أولاً: ترك الصلاة
ثانياً : المُفرِط في جمع الدنيا المانع من إخراجها في وجهها
ثالثاً: من تكلم فيما لا يعنيه
رابعاً: الرياء
خامساً: العجب
سادساً: الجرأة على المعاصي في الخلوات
سابعاً: ظلم الناس والاعتداء عليهم قولاً وعملاً
أسباب حبوط العمل في الحديث النبوي
أولاً : ترك صلاة العصر
عن أبي المليح قال: كنا مع بريدة في غزوة، في يوم ذي غيم، فقال: بكروا بصلاة العصر فإن النبي –صلى الله عليه وسلم - قال: (من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله) (1).
وعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال : قال رسول الله –صلى الله عليه وسلم - من ترك صلاة العصر متعمداً فقد حبط عمله"(2).
وعن َابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مُرْسَلًا : " مَنْ تَرَكَ الْعَصْرَ حَتَّى تَغِيبَ الشَّمْسُ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ"
قال ابن حجر في الفتح :" وأما الجمهور فتأولوا الحديث فافترقوا في تأويله فرقاً:
- فمنهم من أَوَّل سبب الترك.
- ومنهم من أوَّل الحبط.
- ومنهم من أوَّل العمل.
أولاً : تأويل الترك : فقيل المراد من تركها جاحداً لوجوبها أو معترفاً لكن مستخفاً مستهزئاً بمن أقامها وتعقب بأن الذي فهمه الصحابي إنما هو التفريط ولهذا أمر بالمبادرة إليها وفهمه أولى من فهم غيره .
ثانياً : تأويل الحبط : وقيل المراد من تركها متكاسلاً لكن خرج الوعيد مخرج الزجر الشديد وظاهره غير مراد كقوله لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن وقيل هو من مجاز التشبيه كأن المعنى فقد أشبه من حبط عمله وقيل معناه كاد أن يحبط .
ثالثاً : تأويل العمل : وقيل المراد بالحبط نقصان العمل في ذلك الوقت الذي ترفع فيه الأعمال إلى الله فكأن المراد بالعمل الصلاة خاصة أي لا يحصل على أجر من صلى العصر ولا يرتفع له عملها حينئذ وقيل المراد بالحبط الإبطال أي يبطل انتفاعه بعمله في وقت ما ثم ينتفع به كمن رجحت سيئاته على حسناته فإنه موقوف على المشيئة فإن غفر له فمجرد الوقف إبطال لنفع الحسنة إذ ذاك وإن عذب ثم غفر له.
وقد شرح الترمذي الحبط على قسمين :
القسم الأول : حبط إسقاط وهو إحباط الكفر للإيمان وجميع الحسنات.
القسم الثاني : وحبط موازنة وهو إحباط المعاصي للانتفاع بالحسنات عند رجحانها عليها إلا أن تحصل النجاة فيرجع إليه جزاء حسناته .
وقيل المراد بالعمل في الحديث عمل الدنيا الذي يسبب الاشتغال به ترك الصلاة بمعنى أنه لا ينتفع به ولا يتمتع .
قال ابن حجر :" وأقرب هذه التأويلات قول من قال : "إن ذلك خرج مخرج الزجر الشديد وظاهره غير مراد والله أعلم".
لماذا خصَّ صلاة العصر :
قال النووي :" وإنما خصها بالذكر لأنها تأتي وقت تعب الناس من مقاساة أعمالهم وحرصهم على قضاء أشغالهم وتسويفهم بها إلى انقضاء وظائفهم".
و قال ابن تيمية- رحمه الله - في الفتاوى:" وحبوط العمل لا يتوعد به إلا على ما هو من أعظم الكبائر، وكذلك تفويت العصر أعظم من تفويت غيرها:
- فإنها الصلاة الوسطى المخصوصة بالأمر بالمحافظة عليها.
- وهى التي فرضت على من كان قبلنا فضيعوها، فمن حافظ عليها، فله الأجر مرتين.
- وهى التي لما فاتت سليمان- رضي الله عنه - فعل بالخيل ما فعل.
وفى الصحيح عن النبي –صلى الله عليه وسلم- أنه قال: [من فاتته صلاة العصر فكأنما وَتِرَ أهله وماله]. والموتور أهله وماله يبقى مسلوبًا ليس له ما ينتفع به من الأهل والمال، وهو بمنزلة الذي حبط عمله".
ثانياً : المُفرِط في جمع الدنيا المانع من إخراجها في وجهها
عن أبي سعيد الخدري –رضي الله عنه - :أن رسول الله-صلى الله عليه وسلم - قام على المنبر، فقال: "إنما أخشى عليكم من بعدي ما يفتح عليكم من بركات الأرض". ثم ذكر زهرة الدنيا، فبدأ بإحداهما وثنى بالأخرى، فقام رجل فقال: يا رسول الله، أو يأتي الخير بالشر؟ فسكت عنه النبي - صلى الله عليه وسلم -، قلنا: يوحى إليه، وسكت الناس كأن على رؤوسهم الطير، ثم إنه مسح عن وجهه الرحضاء، فقال: (أين السائل آنفا، أو خير هو - ثلاثا - إن الخير لا يأتي إلا بالخير، وإنه كل ما ينبت الربيع ما يقتل حبطاً أو يلم(3)، إلا آكلة الخضر(4) كلما أكلت، حتى امتلئت خاصرتاها(5)، استقبلت الشمس، فثلطت (6)وبالت ثم رتعت، وإن هذا المال خضرة حلوة، ونعم صاحب المسلم لمن أخذه بحقه فجعله في سبيل الله واليتامى والمساكين، ومن لم يأخذه بحقه فهو كالآكل الذي لا يشبع، ويكون عليه شهيدا يوم القيامة). (7).
قال ابن حجر في الفتح(8) :
قال الأزهري : وفيه مثلان :
أحدهما : للمفرط في جمع الدنيا المانع من إخراجها في وجهها : أي الذي يُقتل حبطاً.
والثاني : المقتصد في جمعها وفي الانتفاع بها : وهو آكلة الخضر فإن الخضر ليس من أحرار البقول التي ينبتها الربيع ولكنها الحبة والحبة ما فوق البقل ودون الشجر التي ترعاها المواشي بعد هيج البقول فضرب آكلة الخضر من المواشي مثلاً لمن يقتصد في أخذ الدنيا وجمعها ولا يحمله الحرص على أخذها بغير حقها ولا منعها من مستحقها فهو ينجو من وبالها كما نجت آكلة الخضر وأكثر ما تحبط الماشية إذا انحبس رجيعها في بطنها .
وقال الزين بن المنير:
آكلة الخضر: هي بهيمة الأنعام التي ألف المخاطبون أحوالها في سومها ورعيها وما يعرض لها من البشم وغيره.
والخضر النبات الأخضر وقيل حرار العشب التي تستلذ الماشية أكله فتستكثر .
وقال الطيبي: يؤخذ منه أربعة أصناف:
- فمن أكل منه أكل مستلذ مفرط منهمك حتى تنتفخ أضلاعه ولا يقلع فيسرع إليه الهلاك.
- ومن أكل كذلك لكنه أخذ في الاحتيال لدفع الداء بعد أن استحكم فغلبه فأهلكه .
- ومن أكل كذلك لكنه بادر إلى إزالة ما يضره وتحيل في دفعه حتى انهضم فيسلم.
- ومن أكل غير مفرط ولا منهمك وإنما اقتصر على ما يسد جوعته ويمسك رمقه.
- فالأول مثال : الكافر.
- والثاني مثال : العاصي الغافل عن الإقلاع والتوبة إلا عند فوتها.
- والثالث مثال: للمخلط المبادر للتوبة حيث تكون مقبولة.
- والرابع مثال: الزاهد في الدنيا الراغب في الآخرة .
وقال الزين بن المنير في هذا الحديث : وجوه من التشبيهات بديعة:
- أولها : تشبيه المال ونموه بالنبات وظهوره.
- ثانيها : تشبيه المنهمك في الاكتساب والأسباب بالبهائم المنهمكة في الأعشاب.
- وثالثها : تشبيه الاستكثار منه والادخار له بالشره في الأكل والامتلاء منه.
- و رابعها: تشبيه الخارج من المال مع عظمته في النفوس حتى أدى إلى المبالغة في البخل به بما تطرحه البهيمة من السلح ففيه إشارة بديعة إلى استقذاره شرعاً.
- وخامسها: تشبيه المتقاعد عن جمعه وضمه بالشاة إذا استراحت وحطت جانبها مستقبلة عين الشمس فإنها من أحسن حالاتها سكونا وسكينة وفيه إشارة إلى إدراكها لمصالحها .
- وسادسها : تشبيه موت الجامع المانع بموت البهيمة الغافلة عن دفع ما يضرها.
- وسابعها تشبيه المال بالصاحب الذي لا يؤمن أن ينقلب عدوا فإن المال من شأنه أن يحرز ويشد وثاقه حبا له وذلك يقتضي منعه من مستحقه فيكون سببا لعقاب مقتنيه.
- وثامنها : تشبيه آخذه بغير حق بالذي يأكل ولا يشبع.
وقال الغزالي: مثل المال مثل الحية التي فيها ترياق نافع وسم ناقع فإن أصابها العارف الذي يحترز عن شرها ويعرف استخراج ترياقها كان نعمة وان أصابها الغبي فقد لقى البلاء المهلك.
و من فوائد الحديث :
- جلوس الإمام على المنبر عند الموعظة في غير خطبة الجمعة ونحوها .
- وفيه جلوس الناس حوله والتحذير من المنافسة في الدنيا.
- وفيه استفهام العالم عما يشكل وطلب الدليل لدفع المعارضة.
- وفيه تسمية المال خيراً ويؤيده قوله تعالى: "وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ"[ العاديات:8] وقوله تعالى: "إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ " [البقرة:180].
- وفيه ضرب المثل بالحكمة وان وقع في اللفظ ذكر ما يُستهجن كالبول فإن ذلك يغتفر لما يترتب على ذكره من المعاني اللائقة بالمقام .
- ويستفاد منه ترك العجلة في الجواب إذا كان يحتاج إلى التأمل.
- وفيه لوم من ظن به تعنت في السؤال وحمد من أجاد فيه ويؤيد أنه من الوحي قوله يمسح العرق فإنها كانت عادته عند نزول الوحي كما تقدم في بدء الوحي "وإن جبينه ليتفصد عرقا".
- وفيه تفضيل الغني على الفقير ولا حجة فيه لأنه يمكن التمسك به لمن لم يرجح أحدهما على الآخر.
- وفيه الحض على إعطاء المسكين واليتيم وابن السبيل.
- وفيه أن المكتسب للمال من غير حله لا يبارك له فيه لتشبيهه بالذي يأكل ولا يشبع.
- وفيه ذم الإسراف وكثرة الأكل والنهم فيه وأن اكتساب المال من غير حله وكذا إمساكه عن إخراج الحق منه سبب لمحقه فيصير غير مبارك .
- و قال النووي :" قوله-صلى الله عليه وسلم- : "أين السائل" بمعنى : " أن هذا هو السائل الممدوح الحاذق الفطن ولهذا قال وكأنه حمده".
- قوله –صلى الله عليه وسلم - : "وإن هذا المال خضر حلو ونعم صاحب المسلم" هو لمن أعطى منه المسكين واليتيم وابن السبيل فيه فضيلة المال لمن أخذه، بحقه وصرفه في وجوه الخير".
ثالثاً : من تكلم فيما لا يعنيه
عن جندب- رضي الله عنه - قال : إن رسول الله – صلى الله عليه وسلم - حدث "أن رجلاً قال: والله! لا يغفر الله لفلان. وإن الله تعالى قال: من ذا الذي يتألى(9)علي أن أغفر لفلان. فإني قد غفرت لفلان. وأحبطت عملك" أو كما قال(10).
قال النووي: "قوله – صلى الله عليه وسلم -: "أن رجلاً قال: والله لا يغفر الله لفلان وإن الله تعالى: "قال من ذا الذي يتألى على أن لا أغفر لفلان فإني قد غفرت لفلان وأحبطت عملك" .
- فيه دلالة لمذهب أهل السنة في غفران الذنوب بلا توبة إذا شاء الله غفرانها.
- واحتجت المعتزلة به في إحباط الأعمال بالكبائر، ومذهب أهل السنة أنها لا تحبط إلا بالكفر.
- ويتأول حبوط عمل هذا على أنه أسقطت حسناته في مقابلة سيئاته وسمي إحباطاً مجازاً، ويحتمل أنه جرى منه أمر آخر أوجب الكفر، ويحتمل أن هذا كان في شرع من قبلنا وكان هذا حكمهم"(11).
قال ابن القيم – رحمه الله - :" فهذا العابد الذي قد عبد الله ما شاء أن يعبده أحبطت هذه الكلمة الواحدة عمله كله".
ثم قال أبو هريرة تكلم بكلمة أو بقت دنياه وآخرته.
وفى الصحيحين من حديث أبي هريرة عن النبي-صلى الله عليه وسلم- أن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله لا يلقى لها بالاً يرفعه الله بها درجات وأن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقى لها بالا يهوي بها في نار جهنم .
وعند مسلم أن العبد ليتكلم بالكلمة ما يتبين ما فيها يهوي بها فى النار أبعد مما بين المغرب والمشرق.
وعند الترمذي عن النبي –صلى الله عليه وسلم- من حديث بلال بن الحارث المزني إن أحدكم ليتكلم بالكلمة من رضوان الله ما يظن أن تبلغ ما بلغت فيكتب الله له بها رضوانه إلى يوم يلقاه وإن أحدكم ليتكلم بالكلمة من سخط الله ما يظن أن تبلغ ما بلغت فيكتب الله له بها سخطه إلى يوم يلقاه.
فكان علقمة يقول كم من كلام قد منعنيه حديث بلال بن الحارث .
وفى جامع الترمذي أيضاً من حديث أنس قال توفى رجل من الصحابة فقال رجل أبشر بالجنة فقال رسول الله –صلى الله عليه وسلم- أو لا تدري لعله تكلم فيما لا يعنيه أو بخل بمالاً ينقصه. قال حديث حسن.
وفى لفظ أن غلاماً ما استشهد يوم أحد فوجد على بطنه صخرة مربوطة من الجوع فمسحت أمه التراب عن وجهه وقالت هنيئا لك يا بني الجنة فقال رسول الله –صلى الله عليه وسلم - وما يدريك لعله كان يتكلم فيما لا يعنيه ويمنع مالا يضروه .
في الصحيحين من حديث أبى هريرة يرفعه من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت." (12).
ثالثاً : المنَّ والأذى
قال الله تعالى : "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأذَى كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاء النَّاسِ وَلاَ يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لاَّ يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِّمَّا كَسَبُواْ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ" [البقرة:264].
المنُّ: أن يمُنُّ بما أعطى .
أخبر أن الصدقة تبطل بما يتبعها من المن والأذى فما بقي ثواب الصدقة بخطيئة المن والأذى.
جاء عن النبي – صلى الله عليه وسلم- أنه قال :" إياكم والمنّ بالمعروف فإنه يُبِطل الشكر ويمحُ الأجر ". ثم تلا الآية.
وعن ابن عباس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لا يدخل الجنة مدمن خمر ولا عاق لوالديه ولا منان.
قال ابن حجر في الفتح :" قوله باب الرياء في الصدقة قال الزين بن المنير يحتمل أن يكون مراده إبطال الرياء للصدقة فيحمل على ما تمحض منها لحب المحمدة والثناء من الخلق بحيث لولا ذلك لم يتصدق بها .
قال الزين بن المنير : وجه الاستدلال من الآية أن الله تعالى شبه مقارنة المن والأذى للصدقة أو إتباعها بذلك بإنفاق الكافر المرائي الذي لا يجد بين يديه شيئا منه ومقارنة الرياء من المسلم لصدقته أقبح من مقارنة الإيذاء وأولى أن يشبه بإنفاق الكافر المرائي في إبطال إنفاقه .
قال بن عباس صلداً ليس عليه شيء .
قال الضحاك: والذي يتبع نفقته مناً أو أذى فقال "فمثله كمثل صفوان" : وهو الصفا وهو الصخر الأملس "عليه تراب فأصابه وابل" هو المطر الشديد "فتركه صلدا" أي فترك الوابل ذلك الصفوان صلدا أي أملس يابسا أي لا شيء عليه من ذلك التراب بل قد ذهب كله أي وكذلك أعمال المرائين تذهب وتضمحل عند الله وإن ظهرت لهم أعمال فيما يرى الناس كالتراب .
عن قتادة في هذه الآية قال : هذا مثل ضربه الله لأعمال الكفار يوم القيامة يقول لا يقدرون على
شيء مما كسبوا يومئذ كما ترك هذا المطر الصفا نقياً ليس عليه شيء .
سمع ابن سيرين رجلاً يقول لآخر :" أحسنت إليك وفعلت وفعلت ،فقال له ابن سيرين :" اسكُت فلا خير في المعروف إذا أحُصى "(13).
و أنشد الشافعي :
لا تحملنَّ من الآثـــام *** بأن يمنوا عليك منــه
و اختر لنفسك حظَهــا*** و اصبر فإن الصبرَ جُنة
مننُ الرجالِ على القلوب *** أشــدُ من وقـعِ الأسنة
و قال آخر :
أفسدت بالمنِّ ما قدمن من حسن *** ليس الكريمُ إذا أعطى بمنانِ
ممن يقع المن؟
قال القرطبي – رحمه الله - :" المن يقع غالباً من البخيل والمعجب :
فالبخيل : تعظم في نفسه العطية وإن كانت حقيرة في نفسها .
والمُعجب : يحمله العُجب على النظر لنفسه بعين العظمة ،و أنه مُنعِم بماله على المُعْطَى .و موجب ذلك كله الجهل، و نسيان نعمة الله فيما أنعم به عليه ".
رابعاً : الرياء
قال تعالى: " كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاء النَّاسِ " [البقرة:264] .
أي: " تبطل صدقة من راءى بها الناس فأظهر لهم أنه يريد وجه الله وإنما قصده مدح الناس له أو شهرته بالصفات الجميلة ليشكر بين الناس أو يقال إنه كريم ونحو ذلك من المقاصد الدنيوية مع قطع نظره عن معاملة الله تعالى ابتغاء مرضاته وجزيل ثوابه .
و قال تعالى: "وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُوْلَئِكَ هُوَ يَبُورُ" [فاطر:10].
قال مجاهد : هم المراءون بأعمالهم يعني يمكرون بالناس يوهمون أنهم في طاعة الله تعالى وهم بُغضَاء إلى الله عز وجل يراءون بأعمالهم.
"ولا يذكرون الله إلا قليلا" وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم هم المشركون.
والصحيح أنها عامة والمشركون داخلون بطريق الأولى ولهذا قال تعالى: "لهم عذاب شديد ومكر أولئك هو يبور" أي يفسد ويبطل ويظهر زيفهم عن قريب لأولي البصائر والنهى فإنه ما أسر أحد سريرة إلا أبداها الله تعالى على صفحات وجهه وفلتات لسانه وما أسر أحد سريرة إلا كساه الله تعالى رداءها إن خيراً فخير وإن شراً فشر.
فالمرائي لا يروج أمره ويستمر إلا على غبي، أما المؤمنون المتفرسون فلا يروج ذلك عليهم بل ينكشف لهم عن قريب وعالم الغيب لا تخفى عليه خافية.
و قال تعالى : "وَبَدَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ" [الزمر:47].
قيل :" كانوا عملوا أعمالاً كانوا يرونها في الدنيا حسنات بدت لهم يوم القيامة سيئات ".
علامات المرائي :
قال علي –رضي الله عنه- : للمرائي ثلاث علامات :
1- يكسل إذا كان وحده .
2- ينشط إذا كان في الناس.
3-يزيد في العمل إذا أُثِنيَّ عليه ،ويُنقِص إذا ذُم به.
المُرائي رجل سوء :
قال الحسن :" المرائي يريد أن يغلب قدر الله فيه، هو رجل سوء، يريد أن يقول الناس هو صالح ،فكيف يقولون وقد حلَّ من ربه محل الاردياء ؟، فلابد من قلوب المؤمنين أن تعرفه" .
و قال قتادة :" إذا راءى العبد يقول الله :" انظروا إلى عبدي كيف يستهزئ بي"(14).
وقال ابن القيم – رحمه الله - الرياء يفسد العمل :" فيشفق على سعيه من هذا المفسد شفقة تصونه عنه " (15).
وعن عقبة بن مسلم أن شفيا الأصبحي حدثه أنه دخل مسجد المدينة فإذا هو برجل قد اجتمع عليه الناس فقال من هذا قالوا أبو هريرة قال فدنوت منه حتى قعدت بين يديه وهو يحدث الناس فلما سكت وخلا قلت له أنشدك بحقي لما حدثتني حديثا سمعته من رسول الله-صلى الله عليه وسلم -عقلته وعلمته فقال أبو هريرة أفعل لأحدثنك حديثا حدثنيه رسول الله – صلى الله عليه وسلم -عقلته وعلمته ثم نشغ أبو هريرة نشغة فمكث قليلا ثم أفاق فقال لأحدثنك حديثا حدثنيه رسول الله – صلى الله عليه وسلم - وأنا وهو في هذا البيت ما معنا أحد غيري وغيره ثم نشغ أبو هريرة نشغة أخرى فمكث كذلك ثم أفاق فمسح عن وجهه فقال أفعل لأحدثنك حديثا حدثنيه رسول الله – صلى الله عليه وسلم -وأنا وهو في هذا البيت ما معه أحد غيري وغيره ثم نشغ نشغة شديدة ثم مال خارا على وجهه واشتد به طويلا ثم أفاق فقال حدثني رسول الله – صلى الله عليه وسلم - أن الله تبارك وتعالى إذا كان يوم القيامة ينزل إلى العباد ليقضي بينهم وكل أمة جاثية فأول من يدعو به رجل جمع القرآن ورجل يقتل في سبيل الله ورجل كثير المال فيقول الله تبارك وتعالى للقارئ ألم أعلمك ما أنزلت على رسولي – صلى الله عليه وسلم- قال بلى يا رب قال فماذا عملت فيما علمت قال كنت أقوم به آناء الليل وآناء النهار فيقول الله تبارك وتعالى له كذبت وتقول له الملائكة كذبت ويقول الله بل أردت أن يقال فلان قارئ فقد قيل ذاك ويؤتى بصاحب المال فيقول الله له ألم أوسع عليك حتى لم أدعك تحتاج إلى أحد قال بلى يا رب قال فماذا عملت فيما آتيتك قال كنت أصل الرحم وأتصدق فيقول الله له كذبت وتقول الملائكة له كذبت ويقول الله بل إنما أردت أن يقال فلان جواد فقد قيل ذاك ويؤتى بالذي قتل في سبيل الله فيقال له في ماذا قتلت فيقول أمرت بالجهاد في سبيلك فقاتلت حتى قتلت فيقول الله له كذبت وتقول له الملائكة كذبت ويقول الله بل أردت أن يقال فلان جريء فقد قيل ذاك ثم ضرب رسول الله –صلى الله عليه وسلم- ركبتي فقال يا أبا هريرة أولئك الثلاثة أول خلق الله تسعر بهم النار يوم القيامة قال الوليد بن أبي الوليد فأخبرني عقبة أن شفيا هو الذي دخل على معاوية فأخبره بهذا الخبر قال أبو عثمان الوليد وحدثني العلاء بن أبي حكيم أنه كان سيافا لمعاوية قال فدخل عليه رجل فحدثه بهذا عن أبي هريرة فقال معاوية قد فعل بهؤلاء مثل هذا فكيف بمن بقي من الناس ثم بكى معاوية بكاء شديدا حتى ظننا أنه هالك وقلنا قد جاءنا هذا الرجل بشر ثم أفاق معاوية ومسح عن وجهه فقال صدق الله ورسوله من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون(16).
من أقوال السلف في الرياء :
قال الفضيل :" ترك العمل من أجل الناس رياء ،و العمل من أجل الناس شرك ،و الإخلاص أن يعافيك الله عنهما "(17).
خوف السلف من الرياء :
كان أيوب السختياني في مجلس فجاءته عَبرة فجعل يتمخّط ويقول ما أشد الزكام "(18).
عن سحنون قال :" كان بعض من مضى يريد أن يتكلم بالكلمة ولو تكلم بها لانتفع بها خلق كثير فيحبسها، ولا يتكلم مخافة المباهاة "(19).
اتقاء الرياء :
عن أبي علي رجل من بني كاهل قال : خطبنا أبو موسى الأشعري-رضي الله عنه - فقال : خطبنا رسول الله –صلى الله عليه وسلم- ذات يوم فقال : " أيها الناس ! اتقوا هذا الشرك، فإنه أخفى من دبيب النمل "، فقال له من شاء أن يقول : وكيف نتقيه وهو أخفى من دبيب النمل يا رسول الله ؟ قال " قولوا : اللهم إنا نعوذ بك من أن نشرك بك شيئاً نعلمه ونستغفرك لما لا نعلم " (20).
و قال سفيان الثوري :" كم أجتهد في تخليص الرياء من قلبي كلما عالجته من جانب ظهر جانب ".
خامساً :العُجب
قال تعالى :"لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ" [التوبة:25].
قال ابن كثير – رحمه الله - :" يذكر تعالى للمؤمنين فضله عليهم وإحسانه لديهم في نصره إياهم في مواطن كثيرة من غزواتهم مع رسوله وأن ذلك من عنده تعالى وبتأييده وتقديره لا بعددهم ولا بعدتهم ونبههم على أن النصر من عنده سواء قل الجمع أو كثر فإن يوم حنين أعجبتهم كثرتهم ومع هذا ما أجدى ذلك عنهم شيئاً فولوا مدبرين إلا القليل منهم مع رسول الله-صلى الله عليه وسلم- ثم أنزل نصره وتأييده على رسوله وعلى المؤمنين الذين معه، ليعلمهم أن النصر من عنده تعالى وحده وبإمداده وإن قل الجمع فكم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين".
تعريف العُجب :
قال عبد الله بن المبارك :" أن ترى أن عندك شيئاً ليس عند غيرك "(21).
نصيحة أخ لأخيه :
قال يوسف بن الحسين للجنيد :"لا أذاقك الله طعم نفسك ،فإن ذقتها لا تُفلح "(22).
ماذا لو أعجبتك نفسك ؟
خطب منذر بن سعيد البلوطي يوماً : فأعجبته نفسه فقال : "حتى متى أعظ ولا أتعظ، وأزجر وأزدجر، أدل على الطريق المستدلين ،و أبقى مقيماً مع الحائرين ،كلاَّ إنَّ هذا لهو البلاء المبين، "اللهم فرغبني لما خلقتني له، ولا تشغلني بما تكلفت لي به "(23).
قال َالدَّيْلَمِيُّ : " إنَّ الْعُجْبَ يُحْبِطُ عَمَلَ سَبْعِينَ سَنَةً ".
وَكَذَلِكَ الْعُلَمَاءُ الَّذِينَ ظَهَرَتْ عَلَيْهِمْ سِيمَا الصَّالِحِينَ يُسْرِعُ إلَيْهِمْ الْكِبْرُ، لَكِنَّ النَّاسَ يَتَرَدَّدُونَ إلَيْهِمْ بِقَضَاءِ مَآرِبِهِمْ وَالْمُبَالَغَةِ فِي إكْرَامِهِمْ فَيَرَوْنَ حِينَئِذٍ أَنَّهُمْ أَرْفَعُ وَأَحَقُّ بِأَنْ يَكُونَ النَّاسُ دُونَهُمْ لِعَدَمِ وُصُولِهِمْ إلَى صُوَرِ أَعْمَالِهِمْ، وَمَا دَرَوْا أَنَّ ذَلِكَ رُبَّمَا يَكُونُ سَبَبًا لِسَلْبِهِمْ . كَمَا وَقَعَ أَنَّ خَلِيعًا مِنْ بَنِي إسْرَائِيلَ جَلَسَ إلَى عَابِدٍ لِيَنْتَفِعَ بِهِ فَأَنِفَ مِنْ مُجَالَسَتِهِ وَطَرَدَهُ، فَأَوْحَى اللَّهُ - تَعَالَى - إلَى نَبِيِّهِمْ أَنَّهُ غَفَرَ لِلْخَلِيعِ وَأَحْبَطَ عَمَلَ الْعَابِدِ . فَالْجَاهِلُ الْعَامِّيُّ إذَا تَوَاضَعَ وَذُلَّ هَيْبَةً لِلَّهِ وَخَوْفًا مِنْهُ فَقَدْ أَطَاعَ بِقَلْبِهِ فَهُوَ أَطْوَعُ مِنْ الْعَالِمِ الْمُتَكَبِّرِ وَالْعَابِدِ الْمُعْجَبِ . وَقَدْ يَنْتَهِي الْحُمْقُ وَالْغَبَاوَةُ بِبَعْضِ الْعِبَادِ إلَى أَنَّهُ إذَا أُوذِيَ يَتَوَعَّدُ مُؤْذِيَهُ وَيَقُولُ : سَتَرَوْنَ مَا يَحِلُّ بِهِ، وَإِذَا نُكِبَ مُؤْذِيهِ يَعُدُّ ذَلِكَ مِنْ كَرَامَاتِهِ لِعِظَمِ قَدْرِ نَفْسِهِ عِنْدَهُ وَاسْتِيلَاءِ الْجَهْلِ عَلَيْهِ لِجَمْعِهِ بَيْنَ الْعُجْبِ وَالْكِبْرِ وَالِاغْتِرَارِ بِاَللَّهِ تَعَالَى(24).
قال – صلى الله عليه وسلم - " شِرَارُ أُمَّتِي الْمُعْجَبُ بِدِينِهِ، الْمُرَائِي بِعَمَلِهِ، الْمُخَاصِمُ بِحُجَّتِهِ، وَالرِّيَاءُ شِرْكٌ " .
وَقال أَبُو نُعَيْمٍ : " مَنْ حَمِدَ نَفْسَهُ عَلَى عَمَلٍ صَالِحٍ فَقَدْ ضَلَّ شُكْرُهُ وَحَبِطَ عَمَلُهُ ".
سادساً :الجرأة على المعاصي في الخلوات
عن ثوبان -رضي الله عنه- قال : عن رسول الله –صلى الله عليه وسلم- أنه قال : " لأعلمن أقواماً من أمتي يأتون يوم القيامة بحسنات أمثال جبال تهامة بيضاء فيجعلها الله هباء منثورا قال ثوبان : يا رسول الله صفهم لنا :قال :" أما إنهم إخوانكم ومن جلدتكم ويأخذون من الليل كما تأخذون ولكنهم أقوام إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها !!."(رواه ابن ماجه ،و صححه الألباني ).
وجوب مراقبة الله :
المراقبة : هي التعبد بأسمائه :" الرقيب ،الحفي ،العليم، السميع ،البصير"، فمن عقل هذه الأسماء ،و تعبد بمقتضاها، حصلت له المراقبة .
وصف المراقبة :
قال ابن القيم – رحمه الله - :" مراقبة الحق تعالى في السير إليه على الدوام، بين تعظيم مذهل ومداناة حاملة ،و سرور باعث .
فأما التعظيم المذهل فهو : امتلاء القلب من عظمة الله عز وجل، بحيث يذهله ذلك عن تعظيم غيره، عن الالتفات إليه .فلا ينسى هذا التعظيم عند حضر قلبه مع الله .بل يستصحبه دائماً .فإن الحضور مع الله يوجب أنساً ومحبة، إن لم يقارنهما تعظيم ،أورثاه خروجاً عن حدد العبودية ورعونة، فكل حب لا يقارنه تعظيم المحبوب فهو سبب للبعد عنه ،و السقط من عينه .
و بذلك تضمن هذا الوصف خمسة أمور : سيراً إلى الله، واستدامة هذا السير، حضور القلب معه ،و تعظيمه، والذهول بعظمته عن غيره .
و أما المداناة الحاملة فهي : الدنو الحامل له على هذه الأمور الخمسة ،و هذا الدنو يحمله على التعظيم الذي يذهله عن نفسه، وعن غيره ،فإنه كلما ازداد قرباً من الحق ازداد له تعظيماً وذهلاً عن سواه وبعداً عن الخلق .
و أما السرور الباعث : فهو الفرحة والتعظيم، واللذة التي يجدها في تلك المُداناة فإن سرور القلب بالله وفرحه به، قرة العين به، لا يشبهه شيء من نعيم الدنيا ألبتة ،و ليس له نظير يقاس به، وهو حال من أحوال أهل الجنة، حتى قال بعض العارفين :" إنه لتمر بي أوقات أقول فيها : إن كان أهل الجنة في مثل هذا ،إنهم لفي عيش طيب "(25).
للعمل الصالح حلاوة في القلب :
قال ابن تيمية – رحمه الله - :" إذا لم تجد للعمل حلاوة في قلبك وانشراحاً فاتهمه، فإن الرب تعالى شكور، يعني أنه لابد أن يثيب العامل على عمله في الدنيا حلاوة يجدها في قلبه ،و قة انشراح وقرة عين فحيث لم يجد ذلك فعمله مدخول"(26).
إن الله أعد لمن راقبه وخشيه أجراً عظيماً فقال - سبحانه -: "جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً رضي الله عنهم وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ" (10) وخص من خشيه في الغيب والسر فقال: "وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ (31) هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ (32) من خشي الرحمن بالغيب وجاء بقلب منيب (33) ادخلوها بسلام ذلك يوم الخلود (34) لهم ما يشاؤون فيها".
أما أولئك الذين خف قدر الله في قلوبهم وضعف يقينهم وإيمانهم فسارعوا في ارتكاب الموبقات والتورط في الذنوب والمعاصي في أوقات الخلوات ولم يرعوا حق رب الأرض والسماوات فنذكرهم بقول تعالى :" يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ".
و كان من دعاء النبي –صلى الله عليه وسلم-: " أسألك خشيتك في الغيب والشهادة"(27).
وكان الإمام أحمد كثيراً ما ينشد قول الشاعر:
إذا ما خلوت الدهر يوماً فلا تقـل *** خلــوت ولكن قل علي رقيب
ولا تحسبن الله يغفـــل ساعة *** ولا أن مـا يخفـى علـيه يغيب
سابعاً : ظلم الناس والاعتداء عليهم قولاً وعملاً
"وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ.مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاء.وَأَنذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُواْ رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُّجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُواْ أَقْسَمْتُم مِّن قَبْلُ مَا لَكُم مِّن زَوَالٍ.وَسَكَنتُمْ فِي مَسَـاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الأَمْثَالَ" [إبراهيم: 42-48].
" أي لا تحسبنه إذا أنظرهم وأجلهم أنه غافل عنهم مهمل لهم لا يعاقبهم على صنعهم بل هو يحصي ذلك عليهم ويعده عليهم عدا ".
و عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم - من كانت له مظلمة لأحد من عرضه أو شيء فليتحلله منه اليوم قبل أن لا يكون دينار ولا درهم إن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته وإن لم تكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه(28).
و عن أبي هريرة – رضي الله عنه - أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم- قال أتدرون ما المفلس قالوا المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع فقال إن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصيام وصلاة وزكاة ويأتي قد شتم هذا وقذف هذا وأكل مال هذا وسفك دم هذا وضرب هذا فيعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته فإن فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم طرح في النار(29).
قال النووي :" المفلس : هو الهالك الهلاك التام ،و المعدوم الإعدام المُقْطِع ،فتُأخذ حسناته لغرمائه ،فإذا فرغت حسناته ،أُخذ من سيئاته فوضع عليه ثم أُلقيَّ في النار فتمت خسارته وهلاكه وإفلاسه "(30).
قال المازري – رحمه الله - :" زعم بعض المبتدعة أن هذا الحديث معارض لقوله تعالى :"وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى" [الزمر:7].
وهذا الاعتراض غلط منه وجهالة بينة، لأنه إنما عُوقب بفعله ووزره وظلمه ،فتوجهت عليه حقوق لغرامائه فدُفِعت إليهم من حسناته ،فلما فرغت وبقيت بقية، قُوبلت على حسب ما اقتضته حكمة الله تعالى في خلقه وعدله في عباده ،فأُخذ قدرها من سيئات خصومه فوضِع عليه فُعوقب به في النار ،فحقيقة العقاب إنما هي بسبب ظُلمه ولم يعاقب بغير جناية وظُلم منه ،و هذا كله مذهب أهل السنُة".
و عن عبد الله بن أنيس قال : سمعت رسول الله –صلى الله عليه وسلم- يقول :" يُحشر العباد يوم القيامة حفاة عُراة غرلاً فيناديهم مناد بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب، أنا الملك الديان لا ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة لأحد من أهل النار وعنده ملمة أن أقصه حتى اللطمة فما فقها لا يظلم ربك أحداً .قلنا :يا رسول الله كيف وإنما نأتي حفاة عراة .فقال :بالحسنات السيئات جزاء ولا يظلم ربك أحداً .
(1) صحيح البخاري ، كتاب مواقيت الصلاة ، باب: إثم من ترك العصر ،رقم الحديث(528).
(2) صحيح الترغيب والترهيب ، الألباني ،(ج1/89). رواه أحمد بإسناد صحيح
(3) يُلم :يقرب من الهلاك .
(4) الخضر : وهو ضرب من الكلأ يعجب الماشية وواحده خضرة.
(5) خاصرتاه :جانبا البطن من الحيوان
(6) ثلطت : أي القت ما في بطنها رقيقا.
(7) صحيح البخاري ،كتاب الجهاد والسير ، باب: فضل النفقة في سبيل الله، رقم الحديث ، (2687).
(8) فتح الباري (11/244)، باب ما يحذر من زهرة الدنيا، ومسلم رقم (1052)
(9) معنى يتألى : يحلف والآلية اليمين.
(10) صحيح مسلم ، كتاب البر والصلة والآداب، باب النهي عن تقنيط الإنسان من رحمة الله تعالى،رقم الحديث (2621).
(11) صحيح مسلم بشرح النووي .
(12) الجواب الكافي ، ص 133.
(13) الكبائر ، الذهبي ،( ص152).
(14) الكبائر ، الذهبي ،(ص144).
(15) مدارج السالكين ، ص248.
(16) صحيح بن حبان ، ذكر البيان بأن من راءى في عمله يكون في القيامة من أول من يدخل النار ،(ج1/412)،رقم (408).
(17) نزهة الفضلاء ،( ج2/774).
(18) نزهة الفضلاء ،( ج2/626).
(19) نزهة الفضلاء ،(ج3/983).
(20) مصنف ابن أبي شيبة ،كتاب الدعاء ،في التعوذ من الشرك ،(61).
(21) نزهة الفضلاء ،( ج2/769).
(22) نزهة الفضلاء ،( ج3/1147).
(23) نزهة الفضلاء ،( ج3/1279-1280).
(24) الزواجر عن ارتكاب الكبائر ، (ج1/87).
(25) مدارج السالكين ،(ص 282) .
(26) المرجع السابق ، (ص 283).
(27) أخرجه: أحمد (17861)، والنسائي (1305) من طريقين في كل منهما ضعف محتمل فيقوي بعضهما بعضاً على قاعدة التقوية بمجموع الطرق، وصححه الألباني.
(28) صحيح البخاري ، باب من كانت له مظلمة عند الرجل فحللها له هل يبين مظلمته ، (ج1 /38 ).
(29) صحيح مسلم ، باب : تحريم الظلم ، (ج1/92)، رقم الحديث (2581).
(30) صحيح مسلم بشرح النووي .