بحوث السنة النبوية وعلومها
الرئيسة » الأخبار » أحاديث المجلس »
إرسال إلى صديق طباعة أضف تعليق حفظ
قضايا حديثية مَنْ صنف " مسند " أبي داود الطيالسي ؟
مَنْ صنف " مسند " أبي داود الطيالسي ؟
الاثنين 27 شعبان 1422 الموافق 12 نوفمبر 2001
 
مَنْ صنف " مسند " أبي داود الطيالسي ؟

خليل بن محمد العربي

لا يخفى عليكم مدى أهمية إثبات نسبة كل كتاب لمصنفه حتى لا يتم عزو قول ما إلى غير قائله ، أو نسبة وهم لغير صاحبه ، أو معرفة منهج صاحب هذا المصنف من خلال دراسة مصنفه ... إلى آخره .
ومما استرعى انتباهي "مسند" الإمام أبي داود الطيالسي – رحمه الله تعالى – حيث اختلفت آراء العلماء فيمن صنفه – فيما وقفت عليه – على أربعة أقوال :
القول الأول : أنه من تصنيف يونس بن حبيب .
القول الثاني : أنه من تصنيف أبي داود الطيالسي نفسه .
القول الثالث : أنه من تصنيف أبي مسعود أحمد بن الفرات الرازي .
القول الرابع : أنه من جمع بعض المتأخرين من حفاظ خراسان .
وسنذكر – بحول الله وقوته – بيان كل قول على حدة ، مع ذكر القائلين به ، مشفوعاً بأدلته ، مع ذكر الراجح منه :
القول الأول : أنه من تصنيف يونس بن حبيب :
وممن قال بذلك :
1- ابن أبي حاتم الرازي : صرح بذلك في موضعين من تصانيفه وهما :
أ – الجرح والتعديل ( 5/273رقم 1293) ، فقد قال – رحمه الله تعالى – لما ترجم لعبد الرحمن بن علقمة الثقفي : " أدخله يونس بن حبيب في كتاب (وفي نسخة من الجرح : مسند ، وكذا جاء في الإصابة 4/173 ) الوحدان ، فأخبرت أبي بذلك فقال : هو تابعي ، ليست له صحبة " .
فهذا تصريح بيِّن من ابن أبي حاتم بأن يونس بن حبيب هو الذي أنشأ "مسند" الطيالسي ، وجعله على مسانيد الصحابة – رضي الله عنهم – بدليل أنه هو الذي أدخل عبد الرحمن الثقفي في مسانيد الصحابة من الوحدان – يعني ممن لم يرو إلا حديثاً واحداً - .
وإن قال قائل : بأن هذا القول يُعد أيضاً من قول أبي حاتم الرازي نفسه لإقراره لابنه على ذلك لما أبعد .
تنبيه : جاء في ترجمة عبد الرحمن بن علقمة الثقفي المشار إليه آنفاً وإسناد حديثه من "مسند" الطيالسي (ص190رقم336) محرفاً ، وقد جاء على الصواب عند النسائي في الصغرى (6/279) فليصحح .
ب- كتاب " علل الحديث " (2/288رقم 369) ، فقد قال – رحمه الله تعالى – لما ذكر حديثاً رواه أبو داود الطيالسي من طريق أبي أيوب الأزدي : " ولم يفهم يونس بن حبيب أن أبا أيوب الأزدي هو العتكي ، فأدخله في مسند أبي أيوب الأنصاري".
قلت : وهذه الرواية في "مسند" الطيالسي (ص 81 رقم 596) .
وفي هذين القولين من ابن أبي حاتم دليل واضح على أن "مسند" الطيالسي هو من تصنيف يونس ابن حبيب .
وحسبك بذلك حجة من ابن أبي حاتم ، فهو من أعلم الناس بيونس بن حبيب ، وأكثر الناس رواية عنه .
2- ابن حبان البستي :
فقد ذكر يونس بن حبيب في :"الثقات" (9/291) وقال : "صاحب مسند أبي داود الطيالسي ".
وكلمة "صاحب" هذه لا تقال إلا على من صنف الكتاب لا من رواه عن مصنفه .
ولو أن ابن حبان يرى أن هذا "المسند" هو من تصنيف أبي داود الطيالسي لقال في يونس بن حبيب "راوي مسند أبي داود الطيالسي " وهذا أمر معلوم .
3- شمس الدين الذهبي :
قال – رحمه الله تعالى- في السير (9/382) في ترجمة أبي داود الطيالسي . " سمع يونس بن حبيب عدة مجالس مفرقة ، فهي المسند الذي وقع لنا " .
ويعني الذهبي بذلك : أن ما وصل إلينا من " مسند " الطيالسي هي عدة مجالس أملاها أبو داود ، فجمعها يونس بن حبيب ، جعلها على ترتيب "المسند" .
قلت : وثمة دليل آخر – قطعي – يثبت أن "المسند" هو من تصنيف يونس بن حبيب:
وهو ما جاء في المسند (ص 174 رقم 1238) :"... حدثنا أبو محمد عبد الله بن جعفر بن أحمد ابن فارس ، حدثنا يونس بن حبيب قال : أحاديث حارثة بن وهب – رضي الله عنه – حدثنا أبو داود الطيالسي ..." .
وكذلك في (ص 346 رقم 2650) : " ..... حدثنا أبو بشر يونس بن حبيب قال أبو العالية الريحاني عن ابن عباس – رضي الله عنهم – حدثنا أبو داود ..." .
ففي هذين الموضعين ترى أن يونس بن حبيب هو الذي صرح بأسماء الصحابة الذين سيورد لهم أحاديثهم فيما رواه عن شيخه أبي داود الطيالسي .
ولو أن أبا داود الطيالسي هو الذي صنف "المسند" لنسبت هاتان العبارتان له .
وفي كل ما أوردناه من أدلة تثبت لنا أن هذا "المسند" هو من تصنيف يونس بن حبيب – رحمه الله تعالى -.
القول الثاني : أنه من تصنيف أبي داود الطيالسي :
وممن قال بذلك :
1- الحاكم النيسابوري صاحب المستدرك : فقد قال – كما في المدخل ص 30-: "أبو داود الطيالسي هو أول من صنف المسند على تراجم الرجال في الإسلام ".
2- أبو يعلى الخليلي : قال – كما في الإرشاد 2/512-: " أول من صنف المسند على ترتيب الصحابة بالبصرة : أبو داود الطيالسي" .
3- ابن خير الأشبيلي : قال في فهرسته (141): " مسند أبي داود الطيالسي وهو أول مسند صنف في الإسلام " .
4- القرطبي : قال في تفسيره (1/9) : " مسند أبي داود الطيالسي هو أول مسند صنف في الإسلام ".
5- الحافظ العراقي : قال في فتح المغيث (1/50) : " مسند أبي داود الطيالسي، ويقال إنه أول مسند صنف ".
الجواب عن هذا القول بما يأتي :
1- ما أوردناه من أدلة صريحة في القول الأول تثبت أن هذا "المسند" ليس من تصنيف أبي داود الطيالسي .
2- القائل بأن أبا داود الطيالسي هو الذي صنف " المسند " إمام واحد فقط وهو : الحاكم النيسابوري ، ومن ذكر دونه فهو تبع له ، فإن أبا يعلى الخليلي تلميذ للحاكم ، وهو كثير ما يتبع شيخه في كتابه الإرشاد ، وهذا أمر يعلمه من له اطلاع عليه .
3- وأما ما ذكر عن ابن خير الأشبيلي ، والقرطبي ، والعراقي بأن " المسند هو أول مسند صنف في الإسلام "ليس بلازم منه أن الطيالسي هو الذي صنفه.
4- على أنا لا نسلم بصحة هذه المقولة – أعني القول بأن أبا داود هو أول من صنف المسند – فقد قال ابن عدي – رحمه الله تعالى – في كتابه الكامل (7/239) في ترجمة يحيى الحماني :" أول من صنف المسند بالبصرة مُسَدَّد" ومعلوم أن الطيالسي أعلى طبقة من مسدد ، ثم إن قول ابن عدي هذا هو أولى بالقبول ممن سواه ممن كان دونه في الرتبة والطبقة .
وقال الحافظ ابن حجر في "التقريب" : " مسدد بن مسرهد ... يقال إنه أول من صنف المسند بالبصرة " .
وقال الحافظ الكتاني في " الرسالة المستطرفة " (ص 61) : " مسند أبي داود الطيالسي ... قيل : وهو أول مسند مصنف ، ورد بأن هذا صحيح لو كان الجامع له لتقدمه ، لكن الجامع له غيره ...." .
القول الثالث : أنه من تصنيف أبي مسعود أحمد بن الفرات الرازي :
قال بذلك : الحافظ أبو نعيم الأصبهاني ، قال الذهبي في السير (9/382) : "وقال أبو بكر الخطيب : قال لنا أبو نعيم : صنف أبو مسعود الرازي ليونس بن حبيب مسند أبي داود الطيالسي ".
جوابه :
غاية ما في هذا القول أن أبا مسعود الرازي قد أعان يونس بن حبيب في تصنيفه للمسند ، أو أنه انتخب له بعض مروياته عن أبي داود الطيالسي ،
على أنا لا نسلم بذلك كله ، فقد تبين لنا من خلال دراستنا للمسند أن يونس بن حبيب هو وحده الذي صنف هذا المسند وذلك بما يأتي :
1- ما أوردناه سلفاً في القول الأول بما لا مزيد عليه في الاستدلال بأن يونس بن حبيب هو صاحب المسند .
2- وجدت في "المسند" كثيراً من الزوائد التي زادها يونس بن حبيب على مرويات شيخه أبي داود الطيالسي ، ومن هذه الزوائد : روايته عن حماد بن زيد رقم ( 622) ، وعن حماد بن سلمة رقم ( 911) ، وعن عبد الله بن المبارك رقم ( 1010) ، وعن سفيان الثوري رقم ( 1720) ، وعن عبد الحكم القسملي رقم (2212) .
وكذلك ما زاده يونس بن حبيب من مرويات على سبيل المتابعات والشواهد كما في
رقم ( 364، 992) .
فلو أن أبا مسعود الرازي هو الذي صنف المسند ليونس بن حبيب – كما ادعاه أبو نعيم – لما كانت هناك حاجة في إيراد هذه الزوائد في المسند .
ولكننا نستفاد من قول أبي نعيم هذا : أن "المسند" ليس من تصنيف أبي داود الطيالسي ، وفي هذا ترجيح قوي آخر لإثبات "المسند" ليونس بن حبيب .

القول الرابع : أنه من جمع بعض المتأخرين من حفاظ خراسان :
وممن قال بذلك :
1- الحافظ ابن نقطة : قال في التقييد (ص489) : " ويقال أن هذا المسند جمع له – يعني ليونس بن حبيب – مما وجد سماعه من أبي داود جمعه له بعض حفاظ الأصبهانيين ".
2- الحافظ السيوطي : قال في التدريب (1/175) متعقباً العراقي : "وظن أنه هو صنفه ، وليس كذلك ، فإنما هو من جمع بعض الحفاظ الخرسانيين ، جمع فيه ما رواه يونس بن حبيب خاصة عنه ، وشذ عنه كثير منه ".
3- الحافظ الكتاني : قال في الرسالة المستطرفة ( ص61) :" وهو [جمع] بعض حفاظ خراسان ، جمع فيه ما رواه يونس بن حبيب عنه خاصة ".
جوابه :
1- أنه هذا القول ظاهر البطلان ، فأقدم من قال بذلك – فيما وقفت عليه – هو الحافظ ابن نقطة ، ولا يمكن أن ننسب هذا القول إليه ، حيث نقله بصيغة التمريض ، ثم إنه قال بعد ذلك مباشرة :" حدث عنه – يعني يونس بن حبيب – بالمسند عبد الله بن جعفر بن أحمد بن فارس ". هذا إقرار من ابن نقطة أن المسند كان بين يدي يونس بن حبيب .
2- لم يعرج أحد ممن نقل هذا القول باسم ذاك الحافظ الخراساني المتأخر والذي نسب إليه بتجميعه "لمسند الطيالسي" .
3- من تتبع أقوال العلماء ممن تكلموا على "مسند الطيالسي" عَلِمَ عِلْم اليقين أن "المسند" كان بين يدي يونس بن حبيب وأانه كان مصنفاً في حياته ، ومن هذه الأقوال :
أ- قال ابن مردويه في " تاريخ أصبهان" – التقييد ص 88 - :" محمد بن علي بن محمد الجارود أبو بكر .... روى "المسند" عن يونس بن حبيب يعني مسند أبي داود الطيالسي " .
ب- وكذلك قال أبو الشيخ في طبقاته ( 3/579) في ترجمة ابن الجارود "سمع المسند من يونس بن حبيب ".
ج- وقال أبو الشيخ في طبقاته (4/299) في ترجمة محمد بن إسماعيل بن سمويه :" وعنده عن يونس بن حبيب المسند ".
د- وقال ابن نقطة في التقييد (314) لما ترجم لابن فارس "حدث عن يونس بن حبيب بمسند أبي داود الطيالسي ".
ففي هذا الأقوال كلها دليل – لا شك فيه ولا ريب – أن المسند كان بين يدي يونس بن حبيب ، وأنه كان يحدث به ، وسمعه منه الكثيرون .
وإذا انضاف إلى هذا الدليل ما سبق بيانه في الأقوال الثلاثة – سالفة الذكر- تبين لنا حقيقة أن "مسند" الطيالسي هو من تصنيف يونس بن حبيب رواية أبي داود الطيالسي .
هذا وإني أرجو من إخواني الأفاضل أهل الحديث من كان عنده مزيد علم عما ذكرناه فليفدنا به مأجوراً إن شاء الله تعالى .
وصلى الله على نبينا محمد ، وعلى آله وصحبه أجمعين .

إرسال إلى صديق طباعة أضف تعليق حفظ
Bookmark and Share
 بحث متقدم

أضف تعليقك
الاسم
التعليق
أدخل ارقام الصورة   أنقر هنا لتغيير الرقم