكان الدعاء؟

فأجاب: " إذا دخل المسبوق مع الإِمام في التكبيرة الثالثة، فالظاهر لي أنه يدعو للميت حتى على القول بأن ما يدركه المسبوق هو أول صلاته، لأنه إذا انشغل بالفاتحة ثم الصلاة على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، حملت الجنازة وفاته الدعاء ".

الصلاة على أكثر من ميت:

إذا اجتمع أكثر من ميت وكانوا ذكوراً أو إناثاً فيجوز للإمام أن يصلي على كل جنازة على حدة، ويجوز أن يصلي عليهم صلاة واحدة، ويصفوا واحداً بعد واحد بين الإمام والقبلة ليكونوا جميعاً بين يدي الإمام ويضع الأفضل مما يلي الإمام إن كانوا رجالاً. وإن كانوا رجالاً ونساء جاز أن يصلي على الرجال وحدهم والنساء وحدهن، وجاز أن يصلي عليهم جميعاً، ويصف الرجال أمام الامام، وتُجعل النساء مما يلي القبلة، فعن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه صلى على تسع جنائز رجال ونساء فجعل الرجال مما يلي الإمام، وجعل النساء مما يلي القبلة، وصفهم صفا واحداً. ووضعت جنازة أم كلثوم بنت علي امرأة عمر ، وابن لها - يقال له زيد - والإمام يومئذ سعيد بن العاص ، وفي الناس يومئذ ابن عباس وأبو هريرة وأبو سعيد وأبو قتادة . فوضع الغلام مما يلي الإمام قال رجل : فأنكرت ذلك ، فنظرت إلى ابن عباس وأبي هريرة ، وأبي سعيد وأبي قتادة . فقلت : ما هذا ؟ . قالوا : هي السنة . (رواه النسائي والبيهقي، وقال الحافظ : وإسناده صحيح)

الصلاة على السقط (الولد الذي ينزل من بطن أمه قبل مدة الحمل وبعد تبين خلقه):

السقط إذا لم يأت عليه أربعة أشهر فإنه لا يغسل ولا يصلى عليه، ويلف في خرقة، ويدفن من غير خلاف بين جمهور الفقهاء.

فإن أتى عليه أربعة أشهر فصاعداً واستهل صارخاً أو عاطساً غسل وصلي عليه باتفاق.

فإذا لم يستهل فإنه لا يصلى عليه عند الأحناف والمالكية والشافعية، لما رواه الترمذي، والنسائي، وابن ماجه والبيهقي عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إذا استهل السقط صلي عليه وورث "، ففي الحديث اشتراط الاستهلال في الصلاة عليه . وذهب الإمام أحمد إلى أنه يغسل ويصلى عليه؛ لأنه نسمة نفخ فيه الروح، فيصلى عليه كالمستهل، فالنبي صلى الله عليه وسلم أخبر أنه ينفخ فيه الروح لأربعة أشهر، وجاء في حديث رواه أحمد وأبو داود والترمذي عن عبد الله بن عمر- رضي الله عنهما- قال صلى الله عليه وسلم: (والسقط يصلى عليه ويدعى لوالديه بالمغفرة والرحمة). والحديث صححه الألباني.

الصلاة على القبر:

يجوز لمن فاتته الصلاة على الميت أن يصلي على قبره، لما ثبت في الصحيحين عن أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَجُلًا أَسْوَدَ أَوْ امْرَأَةً سَوْدَاءَ كَانَ يَقُمُّ الْمَسْجِدَ فَمَاتَ فَسَأَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْهُ فَقَالُوا مَاتَ قَالَ أَفَلا كُنْتُمْ آذَنْتُمُونِي بِهِ دُلُّونِي عَلَى قَبْرِهِ أَوْ قَالَ قَبْرِهَا فَأَتَى قَبْرَهَا فَصَلَّى عَلَيْهَا". وعن زيد بن ثابت قال: خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم، فلما وردنا البقيع إذا هو بقبر جديد، فسأل عنه ؟ فقيل : فلانة ، فعرفها ، فقال : " لا آذنتموني –يعني أعلمتموني- بها؟ قالوا : يا رسول الله ، كنت قائلاً –يعني نائماً في وقت القيلولة- صائماً، فكرهنا أن نؤذيك. فقال : " لا تفعلوا ، لا يموتن فيكم ميت ما كنت بين أظهركم إلا آذنتموني به فإن صلاتي عليه رحمة "، ثم أتى القبر فصفنا خلفه وكبر عليه أربعاً (رواه أحمد والنسائي والبيهقي والحاكم وابن حبان وصححاه).

مسألة: هل لصلاة الجنازة تسليمة واحدة أم تسليمتين؟

المسألة فيها سعة، فقد اختلف أهل العلم في ذلك، فمنهم من يرى أنه يسلم لصلاة الجنازة تسليمتين، وإليه ذهب الإمام الشافعي والإمام أبو حنيفة.

ومنهم من يرى أنه يسلم لصلاة الجنازة تسليمة واحدة، وهذا مذهب الإمام أحمد والإمام مالك.

ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وعلى التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين  

كتبه راجي رحمة الغفور/

محمد رفيق مؤمن الشوبكي

فهرس الموضوعات

م.

الموضوع

رقم الصفحة

1.   

الدرس الأول: فضل الصلاة ووجوبها

7

2.   

الدرس الثاني: مواقيت الصلاة

10

3.   

الدرس الثالث: قضاء الفوائت

14

4.     

الدرس الرابع: الأوقات المنهي عن الصلاة فيها

19

5.     

الدرس الخامس: شروط صحة الصلاة

20

6.     

الدرس السادس: صفة الصلاة الصحيحة

27

7.     

الدرس السابع: مكروهات الصلاة ومبطلاتها

37

8.   

الدرس الثامن: السنن الرواتب وصلاة الوتر

45

9.   

الدرس التاسع: سجود السهو والتلاوة والشكر

50

10.           

الدرس العاشر: الصلوات المسنونة

61

11.           

أولاً: صلاة الضحى

61

12.           

ثانياً: صلاة الاستخارة

62

13.           

ثالثاً: صلاة الحاجة

63

14.           

رابعاً: صلاة التسابيح

64

15.           

خامساً: صلاة الكسوف والخسوف

65

16.           

سادساً: صلاة العيدين

68

17.           

سابعاً: صلاة الاستسقاء

72

18.           

الدرس الحادي عشر: صلاة الجنازة

76



لتحميل البحث بنسخة (PDF) اضـغـط هنـــا


تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.

التعليقات

تعليقات الإسلام اليوم

 

تبقى لديك حرف