المعجزة الخالدة براهين ساطعة وأدلة قاطعة

المعجزة الخالدة براهين ساطعة وأدلة قاطعة
 

الإهداء:

إلى الشعوب المتطلعة لتحكيم شريعة الله بينها، والحريصة على إعادة دور الأمة الحضاري من جديد، أهدي هذا الكتاب.

قال تعالى: "فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا" (الكهف، آية: 110).

المقدمة:

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، ومن يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هاديء له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

- قال تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ" (آل عمران، آية: 102).

- وقال تعالى: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا" (النساء، آية: 1).

- وقال تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا" (الأحزاب، آية: 70 = 71).

يا رب لك الحمد حتى ترضى ولك الحمد إذا رضيت ولك الحمد بعد الرضى.

أما بعد:

إن هذا العصر، عصر الإزدهار العلمي، وعصر المخترعات والمكتشفات، عصر الذرة، وعصر الأقمار الصناعية والمراكب الفضائية، عصر غزو الفضاء وعصر ظهور الإعجاز العلمي في القرآن الكريم لتحقيق قول الله عز وجل: "سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ" (فصلت، آية: 53).

إن القرآن الكريم هو المعجزة الكبرى وقد تحدى الله عز وجل المشركين أن يأتوا بمثله، قال تعالى: "أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّمَا أُنزِلِ بِعِلْمِ اللّهِ وَأَن لاَّ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ فَهَلْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ" (هود، آية: 13 ـ 14).

ثم تحداهم بعشر سور: "أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّمَا أُنزِلِ بِعِلْمِ اللّهِ وَأَن لاَّ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ فَهَلْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ" (هود، آية: 13 ـ 14).

ثم تحداهم بسورة واحدة: وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُواْ شُهَدَاءكُم مِّن دُونِ اللّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ فَاتَّقُواْ النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ" (البقرة، آية: 23 ـ 24).

فعجز جميع الخلق أن يعارضوا ما جاء به ثم سجّل على الخلق جميعاً العجز إلى يوم القيامة بقوله تعالى:" قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَـذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا" (الإسراء، آية: 18).

وقد تعددت جوانب الإعجاز القرآني بمعنى عجز البشر عن الإتيان بشيء مثله بتعدد الزوايا التي ينظر منها إنسان محايد إلى كتاب الله، ومن هذه الجوانب:

ـ الإعجاز اللغوي، الأدبي، البياني، البلاغي، النظمي، اللفظي والدلالي.

ـ الإعجاز العقدي "الاعتقادي".

ـ الإعجاز التعبدي.

ـ الإعجاز التشريعي.

ـ الإعجاز التاريخي.

ـ الإعجاز التربوي.

ـ الإعجاز النفسي.

ـ الإعجاز الاقتصادي.

ـ الإعجاز الإداري.

ـ إعجاز التحدي للإنس والجن مجتمعين على أن يأتوا بشيء مثله في أسلوبه، أو مضمونه أو محتواه دون أن يتمكن أحد من ذلك (1)، وغير ذلك من أوجه الإعجاز.

وفي عصرنا ظهر نوع جديد من أنواع الإعجاز أطلق عليه الإعجاز العلمي ويقصد به ما تضمنه القرآن الكريم من إشارات ودلالات على حقائق علمية كانت مجهولة للناس في وقت نزول القرآن وتعتبر سابقة لعصرها، ولا تتصور أن تصدر من رسول أمي في بيئة أمية، وفي عالم لا يعرف عن هذه الحقائق شيئاً(2)، واشتهر في هذا الميدان كل من الشيخ عبد المجيد الزنداني، والدكتور زغلول النجار وغيرهم من العلماء، وهذا الكتاب "المعجزة الخالدة" أهتم بالإعجاز العلمي في القرآن الكريم بإسلوب سهل مبسط بعيد عن التعقيدات، وحرص الكاتب على تنوير العقول بالبراهين وتطهير النفوس بالأدلة، وإحياء القلوب بالحجج القاطعة وبيان عظمة كتاب الله لأبنائنا بإسلوب العصر، الذي يعتمد على العقل والمنطق والحجة لإقناع الناس بعظمة هذا الدين وروعة هذا القرآن، الذي جاء معجزة خالدة، تنطق بصدق رسالة النبي الأمي "محمد بن عبد الله" صلوات الله وسلامه عليه، سواء أكان المطلّع عليه مسلماً أو من لا يدين بالإسلام، فإن ما حواه الكتاب المنير من علوم ومعارف وبدائع وروائع، حري بكل إنسان منصف أن يطلع عليه ويتفكر فيه ليتبين صدق المعجزة الخالدة وصدق الله العظيم حيث يقول: " أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ" (العنكبوت، آية: 51).

ـ وقال تعالى: " قَدْ جَاءكُم مِّنَ اللّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنِ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ" (المائدة، آية: 15 ـ 16).

وفي هذا الكتاب تحدثت فيه عن المعجزة وشروطها ووجوه الإعجاز وعن آيات الإعجاز العلمي في خلق الكون كبدء الخلق ومصيره، وتمدد الكون، ورفع السموات بغير عمد، والتنفس والصعود إلى طبقات الجو العليا، وضياء الشمس ونور القمر، وتسخير الشمس والقمر، وفالق الإصباح وإنشقاق القمر، وآية الليل وآية النهار، وضحى الشمس، ومواقع النجوم، والجواري الكنس، وامتناع سقوط السماء على الأرض، والظواهر الجوية في القرآن الكريم، كالرياح، والسحاب، والمطر، والرعد، والبرق.

وتكلمت عن الأرض في القرآن الكريم وآيات الله في النبات والحيوان والطيور والنحل والنمل والعنكبوت، والفراش، وعن الإعجاز العلمي باسلوب يفهمه الدعاة والخطباء والمثقفون وعامة الناس.

هذا وقد انتهيت من هذا الكتاب عند أذان العشاء الساعة السابعة إلا ربعاً بتاريخ 24/11/1433هـ الموافق 10/10/2012م.

والفضل لله من قبل ومن بعد، وأسأله سبحانه بأسمائه الحسنى وصفاته العلا أن يجعل عملي لوجهه خالصاً ولعباده نافعاً وبالقرآن وهدي النبي صلى الله عليه وسلم عاملاً، ويشرح صدور العباد للانتفاع به، ويبارك فيه بمنه وكرمه وجوده، وأن يثيب أخواني الذين أعانوني من أجل إتمام هذا الجهد المتواضع، ونرجو من كل مسلم يصله هذا الكتاب ألا ينسى العبد الفقير إلى عفو ربه ومغفرته ورحمته ورضوانه من دعائه: "رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ" (النمل، آية: 19).

- وقال تعالى: " مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ" (فاطر، آية: 2).

- وقال تعالى: " سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ" (الصافات، آية: 180 ـ 182).

سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت استغفرك وأتوب إليك.  

علي محمد محمد الصلَّابَّي

المبحث الأول

القرآن الكريم كتاب معجز

من خصائص القرآن الكريم: الإعجاز، فهو المعجزة الكبرى لمحمد صلى الله عليه وسلم، التي لم يتحدالعرب بغيرها، برغم ما ظهر على يديه من معجزات لا تحصى (3).

أولاً: تعريف المعجزة وشروطها:

لم يرد في القرآن الكريم ولا في السنة المطهرة مصطلح المعجزة، إنما ظهر هذا المصطلح في وقت متأخر بعض الشيء عندما دوّنت العلوم ومنها علم العقائد وفي أواخر القرن الثاني الهجري وبداية الثالث، لذا نجد أن القرآن الكريم قد استعمل كلمة "الآية" في صدر إعطاء الدلائل للرسل عليهم الصلاة والسلام لمحاجة الأقوام، يقول تعالى: "وَأَقْسَمُواْ بِاللّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِن جَاءتْهُمْ آيَةٌ لَّيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الآيَاتُ عِندَ اللّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءتْ لاَيُؤْمِنُونَ" (الأنعام، آية: 109).

كما استعمل القرآن الكريم تارة لفظة "البينة" كما في قوله:" قَدْ جَاءتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ هَـذِهِ نَاقَةُ اللّهِ لَكُمْ آيَةً" (الأعرف، آية: 73).

والبينة هي الدلالة الواضحة عقلية كانت أو حسية.

وتارة يستخدم القرآن لفظة "البرهان" قال تعال:" فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِن رَّبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ" (القصص، آية: 32).

والبرهان بين للحجة وهو أوكد للدلالة ويقتضي الصدق لا محالة(4).

كما يأتي التعبير عن المعجزة أحياناً بالسلطان، قال تعالى:"تُرِيدُونَ أَن تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَآؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ" (ابراهيم، آية: 10).

ولعل اختيارهم لهذا المصطلح بدلاً من الآية والكلمات الأخرى لإزالة الدلالة المشتركة في الآية من القرآن الكريم كما في قوله تعالى: "مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللّهَ عَلَىَ كُلّ ِشَيْءٍ قَدِيرٌ" (البقرة، آية: 106).

وبيّن الآية بمعنى العلامة البارزة الدالة على وجود الخالق سبحانه وتعالى ووحدانيته كما في قوله تعالى:" إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ" (آل عمران، آية: 190).

وبين الآية بمعنى البناء العالي، كما في قوله تعالى: "أَتَبْنُونَ بِكُلّ ِرِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ" (الشعراء، آية 128).

وكذلك الخروج من الدلالات المشتركة في الكلمات الأخرى(5).

1- تعريف المعجزة: أمر خارق للعادة مقرون بالتحدي سالم عن المعارضة يظهره الله على يد رسله(6). فالمعجزة أمر خارق للسنة التي أودعها الله سبحانه وتعالى في الكون ولا تخضع الأسباب والمسببات ولا يمكن لأحد أن يصل إليها عن طريق الجهد الشخصي والكسب الذاتي، وإنما هو هبة من الله سبحانه وتعالى يختار نوعها وزمانها ليبرهن بها على صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي أكرمه بالرسالة.

والسحر والأعمال الدقيقية التي يمارسها بعض أهل الرياضات البدنية أو الروحية لا يدخل تحت اسم الخارق لأن لكل من تلك الأمور أساليب يمكن لأي إنسان أن يتعلمها ويتقنها ويمارسها، إذا اتبع الأسباب والاساليب المؤدية إلى نتائجها أمكنة بواسطة الجهد الشخصي والمران والممارسة أن يتوصل إلى تلك النتائج، أما الأمور الخارقة فلا تدخل تحت طاقة البشر، ليست لها أسباب تؤدي إليها(7).

2- شروط المعجزة: ومن خلال التعريف السابق للمعجزة نستطيع أن نتلمس شروطها:

أ- أن تكون من الأمور الخارقة للعادة: مثل عدم إحراق النار لسيدنا إبراهيم عليه الصلاة والسلام وعدم إغراق الماء لموسى عليه السلام وقومه، وعدم سيلانه عليهم، ومثل القرآن الكريم.

ب- أن يكون الخارق من صنع الله وإنجازه، قال تعالى: "وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِّن قَبْلِكَ مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُم مَّن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِي َبِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ فَإِذَا جَاء أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ" (غافر، آية: 78).

ج- سلامتها من المعارضة.

د- أن تقع على مقتضى قول من يدّعيها.

ه- التحدي بها.

و- أن يستشهد بها مدّعي الرسالة على الله عز وجل.

ز- تأخر الأمر المعجز عن دعوى الرسالة.

وقد توافرت هذه الشروط في إعجاز القرآن الكريم.

3- القرآن الكريم هو المعجزة الكبرى: لما زعم المشركون أن محمداً صلى الله عليه وسلم هو الذي ألف القرآن، قال الله تعالى: "أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَل لَّا يُؤْمِنُونَ * فَلْيَأْتُوا بِحَدِيث ٍمِّثْلِهِ إِن كَانُوا صَادِقِينَ * أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ" (الطور، آية: 33- 35).

- ثم تحداهم بعشر سور: "أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * فَإِن لَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّمَا أُنزِلِ بِعِلْمِ اللّهِ وَأَن لاَّ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ فَهَلْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ" (هود، آية: 13 ــ 14).

- ثم تحداهم بسورة واحدة: "وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُواْ شُهَدَاءكُم مِّن دُونِ اللّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُوا ْفَاتَّقُوا ْالنَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ" (البقرة، آية: 23 - 24).

- وقال تعالى: "أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ" (يونس، آية: 38).

فعجز جميع الخلق أن يعارضوا ما جاء به، سجل على الخلق جميعاً العجز إلى يوم القيامة بقوله تعالى: "قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَـذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا" (الإسراء، آية: 18).

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم:" ما من الأنبياء نبيّ إلا أعطى من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحياً أوحاه الله إليّ، فأرجوا أن أكون أكثرهم تابعاً يوم القيامة(8).

إن معجزات الأنبيـاء تتماثل مـن حيث إنهـا حسية ومخصوصة بزمنها، أو بمـن حضرها، أو منقرضة بانقراض من شاهدها، أما معجزة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فهي القرآن الكريم الذي لم يعط أحد مثله، وهو أفيدها وأدومها، لاشتماله على الدعوة والحجة، واستمرار تحديه في أسلوبه وبلاغته ومعانيه وأخباره، وعجز الجن والإنس على أن يأتوا بسورة مثله مجتمعين أو متفرقين في جميع الأعصار، مع اعتناء معارضيه بمعرضته فلم ولم يقدروا، فعمَّ نفعه من حضر ومن غاب، ومن وجد ومن سيوجد إلى آحر الدهر، ولذلك فإن محمداً صلى الله عليه وسلم أكثر الأنبياء اتباعاً(9).

هذا شرح للحديث على وجه الاجمال، وأما أسباب اختصاص نبينا محمد صلى الله عليه وسلم عن سائر الأنبياء بهذه المعجزة الظاهرة، فلثلاثة أسباب صار بها من أخص إعجازه، وأظهر آياته:

1- إن معجزة كل رسول موافق للأغلب من أحوال عصره والشائع المنتشر من ناس دهره، فلما بعث نبينا محمد صلى الله عليه وسلم في عصر الفصاحة والبلاغة خص بالقرآن في إيجازه وإعجازه، بما عجز عنه الفصحاء، وأذعن له البلغاء، وتبلد فيه الشعراء ليكون العجز عنه أقهر، والتقصير فيه أظهر، فصارت معجزاته -وإن اختلفت- متشاكلة المعاني، مختلفة العلل.

2- إن المعجزة في كل يوم بحسب أفهامهم وعلى قدر عقولهم وأذهانهم أفهامهم، والعرب أصح الناس أصح الناس فهاماً وأحدَّهم أذهاناً، فخصوا من معجزات القرآن بما تجول فيه أفهامهم، وتصل فيه أفهامهم، وتصل إليه أذهانهم(10).

3- وهذه المعجزة جمعت بين الدليل لما فيه من الإعجاز وغيره من وجوه الدلالة وبين المدلول بما فيه من بيان الإيمان وأدلته، وبيان الأحكام الشرعية والقصص والأمثال، والوعد والوعيد وغير ذلك من علومه التي لا تنحصر، ثم جعل مع حفظه وتلاوته من أفضل الأعمال التي يتقرب بها إلى الله تعالى.. ولهذا توفرت الدواعي على حفظه على مر الدهور والأعاصر، ففي كل قرن ترى من حفظته ما يفوق العد والاحصاء، ويستنفذ نجوم السماء ومثل ذلك لم يتفق لغيره من الكتب الإلهيه المقدسة(11).

وفي قوله صلى الله عليه وسلم: "فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً" آية من آيات نبوته، كما قال النووي: فإنه أخبر صلى الله عليه وسلم بهذا في زمن قلة من المسلمين، ثم من الله تعالى فتح على المسلمين البلاد، وبارك فيهم، حتى انتهى الأمر، وإتسع الإسلام في المسلمين إلى هذه الغاية المعروفة، ولله الحمد على هذه النعمة وسائر نعمه التي لا تحصى(12).

توضيح هذا الإعجاز:

- بيان حال محمد صلى الله عليه وسلم:

إن وضعه صلى الله عليه وسلم من الناحية العلمية معروف عند المشركين، فهو:

أ- بشر مثلهم، وليس من جنس آخر.

ب- أمي، لا يقرأ ولا يكتب.

جـ- تجاوز الأربعين، ولم يكن معروفاً قبل ذلك بالخطابة، مجاله بعيد عن الكلمة، وهو التجارة، ولم يحفظ عنه قبل البعثة أثر يدل على إنشائه لقصيدة أو حتى خطبة نثرية.

د- انه صلى الله عليه وسلم أتى بكتاب نسبه إلى الله، أجمع العرب على فصاحته وبلاغته وحسن نظمه، وواشتماله على علوم شتى، وآداب تترى.

وقوع التحدي بهذا الكتاب:

أ- إن هذا التحدي قائم في وجه كل معارض للرسول صلى الله عليه وسلم.

ب- التحدي بأن يأتوا بسورة من مثله.

جـ- وللمعارض أن يستعين بمن شاء من أعوان وشهداء وللمعارض أن يستعين بمن شاء من أعوان وشهداء سواء كانوا من الجن، أو من الإنس، أو من الجن والإنس مجتمعين معاً.

وجود دواعي التحدي:

أ- العرب أهل فصاحة وبلاغة وبيان.

ب- إن معارضي الرسول صلى الله عليه وسلم أهل عداوة عظيمة له.

جـ- وهم حريصون على أشد الحرص على إبطال دعوته بأي وسيلة، ومن أي طريق.

نتيجة التحدي صدق نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، لأنهم عجزوا غاية العجز عن الإتيان بسورة من مثله، ولو كان عندهم أدنى تأهل وتمكن لفعلوا، ولكنهم لم يقدروا، إذ كلام الفقير الناقص الجاهل، لا يكون أبداً مثل كلام الذي له الكمال المطلق، والغنى المطلق والقدرة المطلقة، والعلم المطلق، فكما أن ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله، فبالضرورة ليس لكلامه مثيل ولا شبيه، ولا يشتبه كلامه بكلام المخلوقين إلا على من اختل عقله، وغاب فؤاده، وهذا برهان ساطع ودليل قاطع على صحة ما جاء به صلى الله عليه وسلم، ويبقى على من عجز عن هذا التحدي قرار أن لا مفر من اتخاذ أحدهما:

- إما أن يؤمن بأن محمداً صلى الله عليه وسلم رسول من الله، وأن القرآن حق كلام الله، وهذا هو مقتضى العقل، وسبيل الفطرة السليمة، طريق الناجين في الدنيا والآخرة.

- وإما أن يعاند، وهو يعلم من نفسه أن القرآن حق، وهذا سبيل الجاحدين ومقتضي الجهل والعناد، وأصحاب النفوس المريضة، والقلوب السقيمة، وطريق الخاسرين في الدنيا والآخرة. وقد كان هذا التحدي سبباً في إسلام الكثيرين، لأن القرآن بهذه الاستشارة للعقول والألباب والقلوب يدعو للتفكر في القرآن بشكل أكبر، ويجعل الإنسان الشاك يتدبر أكثر وأكثر، حتى يصل إلى النهاية المحمودة إذا كان ممن يبحث عن الحق متجرداً من الهوى(13).

ثانياً: وجوه إعجاز القرآن:

كتب العلماء البلغاء قديماً وحديثاً حول "إعجاز القرآن" ووجوه هذا الإعجاز وألفت في ذلك كتب شتى، فمنهم من عُني بإخباره بالغيوب، ومنهم من عُني بالنظم والعبارة والأسلوب، أو ما يسمى "الإعجاز البياني" وقد كتب فيه القدماء، مثل الباقلاني، والرماني، والخطابي، والجرجاني، والفخر الرازي، وغيرهم.

وكتب فيه المحدثون، مثل: مصطفى صادق الرافعي، وسيد قطب في كتابه "التصوير الفني في القرآن" ومثله "مشاهد القيامة في القرآن" وطبقه في تفسيره "في ظلال القرآن" وكتاب الدكتور بدوي طبانة "بلاغة القرآن" والدكتور محمد عبد الله دراز "النبأ العظيم" ومنهم من عُني بالإعجاز التشريعي أو الإصلاحي الذي جاء به القرآن، كما فعل الشيخ محمد رشيد رضا في كتابه "الوحي المحمدي" حيث جدد التحدي بالقرآن، وبين المقاصد التي جاء القرآن يلحقها الحياة، وأنه يستحيل أن يأتي بها رجل أمي في أمة أمية، وقد فاقت كل ما جاء به الفلاسفة والمصلحون ومثل ذلك: المقالات التي كتبها العلامة محمد أبو زهرة في مجلة "المسلمون" الشهرية المصرية، تحت عنوان "شريعة القرآن دليل على أنه من الله"(14).

وفي عصرنا ظهر نوع جديد أطلق عليه الإعجاز العلمي ويقصد به: ما تضمنه القرآن من إشارات ودلالات على حقائق علمية كانت مجهولة للناس في وقت نزل القرآن، وتعتبر سابقة لغيرها، ولا تتصور أن تصدر من رسول أمي في بيئة أمية، وفي عالم لا يعرف عن هذه الحقائق شيئاً(15)، واشتهر في هذا الميدان كل من الشيخ عبد المجيد الزنداني والدكتور زغلول راغب محمد النجار وغيرهم.

وقد تعددت جوانب الإعجاز القرآني، بمعنى عجز البشر عن الإتيان بشيء مثله بتعدد الزوايا، التي ينظر منها إنسان محايد إلى كتاب الله، ومن هذه الجوانب:

1- الإعجاز اللغوي، الأدبي، البياني، البلاغي، النظمي، اللفظي، والدلالي.

2-الإعجاز العقدي "الاعتقادي".

3- الإعجاز التعبدي "العبادي".

4-الإعجاز التشريعي.

5- الإعجاز التاريخي.

6- الإعجاز التربوي.

7- الإعجاز النفسي.

8- الإعجاز الاقتصادي.

9ـ الإعجاز الإداري.

10ـ الإعجاز التنبؤي.

11- الإعجاز العلمي.

12- إعجازالتحدي للإنس والجن مجتمعين أن يأتوا بشيء من مثله في أسلوبه، أو مضمونه، أو محتواه دون أن يتمكن أحد من ذلك(16).

المبحث الثاني: الإعجاز العلمي:

ليس القرآن كتاب علوم، فلا هو كتاب في الفلك أو الفيزياء أو الكيمياء أو علم الحياة ولكنه مع ذلك يحوي إشارات في كل تلك العلوم وموضع هذه الإشارات في كتاب الله هو تعريف الناس بقدرة ربهم التي لا تحد وبآيات قدرته في هذا الكون، ليعرفوا أنه لا إله غيره، ولا مدبر غيره، ولا رازق غيره، ولا مهيمن غيره، فيعبدوه وحده بلا شريك ويتبعوا ما انزل إليهم.

وبعض هذه الإشارات كان معلوماً مشاهداً بالنسبة للعرب المخاطبين بهذا القرآن أول مرة، فكان ذكرها لهم، وتذكيرهم بها، مقصوداً به إزالة الغشاوة التي تغشى على بصائرهم فتجعلهم لا يدركون الدلالة الواضحة التي يجب أن تستمد منها، وهي أنه مادام الله هو الذي يقدر، وهو على كل شيء قدير، ولا أحد يقدر قدرته، ولا يدبر تدبيره، ولا يهيمن هيمنته، فالعبادة ينبغي أن توجه إليه وحده دون الآلهة المزعومة التي لا تخلق، ولا تقدر، ولا تدبر، ولا تهيمن، ولكن بعض هذه الإشارات كان جديداً على أولئك المخاطبين بالقرآن أول مرة، لا يعرفون أسرارها، أو لا يعرفون تفصيلاتها، وقال لهم الله في كتابه المنزل إنهم سيعرفونها ذات يوم.

- قال تعالى: "سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ" (فصلت، آية: 53).

- وقال تعالى: "وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ" (النمل، آية: 93).

- وقال تعالى: "وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ" (ص، آية: 88).

فأما الذين آمنوا فقد أخذوا هذه الإشارات بالتسليم وإن كانوا لا يعرفون كل شيء عنها، مادامت من عند ربهم الذين آمنوا به وصدقوه.

- قال تعالى: "فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ".

- وقال تعالى: "يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا" (آل عمران، آية: 7).

ولكن أجيالاً وراء أجيال كانت تتعرف رويداً رويداً على بعض أسرار هذه الإشارات، فتزيدها المعرفة إيماناً، وإن كانوا قد كانوا مؤمنين مصدقين من قبل.

وفي عصرنا الحديث هذا الذي اتسعت فيه دائرة العلوم وانكشف فيه كثير من أسرار الكون،  تبينت للناس حقائق كثيرة تتعلق بالإشارات القرآنية لم تكن معلومة من قبل، فازداد الناس تعلقاً بتلك الإشارات وقامت بشأنها أبحاث متخصصة يقوم بها علماء مسلمون في شتى فروع المعرفة، وقامت دعوة تهدف إلى الإكثار من هذه الأبحاث، من أجل إقناع غير المسلمين بالإسلام عن طريق إثبات صدق القرآن، وأنه وحي منزل من عند الله، إذ لم تكن المعلومات الواردة فيه معروفة للبشرية كلها من قبل، فيستحيل أن يكون محمد صلى الله عليه وسلم هو مؤلف القرآن من عند نفسه كما يزعم المستشرقون وغيرهم من أعداء الإسلام وهو إتجاه سليم في ذاته، وقد أسلم على هداه بعض الناس بالفعل... ولكن هناك في هذا الاتجاه محاذير، فبعض الناس تدفعهم الحماسة فيتلقفون كل نظرية علمية يظنون فيها تأييداً أو إثباتاً لإشارة من الإشارات الواردة في القرآن، فيسارعون إلى تبنيها، ويفسرون الآيات القرآنية عل هداها، وليس كل ما يقال في الساحة العلمية حقائق، فبعضها لا يزيد على فروض علمية، وبعضها مازال في طور النظرية لم يصل إلى حد أن يصبح حقيقة علمية موثوقاً بها، فإذا ربطنا تفسيرنا للآيات القرآنية ببعض هذه الفروض أو النظريات، ثم تبين بعد حين من الوقت أنها لم تكن صحيحة، فإننا نقع من حيث لا ندري في الغلطة التي وقعت فيها الكنيسة في العصور  الوسطى، إذ تبنت أفكاراً علمية كانت سائدة يومئذ ففسرت بها ما جاء في التوراة والإنجيل من إشارات كونية، فلما تقدم العلم وتبين خطأ هذه النظريات كفر الناس بالتوراة والإنجيل  وكذبوا كل ما كان فيهما مما بقي على أصله المنزل، ومما حرف، ومما أسيء تأويله، فجعلوها كلها أكاذيب.

والقرآن غني بدلائل الإعجاز فيه، سواء الإعجاز البياني الذي تحدى الله به البشر جميعاً، والبلغاء في أولهم، فعجزوا عن الاتيان بمثله، أو بألوان الإعجاز الأخرى التي -سنتحدث عن بعضها بإذن الله في هذا الكتاب- ولا يحتاج أن نلتمس له أسانيد من النظريات العلمية  المتداولة اليوم، التي قد يظهر بطلانها غداً ولكن لا بأس أن نأخذ الحقائق العلمية التي ثبتت صحتها، والتي نجدها متوافقة مع ما جاء في القرآن، أو مفسرة له فتعتمدها، ونتخذها دليلاً يضاف إلى الأدلة القائمة من قبل على أن هذا القرآن وحي رباني، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، على ألا نتعسف في ربط تفسير الآيات بكل شاردة وواردة بما يسمى علماً، كما حاول بعضهم أن يفسر قوله تعالى: "وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا" (نوح، آية: 14). بما يتفق مع نظرية التطور بينما أصحاب النظرية ذاتهم يتشككون اليوم في صدقها، وينحون في  تفسير الحياة على الأرض منحى غير منحى دارون(17).

إن الله عز وجل ميز القرآن الكريم الذي يحمل كلمته الأخيرة للبشرية كافة بخصائص لا توجد في غيره، فقد كانت الرسالات السابقة محدودة بأقوام معينين ومحدودة بزمن معين ينتهي بإرسال رسول جديد، بينما هذه الرسالة للبشر كافة، وللزمن كله من مبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، فكانت الكتب المنزلة السابقة تحوي احتياجات الأقوام الذين تنزل عليهم في الزمن المحدد في علم الله، أما القرآن، فقد أنزل الله فيه ما تحتاج إليه البشرية كلها، وفي الزمن القادم كله، فلا عجب أن يختلف عن الكتب السابقة في مبناه وفي محتوياته، وإن كان مصدقاً لما فيها، ولكن مهيمناً عليها، قال تعالى: "وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ" (المائدة، آية: 48).

والإعجاز العلمي كان واحداً من جوانب التميز التي تفرد بها هذا الكتاب وانكشاف الحقائق العلمية التي يحتويها الكتاب للبشر جيلاً بعد جيل هو جانب من جوانب استمرارية الرسالة  التي نزل بها الكتاب، فهو ليس لجيل واحد تنتهي مهمته بعدها، أو تنقطع صلة الأجيال به،  بل هو لكل الناس في كل جيل، يهديهم إلى ربهم، ويوجههم إلى الخير وإلى الحق، ويربيهم على المنهج القويم ويعلمهم ما لم يكونوا يعلمون(18)

أولاً: من آيات الإعجاز العلمي في خلق الكون والشمس والقمر والنجوم والسموات:

1- بدء الكون ومصيره:

قال تعالى: "قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ * وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً للسَّائِلِينَ * ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ * فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاء أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاء الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ" (فصلت، آية 9: 12).

في الآيات الكريمة إشارة إلى ثلاث حقائق كونية:

- خلق الأرض وتقدير الأقوات فيها في أربعة أيام قبل السماء.

- أصل الكون المادي من الدخان.

- الدورات التكوينية للأرض والسماء ومجموعها ستة أيام.

إن العلوم الفضائية، والعلوم الطبيعية لا زالت تحبو للتعرف على أصل الكون ونشأته والمادة الأولية التي تتكون منها الأجرام السماوية وطريقة تشكيلها، ولقد درسوا ملياً ما يقع على الكرة الأرضية من خارج مجالها من النيازك(19) والأتربة الكونية وما حصلوا عليه أخيراً من قطع من سطح القمر، كل ذلك يؤكد وحدة أصل الكون المادي، وأصبح ذلك حقيقة علمية عندهم، ولكنهم لم يستطيعوا تحديد الحالة الأولية لهذه المواد التي كانت عليها قبل تجمعها في مجموعات من النجوم والكواكب المجرات، ولن يستطيعوا ذلك إلا ظناً وتخميناً، قال تعالى: "مَا أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا" (الكهف، آية: 51).

وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا الأصل الموحد وساق حقائق كونية في غاية الوضوح، قال تعالى: "أَوَ لَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ * وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ * وَجَعَلْنَا السَّمَاء سَقْفًا مَّحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ" (الأنبياء، آية: 30 -32).

ويفصل في آيات أخرى مراحل الخلق والتكوين، فيقول جل جلاله: "ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ" (فصلت، آية: 11).

لم يصل العلم الحديث للآن إلى معرفة أصل الوجود المادي للكون على الرغم من توصل العلم إلى نجاحات كبيرة في مسائل التطبيقية والاستفادة من دراسة خصائص المادة واستخدام الطاقات الكونية المختلفة، فنحن نعرف طرقاً شتى لاستخدام الكهرباء في التدفئة والعلاج والانارة وإدارة الآلات وتسيير القاطرات والسيارات وغير ذلك من الاستخدامات، إلا أننا لا نعرف تماماً ما هي الكهرباء، وقل مثل ذلك في الضوء والحرارة، فنطلق على كل ذلك لفظاً مبهماً هو الطاقة التي أودعت بين ثنايا الكون وأرجائه المختلفة(20).

وعلى الرغم من محاولة العلم الحديث التعرف على اللبنات الأولى التي ينبني عليها الكون المادي ومحاولة التعرف على الذرة إلا أنه لم يخرج بطائل من دراسته هذه، يقول العلم الحديث: قوام الذرات جسيمات متناهية في الصغر تتشابه في جميع ذرات العناصر داخل كل ذرة ـ بالاضافة إلى النواة ـ نوع المادة أو العنصر، خلقت منه الأجرام السماوية وتطورت عنه داخل الشموس والنجوم سائر المواد المعروفة، قد كان المعتقد إلى عهد ليس ببعيد بين جمهرة العلماء أن الذرة غير قابلة للتجزئة إلى جسيماتها أو طاقاتها الأولية.. ولكن لما عرفت وسائل تحطيم الذرة في هذا العصر أمكن الجزم بإمكان تقسيم الذرة وإنطلاق طاقات عظمى مما يدخر بين ثناياها أساسها الطاقة التي استخدمت في الأصل في ربط جسيماتها الأولية، فهل هذا الغاز الكوني هو الدخان الذي شكل أصل التكوين المادي؟ أو أن المراد بالدخان هي تلك السدم الغازية الملتهبة التي تتجمع في ساحات هائلة من الكون تشكل نجوماً أو مجموعات منها (21)؟

لقد استطاع علماء الذرة في السنوات الأخيرة من تجزئة الذرة وتقسيمها، وقد وجدوا أنها تحتوي على البروتون والنيترون والاليكترون بواسطة التجزئة اخترعوا القنبلة الذرية والهايدروجينية، قال تعالى: "وَمَايَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاء وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ" (يونس، آية: 61).

فكلمة " أَصْغَرَ" من الذرة في الآية الكريمة تصريح جلي بإمكان تجزئتها، وفي قوله: "وَلاَ فِي السَّمَاء" بيان بأن خواص الذرات في الأرض هي نفس ذرات العناصر الموجودة في الشمس والنجوم والكواكب الأخرى، فمن لمحمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم وهو الأمي بعلم الذرة أن يعرف هذا، وهذا دليل واضح على أن القرآن وحي من الله لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم(22).

والأمر الآخر في آيات "فُصلت" هو خلق الأرض، ووضع البركة فيها وتقدير الأقوات في أربعة أيام، كل ذلك قبل تشكيل السماء وجعلها سبع سموات وهذه الحقيقة لا يستطيع العلم البشري أن يصل إليها إلا من طريق الوحي من خالق السماوات والأرض، لأن وسائل البشر محدودة فلا يستطيع أن يخترق بوسائله المادية حجب غيب الماضي ليعرف تكوين الأجرام الكونية السابق منها عن اللاحق.

وهنا لابد من الإشارة إلى آيات سورة "النازعات" فقد يفهم بعضهم أنها تتعارض مع آيات سورة "فصلت" وقد ثار هذا الإشكال في عصر الصحابة رضوان الله عليهم(23).

في صحيح البخاري قال:.. وقال المنهال عن سعيد بن جبير قال: قال رجل لابن عباس رضي الله عنهما إني لأجد في القرآن أشياء تختلف عليّ، قال: "فَلَا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءلُونَ" " وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يتَسَاءلُونَ" " وَلاَ يَكْتُمُونَ اللّهَ حَدِيثًا" "وَاللّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ" فقد كتموا في هذه الآية وقال تعالى: "أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاء بَنَاهَا" إلى قوله " وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا" فذكر خلق السماء قبل الأرض ثم  قال تعالى:" قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ" إلى قوله " طَائِعِينَ " فذكر في هذه خلق الأرض قبل خلق السماء، قال:" وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا"" عَزِيزًا حَكِيمًا" " سَمِيعًا بَصِيرًا" فكأنه كان ثم مضى.

فقال ابن عباس رضي الله عنهما: "فَلَا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءلُونَ" في النفخة الأولى "ثُمَّ َنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاء اللَّهُ" فلا أنساب بينهم عند ذلك، ولا يتسائلون بينهم وفي النفخة الأخر: "وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءلُونَ" وأما قوله "وَاللّه ِرَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ" "وَلاَ يَكْتُمُونَ اللّهَ حَدِيثًا" فإن الله يغفر لأهل الإخلاص ذنوبهم فيقول المشركون تعالوا نقول لم نكن مشركين فيختم على أفواههم فتنطق أيديهم فعند ذلك يعرف أن الله تعالى لا يكتم حديثاً، "يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَعَصَوُاْ الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الأَرْضُ وَلاَ يَكْتُمُونَ اللّهَ حَدِيثًا" وخلق الأرض في يومين ثم خلق السماء ثم استوى إلى السماء فسواهن في يومين آخرين، ثم دحى الأرض ودحيها أن أخرج منها الماء والمرعى وخلق الجبال والرمال والجماد والآكام وما بينهما في يومين آخرين، فذلك قوله تعالى "دَحَاهَا"، وقوله "خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ" فخلق  الأرض وما فيها من شيء في أربعة أيام وخلق السماوات في يومين. "وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا" سمى نفسه بذلك وذلك قوله: أي لم يزل كذلك فإن الله تعالى لم يرد شيئاً إلا أصاب به الذي أراد فلا يختلقن عليك القرآن فإن كلا من عند الله عز وجل(24).

إن خلق الأرض قبل السماء بالنص وإنما دُحيت بعد خلق السماء، بمعنى: أنه أخرج ما كان فيها  بالقوة إلى الفعل وعن ابن عباس "دَحَاهَا" ودحيها أن أخرج منها الماء والمرعى، وشقق الأنهار، وجعل فيها الجبال والرمال والسبل والآكام(24).

وأما الحقيقة الثالثة في آيات سورة "فُصلت" فهي الدورات التكوينية للأرض والسماء ومجموعها في ستة أيام وقد اختلف المفسرون قديماً في مقدار اليوم المقصود في الآيات الكريمة، فاليوم الاصطلاحي الذي ترتبط به الاحكام التكليفية من الصوم والصلاة والعدة وغير ذلك هو من مطلع الفجر أو الشمس إلى غروبها، إلا أن هذه المدة الزمنية المعينة لا تقدر بهذا المقدار إلا بعد وجود الأرض والشمس ووجود دوراتهما في أفلاكهما. والحديث هنا عن خلق الأرض والسماء، فكيف نقدر قبل وجودهما؟

هذا ما دفع بعض المفسرين للذهاب إلى تقدير تلك الأيام بفترة زمنية تتناسب مع أدوار التكوين، فعن مجاهد: يوم من الستة أيام كألف سنة مما تعدون وهو يشير إلى قوله تعالى: "وَإِنَّ يَوْمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ" (الحج، آية: 47).

وجاء في سورة المعارج قوله تعالى: " تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ" (المعارج، آية: 4).

وفي سورة السجدة: "يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاء إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ" (السجدة، آية " 5).

ويذهب علماء الفلك المعاصرون إلى ما يطلقون عليه "النسبية الزمنية" وأن لكل كوكب وحدته الزمنية الخاصة به وذلك يقدر بالنسبة لسبحها في الفضاء ودورانها في أفلاكها(25).

وإطلاق القرآن الكريم اسم اليوم على مقدار ألف سنة تارة وخمسين ألف سنة تارة أخرى يشير إلى مفهوم النسبية هذا.

هذا ما جعل الباحثين في أصل تكوين الأجرام السماوية يطلقون اصطلاح الدورات التكوينية. فالدور الأول: كون الأرض مع السماء رتقاً.

والدور الثاني: انفصال الأرض عن السماء.

والدور الثالث والرابع: هما دور تهيئة الأرض للحياة بإرساء الجبال فيها وتقدير الأقوات، وخلق الحياة.

إلا أن تقدير هذه الدورات بالمدد الزمنية تتفاوت أقوالهم فيها، وهم في ذلك يتبعون الظن وما هم بمستيقنين(26).

فطالما أن الإنسان -أي إنسان- لم يشهد خلق السماوات والأرض وكذلك لم يشهد خلق السماوات والأرض وكذلك لم يشهد خلق نفسه ولا خلق غيره فكيف يعرف الحقيقة إذن؟ وصدق الله العظيم:" مَا أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا" (الكهف، آية: 51).

الآيات التي تحدثت عن خلق السماوات والأرض وإفنائها وإعادة خلقهما من جديد:

من قبل أكثر من ألف وأربعمائة سنة لخص لنا ربنا عز وجل في صياغة كلية شاملة عملية خلق السماوات والأرض وإفنائهما وإعادة خلقهما من جديد في خمس آيات القرآن الكريم على النحو التالي:

أ- قال تعالى: "وَالسَّمَاء بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ" (الذاريات، آية: 47). معاني الآية الكريمة:" وَالسَّمَاء بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ": أي: خلقناها وأتقناها وجعلناها سقفاً للأرض وما عليها "بِأَيْدٍ أي: بقوة وقدرة عظيمة "وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ": لأرجائها وأنحائها، وإنا لموسعون أيضاً على عبادنا بالرزق الذي ما ترك دابة في مهامة القفار ولجج البحار، وأقطار العالم العلوي والسفلي إلا وأوصل إليها من الرزق ما يكفيها، وساق إليها من الإحسان ما يغنيها، فسبحان من عمّ بجوده جميع المخلوقات وتبارك الذي وسعت رحمته جميع البريات(27).

ب ـ قال تعالى: "أَوَ لَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ" (الأنبياء، آية: 30).

ومن التفاسير لهذه الآية: "أَوَ لَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا" أي: الجاحدون لإلهيته العابدون معه غيره ألم يعلموا أن الله هو المستقل بالخلق المستبد بالتدبير، فكيف يليق أن يعبد معه غيره أو يشرك به سواه؟ ألم يروا" أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا" أي: كان الجميع متصلاً بعضه ببعض متلاصق متراكم بعضه فوق بعض في ابتداء الأمر، ففتق هذه من هذه، فجعل السماوات سبعاً والأرض سبعاً وفصل بين السماء الدنيا والأرض بالهواء، فأمطرت السماء وأنبتت الأرض ولهذا قال" وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ" أي: وهم يشاهدون المخلوقات تحدث شيئاً فشيئاً عياناً، وذلك كله دليل على وجود الصانع الفاعل المختار القادر على ما يشاء:

                ففي كل شيء له آية

                                        تدل على أنه واحد

"كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا" قيل: كانت السماء واحدة ففتق منها سبع سماوات وكانت الأرض واحدة ففتق منها سبع أرضين، وقال الحسن وقتادة: كانتا جميعاً ففصل بينهما بهذا الهواء(28).

إن دراسات علماء الفلك والكون تؤكد أن الكون كان كتلة متماسكة حارّة ثم بدأ بانفجار مدو عظيم أدى إلى إنفصال الكتلة الملتحمة وتفرقت أجزاؤها في أنحاء الفضاء وكانت درجة الحرارة عالية جداً ثم تبردت وانخفضت، هذا ما توصل إليه العلماء بعد دراسات حثيثة ومضنية(29).

ج- قال تعالى:" ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَانٌ فَقَال َلَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ" (فصلت، آية: 11).

ومن تفسير هذه الآية " ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَانٌ" وهو بخار الماء المتصاعد منه حين خلقت الأرض "فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا" أي: استجيبا لأمري وافعلا لفعلي طائعتين أو مكرهتين "قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ" أي: ليس لنا إرادة تخالف إرادتك(30)

د- وقال تعالى: "يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاء كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ" (الأنبياء، آية: 104).

أي: يخبر الله تعالى أنه يوم القيامة يطوي السماوات على عظمها واتساعها كما يطوي الكاتب السجل، أي الورقة المكتوب فيها، فتنتشر نجومها، وتكور شمسها وقمرها، وتزول عن أماكنها(31).

س- قال تعالى: "يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُواْ للّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ"(إبراهيم، آية: 48). أي: تبدل غير السماوات، وهذا التبديل، تبديل صفات لا  إلى  تبديل ذات فإن الأرض يوم القيامة تسوى وتمد كمد الاديم ويلقى ما على ظهرها من جبل ومعلم، فتصير قاعاً صفصفاً، لا ترى فيها عوجاً ولا أمتا، وتكون السماء كالمهل من شدة أهوال ذلك اليوم، ثم يطويها الله تعالى بيمينه " وَبَرَزُواْ" أي: الخلائق من قبورهم إلى يوم بعثهم ونشورهم في محل لا يخفى منهم على الله شيء " للّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ" أي: المنفرد بعظمته وأسمائه وصفاته وأفعاله العظيمة وقهره لكل العوالم، فكلها تحت تصرفه وتدبيره، فلا يتحرك منها متحرك، ولا يسكن ساكن إلا بإذنه(32).

إن الآيات الخمسة السابقة تشير إلى أن الكون الذي نحيا فيه يتسع باستمرار، وأننا إذا عدنا بهذا الاتساع إلى الوراء مع الزمن فلابد أن يتكدس على هيئة جرم واحد "مرحلة الرتق" وهذا الجرم الابتدائي انفجر بأمر من الله، "مرحلة الفتق" فتحول إلى سحابة من الدخان "مرحلة الدخان"، خلقت منه الارض والسموات "مرحلة الإتيان"، وأن الكون منذ لحظة انفجاره ظل في توسع مستمر وأن هذا التوسع سوف يتوقف في المستقبل الذي لا يعلمه إلا الله، بأمر منه تعالى، فيبدأ الكون في الانطواء على ذاته، والتكدس في جرم واحد كهيئة الجرم الابتدائي الأول الذي بدأ منه خلق السموات والارض، فتتكرر عملية الانفجار والتحول إلى دخان الذي تخلق منه أرض غير أرضنا الحالية، وسماوات غير السماوات التي تظللنا في الحياة الدنيا، وهنا تبدأ رحلة الحياة الدنيا وتبدأ رحلة الآخرة.

ومراحل الرتق، والفتق، والدخان، والإتيان، بالسموات والارض، وتوسع السماء، ثم طيها تعطينا كليات مراحل الخلق والإفناء والبعث دون الدخول في التفاصيل وهذه الحقائق القرآنية لم يستطع الإنسان إدراك شيء منها إلا في أواخر القرن العشرين مما يؤكد سبق القرآن الكريم للمعارف الإنسانية كلها بأكثر من أربعة عشر قرناً، وهذا وحده مما يشهد للقرآن بأنه لا يمكن أن يكون إلا كلام الله الخالق، كما يشهد لخاتم الأنبياء والمرسلين صلى الله وسلم وبارك عليه وعليهم أجمعين، بأنه كان موصولاً بالوحي، ومعلماً من قبل خالق السماوات والأرض حيث إنه لم يكن لأحد من الخلق علم بهذه الحقائق الكونية في زمن الوحي، ولا لقرون متطاولة من بعد نزوله وتشهد هذه الآيات الخمس بدقة الإشارات الكونية الواردة في كتاب الله وشمولها وكمالها، وصياغتها صياغة معجزة يفهم منها أهل كل عصر معنى من المعاني يتناسب مع المستوى العلمي للعصر، وتظل هذه المعاني تتسع باستمرار مع توسع دائرة المعرفة الإنسانية في تكامل لا يعرف التضاد، وهو من أبلغ صور الإعجاز العلمي في كتاب الله(33).

2ـ تمدد الكون:

قال تعالى: "وَالسَّمَاء بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ" (الذاريات، آية: 47).

قبل سنوات قليلة لم يكن الناس يعرفون شيئاً عما يجري في الآماد البعيدة من السماء، فقد كانت أدوات الرصد عندهم محدودة المدى، تدرك وجود الكواكب، وتدرك وجود المجرات في السماء، وتقدر أنها تبلغ الملايين عدا، ولكنها لا تدرك أن هناك اتساعاً دائماً في الفضاء، وأن المسافات تتباعد بين بعض الأجرام السماوية وبعض، ولم يدركوا ذلك حتى اخترعوا مناظير من أنواع أخرى تخترق الأغوار البعيدة في الفضاء ومركبات فضاء تسجل حركة الافلاك على أبعاد هائلة من الارض وكلما اتسعت معارف الإنسان ومخترعاته وجد جديداً في كتاب الله لم يكن يفطن إليه، أولم يكن يدرك أسراره(34).

تشير الآية الكريمة "وَالسَّمَاء بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ" (الذاريات، آية: 47) إلى عدد من الحقائق الكونية التي لم تكن معروفة لأحد من الخلق وقت تنزل القرآن الكريم، ولا لقرون متطاولة من بعد تنزله منها:

أ- أن السماء بناء محكم التشييد، دقيق التماسك والترابط، وليست فراغاً كما كان يعتقد إلى عهد قريب وقد ثبت علمياً أن المسافات بين أجرام السماء مليئة بغلالة رقيقة جداً من الغازات التي يغلب عليها غاز الإيدروجين وينتشر في هذه الغلالة الغازية بعض الجسيمات المتناهية في الصغر من المواد الصلبة على هيئة هباءات من غبار دقيق الحبيبات، يغلب على تركيبة ذرات من الكالسيوم، والصوديوم والبوتاسيوم، والتيتانيوم والحديد، بالإضافة إلى جزيئات من بخار الماء والأمونيا والفورمالدهايد وغيرها من المركبات الكيميائية وبالإضافة إلى المادة التي تملأ المسافات بين النجوم، فإن المجالات المغناطيسية تنتشر بين كل أجرام السماء لترتبط بينها في بناء محكم التشييد، متماسك الأطراف، وهذه حقيقة لم يدركها العلماء إلا في القرن العشرين، بل في العقود المتأخرة منه(35).

ب- إن في الإشارة القرآنية الكريمة "وَالسَّمَاء بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ" (الذاريات، آية: 47). أي: بقوة وحكمة واقتدار وإحكام صنعه، وانضباط حركاته ودقة كل أمر من أموره، وثبات سننه، وتماسك أجزائه، وحفظه من التصدع والانهيار، فالسماء لغة هي كل ما علاك فأظلك ومضموناً هي كل ما حول الأرض من أجرام ومادة وطاقة السماء التي لا يدرك العلم الكسبي إلا جزاءاً يسيراً منها ويحصي أن بهذا الجزء المدرك من السماء الدنيا مائتي بليون مجرة على أقل تقدير، بعضها أكبر كثيراً من مجرتنا "درب التبانة أو سكة التبانة" وبعضها أصغر قليلاً منها وتتراوح أعداد النجوم في المجرات بين المليون، والعشرة ملايين، وملايين الملايين، وتمر هذه النجوم في مراحل من النمو مختلفة " من الميلاد إلى الطفولة، والشباب، والكهولة، والشيخوخة ثم الوفاة ولما كان لأقرب النجوم إلينا "وهي شمسنا" توابع من الكواكب والكويكبات، والأقمار  وغيرها، فإن القياس يقتضي أن يكون للنجوم الأخرى توابع قد اكتشف عدد منها بالفعل ويبقى الكثير منها مما لم يتم اكتشافه بعد(36).

جـ- التعبير القرآني "وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ" (الذاريات، آية: 47). يشير إلى تلك السعة المذهلة، كما يشير إلى حقيقة توسع هذا الكون باستمرار إلى ما شاء الله وهي حقيقة لم  يدركها الإنسان إلا في القرن العشرين، حين ثبت لعلماء كل من الفيزياء النظرية والفلك أن  المجرات تتباعد عنا وعن بعضها البعض سرعات تتزايد بتزايد بعدها عن مجرتنا، وتقترب أحياناً من سرعة الضوء "المقدر بحوالي ثلاثمائة ألف كيلو متر في الثانية"(37).

س- تشير ظاهرة توسع الكون إلى تخلق كل من المادة والطاقة لتملأ المساحات الناتجة عن هذا التوسع، وذلك لأن كوننا تنتشر المادة فيه بكثافات متفاوتة ولكنها متصلة بغير انقطاع، فلا يوجد فيه مكان بلا زمان كما لا يوجد فيه مكان وزمان بغير مادة وطاقة ولا يستطيع العلم حتى يومنا هذا أن يحدد مصدر كل من المادة والطاقة اللتين تملآن المساحات الناتجة عن تمدد الكون، بتلك السرعات المذهلة، ولا تفسير لها إلا الخلق من العدم(38).

ك: أدى إثبات توسع الكون إلى التصور الصحيح بأننا إذا عدنا بهذا التوسع إلى الوراء مع الزمن، فلابد وأن تلتقي كل صور المادة والطاقة كما يلتقي كل من المكان والزمان في نقطة واحدة، وأدي ذلك إلى الاستنتاج الصحيح بأن الكون قد بدأ من هذه النقطة الواحدة بعملية انفجار عظيم، وهو مما يؤكد أن الكون مخلوق له بداية وكل ما له بداية فلابد وأن ستكون له في يوم من الأيام نهاية، كما يؤكد حقيقة الخلق من العدم، لأن عملية تمدد الكون تقتضي خلق كل من المادة والطاقة بطريقة مستمرة ـ من حيث لا يدرك العلماء وذلك ليملأ "في التو والحال" المسافات الناشئة عن تباعد المجرات بسرعات مذهلة، وذلك لكي يحتفظ الكون بمستوى متوسط لكثافته التي نراه بها اليوم، وقد أجبرت هذه الملاحظات علماء الغرب على هجر معتقداتهم الخاطئة في ثبات الكون والتي دافعوا عنها طويلاً، انطلاقاً من ظنهم الباطل بأزلية الكون وأبديته، لكي يبالغوا في كفرهم بالخلق وجحودهم للخالق سبحانه.

هذه الاستنتاجات الكلية المهمة عن أصل الكون، وكيفية خلقه وإبداع صنعه، وحتمية نهايته، أمكن الوصول إليها من ملاحظة توسع الكون وهي حقيقة من أهم حقائق علم الفلك لم يتمكن الإنسان من إدراكها إلا في القرن الماضي، ودار حولها الجدل حتى سلم بها أهل العلم أخيراً وقد سبق القرآن الكريم بإقرارها قبل أربعة عشر قرناً أو يزيد، ولا يمكن لعاقل أن يتصور مصدراً لتلك الإشارة القرآنية الباهرة غير الله الخالق سبحانه وتعالى، فسبحان خالق الكون الذي أبدعه بعلمه وحكمته وقدرته، والذي أنزل لنا في خاتم كتبه، وعلى خاتم أنبيائه ورسله صلى الله عليه وسلم عدداً من حقائق الكون الثابتة ومنها تمدد الكون وتوسعه فقال سبحانه: "وَالسَّمَاء بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ" (الذاريات، آية: 47)(39).

3- رفع السموات بغير عمد:

قال تعالى: "اللّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُّسَمًّى يُدَبِّرُ الأَمْرَ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لَعَلَّكُم بِلِقَاء رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ * وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ" (الرعد، آية: 2 ـ 3).

-وقال تعالى: "خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ * هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ" (لقمان، آية 10 ـ 11).

الحقيقة الواردة في الآيتين في "الرعد" و"لقمان" حول السماء هو ذكر العمد، وذكر المفسرون تفسيرين للآيات:

أ- فمنهم من أثبت أن للسماوات أعمدة إلا أنها لا ترى: فمعنى الآية: الله الذي رفع السماوات -بغير عمد مرئية- وذلك بجعل جملة " -ترونها صفة "العمد" والضمير يعود إلى عمد.

ب- ومنهم من ذهب إلى أن ليس للسماوات عمد أصلاً، ويكون معنى الآية: الله الذي رفع السماوات كما ترونها، بغير عمد، وذلك بجعل جملة "ترونها" حالاً من السماوات ويعود الضمير إلى السماوات.

ويميل علماء الفلك المعاصرون إلى التفسير الأول فيقولون: إن الأجرام السماوية كلها قد بناها الخالق سبحانه وتعالى وجعل كل جرم فيه بمثابة لبنة من بناء شامخ، ورفع هذه الأجرام كلها بعضها فوق بعض بقوى هي نوع القوة الطاردة المركزية، كما ربطها في نفس الوقت برباط الجاذبية العالية والجاذبية تتعادل مع القوى الطاردة المركزية الناجمة عن الدورات في مسارات شبه دائرية أو قطاعات ناقصة، وهي بمثابة الأعمدة المقامة بالفعل، ورغم أننا نبصرها بأعيننا إلا أن ذلك لا يعني أن تلك الأعمدة غير موجودة بحال من الأحوال، فنحن نستطيع أن نتصورها في مجال كل جسم مادي وربما إذا منح شخص منا حاسة أخرى زيادة على ما لدينا من حواس يستطيع ذلك الشخص أن يرى تلك الأعمدة أو يحس بها تماماً كما ندرك بحواسنا العادية أي جسم مادي عادي(40).

يقول الدكتور زغلول النجار: تشير الدراسات الكونية إلى وجود قوى مستترة في اللبنات الأولية للمادة وفي كل من الذرات والجزيئات وفي كافة أجرام السماء، تحكم بناء الكون وتمسك بأطرافه إلى أن يشاء الله تعالى فيدمره، ويعيد خلق غيره من جديد، ومن القوى التي تعرف عليها العلماء في كل من الارض والسماء أربع صور يعتقد بأنها أوجه متعددة لقوة عظمى واحدة تسري في مختلف جنبات الكون لتربطه برباط وثيق وإلا انقرظ عقده وهذه القوى هي:

- القوة النووية الشديدة.

- القوة النووية الضعيفة.

- القوة الكهربائية / المغناطيسية أو الكهرومغناطيسية.

- قوة الجاذبية.

وهذه القوى الاربع هي الدعائم الخفية التي يقوم عليها بناء السماوات والأرض وقد أدركها العلماء من خلال آثارها الظاهرة والخفية في كل أشياء الكون المدركة ويعتقد علماء الفلك والفيزياء الفلكية والنظرية أن هذه القوى الأربع لابد وأن تلتقي في شكل واحد للقوة يمثل وحدة البناء في هذا الكون، ويشهد لله الخالق بالوحدانية المطلقة فوق جميع خلقه(41).

4ـ التنفس والصعود إلى طبقات الجو العليا:

قال تعالى: "فَمَن يُرِدِ اللّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ" (الأنعام، آية: 125).

يقول تعالى مبيناً لعباده علامة سعادة العبد وهدايته وعلامة شقاوته وضلاله: إن من انشرح صدره للإسلام أي: اتسع وانفسح فاستنار بنور الإيمان وحين بضوء اليقين فاطمأنت بذلك نفسه وأحب الخير وطوعت له نفسه فعله متلذذاً به غير مستثقل، فإن هذا علامة على أن الله قد هداه ومنّ عليه بالتوفيق وسلوك أقوم الطريق وأن علامة من يرد الله " أَن يُضِلَّهُ" أنه " يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا" أي: في غاية الضيق عن الإيمان والعلم واليقين، قد انغمس قلبه في الشبهات والشهوات فلا يصل إليه خير، لا ينشرح قلبه لفعل الخير، كأنه من ضيقه، وشدته يكاد " يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء" أي: كأنه يكلف الصعود إلى السماء الذي لا حيلة فيه، وهذا سببه عدم إيمانهم، هو الذي أوجب أن يجعل الله الرجس عليهم لأنهم سدوا على أنفسهم باب الرحمة والإحسان، وهذا ميزان لا يعول وطريق لا يتغير، فإن من أعطى وأتقى وصدق بالحسنى ييسره الله لليسرى ومن بخل واستغنى وكذب بالحسنى، فسنيسره للعسرى(42).

هذه الآية تدل من دلائل الإعجاز العلمي في القرآن الكريم، ومن دلائل نبوة النبي صلى الله عليه وسلم، فقد أثبت علم طب الطيران والفضاء أن تعرض الإنسان للارتفاعات العالية عندما يصعد من سطح الأرض إلى الطبقات العلوية في السماء يحدث له أعراضاً عضوية، تتدرج من الشعور بالضيق الذي يتركز في منطقة الصدر حتى يصل إلى المرحلة الحرجة التي ذكرها القرآن الكريم: "يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء" وذلك أنه كلما استمر في الإرتفاع انخفض الضغط الجوي، ونقص الأكسجين إن الإنسان إذا ارتفع عن مستوى سطح البحر إلى عشرة الآف قدم لم يشعر بشيء من أعراض نقص الأكسجين، وخفض الضغط، أما إذا تجاوز عشرة الآف قدم إلى ستة عشر ألف قدم، فإننا نجد عندئذ ما زوّد الله به الجسم من أجهزة تتكأفا مع هذا التبدل في الضغط، وفي نقص الأكسجين، فإذا بقي في هذا المكان بين عشرة الآف قدم، يزداد نبض قلبه، وجيب رئتيه، ويرتفع ضغطه من أجل أن توفر هذه الأجهزة للجسم حاجتها من الأكسجين، أما إذا تجاوز الإنسان ستة عشر ألف قدم إلى خمسة وعشرين فإن أجهزة الجسم عندئذ لا تفي بغرضها في هذا الارتفاع المفاجئ، فما الذي يحصل؟ تظهر أعراض، في مقدمتها ضيق الصدر، "يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء".

أما إذا ارتفع خمسة وعشرين ألف قدم، وستة عشر ألف قدم يزداد نبض قلبه، وجيب رئتيه، ويرتفع ضغطه من أجل أن توفر هذه الأجهزة للجسم حاجتها من الأكسجين، أما إذا تجاوز الإنسان ستة عشر ألف قدم إلى خمسة وعشرين فإن أجهزة الجسم عندئذ لا تفي بغرضها في هذا الارتفاع المفاجئ، فما الذي يحصل؟ تظهر أعراض في مقدمتها ضيق الصدر، "يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء".

أما إذا ارتفع خمسة وعشرين ألف قدم فأكثر فإنه يفقد الوعي عندئذ تماماً، لذلك فإن التي تحلق في ارتفاع أربعين ألف قدم تكون مضغوطة ثمانية أمثال الهواء الذي عليها حين تكون على سطح الأرض، من أجل أن يكون الضغط الجوي في الطائرة موافقاً لما هو عليه حين يكون على سطح الأرض، وإلا غاب الركّاب عن الوعي تماماً، وهذه الآية من أدلة الإعجاز العلمي في القرآن الكريم، ومن أدلة نبوَّة النبي عليه الصلاة والسلام هذه أعراض نقص الأكسجين، أما عن أعراض انخفاض الضغط، فقد قال العلماء: إن كلَّ الغازات في الجسم تتمدَّد مع انخفاض الضغط، ومع تمدُّدها تتمزق الأنسجة والأجهزة وتتهتك الرئتان، ويتهتك القولون، وتتهتك الأذن الوسطى، فإن انخفاض الضغط له آثار خطيرة، منها آلام البطن التي لا تحتمل، ولا سيما آلام القولون، وكذا آلام الرئتين، وآلام الأذن، وآلام المفاصل، هذه كلها أعراض نقص الضغط.

وبعد أن تقدم العلم، وركب الإنسان الطائرة والمنطاد وصعد بهما في طبقات الجو العليا كشف هذه الحقائق، وحينما تركب الطائرة لا تشعر بشيء من هذا القبيل، لأن أجهزة الطائرة قد ضغطت الهواء ثمانية أمثال ليكون الضغط الجوي ونسبة الأكسجين موافقة لما هي عليه من سطح الأرض، فلو تعطلت أجهزة الضغط فجأة في الجوِّ فلا بد للطيار أن يهبط اضطراراً لئلا يموت الركاب(43)، فسبحان الله القائل في محكم كتابه: "فَمَن يُرِدِ اللّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ" (الأنعام، آية: 125).

5- كل في فلك يسبحون:

 قال تعالى: "وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ * وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ * لَا الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ" (يس، آية: 38 ـ 40)، أي: دائماً تجري لمستقرٍّ لها، قدَّرها الله، لا تتعداه ولا تقصر عنه وليس لها تصرف في نفسها ولا استعصاء على قدرة الله تعالى: " ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ" الذي بعزته دبر هذه المخلوقات العظيمة بأكمل تدبير وأحسن نظام "العليم" الذي بعلمه جعلها مصالح لعباده ومنافع في دينهم ودنياهم، " وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ" ينزلها، كل ليلة ينزل منها واحدة "حتى" يصغر جدَّاً فيعود "كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ" أي: عرجون النخلة الذي من قدمه نشَّ وصغر حجمه وانحنى، ثم بعد ذلك ما زال يزيد شيئاً فشيئاً حتى يتم نوره، ويتسق ضياؤه، وكلٌ من الشمس والقمر والليل والنهار قدّره الله تقديراً لا يتعداه، وكل له سلطان ووقت، إذا وُجد، عُدم الآخرة ولهذا قال: " لَا الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ"، أي في سلطانه الذي هو الليل، فلا يمكن أن توجد الشمس في الليل " وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ" فيدخل عليه قبل انقضاء سلطانه "وَكُلٌّ": من الشمس والقمر والنجوم " فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ": أي: يترددون على الدوام، فكل هذا دليل ظاهر وبرهان باهر على عظمة الخالق وعظمة أوصافه خصوصاً وصف القدرة والحكمة والعلم في هذا الموضع(44).

قال الشاعر:

                الشمس والبدر من أنوار حكمته

                                                            والبَرُّ والبحر فيض من عطاياه

                فالطير سبَّحه والزرع قدَّسه

                                                            والموج كبره، والحوت ناجاه

                والنمل تحت الصخور الصم مجده

                                                            والنحل يهتف حمداً في خلاياه

                رب السماء ورب الأرض قد خضعت

                                                            إنس وجن وأملاك لعلياه

                الناس يعصونه جهراً فيسترهم

                                                       والعبد ينسى وربي ليس ينساه(45)

يقول العلم عن جريان الشمس لمستقر لها:

أكد علماء الفلك أن الشمس تجري وسرعة هذه الجري تبلغ 12 ميلاً في الثانية، وهذا الجري غير الدوران المعروف للشمس أما المستقر فهو إشارة إلى نهاية الحركة أي لا حركة عند بلوغ المستقر، ويؤكد علماء الفلك جميعاً أن الشمس كأي نجم آخر لا بد أن يعتريها ازدياد مفاجئ في حرارتها وحجمها وإشعاعها بدرجة لا تصدقها العقول، وعندئذ يتمدد سطحها الخارجي بما حوى من لهب ودخان حتى يصل إلى القمر، وهذه هي نهاية الشمس، وهذا يؤكده قول الله تعالى: "يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ * فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ * وَخَسَفَ الْقَمَرُ * وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ * يَقُولُ الْإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ * كَلَّا لَا وَزَرَ * إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ" (القيامة، آية: 6 - 12).

وفي قوله تعالى: " لَا الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ" يقول العلم الحديث: إن هناك قانوناً مطلقاً صادقاً شاملاً لكل شمس من شموس الكون، يجبر كل الإجرام والأفلاك أن تحترم مواقعها، التي حددت لها، فالشمس لا يمكن أن تدرك القمر، إي لن تستطيع أن تزيد في قدرتها الذاتية على الدوران بسرعة أكثر مما حدد لها، ولن تستطيع أن توسع من دائرة فلكها بحيث يصطدم بفلك القمر أو الأرض، لأن القدرة الإلهية حددت لكل جرم سماوي سرعته بقدر، فإذا دار الجسم حول نفسه بسرعة فائقة فلا بد أن تكون نصف قطر الدائرة التي يدور فيها صغيراً، وكذلك لو دار حول نفسه بمعدل نصف قطر الدائرة السابق، وكل شيء في الفضاء يسبح كما نصت الآية(46).

ومن أوجه الإعجاز العلمي في قوله تعالى:" وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ" (يس، آية: 39).

- إن التعبير بمنازل القمر يشير إلى مواقع القمر الثمانية والعشرين وهي مواقعه اليومية المتتالية في السماء بالنسبة إلى نجوم تبدو مواقعها قريبة ظاهرياً، فإن التعبير "منازل القمر" يمكن إطلاقه على مراحل القمر المتتالية وعلى منازله المتوافقة مع تلك المراحل وهناك ترابط شديد بين منازل القمر ومراحل أشكال القمر المتتالية من الهلال الوليد إلى التربيع الأول إلى الأحدب الأول إلى البدر ثم الأحدب الثاني، ثم الهلال، ثم المحاق إلى الهلال الوليد للشهر القمر الجديد.

- والقمر يبدأ ميلاده بهلال دقيق، ثم يندرج في النمو حتى يصبح بدراً كاملاً، ثم يعاود التناقص في الحجم حتى يصير كالعرجون القديم، ثم يختفي لمدة يوم أو يومين في مرحلة المحاق(47)، وتتكرر هذه الدورة في كل شهر  ما قمري حتى يرث الله الأرض ومن عليها.

- وضوء الشمس يغمر نصف القمر باستمرار فيعكس من فوق سطحه المظلم نوراً ينير ظلمة ليل الأرض، وكل ما يستطيع أهل الأرض أدركه من هذا النور يختلف من يوم إلى يوم تبعاً لموضع كل من الأرض والقمر والشمس في صفحة السماء والجزء المرئي من نور القمر قبل اكتماله بدراً يعرف باسم "قوس النور"، أما البدر الكامل فيعرف باسم "دائرة النور" ونظراً لترنح القمر في دورانه حول محوره، ولضخامة حجم الشمس بالنسبة إلى حجم القمر فإن ضوء الشمس ينير أكثر من نصف سطح القمر بقليل ولذلك يمكن أن يرى خيط رفيع من النور يحيط بالقمر عند ميلاد الهلال.

- وتقدير هذه المنازل القمرية فيه من الدلالة على طلاقه القدرة الإلهية ما فيه لأهميته في معرفة الزمن، وتقديره وحسابه باليوم الأسبوع والشهر والسنة، وفي التاريخ للعبادات والأحداث والمعاملات والحقوق ولما فيه من تأكيد على ضبط سرعة القمر ضبطاً دقيقاً من أجل الحيلولة دون ارتطامه بالأرض فيفنيها وتفنيه أو انفلاته من عقال جاذبيتها فينتهي إلى نهاية لا يعلمها إلا الله، وفي نفس الوقت الارتباط الدقيق بين سرعة دوران كل منهما حول محوره، فإذا زادت إحداهما قلت الأخرى بنفس المعدل ولما كانت سرعة دوران الأرض حول محورها في تناقص مستمر بمعدل جزء في الثانية في كل قرن من الزمن، فإن سرعة دوران القمر في تزايد مستمر بنفس المعدل تقريباً مما يؤدي إلى تباعد القمر عن الأرض بمقدار ثلاث سنتيمترات في كل سنة وهذا التباعد سوف يخرج القمر في يوم من الأيام من اسار جاذبية الأرض ليدخله في نطاق جاذبية الشمس فتبتلعه تحقيقاً للواقعة القرآنية التي يصفها الحق سبحانه وتعالى بقوله:" فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ * وَخَسَفَ الْقَمَرُ * وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ" (القيامة، آية: 7 - 9).

ومن هنا كانت هذه الإشارة القرآنية المعجزة التي وصفت مراحل القمر المتتالية في كل شهر والتي يقول فيها ربنا عز وجل" وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ" (يس، آية: 39).

ومن المعجزات القرآنية في هذا الباب وصف المرحلة الأخيرة من مراحل الدورة الشهرية للقمر بالعرجون القديم، وهو العنقود من الرطب "الغدق" إذا يبس وانحنى واصفرّ لونه، وهو عند يبوسه على النخل ينحني تجاهها فكذلك الهلال الثاني ينحني بطرفيه تجاه الأرض، بينما الهلال الوليد ينحني بهما بعيداً عنها، فما أروع هذا التشبيه القرآني المعجز(48).

6- ضياء الشمس ونور القمر:

قال تعالى: "هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاء وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللّهُ ذَلِكَ إِلاَّ بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ" (يونس، آية: 5).

يخبر تعالى عما خلق من الآيات الدالة على كمال قدرته وعظيم سلطانه، أنه جعل الشعاع الصادر عن جرم الشمس ضياء، وجعل شعاع القمر نوراً، هذا فن وهذا فن آخر، ففاوت بينهما لئلا يشتبها، وجعل سلطان الشمس بالنهار وسلطان القمر بالليل، وقدر القمر منازل، فأول ما يبدو صغيراً ثم يتزايد نوره وجرمه حتى يستوسق ويكمل إبداره، ثم  يشرع في النقص حتى يرجع إلى حالته الأولى في تمام شهر، كقوله تعالى: "وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ * لَا الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ" (يس، آية: 39 ـ 40).

وقوله تعالى: "وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا" وقوله في هذه الآية الكريمة " وَقَدَّرَهُ" أي: القمر " مَنَازِلَ لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ" فبالشمس تعرف الأيام وسير القمر تعرف الشهور والأعوام " مَا خَلَقَ اللّهُ ذَلِكَ إِلاَّ بِالْحَقِّ" أي لم يخلقه عبثاً بل له حكمة عظيمة في ذلك وحجة بالغة كقوله تعالى:" وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاء وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ" (ص، آية: 27).

وقوله " يُفَصِّلُ الآيَاتِ" أي: يبين الحجج والأدلة " لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ"(49).

وتقول المعارف الحديثة، بأن القمر جرم بارد لا حرارة فيه وأنه يكتسب أشعته ونوره من جرم آخر، ثم يعكسه إلى الأرض وأن الشمس مضيئة إضاءة ذاتية بأشعة حارة ولذلك وصفها الله تعالى "بالتوهج" في قوله:" وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا" (البنأ، آية: 13).

وهذه هي الحقيقة العلمية لكل من الشمس والقمر(50)، وإنطلاقاً من هذه الحقائق العلمية التي تمايز بين الضوء الصادر من جسم مشتعل ملتهب، مضيء بذاته في درجات حرارة عالية وبين الشعاع المنعكس من جسم بارد يتلقى شعاع الضوء فيعكسه نوراً، ركز القرآن الكريم باستمرار على التمييز الدقيق بين ضياء الشمس ونور القمر وبين كون الشمس سراجاً وكون القمر نوراً، فقال عز من قائل: "هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاء وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللّهُ ذَلِكَ إِلاَّ بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ" (يونس، آية: 5).

وقال تبارك:" أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا * وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا" (نوح، آية: 15 ـ 16).

وقال سبحانه: "تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاء بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُّنِيرًا" (الفرقان، آية: 61).

وقابل القرآن الكريم الظلمات بالنور وليس بالضياء في آيات كثيرة من مثل قوله تبارك وتعالى: "الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِم يَعْدِلُونَ" (الأنعام، آية: 1).

ووصف الشمس بأنها سراج وبأنها سراج وهاج فقال سبحانه وتعالى: "وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا" (النبأ، آية: 13). وحينما وصف خاتم أنبيائه صلى الله عليه وسلم بأنه سراج "بمعنى أنه مضيء بذاته" أضاف إلى وصف السراج بأنه منير بهداية ربه المنزلة إليه فقال عز سلطانه: "يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا" (الاحزاب، آية: 45 ـ 46).

وحينما وصف النار وصفها بالضياء ووصف أشعتها الساقطة على من حولها بالنور، فقال عز من قائل: "مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً فَلَمَّا أَضَاءتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لاَّ يُبْصِرُونَ" (البقرة، آية: 17). ووصف أشعة البرق بأنها ضوء فقال وهو أصدق القائلين: "يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاء لَهُم مَّشَوْاْ فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُواْ وَلَوْ شَاء اللّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّه عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ" (البقرة، آية: 20). ووصف ذاته العلية سبحانه وتعالى بأنه نور السموات والأرض، وأعطى مثلاً لذلك النور الإلهي، ولله المثل الأعلى، ووصف في هذا المثل الزيت بأنه يضيء، ووصف سقوط ضوئه على من حوله بالنور، قال تبارك وتعالى: "اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاء وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ" (النور، آية: 35).

وقال عن غيبة الشمس: "قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِضِيَاء أَفَلَا تَسْمَعُونَ" (القصص، آية: 71). هذه الدقة البالغة في التفريق بين الضوء المنبعث من جسم ملتهب، مشتعل، مضيء بذاته، وبين سقوط هذا الضوء على جسم مظلم بارد وانعكاسه نوراً من سطحه وبطريقة مطردة في كل القرآن الكريم لا يمكن أن يكون لها مصدر من قبل ألف وأربعمائة سنة إلا الله الخالق، فهذا الفرق الدقيق لم يدركه العلماء إلا في القرنين الماضيين ولايزال في زماننا كثير من الناس لا يدركونه(51).

7- تسخير الشمس والقمر:

قال تعالى: "وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُّسَمًّى" (الرعد، آية: 2)

ومن معاني تسخير الشمس والقمر ضبط حركة كل منهما لما فيه صلاح الكون واستقامة الحياة على الأرض ومن معاني أن كلا منهما يجري إلى أجل مسمى: أن الكون ليس بأزلي ولا بأيدي، بل كانت له في الأصل بداية تحاول العلوم المكتسبة تحديدها، وكل ما له بداية لابد وأن ستكون له في يوم من الأيام نهاية، لها من الشواهد الحسية في كل من الشمس والقمر ما يؤكد على حتميتها، ومن جوانب تسخير الشمس ما يلي:

- الاتزان الدقيق بين تجاذب مكونات الشمس وتمددها.

- تسخير طاقة الشمس من أجل ضبط حركة الحياة على الأرض.

- تكوين نطق الحماية المختلفة للأرض بفعل طاقة الشمس فقد شاءت إرادة الله "تعالى" أن يحمي الحياة على سطح الأرض بعدد من نطق الحماية التي لعبت أشعة الشمس "ولا تزال" الدور الأول في تكوينها "بعد إرادة الله" وأولها من الخارج إلى الداخل.

- النطاق المغناطيسي للأرض.

- أحزمة الإشعاع.

- النطاق المتأين.

- نطاق الأوزون.

وهذه النطق تتعاون في حماية الأرض من كل من الاشعاعات الكونية وفوق البنفسجية ومن العديد من الجسيمات الكونية الدقيقة والكبيرة والتي منها النيازك والشهب ولو لم تكن هذه النطق موجودة لاستحالت الحياة على الأرض ولو لم تكن الشمس موجودة ما تكونت تلك النطق على الإطلاق، ووجودها صورة من صور التسخير التي لم تكن معروفة في زمن الوحي بالقرآن الكريم ولا بعد قرون متطاولة من نزوله حتى نهاية القرن العشرين.

- تحديد الزمن:

يتحدد كل من الليل والنهار ويوم الأرض وشهورها وفصولها وسنينها بدورة الأرض حول محورها، وبسبحها في مدارها حول الشمس وبذلك يستطيع الإنسان إدراك الزمن وتحديد الأوقات والتاريخ للأحداث.

- تسخير القمر:

القمر تابع صغير للأرض يبعد عنها بمسافة تقدر بحوالي 384,400 كيلو متر في المتوسط، وهو على هيئة شبه كرة من الصخر، يقدر قطرها بحوالي 3474 كيلو متراً ومساحة سطحها بحوالي 38 مليون كيلو متر مربع، وحجمها بحوالي 22 مليون مليون كيلو متر مكعب ومتوسط كثافتها بحوالي 3,34 جرام للسنتمتر المكعب، وكتلتها بحوالي 735 مليون مليون طن، ويتمثل تسخير القمر في النقاط التالية:

- تحديد الشهر القمري بدورة القمر حول الأرض.

- تسخير أطوار شكل القمر لتقسيم الشهر إلى أسابيع وأيام.

- إضاءة سماء الأرض بمجرد غياب الشمس: وذلك بمراحله المتتالية من الهلال الوليد، إلى ميلاد الهلال الجديد في أول الشهر التالي، وعلى ذلك فإن القمر في دورته الشهرية حول الأرض قد سخره ربنا تبارك وتعالى مصدراً للنور في ليل الأرض(52).

- تسخير القمر وسيلة من وسائل إتمام عمليتي المد والجزر: وهما قوتان من قوى الارض يعملان على تفتيت صخور الشواطئ وتكوين أنواع عديدة من الرسوبيات والصخور الرسوبية على طول تلك الشواطئ، كما تعملان على تركيز العديد من الثروات المعدنية من المعادن ذات الكثافة العالية في رمالها "أو ما يعرف باسم الرمال السوداء" هذا قليل من كثير من صور التسخير التي أعدتها الإرادة الإلهية بحكمة بالغة لكي يكون كل من الشمس والقمر لبنات صالحة في بناء الكون وفي انتظام حركة الحياة في الأرض(53)، وجاءت الإشارة القرآنية إلى تسخير كل من الشمس والقمر وإلى جريهما إلى أجل مسمى "أو لأجل مسمى" في أربعة مواضع من القرآن الكريم على النحو التالي:

- قال تعالى: "اللّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُّسَمًّى يُدَبِّرُ الأَمْرَ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لَعَلَّكُم بِلِقَاء رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ" (الرعد، آية: 2).

- وقال تعالى: "يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُّسَمًّى ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ" (فاطر، آية: 13).

- وقال تعالى: "خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ" (الزمر، آية: 5).

- وقال تعالى: "أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ" (لقمان، آية: 29).

- ومعنى ذلك أن كلاً من الشمس والقمر يجري إلى نهايته المحتومة بقيام الساعة وأن هذا الأجل المسمى صورة من صور التسخير، والساعة لا تأتي إلا بغتة كما جاء في قول الحق تبارك وتعالى: "يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلاَّ هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لاَ تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ اللّهِ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ" (الأعراف، آية: 187).

ولذلك فقد أبقى ربنا تبارك وتعالى في صفحة السماء من الشواهد الحسية ما يؤكد لكل ذي بصيرة حتمية فناء كل من الشمس والقمر، فتفقد  في كل ثانية من عمرها "على هيئة طاقة" ما يعادل 4,6 مليون طن من كتلتهما، مما يعني أن الشمس تحترق بتدرج واضح ينتهي بها حتماً إلى الفناء التام، ولكن الآخرة لن تنتظر فناء الشمس باحتراقها بالكامل، وذلك لأن الآخرة أمر إلهي بـ"كن فيكون"، وعلى ذلك لا تأتي إلا بغتة دون انتظار لحركة السنن الراهنة والتي أبقاها الله "تعالى" شاهدة على حتمية الآخرة، وإن كانت الآخرة لن تتم بواسطتها(54).

وقد ثبت أن الأرض تفقد من سرعة دورانها حول محورها- بفعل كل من الأمواج البحرية "خاصة عمليتي المد والجزر في البحار الضحلة"، وحركة الرياح- ما يقدر بحوالي الواحد من الألف من الثانية في كل قرن من الزمان، وهذا النقص في سرعة دوران الأرض حول محورها -على ضالته- يؤدي إلى تزايد مطرد في سرعة دوران القمر حول محوره مما يدفعه إلى التباعد عن الأرض بمعدل ثلاثة سنتميرات في كل لحظة، ويقدر علماء الفلك أن هذا التباعد التدريجي للقمر سوف يخرجه حتماً في لحظة من اللحظات من نطاق أسر الأرض إلى نطاق جاذبية الشمس فتبتلعه وتكون في ذلك نهايته الحتمية، وهنا تكفي الإشارة التي سبق القرآن الكريم بتقرير حتمية ابتلاع الشمس للقمر من قبل ألف وأربعمائة سنة وذلك يقول الحق تبارك وتعالى: "فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ * وَخَسَفَ الْقَمَرُ * وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ" (القيامة، آية: 7 - 9)(55).

8 - فالق الإصباح:

- قال تعالى: "فَالِقُ الإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ" (الأنعام، آية: 96).

ومعنى الآية " فَالِقُ الإِصْبَاحِ" أي: كما أنه فالق الحب  والنوى، كذلك هو فالق ظلمة الليل الداجي الشامل لما على وجه الأرض بضياء الصبح الذي يفلقه شيئاً فشيئاً، حتى تذهب ظلمة الليل كلها ويخلفها الضياء والنور العام الذي يتصرّف فيه الخلق في مصالحهم ومعايشهم ومنافع دينهم وديانهم ولما كان الخلق محتاجين الى السكون والإستقرار والراحة التي لا تتم الا بوجود النهار والنور(جعل): الله الليل سكناً يسكن فيه الآدميون الى دورهم ومنامهم والأنعام الى مأواها والطيور الى أوكارها فتأخذ نصيبها من الراحة، ثم يزيل الله ذلك بالضياء وهكذا أبداً إلى يوم القيامة وجعل الله تعالى: "الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا" بهما تعرف الأزمنة والأوقات، فتضبط بذلك أوقات العبادات وآجال المعاملات، ويعرف بهما مدة ما مضى من الأوقات التي لولا وجود الشمس والقمر وتناوبهما، واختلافهما لما عرف ذلك عامة الناس واشتركوا في علمه بل كان لا يعرفه إلا أفراد من الناس بعد الاجتهاد وبذلك يفوت من المصالح الضرورية ما يفوت:"ذلك": التقدير المذكور " تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ" الذي من عزّته انقادت له هذه المخلوقات العظيمة، فجرت مذللة مسخرة بأمره، بحيث لا تتعدى ما حده الله لها ولا تتقدم عنه ولا تتأخر العليم الذي أحاط علمه بالظواهر والبواطن والأوائل والأواخر، ومن الأدلة العقلية على إحاطة علمه تسخير هذه المخلوقات العظيمة على تقدير ونظام بديع تحير العقول في حسنه وكماله وموافقته للمصالح والحكم.

تشير هذه الآية الكريمة إلى حقيقة كونية مؤداها أن الله جلت قدرته قد قدر للأرض أن تدور حول محورها أمام الشمس وأن تجري في فلك محدد لها حول ذلك النجم ومعه حول عدد من المراكز الأخرى "كما قدر لكل جرم من أجرام السماء أن يدور حول محوره وأن يسبح في فلكه" وبذلك فإنه سبحانه يفصل الأرض عن ليل السماء بطبقة نور النهار الرقيقة التي لا يتعدى سمكها مائتي كيلو متر في نصف الكرة الأرضية المقابل للشمس، وبنسبة طبقة النهار تلك إلى المسافة بين الأرض والشمس المقدرة بنحو 150 مليون كيلو متر، يتضح لنا مدى رقة طبقة النهار، بينما تلتقي ظلمة الكون مع ظلمة الأرض في نصف الكرة المقابل، وعلى ذلك فإنه سبحانه يفلق هاتين الظلمتين المتداخلتين ـ ظلمة الأرض وظلمة السماء ـ  بالتدريج فيحل النهار محل ظلمة الأرض على مراحل متتالية، ويبقى ظلمة السماء فوق نور النهار ولذلك وصف ذاته العلية بأنه فالق الإصباح أي الصبح، وشبه هذه العملية بفلق نواة النبات أو بذرته بعملية الإنبات وأوضح أنه لا يقوى على ذلك إلا الله الخالق سبحانه وتعالى(56)، واليوم أصبحت حركات كل من الأرض والقمر والشمس معلومة لنا بدقة كبيرة لدرجة أن الساعات الزمنية أصبحت تضبط على حركاتها وصدق الله العظيم الذي أنزل في محكم كتابه: "فَالِقُ الإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ" (الأنعام، آية: 96).

وصدق ربنا العزيز الحكيم الذي أنزل كذلك قوله الحق "وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا" أي: بحساب محكم دقيق يعين الإنسان على إدراك الزمن وحسابه والتاريخ للأحداث وأداء العبادات والحقوق، ولو ذلك لتعذرت الحياة على الأرض(57).

9- إنشقاق القمر:

قال تعالى: "اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ * وَإِن يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ" (القمر، آية: 1 - 2).

يخبر تعالى أن الساعة ـ وهي القيامة ـ اقتربت، وآن أوانها وحان وقت مجيئها، ومع هذا فهؤلاء المكذبون لم يزالوا مكذبين بها غير مستعدين لنزولها، ويريهم الله من الآيات العظيمة الدالة على وقوعها ما يؤمن على مثله البشر، فمن أعظم الآيات الدالة على صحة ما جاء به محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم أنه لما طلب منه المكذبون أن يريهم من خوارق العادات ما يدل على صحة ما جاء به وصدقه، أشار صلى الله عليه وسلم إلى القمر، فانشق بإذن الله فلقتين، فلقة على جبل أبي قبيس، وفلقة على جبل قيقعان، والمشركون وغيرهم يشاهدون هذه الآية العظيمة الكائنة في العالم العلويّ، التي لا يقدر الخلق على التمويه بها والتخييل، فشاهدوا أمراً ما رأوا مثله، بل ولم يسمعوا أنه جرى لأحد من المرسلين قبله نظيره، فانبهروا لذلك، ولم يدخل الإيمان في قلوبهم، ولم يرد الله بهم خيراً، ففزعوا إلى بهتهم وطغيانهم، وقالوا: سحرنا محمد ولكن علامة ذلك أنكم تسألون من ورد عليكم من السفر، فإنه إن قدر على سحركم لم يقدر أن يسحر من ليس مشاهداً مثلكم، فسألوا كل من قدم، فأخبروهم بوقوع ذلك فقالوا " سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ" سحرنا محمد وسحر غيرنا وهذا من البهت الذي لا يروح إلا على أسفه الخلق وأضلهم عن الهدى والعقل(58)، وقد تحدث بريطاني مسلم عرف نفسه باسم داود موسى بيدكوك تعليقاً على محاضرة ألقاها الدكتور زغلول النجار بعنوان الإعجاز العلمي في القرآن والسنة المطهرة وقد ألقيت المحاضرة باللغة الإنجليزية في كلية الطب بجامعة كاردف عاصمة مقاطعة ويلز في غربي الجزر البريطانية، فقال عن آية انشقاق القمر: إن هذه الآية كانت مدخلي لقبول الإسلام ديناً، فقد شغفت بعلم مقارنة الأديان وأهداني صديق مسلم نسخة من ترجمة معاني القرآن الكريم فأخذتها منه شاكراً وتوجهت بها إلى مسكني، وعند تصفحها لأول مرة فوجئت بسورة القمر فقرأت " اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ" ثم توقفت متسائلاً: كيف يمكن للقمر أن ينشق ثم يعود ليلتحم؟ وماهي القوة القادرة على إعادته إلى سيرته الأولى؟ فتوقفت عن القراءة وكأن هذه الآية الكريمة قد صدتني عن الاستمرار في ذلك ولكن لعلم الله سبحانه بمدى إخلاصي في البحث عن الحقيقة وحرصي على الوصول إليها أجلسني أمام التلفاز لأشاهد حواراً بين مذيع بريطاني يعمل بقناة التلفزيون البريطاني واسمه جيمس بيرك وثلاثة من علماء الفضاء الأمريكيين، وجرى عتاب من هذا المذيع على الإسراف المخل في الإنفاق على رحلات الفضاء في الوقت تتعرض جماعات بشرية عديدة لاخطار المجاعات والأمراض، وانتشار الأمية بين البالغين ولمختلف صور التخلف العمراني والعلمي والتقني وأنه كان من الأولى إنفاق هذا المال الوفير في معالجة تلك القضايا الملحة وإعمار الأرض فضلاً عن التسابق في رحلات الفضاء ووقف علماء الفضاء مدافعين عن مهنتهم بأن الإنفاق على رحلات الفضاء ليس مالاً مهدراً لأنه يعين على تطوير عدد من التقنيات المتقدمة التي تطبق في مختلف المجالات الطبية والصناعية والزراعية ويمكن أن تعود بمردودات مادية وعلمية كبيرة، وفي غمرة هذا الحوار جاء ذكر رحلة إنزال رجل على سطح القمر على أنها كانت من أكثر الرحلات كلفة فقد تكلفت عشرات المليارات من الدولارات، فسأل المحاور: هل كان كل ذلك لمجرد وضع العلم الأمريكي على سطح القمر؟ وجاءت الإجابة بالنفي، وبأن الهدف كان دراسة علمية لأقرب أجرام السماء إلينا، فسأل المحاور: ألم يكن من الأجدى إنفاق تلك المبالغ الطائلة على عمارة الأرض وجاء الجواب بأن الرحلة أوصلتنا إلى حقيقة علمية لو أنفقنا أضعاف هذا المبلغ لإقناع الناس بها ما صدقنا أحد...فسأل المحاور: وما هذه الحقيقة العلمية؟ فكان الجواب أن هذا القمر كان قد انشق في يوم من الأيام ثم ألتحم بدليل وجود تمزقات طويلة جداً وغائرة في جسم القمر، تتراوح أعماقها بين عدة مئات من الأمتار وأكثر من الكيلو متر وأعرضها بين نصف الكيلو متر وخمسة كيلو مترات وتمتد إلى مئات من الكيلو مترات في خطوط مستقيمة أو متعرجة، وتمر هذه الشقوق الطويلة الهائلة بالعديد من الحفر التي يزيد عمق الواحدة منها على تسعة كيلو مترات، ويزيد قطرها على الألف كيلو متر، ومن أمثلها الحفرة العميقة المعروفة باسم بحر الشرق وقد فسرت هذه الحفر العميقة باصطدام أجرام سماوية بحجم الكويكبات أما الشقوق التي تعرف باسم شقوق القمر، فقد فسرت على أنها شروخ ناتجة عن الشد الجانبي أو متداخلات نارية على هيئة الجدر القاطعة، ولكن أمثال هذه الأشكال على الأرض لا تصل إلى تلك الأعماق الغائرة، ومن هنا فقد فسرت على أنها من آثار انشقاق القمر وإعادة ألتحامه يقول السيد بيدكوك: حين سمعت هذا الكلام انتفضت من فوق الكرسي الذي كنت أجلس عليه أمام التلفاز، وتساءلت: معجزة تحدث لمحمد صلى الله عليه وسلم من قبل ألف وأربعمائة سنة يثبتها العلم في زمن التقنية الذي نعيشه بهذه البساطة وبهذا الوضوح الذي لا يخفى على عالم في مجال الفلك اليوم، فلابد أن يكون القرآن حقاً مطلقاً، وصادقاً صدقاً كاملاً في كل خبر جاء به وعلى الفور عاودت القراءة في ترجمة معاني القرآن الكريم وكانت هذه الآية التي صدتني في بادئ الأمر عن الاستمرار في قراءة هذا الكتاب المجيد هي مدخلي لقبول الإسلام ديناً(59).

يقول الدكتور زغلول النجار: ولا استطيع أن أصف لكم وقع هذه الكلمات، ووقع النبرة الصادقة التي قيلت بها على كل الحضور من المسلمين وغير المسلمين فقد هزت القلوب والعقول، وأثارت المشاعر والأفكار ولم أجد ما أقوله أبلغ من أن أردد قول الحق سبحانه "سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ" (فصلت، آية: 53)(60).

10- آية الليل وآية النهار:

قال تعالى: "وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلاً" (الإسراء، آية: 12).

يمتن تعالى على خلقه بآياته العظام فمنها مخالفته بين الليل والنهار، ليسكنوا في الليل وينتشروا في النهار للمعايش والصنائع والأعمال والأسفار، ليعلموا عدد الأيام والجمع والشهور والأعوام، ويعرفوا مضيّ الآجال المضروبة للديون والعبادات والمعاملات والإجارات وغير ذلك، ولهذا قال: " لِتَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ" أي: في معايشكم وأسفاركم ونحو ذلك "لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ" فإنه لو كان الزمان كله نسقاً واحداً، وأسلوباً متساوياً لما عرف شيء من ذلك، كما قال تعالى: "قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ  سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِضِيَاء أَفَلَا تَسْمَعُونَ * قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ * وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ" (القصص، آية: 71 ـ 73).

ثم إنه تعالى، جعل الليل آية، أي: علامة يعرف بها وهي الظلام وظهور القمر فيه، وللنهار علامة وهي النور، وطلوع الشمس النيرة فيه، وفاوت بين نور القمر وضياء الشمس ليعرف هذا من هذا، كما قال تعالى: "هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاء وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللّهُ ذَلِكَ إِلاَّ بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ * إِنَّ فِي اخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَّقُونَ" (يونس، آية: 5 - 6). وقال تعالى: "يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ" (البقرة، آية: 189)(61).

وفي هذه الآية الكريمة يذكرنا ربنا سبحانه وتعالى بأنه قد جعل الليل والنهار آيتين من آياته الكونية المبهرة التي تدل على طلاقة قدرته، وبالغ حكمته، وبديع صنعه في خلقه، فاختلاف هيئة كل من الليل والنهار في الظلمة والنور، وتعاقبهما على وتيرة رتيبة، ليدل دلالة قاطعة على أن لهما خالقاً قادراً عليماً حكيماً(62).

الليل والنهار آيتان كونيتان عظيمتان من آيات الله في الخلق، تشهدان بدقة بناء الكون وانتظام حركة كل جرم فيه، وإحكام السنن الضابطة له، ومنها تلك السنن الحاكمة لحركات كل من الأرض والشمس والتي تتضح بجلاء في التبادل المنتظم للفصول المناخية، ولكل من الشهور والسنين، والتعاقب الرتيب لليل والنهار، وما يصاحب ذلك كله من دقة وإحكام بالغين.. فنحن نعلم اليوم أن التبادل الرتيب بين الليل المظلم والنهار المنير هو من الضرورات اللازمة للحياة على الأرض، ولاستمرارية وجود تلك الحياة بصورها المختلفة حتى يرث الله تعالى الأرض ومن عليها، فبهذا التبادل بين الظلام والنور يتم التحكم في درجات الحرارة والرطوبة على سطح الأرض وفي غلافها الغازي القريب من ذلك السطح، ويتم التحكم كذلك في كميات الضوء اللازمة للحياة في مختلف البيئات الأرضية، كما يتم التحكم في العديد من الأنشطة والعمليات الحياتية من مثل التنفس، والنتح، والتمثيل الضوئي وغيرها، ويتم ضبط التركيب الكيميائي للغلاف الغازي المحيط بالأرض، وضبط صفاته الطبيعية، وتتم دورة الماء بين الارض والسماء والتي لولاها لفسد كل ماء الأرض، كما يتم ضبط حركات كل من الأمواج والتيارات المختلفة في البحار، ومن أهمها حركات المد والجزر، ويتم التحكم كذلك في تصريف الرياح وتسخير السحاب، وإنزال المطر بإذن الله، ويتم من خلال ذلك كله تفتيت الصخور، وتكون التربة بمختلف أنواعها، ومنها الصالحة للإنبات وغير الصالحة، وترسب الصخور ومنها وتركيز مختلف الثروات الأرضية، وإتمام غير ذلك من العمليات والظواهر التي بدونها لا يمكن للأرض أن تكون صالحة للعمران.

وتعاقب الليل والنهار على نصفي الأرض هو كذلك ضروري للحياة، لأن جميع صور الحياة الأرضية لا تتحمل مواصلة العمل دون راحة وإلا هلكت، فالإنسان والحيوان والنبات وغير ذلك من انماط الحياة البسيطة يحتاج إلى الراحة بالليل لاستعادة النشاط بالنهار أو عكس ذلك بالنسبة لأنماط الحياة الليلية.

فالإنسان -على سبيل المثال- يحتاج إلى أن يسكن بالليل فيخلد إلى شيء من الراحة والعبادة والنوم مما يعينه على استعادة نشاطه البدني والذهني والروحي، وعلى استرجاع راحته النفسية، واستجماع قواه البدنية حتى يتهيأ للعمل في النهار التالي وما يتطلبه ذلك من قيام بواجبات الاستخلاف في الأرض، وقد ثبت بالتجارب العملية والدراسات المخبرية أن أفضل نوم الإنسان هو نومه بالليل، خاصة في ساعات الليل الأولى، وأن إطالة النوم بالنهار ضار بصحته لأنه يؤثر على نشاط الدورة الدموية تأثيراً سلبياً، ويؤدي إلى شيء من التيبس في العضلات والتراكم للدهون على مختلف أجزاء الجسم، وإلى زيادة في الوزن، كما يؤدي إلى شيء من التوتر النفسي والقلق وربما كان مرد كله إلى الحقيقة القرآنية التي مؤداها أن الله سبحانه وتعالى قد جعل الليل لباساً، وجعل النهار معاشاً وإلى الحقيقة الكونية التي مؤداها أن الانكماش الملحوظ في سمك طبقات الحماية في الغلاف الغازي للأرض ليلاً، وتمددها نهاراً يؤدي إلى زيادة قدراتها على حماية الحياة الأرضية بالنهار عنها في الليل حين يقل سمك طبقات الحماية الجوية تلك بدرجات كبيرة قد تسمح لعدد من الاشعات الكونية بالنفاذ إلى الطبقات الدنيا في الغلاف الغازي للأرض، وهي أشعات مهلكة مدمرة لمن يتعرض لها لمدد كافية، وهنا كان ذلك الوصف القرآني بالاستخفاء في الليل والظهور في النهار وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ" (الرعد، آية: 10).

ومن هنا أيضاً كان أمره إلى خاتم الأنبياء والمرسلين صلى الله عليه وسلم أن يستعيذ بالله تعالى من شر الليل إذا دخل بظلامه وأن يلتجئ إلى الله ويعتصم بجنابه من اخطار ذلك فقال سبحانه: "وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ" فهذا الشر ليس مقصوراً على الظلمة وما يمكن أن يتعرض فيها المرء إلى مخاطر البشر، بل قد يمتد إلى مخاطر الكون التي لا يعلمها إلا الله سبحانه وتعالى ثم إن هذا التبادل في اليوم الواحد بين ليل مظلم ونهار منير، يعين الإنسان على إدراك حركة الزمن، وتاريخ الأحداث وتحديد الأوقات بدقة وانضباط ضروريين للقيام بمختلف الأعمال، ولأداء جميع العبادات، وللوفاء بمختلف العهود والمواثيق والحقوق والمعاملات، وغير ذلك من الأنشطة الإنسانية، فلو كان الزمن كله على نسق واحد من ليل أو نهار ما استقامت الحياة وما استطاع الإنسان أن يميز ماضياً أو حاضراً أو مستقبلاً وبالتالي لتوقفت حركة الحياة، ولذلك يقول ربنا سبحانه في ختام الآية "لِتَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ" (الإسراء، آية: 12)(63).

11- والشمس وضحاها:

قال تعالى:" وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا" (الشمس، آية 1). وتبدأ السورة الكريمة بقسم من الله- الغني عن القسم- بتسع من آياته الكونية المبهرة التي جاءت متتابعة على النحو التالي:

- " وَالشَّمْسِ" وهو قسم بالشمس وهي أقرب نجوم السماء إلينا ومصدر الطاقة والدفء للأرض ومن عليها.

- " وَضُحَاهَا" أي: وبضحاها وهي لحظة إشراقها في حركتها الظاهرية إلى وقت الظهيرة.

- "وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا" أي: وبالقمر إذا تبعها في إنارة الأرض بعد غروب الشمس.

- " وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا" أي: وبالنهار الذي وضحها أي وضح لنا الشمس وجعلها ظاهرة للعيان لأن أشعة الشمس لا ترى إلا بعد تشتتها وانعكاساتها لمرات عديدة على الأجسام المتناهية الضالة في الطبقة الدنيا من الغلاف الغازي للأرض مثل هباءات الغبار، وقطيرات الماء وبخاره وجزيئات الغازات المختلفة المكونة للهواء بتركيز معين.

- "وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا" أي: وبليل الأرض إذ يغطيها عنا بطبقة ظلمته الرقيقة التي تلتقي مع ظلمة الكون، فلا ترى الشمس لمن هم في ظلمة الليل على الرغم من وجودها.

- "وَالسَّمَاء وَمَا بَنَاهَا" أي: وبالسماء وبنائها المحكم الدقيق على ضخامته والإله القادر الحكيم العظيم الذي بناها.

- "وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا" أي: وبالأرض ومدها وبسطها والمد بلا نهاية هو قمة التكوير والذي كورها فمدها وبسط سطحها.

- "وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا" أي: وبالنفس الإنسانية وبالذي خلقها.

-  فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا" أي: بين لها طريقي الخير والشر، وترك الخيار لها، ثم يأتي جواب هذا القسم المغلظ بقول الحق تبارك وتعالى.

"قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا" (الشمس، آية: 9 ـ 10).

وكل آية من الآيات الكونية والنفسية التي جاءت الإشارة إليها في سورة الشمس تحتاج إلى دراسة عميقة(64).

ولكننا نقتصر الحديث عن الآية الأولى " وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا" أي: نورها ونفعها الصادر منها(65) والقسم بالشمس إشارة إلى أهميتها والتي قد تم ذكر بعضها- فهذه الآية الكونية البديعة لخالقها بطلاقة القدرة، وبديع الصنعة وعظيم الحكمة، وإحاطة العلم، ومن هنا كان قسم الله تبارك وتعالى بها وهو سبحانه غني عن القسم لعباده، وإنما جاء هذا القسم من أجل تنبيهنا إلى تلك الأهمية القصوى للشمس، التي بدونها ما قامت الحياة على الأرض، وذلك حتى لا نمر عليها ونحن غافلون عنها، لأننا لو أدركنا أهميتها للحياة لأدركنا جانباً من جوانب العظمة المطلقة لخالقها، الذي أبدعها وأبدع الكون كله في نظام بالغ الدقة والإحكام والتكامل مما يشهد له سبحانه وتعالى بالإلوهية والربوبية والوحدانية المطلقة فوق كل خلقه بغير شريك، ولا شبيه، ولا منازع، ولا صاحبة ولا ولد فقد تنزه جلت قدرته عن كل ذلك لأنها جميعها من صفات المخلوقين والله تعالى منزه عن صفات خلقه(66)، ولاشك أن هذا القسم من الله الخالق سبحانه بالشمس إلا تأكيداً لأهمية الشمس وأهمية ضحاها لاستقامة الحياة على الأرض وفي الكون، وأن يكون في ذلك شهادة على عظمة الخالق الذي أبدعها، لأن في بناء الشمس، وفي انضباط حركاتها ما يقطع بأن ذلك لا يمكن إلا أن يكون نتاج تقدير محكم دقيق من الخالق العليم الخبير الذي أتقن كل شيء خلقه ولذلك أورد ذكر الشمس في خمسة وثلاثين موضعاً في محكم كتابه، وسمى باسمها سورة من سوره، وأقسم بها في مطلع تلك السورة الكريمة، كما أشار إلى شيء من صفاتها وتسخيرها، وانضباط حركاتها، وحتمية فنائها(67)، وذلك مثل قوله تعالى: "وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ" (الأعراف، آية: 54).

- وقال تعالى: "وَسَخَّر لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَآئِبَينَ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ" ( إبراهيم، آية: 33).

- وقال تعالى: "وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالْنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالْنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ" (النحل، آية: 12).

-وقال تعالى: "أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاء" (الحج، آية: 18).

12- " وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا":

هذه هي الآية الثانية من سورة الشمس والمحور الرئيسي لهذه السورة القصيرة يدور حول طبيعة النفس الإنسانية واستعداداتها الفطرية لكل من الخير والشر، لأن الله تعالى قد خلق الإنسان، وجعل له إرادة حرة يختار بها بين الإيمان والكفر، وبين الإصلاح في الأرض أو الإفساد فيها، وعلى أساس من اختياره يكون فلاحه في الدنيا والآخرة أو خيبته فيهما، وهذه هي مسؤولية الإنسان "صاحب الإرادة الحرة" عن نفسه في الدنيا، وعن مصيرها في الآخرة، فهو إما معتقها من العذاب أو موبقها فيه، وهي حقيقة يقسم عليها ربنا تبارك وتعالى- وهو الغني عن القسم- بثمان من آياته الكونية الكبرى في الآفاق والأنفس، فيقول عز من قائل: "وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا * وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا * وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا * وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا * وَالسَّمَاء وَمَا بَنَاهَا * وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا * وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا" (الشمس، آية: 1 - 8).

ويأتي جواب القسم:

"قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا" (الشمس، آية: 9 ـ 10).

وفي الصفحات السابقة ناقشنا الآية الأولى من هذه السورة المباركة ونبدأ على بركة الله لنبين الآية الثانية منها "وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا" لنبيين جانباً من جوانب القدرة الإلهية في إبداع خلق القمر وفي قيمة هذا التابع الصغير للأرض في إنارتها بمجرد غياب الشمس، والسبق القرآني بالإشارة إلى موالاة القمر للشمس في غروبه وشروقه(68).

يقول صاحب الظلال في تفسير "وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا": إذا تلا الشمس بنوره اللطيف الشفيف الرائق الصافي.. وبين القمر والقلب البشري ود قديم موغل في السرائر والأعماق، غائر في شعاب الضمير بترقرق، ويستيقظ كلما ألتقى به القلب في أي حال، وللقمر همسات وإيحاءات للقلب، وسبحات وتسبيحات للخالق، يكاد يسمعها القلب الشاعر في نور القمر المناسب.. وإن القلب ليشعر أحياناً أنه يسبح في فيض النور الغامر في الليلة القمراء، ويغسل أدرانه، ويرتوي ويعانق هذا النور الحبيب(69).

وجاء ذكر القمر في القرآن الكريم سبعاً وعشرين مرة في ست وعشرين آية لتكرر ذكره مرتين في آية منها هي الآية رقم 37 من سورة فصلت، كما جاء ذكر القمر بالإشارة إلى مراحله تحت مسمى الأهلة مرة واحدة وهذه الآيات يمكن تصنيفها في ثماني مجموعات كما يلي:

أ- آيتان تصفان القمر في رؤيتين من رؤى اثنين من رسل الله أحدهما إبراهيم والآخر يوسف على نبينا وعليهما من الله السلام، وإحدى هاتين الرؤيتين كان في حال اليقظة والأخرى في حال المنام على النحو التالي:

- فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَـذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ" (الأنعام، آية: 77).

- "إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ" (يوسف، آية: 4).

ب- آيتان تصفان الشمس والقمر مرة بأنهما حسباناً أي وسيلة لحساب الزمن والأخرى بأنهما بحسبان أي يجريان بحساب دقيق مقدر معلوم على النحو التالي:

- " -فَالِقُ الإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ" (الأنعام، آية: 96).

- "الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ" (الرحمن، آية: 5).

ج- إحدى عشرة آية تتحدث عن خلق كل من الشمس والقمر وسجودهما لله تعالى وتسخيرهما بأمر الله سبحانه ليكون في خدمة خلق الله إلى أجل مسمى وإعتبارهما آيتين من آيات الله، أو تنهى عن السجود لهما وتأمر بالسجود لخالقهما وحده وذلك على النحو التالي:

- "إِنَّ رَبَّكُمُ اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ" (الأعراف، آية: 54).

- "اللّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُّسَمًّى يُدَبِّرُ الأَمْرَ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لَعَلَّكُم بِلِقَاء رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ" (الرعد، آية: 2).

- "وَسَخَّر لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَآئِبَينَ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ" (إبراهيم، آية: 33).

- "وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالْنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالْنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ" (النحل، آية: 12).

- "وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ" (الأنبياء، آية: 33).

- "أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاء" (الحج، آية: 18).

- "وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ" (العنكبوت، آية: 61).

- "أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ" (لقمان، آية: 29).

- "يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُّسَمًّى ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ" (فاطر، آية: 13).

- "خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ" (الزمر، آية: 5).

- "وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ" (فصلت، آية: 37).

د- آيتان تؤكدان طبيعة كل من الشمس والقمر وتفرق بينهما بأن الشمس ضياء أو سراج والقمر نور، وهو سبق علمي لم يدركه الإنسان إلا بعد تنزيل القرآن الكريم بقرون طويلة، وكثير من العلماء لا يدركونه وفي ذلك يقول الحق تبارك وتعالى: "هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاء وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللّهُ ذَلِكَ إِلاَّ بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ" (يونس، آية: 5).

- " أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا * وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا" (نوح، آية: 15 ـ 16).

هـ- ثلاث آيات تتحدث عن منازل القمر وأطواره أي مراحله المتتالية، أو عن أحد هذه الأطوار، وفي ذلك يقول الحق تبارك وتعالى:

- "وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ" (يس، آية: 29).

- "يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ" (البقرة، آية: 189).

و- آية واحدة تشير إلى دوران كل من الشمس والقمر في مدار محدد له وفيها يقول الحق تبارك اسمه: "اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ" (القمر، آية: 1).

ح- آيتان كريمتان يقسم فيهما ربنا تبارك وتعالى بالقمر وربنا غني عن القسم لعباده ولكن تعظيماً لشأن القمر جاء القسم به على النحو التالي: "كَلَّا وَالْقَمَرِ" (المدثر، آية: 32).

- "وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا" (الشمس، آية: 2).

ط ـ آيتان تتحدثان عن نهاية القمر في يوم القيامة يقول فيهما ربنا تبارك اسمه: "فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ * وَخَسَفَ الْقَمَرُ * وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ" (القيامة، آية: 7 ـ 9)(70).

منازل القمر:

لوحظ من القدم أن القمر في دورته حول الأرض يتحرك في كل ليلة من ليالي الشهر القمري بين ثوابت من النجوم التي يسمى كل منها منزلاً من منازل القمر هو 28 بعدد الليالي التي يرى فيها القمر، ولما كان القمر في جريه مع الأرض حول الشمس يمر عبر البروج السماوية الاثني عشر التي تمر بها الأرض، فإن كل منزل من منازل القمر يحتل مكاناً معيناً في كل برج، والقمر يقطع في كل ليلة 13 درجة تقريباً من دائرة البروج تلك "360 درجة / 28 يوماً من أيام الأرض = 12,86 درجة"، وعلى ذلك فإن البرج الواحد يقع فيه أكثر من منزل من منازل القمر، ويعتمد ذلك على مساحة البرج في السماء وقد تعرف العرب على منازل من قبل البعثة المحمدية المباركة على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى التسليم، وعرفوا أهميتها في تحديد الزمن وفي إعداد التقاويم الزراعية وسموا الشمالية منها باسم الشامية، والجنوبية منها باسم المنازل اليمانية ويشير القرآن الكريم إلى منازل القمر يقول الحق تبارك وتعالى:

- "وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ" (يس، آية: 29).

ويتضح من تلك الآية الكريمة مدى تداخل مراحل نمو مساحة الإنارة على وجه القمر المقابل للأرض أي: مراحل تطور شكل القمر بالنسبة لأهل الأرض مع منازل القمر حتى ليمكن التعبير بأحداهما عن الآخر(71).

- من الظواهر المصاحبة لحركة القمر:

من الظواهر المصاحبة لدوران القمر في مداره حول الأرض ظاهرتان فلكيتان مهمتان هما: ظاهرة كسوف الشمس، وظاهرة خسوف القمر، وينتج كسوف الشمس من توسط القمر بين الأرض والشمس مما يحجب الشمس لفترة زمنية محددة، أما خسوف القمر فينتج من توسط الأرض بين القمر والشمس مما ينتج عنه إظلام القمر لوقوعه في منطقة ظل الأرض وكسوف الشمس يتكرر في السنة من مرتين إلى ثلاث مرات، بينما يتكرر خسوف القمر لأكثر من أربع مرات في السنة نظراً لكبر حجم منطقتي ظل وشبه ظل الأرض بالنسبة لحجم القمر، وصغر حجم هاتين المنطقتين للقمر بالنسبة إلى حجم القمر، ولذلك يرى خسوف القمر من جميع بقاع الأرض التي يكون فيها القمر فوق الأفق، ويبدئ على الجانب الشرقي من القمر لأن القمر يدور حول الأرض من الغرب إلى الشرق، بينما يرى كسوف الشمس من نقاط محددة على سطح الأرض، وقد يكون خسوف القمر كلياً إذا دخل في منطقة ظل الأرض بالكامل وقد يكون خسوفاً جزئياً إذا دخل في منطقة شبه الظل للأرض ويسمى هذا الخسوف الجزئي باسم الاحتراق، لأن القمر يبدو فيه أحمر نحاسي اللون، كذلك فإن كسوف الشمس قد يكون كسوفاً كلياً إذا غطى ظل القمر كل قرص الشمس بالكامل، وقد يكون كسوفاً جزئياً حين يغطي ظل القمر جزءاً من قرص الشمس، وقد يكون كسوفاً حلقياً عندما يكون القمر في أبعد مواضعه عن الأرض فلا يستطيع ظله أن يغطي قرص الشمس بالكامل، بل يغطي جزءاً من وسطها ويترك الجزء الباقي من الشمس ظاهراً على حلقة مضيئة(72).

وكل من الكسوف والخسوف، هو من الظواهر الكبرى، ومن الآيات العظام التي هي خروج عن المألوف بإرادة الله تعالى، يريد أن يختبر بهما عباده، ليفزعوا إليه بالتضرع والدعاء والصلاة، خوف أن يصيبهم بعذاب من عنده، قال تعالى: "وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلاَّ تَخْوِيفًا" (الإسراء، آية: 59). وقد خرج النبي صلى الله عليه وسلم فزعاً عندما خسفت الشمس، فأتى المسجد فصلى، وكان هذا حاله عند حدوث كل ما يخاف منه من الريح الشديدة، والرعد والظلمة في النهار، وكان يخشى أن تكون القيامة، ففي الصحيح عن أنس رضي الله عنه قال: كانت الريح الشديدة إذا هبت عُرف ذلك في وجه النبي صلى الله عليه وسلم(73)، وعن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: ما هاجت الريح إلا جثا النبي صلى الله عليه وسلم على ركبتيه وقال: اللهم اجعلها رحمة ولا تجعلها عذاباً، اللهم أجعلها رياحاً ولا تجعلها ريحاً(74).

وكان صلى الله عليه وسلم إذا سمع الرعد ترك الحديث وقال "سبحان الذي يسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته"، ثم يقول: إن هذا لوعيد لأهل الأرض شديد، وأخبر صلى الله عليه وسلم أن الخسوف والكسوف من الآيات والظواهر، لا تكون لموت أحد ولا لحياته ولكن الله يخوف به عباده، وقال: فإذا رأيتم شيئاً من ذلك فأفزعوا إلى ذكر الله ودعائه واستغفاره(75).

وهكذا ينبغي على المؤمن أن يكون دأبه تجديد التوبة والخوف والاستغفار عند حدوث كل ما يخاف كالزلازل والبراكين، وانشطار الكواكب وسقوط الشهب، لأنه لا يأمن أن يكون ذلك آية تنذر بعذاب الله، فإن الطاعة تدفع البلاء، وإذا وقع المكروه لم يأخذ المسلم وهو غافل، ولا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون(76).

- مشروعية صلاة الكسوف:

وقد شرعت صلاةخاصة عند كسوف الشمس، صلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أن كسفت الشمس في السنة العاشرة، وأجمع المسلمون على مشروعيتها ففي الصحيح: انكسفت الشمس على عهد النبي صلى الله عليه وسلم يوم مات إبنه إبراهيم فخرج يجر رداءه مستعجلاً، وفي بعض الرويات: ففزع، فأخطأ بدرع، حتى أدرك بردائه بعد ذلك(77).

وصلاة الكسوف سنة في حق كل من يؤمر بالصلاة من رجل وامرأة، ولو مسافراً، تصلى جماعة في المسجد، يصليها النساء في البيوت فرادى(78)

- وقتها وصفتها:

وقت صلاة الكسوف يكون من بعد شروق الشمس وارتفاعها قليلاً إلى الزوال، وقد صلاها النبي صلى الله عليه وسلم ضحى وهو الوقت الذي كسفت فيه الشمس على عهده صلى الله عليه وسلم(79). ويستحب فيها طول القراءة، وإطالة الركوع والسجود وتجوز فيها القراءة جهراً وسراً، ففي الصحيح: أن النبي صلى الله عليه وسلم جهر في صلاة الخسوف بقراءته فصلى أربع ركعات في ركعتين وأربع سجدات(80)، وفي حديث سمر في وصف صلاة الكسوف: فتقدم فصلى بنا كأطول ما قام بنا في صلاة قط، لا نسمع له صوتاً(81)، وبعد الصلاة يستقبل الإمام الناس ويعظهم ويذكرهم ويخوفهم ويأمرهم بالتوبة والدعاء والذكر والتسبيح(82).

- صلاة خسوف القمر:

صلاة خسوف القمر ركعتان مثل سائر النوافل، يصليها الناس فرادى في البيوت، لمشقة الخروج إليها ليلاً(83)، ويندب تكرارها حتى تتجلى القمر، والقراءة فيها جهر على الأصل في صلاة الليل(84).

- الحركات الحقيقية للقمر:

- دورة القمر حول محوره، وتتم في كل شهر عربي دورة واحدة ينتصفها ليل لمدة أسبوعين ونهار لمدة أسبوعين تقريباً.

- دورة القمر حول الأرض وتتم في 29,5 يوم بالنسبة للأرض وفي 27,3 يوم بالنسبة للنجوم.

- دورة القمر مع الأرض حول الشمس بسرعة تقدر بنحو 30 كيلو متراً في الثانية وتتم في سنة شمسية مدتها اثنا عشر شهراً ينزل القمر فيها منازل الشمس الإثني عشر شهراً بعد شهر.

- دورة القمر مع المجموعة الشمسية حول مركز مجرتنا وتتم في حدود 225 مليون سنة أرضية.

- دورة القمر مع المجرة، ومع التجمعات الأكبر من ذلك بالتدرج حول مراكز متدرجة في الكون الفسيح إلى نهاية لا يعلمها إلا الله(85).

وقد شاءت إرادة الله وحكمته البالغة ألا تظلم سماء الأرض إظلاماً تاماً بمجرد غياب الشمس الظاهري عن الأرض، فأبقى لنا القمر والنجوم تنير ظلمة ليل الأرض، فبمجرد غياب الشمس عنا يصلنا ضؤوها المنعكس من فوق سطح القمر نوراً لا حرارة فيه، ويرى نور القمر في مراحله المتتالية من الميلاد إلى المحاق، ونظراً لقربه من الأرض فإن أثره في إنارة ظلمة ليل الأرض أبلغ من أثر النجوم وهو في مرحلة الهلال، وتصف هذه الآية الكريمة متابعة القمر للشمس في حركاتهما الظاهرية حول الأرض وهي حقيقة لم تدرك إلا بعد نزول القرآن الكريم بقرون عديدة، فسبحان الذي خلق القمر، وأنزل في محكم كتابه هذا القسم الإلهي بموالاة القمر لغروب الشمس فقال عز من قائل:" وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا" وهي موالاه في أمور عديدة وليس فقط في حركاته الحقيقية والظاهرية(86).

13- مواقع النجوم:

قال تعالى: "فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ" (الواقعة، آية: 75 ـ 76).

أقسم الله سبحانه وتعالى قسماً مغلظاً بمواقع النجوم وبين أن هذا القسم جليل عظيم لو كنتم تعرفون قدره أن هذا القرآن كتاب كريم، جم الفوائد والمنافع، لاشتماله على أصول الدين من العقيدة والعبادة والأخلاق والمعاملات وعلى غير ذلك من أمور الغيب وضوابط السلوك وقصص الأنبياء وأخبار الأمم السابقة والعبر المستفادة منها، وعلى عدد من حقائق ومظاهر الكون الدالة على وجود الله وعظيم قدرته، وكمال حكمته وإحاطة علمه، ويأتي جواب القسم: أن الله تعالى قد تعهد بحفظ هذا الوحي الخاتم في كتاب واحد مصون بقدرة الله، ومحفوظ بحفظه من الضياع أو التبديل والتحريف، وهو المصحف الشريف الذي لا يجوز أن يمسه إلا المطهرون من جميع صور الدنس المادي، أي المتوضئون الطاهرون، ولا يستشعر عظمته وبركته إلا المطهرون من كل صور الدنس المعنوي أي: المؤمنون بالله، الموحدون له المطهرون من دنس الشرك والكفر والنفاق، ورذائل الأخلاق لأن هذا القرآن الكريم هو وحي الله الخاتم، المنزل على خاتم الأنبياء والمرسلين صلى الله عليه وسلم وهو معجزته الخالدة إلى يوم الدين، أنزله الله بعلمه على خاتم أنبيائه ورسله، وربنا سبحانه هو الإله الخالق رب السموات والأرض ومن فيهن، وقيوم الكون ومليكه سبحانه، يقول عز وجل: "فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ * إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ * لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ * تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ" (الواقعة، آية: 75 ـ 80).

هذا القسم القرآني المغلظ جاء بمواقع النجوم وليس بالنجوم ذاتها، علماً بأن النجوم من أعظم صور إبداع الله في الكون وفي هذا القسم نلاحظ أن "الفاء" حرف عطف يعطف بها فتدل على الترتيب والتعقيب مع الاشتراك أو يكون ما قبلها علة لما بعدها، وتجري على العطف والتعقيب دون الاشتراك، وقد تكون للابتداء، ويكون ما بعدها حينئذ كلاماً مستأنفاً، وأغلب الظن أنها هنا للأبتداء(87).

وهذا القسم القرآني العظيم بمواقع النجوم يشير إلى سبق القرآن الكريم بالإشارة إلى إحدى حقائق الكون المبهرة، والتي مفادها أنه نظراً للأبعاد الشاسعة التي تفصل نجوم السماء عن أرضنا، فإن هذا الإنسان على هذه الأرض لا يرى النجوم أبداً، ولكنه يرى مواقع مرت بها النجوم، ثم غادرتها، وفوق ذلك وأن هذه المواقع كلها نسبية وليست مطلقة، لأن الضوء كأي صورة من صور المادة والطاقة لا يستطيع أن يتحرك في صفحة السماء إلا في خطوط منحنية وعين الإنسان لا ترى إلا في خطوط مستقيمة، وعلى ذلك فإن الناظر إلى النجم من فوق سطح يراه على استقامة آخر نقطة ينحنى ضوءه إليها، فيرى موقعاً وهمياً للنجم غير الموقع الذي انشق منه ضوءه، فنظراً لانحناء الضوء في صفحة السماء، فإن النجوم تبدو لنا في مواقع ظاهرية غير مواقعها الحقيقية، ليس هذا فقط، بل إن الدراسات الفلكية الحديثة قد أثبتت أن نجوماً قديمة قد خبت أو تلاشت منذ أزمنة بعيدة، والضوء الذي انبثق منها في عدد من المواقع التي مرت بها لا يزال يتلألأ في ظلمة السماء في كل ليلة من ليالي الأرض إلى اليوم الراهن، ومن هنا كان هذا القسم القرآني بمواقع النجوم، وليس بالنجوم ذاتها ـ على عظم قدر النجوم ـ التي كشف العلم عنها أنها أفران نووية كونية عجيبة يخلق الله تعالى لنا فيها كل صور المادة والطاقة التي ينبني منها هذا الكون المدرك، ثم إن عدد ما أحصاه علماء الفلك من النجوم في الجزء المدرك من السماء الدنيا إلى يومنا هذا تعدى سبعين مليار تريليون نجم(88).

أ - ماهية النجوم:

النجوم هي أجرام سماوية منتشرة بالسماء الدنيا، كروية أو شبه كروية، غازية، ملتهبة، مضيئة بذاتها، متماسكة بقوة الجاذبية على الرغم من بنائها الغازي، هائلة الكتلة، عظيمة الحجم، عالية الحرارة بدرجة مذهلة، وتشع موجات كهرومغناطيسية على هيئة كل من الضوء المرئي وغير المرئي بجميع موجاته، ويمكن بدراسة ضوء النجم الواصل إلينا التعرف على العديد من صفاته الطبيعية والكيميائية من مثل درجة لمعانه، وشدة إضاءته، درجة حرارته، حجمه متوسط كثافته، كتلته، تركيبه الكيميائي، ومستوى التفاعلات النووية فيه، موقعه منا، سرعة دورانه حول محوره، وسرعة جريه في مداره، وسرعة تباعده عنا أو اقترابه منا إلى غير ذلك من صفات(89).

ب- الشمس نجم عادي من نجوم السماء الدنيا:

الشمس هي النجم الذي تتبعه أرضنا فتدور حوله مع باقي أفراد المجموعة الشمسية وتدور معه حول مركز المجرة ومع المجرة حول مراكز أعلى بالتدريج إلى نهاية لا يعلمها إلا سبحانه وتعالى، والشمس أقرب نجوم السماء إلينا، ويقدر بعدها عنا بحوالي مائة وخمسين مليون من الكيلومترات، ويقدر نصف قطرها بحوالي سبعمائة ألف كيلومتر(90).

وتجري الشمس ومعها مجموعتها الشمسية في صفحة الكون بسرعة تقدر بحوالي 19 كم/ثانية نحو نقطة في كوكبة هرقل بالقرب من نجم النسر الواقع وهي تسمى علمياً باسم قمة الشمس، ولعلها هي ما يسميها خالقها سبحانه وتعالى ف محكم كتابه باسم "مستقر الشمس"، كما تجري الشمس (ومعها مجموعتها الشمسية) بسرعة تقدر بحوالي 220كم/ثانية حول مركز مجرتنا (درب التبانة)، لتتم هذه الدورة في 225 مليون سنة من سنين الأرض، وأقرب كواكب المجموعة  الشمسية إلى الشمس هو كوكب عطارد، يبعد عنها بحوالي 58 مليون كم، ويعتقد حسابياً أن هناك كوكب أبعد من بلوتو، ولكن لم يتم رصده بعد، وإذا خرجنا عن نطاق المجموعة الشمسية فإن هذه المقاييس الأرضية لا تفي بقياس المسافات التي تفصل بقية نجوم السماء الدنيا عنا، فاتفق العلماء على وحدة قياس كونية تعرف باسم السنة الضوئية، وهي المسافة التي يقطعها الضوء بسرعته المقدرة بحوالي الثلاثمائة ألف كم/ثانية في سنة من سنيننا، وهي مسافة تقدر بحوالي 9,5 مليون مليون كم(91).

ج- المجرات تجمعات للنجوم:

المجرات هي نظم كونية شاسعة الاتساع تتكون من التجمعات النجمية والغازات والغبار الكونيين (الدخان الكوني) بتركيز يتفاوت من موقع لآخر في داخل المجرة، وهذه التجمعات النجمية تضم عشرات البلايين إلى بلايين البلايين من النجوم في المجرة الواحدة وتختلف نجوم المجرة في أحجامها، ودرجات حرارتها، ودرجات لمعانها، وفي غير ذلك من صفاتها الطبيعية والكيميائية، وفي مراحل دورات حياتها وأعمارها، فمنها النجوم المفردة والمزدوجة والعديدة والعماليق الكبار والأقزام الحمر، والنجوم القزمة البيضاء والبنية والسوداء، والنجوم النيوترونية، والثقوب السوداء، وأشباه النجوم وغيرها، مما يتخلق باستمرار من الدخان الكوني، ويُفنى إليه، ومن المجرات ما هو حلزوني الشكل ومنها ما هو بيضائي، ومنها ما هو غير محدد الشكل، ومنها ما هو أكبر من مجرتنا كثيراً، ومنها ما هو في حجمها أو أصغر منها، وتتبع مجرتنا ما يعرف باسم المجموعة المحلية وهي عبارة عن تجمع محلي لعدد من المجرات، وقد يتجمع عدد أكبر من المجرات على هيئة أكبر تعرف باسم "عنقود مجري"، كما قد يتجمع عدد من العناقيد المجرية على هيئة عنقود مجري عملاق يضم عشرات الآلاف من المجرات(92)، وبالإضافة إلى المجرات وتجمعاتها المختلفة في الجزء المدرك من السماء الدنيا فإننا نرى السدم وهي أجسام دخانية عملاقة بين النجوم وقد تتخلق بداخلها النجوم، وعلى ذلك فمن السدم ما هو مضيء وما هم معتم(93).

د- من أسباب القسم بمواقع النجوم:

- أنه نظراً للأبعاد الشاسعة التي تفصل نجوم السماء عنا فإنه لا يمكن لنا رؤية النجوم من على سطح الأرض أبداً، ولا بأية وسيلة مادية وكل الذي نراه من نجوم السماء هو مواقعها التي مرت بها ثم غادرتها، أما بالجري في الفضاء الكوني بسرعة مذهلة، أو بالانفجار والاندثار، أو بالإنكدار والطمس، فالشمس وهي أقرب نجوم السماء إلينا تبعد عنا بمسافة مائة وخمسين مليون كيلومتر، فإذا انبثق منها الضوء بسرعته المقدرة بحوالي الثلاثمائة ألف كيلو متر في الثانية من موقع معين مرت به الشمس بسرعة تقدر بحوالي 19 كيلو متراً في الثانية من موقع معين مرت به الشمس فإن ضوءها يصل إلى الأرض بعد ثمان دقائق وثلث الدقيقة تقريباً، بينما تجرى الشمس بسرعة تقدر بحوالي 19 كيلو متراً في الثانية في اتجاه نجم النسر الواقع" VEGA "  فتكون الشمس قد تحركت لمسافة لا تقل عشرة الآف كيلو متر عن الموقع الذي انبثق منه الضوء ونحن لا نرى ضوءها إلا هيئة صورة وهمية للموقع الذي انبثق منه الضوء الذي رأيناه(94).

وتتغير مواقع النجوم من لحظة إلى أخرى بسرعات تتناسب مع سرعة تحرك النجم في مداره، ومعدلات توسع الكون وتباعد المجرات عنا، والتي يتحرك بعض منها بسرعات تقترب أحياناً من ثلاثة أرباع سرعة الضوء، وأبعد نجوم مجرتنا عنا يصل ضوؤه بعد ثمانين ألف سنة من لحظة انبثاقه من النجم بينما يصلنا ضوء بعض النجوم البعيدة عنا بعد بلايين السنين، وهذه المسافات الشاسعة مستمرة في الزيادة مع الزمن نظراً لاستمرار تباعد المجرات عن بعضها البعض بسبب اتساع الكون، ومن النجوم التي تتلألأ أضواؤها في سماء ليل الأرض ما ثبت علمياً أنه قد انفجر وتلاشى، أو طمس واختفى منذ ملايين السنين، لأن آخر شعاع انبثق منه قبل انفجاره أو طمسه لم يكن قد وصل إلينا بعد، والضوء القادم منه اليوم يعبر عن ماض قد يقدر بملايين السنين(95).

- ثبت علمياً أن الضوء مثل المادة ينحني أثناء مروره في مجال تجاذبي مثل الكون، وعليه فإن موجات الضوء تتحرك في صفحة السماء الدنيا في خطوط منحنية يصفها القرآن الكريم "المعارج" ويصف الحركة ذاتها بالعروج وهو الانعطاف والخروج عن الخط المستقيم، كما يمكن أن يفيد معنى الصعود في خط منعطف، ومن هنا كان وصف رحلة المصطفى صلى الله عليه وسلم في السموات العلا "بالعروج" وسميت الليلة باسم "المعراج" والجمع "معارج" و "معاريج" وحينما ينعطف الضوء الصادر من النجم في مساره إلى الأرض فإن الناظر من الأرض يرى موقعاً للنجم على استقامة بصره، وهو موقع يغاير موقعه الذي صدر منه الضوء، مما يؤكد مرة أخرى أن الإنسان من فوق سطح الأرض لا يمكنه أن يرى النجوم أبداً.

- أن النجوم في داخل المجرة الواحدة مرتبطة مع بعضها بالجاذبية المتبادلة بينهما والتي تحكم مواقع النجوم وكتلها، فمع تسليمنا بأن الله تعالى هو الذي يمسك السموات والأرض أن تزولا كما أخبرنا سبحانه بقوله: "إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَن تَزُولَا وَلَئِن زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِّن بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا" (فاطر، آية: 41).

ويقول ربنا: "وَيُمْسِكُ السَّمَاء أَن تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ" (الحج، آية: 65).

إلا أن الله تعالى له سننه التي يحقق بها مشيئته وهو القادر على أن يقول للشيء " كُنْ فَيَكُونُ" وهو تعالى وضع للكون هذه السنن المتدرجة لكي يستطيع الإنسان فهمها ويتمكن من توظيفها في حسن القيام بواجب الاستخلاف في الأرض، فمواقع النجوم على مسافات تتناسب تناسباً طردياً مع كتلتها، ومرتبطة ارتباطاً وثيقاً بقوى الجاذبية التي تمسك بها في تلك المواقع وتحفظ السماء أن تقع على الأرض إلا باذن الله ومن هنا كانت قيمة مواقع النجوم التي كانت من وراء هذا القسم القرآني العظيم.

-  أثبتت  دراسات الفلك ودراسات كل من الفيزياء الفلكية والنظرية أن الزمان والمكان شيئان متواصلان ومن هنا كانت مواقع النجوم المترامية الابعاد تعكس أعمارها الموغلة في القدم، والتي تؤكد أن الكون الذي نحيا فيه ليس أزلياً، إذ كانت له بداية يحددها الدارسون باثني عشر بليون من السنين على أقل تقدير ومن هنا كان في القسم بمواقع النجوم إشارة إلى قدم الكون مع حدوثه، وهي حقائق لم يتوصل إليها العلم المكتسب إلا بنهاية القرن العشرين(96)  فسبحان الله العليم الحكيم القائل في محكم كتابه: "فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ *إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ * لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ * تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ" (الواقعة، آية: 75 ـ 80).

14ـ الجوار الكنس:

قال تعالى: "فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ * الْجَوَارِ الْكُنَّسِ" (التكوير، آية: 17 - 18).

ذهب جمهور المفسرين إلى القول بأن من معاني " فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ * الْجَوَارِ الْكُنَّسِ" أقسم قسماً مؤكداً بالنجوم المضيئة التي تختفي بالنهار وتظهر بالليل وهو معنى الخنس والتي تجري في أفلاكها لتختفي وتستتر وقت غروبها كما تستتر الظباء في كناسها أي: مغاراتها وهو معنى الجوار الكنس(97).

وقال السعدي: أقسم الله " بِالْخُنَّسِ" وهي الكواكب التي تخنس أي: تتأخر عن سير الكواكب المعتاد إلى إلى جهة المشرق... فأقسم الله بها في حال خنوسها، أي: تأخرها، وفي حال جريانها وفي حال كنوسها أي: استثارها بالنهار(98).

ويرى الباحث العالم الكبير في مجال الإعجاز العلمي الدكتور زغلول النجار: أن الوصف في هاتين الآيتين الكريمتين:" فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ * الْجَوَارِ الْكُنَّسِ": ينطبق انطباقاً كاملاً مع حقيقة كونية مبهرة تمثل مرحلة خطيرة من مراحل حياة النجوم يسميها علماء الفلك اليوم باسم الثقوب السود وهذه الحقيقة لم تكتشف إلا في العقود المتأخرة في القرن العشرين(99).

- ما هي الثقوب السود؟

يعرف الثقب الأسود بأنه أحد أجرام السماء التي تتميز بكثافتها الفائقة وجاذبيتها الشديدة بحيث لا يمكن للمادة ولا لمختلف صور الطاقة "ومنها الضوء" أن تفلت من أسرها ويحد الثقب الأسود سطح يعرف باسم أفق الحدث وكل ما يسقط داخل هذا الافق لا يمكنه الخروج منه، أو إرسال أية إشارة عبر حدوده وقد أفادت الحسابات النظرية في الثلث الأول من القرن العشرين إلى إمكانية وجود مثل هذه الأجرام السماوية ذات الكثافة الفائقة والجاذبية الشديدة إلا أنها لم تكتشف إلا في سنة 1971م، بعد اكتشاف النجوم النيوترونية بأربع سنوات.

ففي سنة 1971م اكتشف علماء الفلك أن بعض النجوم العادية تصدر وابلاً من الأشعة السينية، ولم يجدوا تفسيراً عملياً لذلك إلا وقوعها تحت تأثير أجرام سماوية غير مرئية ذات كثافات خارقة للعادة ومجالات جاذبية عالية الشدة وذلك لأن النجوم العادية ليس في مقدورها إصدار الأشعة السينية من ذاتها، وقد سميت تلك النجوم الخفية باسم الثقوب السود لقدرتها الفائقة على ابتلاع كل ما تمر به أو يدخل في نطاق جاذبيتها من مختلف صور المادة والطاقة من مثل الغبار والغازات الكونيين، والأجرام السماوية المختلفةن ووصفت بالسواد لأنها معتمة تماماً لعدم قدرة الضوء على الافلات من مجال جاذبيتها على الرغم من سرعته الفائقة المقدرة بحوالي الثلاثمائة ألف كلم/ الثانية "299792,458كلم/ث" وقد اعتبرت الثقوب السود مرحلة الشيخوخة في حياة النجوم العملاقة وهي المرحلة التي قد تسبق انفجارها وعودة مادتها إلى دخان السماء دون أن يستطيع العلماء حتى هذه اللحظة معرفة كيفية حدوث ذلك(100).

وطبيعة تلك الثقوب السود وطريقة فنائها تبقى معضلة كبرى أمام كل من علماء الفلك والطبيعة الفلكية، فحسب قوانين الفيزياء التقليدية لا يستطيع الثقب الأسود فقد أي قدر من كتلته مهما تضاءل، ولكن حسب قوانين فيزياء الكم فإنه يتمكن من الإشعاع وفقدان كل من الطاقة والكتلة إلى الدخان الكوني وهي سنة الله الحاكمة في جميع خلقه، ولكن تبقى كيفية تبخر مادة الثقب الأسود بغير جواب، وتبقى كتلته، وحجمه، وكثافته وطبيعة المادة والطاقة فيه وشدة حركته الزاوية وشحناته الكهربية والمغناطيسية في الاسرار التي يكافح العلماء إلى يومنا هذا من أجل استجلائها.

فسبحان الذي خلق النجوم وقدر لها مراحل حياتها... وسبحان الذي أوصلها إلى مرحلة الثقب الأسود، وجعله من أسرار الكون المبهرة.. وسبحان الذي أقسم بتلك النجوم المستترة، الحالكة السواد، الغارقة بالظلمة، وجعل لها من الظواهر ما يعين الإنسان على إدراك وجودها على الرغم من تسترها واختفائها، وسبحان الذي مكنها من كنس مادة السماء وابتلاعها وتكديسها، ثم وصفها القرآن المعجز فقال سبحانه: "فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ * الْجَوَارِ الْكُنَّسِ" ولا أجد وصفاً لتلك المرحلة من حياة النجوم المعروفة باسم الثقوب السود أبلغ من وصف الخالق سبحانه لها بالخنس الكنس، فهي خانسة أي دائمة الاختفاء والاستتار بذاتها وهي كانسة لصفحة السماء، تبتلع كل ما تمر به من المادة المنتشرة بين النجوم وكل ما يدخل في نطاق جاذبيتها من أجرام السماء، وهي جارية في أفلاكها المحددة لها، فهي خنس جوار كنس وهو تعبير أبلغ بكثير من تعبير الثقوب السود الذي اشتهر وذاع بين المشتغلين بعلم الفلك "وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللّهِ حَدِيثًا" (النساء، آية: 122).

ومن العجيب أن العلماء الغربيين يسمون هذه الثقوب السود تسمية مجازية عجيبة تنطبق انطباقاً دقيقاً على الوصف القرآني "الخنس الجواري الكنس" كما فصلناه آنفاً وذلك حين يسمونها بالمكانس الشافطة العملاقة التي تبتلع أو تشفط كل شيء يقترب منها إلى داخلها وتبقى الثقوب السود صورة مصغرة للجرم الأول الذي تجمعت فيه مادة الكون ثم انفجر ليتحول إلى سحابة من الدخان وأن من هذا الدخان خلقت السموات والأرض، وتتكرر العملية اليوم أمام أنظار المراقبين من الفلكيين حيث تتخلق النجوم الابتدائية من تركز المادة في داخل السدم عبر دوامات تركيز المادة ومنها تتكون النجوم الرئيسية والتي قد تتفجر حسب كتلتها إلى عمالقة حمر أو نجوم مستعرة أو مستعرة عظمى، وقد يؤدي انفجار العمالقة الحمر إلى تكون أعداد من السدم الكوكبية والتي تنتهي إلى تكون الأقزام البيض أو تستمر في التبرد حتى تنتهي إلى ما يعرف باسم الأقزام السود وهي من النجوم المنكدرة، كما قد يؤدي انفجار  فوق المستعرات إلى تكون نجوم تيوترونية غير نابضة أو نابضة أو إلى تكون ثقوب سود حسب كتلتها الابتدائية، وقد تفقد الثقوب السود كتلتها إلى دخان السماء عن طريق تبخر تلك المادة على هيئة أشباه النجوم المرسلة لموجات راديوية عبر مراحل متوسطة عديدة، ثم تتفكك هذه ليتعود مرة أخرى إلى دخان السماء مباشرة أو عبر هيئة كهيئة السدم حتى تشهد لله الخالق بالقدرة الفائقة على أنه وحده الذي يبدأ الخلق ثم يعيده، وأنه وحده على كل شيء قدير.

ومن المبهر حقاً أن يشهد علماء الفلك اليوم 90% من مادة الكون المنظور - ممثلة بمادة المجرات العادية -  هي مواد خفية لا يمكن للإنسان رؤيتها بطريقة مباشرة أو غير مباشرة ولكن يمكن تقديرها حسابياً فقط وأن من هذه المواد الخفية: الثقوب السود، والمادة الداكنة، واللبنات الأولية للمادة وغيرها وأن كتلة المدرك من الكون تقدر حسابياً بأكثر من مائة ضعف الكتلة الظاهرة فسبحان الذي أنزل في محكم كتابه قبل ألف وأربعمائة سنة قوله الحق:" فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ * وَمَا لَا تُبْصِرُونَ" (الحاقة، آية: 38 ـ 39).

وسبحان الذي وصف لنا " الثقوب السود" بوصفه الرباني " بِالْخُنَّسِ * الْجَوَارِ الْكُنَّسِ" وهو وصف يفوق التسمية العلمية لها باسم الثقوب السود دقة وشمولاً وإحاطة، ويشهد لمنزله في محكم كتابه بالألوهية والربوبية والوحدانية المطلقة، كما يشهد للقرآن الكريم بأنه كلام الله الخالق الذي "لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ" (فصلت، آية: 42)(101).

15- النجم الثاقب:

قال تعالى: "وَالسَّمَاء وَالطَّارِقِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ * النَّجْمُ الثَّاقِبُ" (الطارق، آية: 1 ـ 3).

يقسم سبحانه وتعالى بكل من السماء والطارق، ثم يثني باستفهام تفخيمي عن ماهية الطارق ويحدده بالنجم الثاقب وقد اختلف المفسرون في تحديد المقصود من تعبير "الطارق" فمنهم من قال: إن الوصف ينطبق على كل نجم، ولا سبيل إلى تحديد نجم بذاته، ولا ضرورة لهذا التحديد، بل الإطلاق أولى ليكون المعنى: والسماء ونجومها الثاقبة للظلام، النافذة من هذا الحجاب الذي يستر الأشياء(102)، ومنهم من قال: إنه الثريا أو النجم الذي يقال له "كوكب الصباح" أو نجم آخر محدد بذاته، ومنهم من قال  إن الوصف ينطبق على الشهب التي وصفها القرآن الكريم بأنها ثاقبة كما في قول الحق سبحانه "إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ" (الصافات، آية: 10).

وذلك على الرغم من الفروق الضخمة بين كل من النجم والشهاب، ولكن الواضح من الآيات أن القسم جاء هنا بنجم خاص بذاته سماه ربنا سبحانه: "بالطارق" ووصفه " النَّجْمُ الثَّاقِبُ" وقد ورد ذكر النجوم في القرآن الكريم ثلاث عشرة، أربع منها بالافراد "النجم" وتسع بالجمع "النجوم" ولم يوصف أي منها " بالطارق النجم الثاقب" إلا في هذه السورة المباركة التي نحن بصددها والتي حملت اسم الطارق تأكيداً أن الطارق نجم محدد بذاته(103).

ويرى الدكتور زغلول النجار: أن الوصف القرآني "بالطارق النجم الثاقب" ينطبق على مصادر الإشعاع الراديوي المميز بالسماء الدنيا ومن أهمها: النجوم النيوترونية شديدة التضاغط والمعروفة باسم النجوم النابضة أو النابضات أو النوابض، وهي نجوم ذات كثافة وجاذبية فائقة وحجم صغير ولذا فإنها تدور حول محورها بسرعات عالية، مطلقة كميات هائلة في الموجات الراديوية ولذا تعرف باسم النوابض الراديوية، لأنها ترسل نبضات منتظمة من الأشعة الراديوية في كل جزء من الثانية أو في كل عدد قليل من الثواني حسب حجمها وسرعة دورانها حول محورها، وقد يصل عدد نبضات تلك النجوم إلى ثلاثين نبضة في الثانية الواحدة، ويعتقد أن النابض الراديوي يطلق نبضة واحدة من الموجات الراديوية في كل دورة كاملة حول محوره وتسجل المقربات "التليسكوبات" الراديوية تلك النبضات بدقة فائقة، ومن رحمة الله بنا أن أقرب النوابض الراديوية إلينا يبعد عنا بمسافة خمسة الآف من السنين الضوئية وإلا لكان لنبضاتها المتسارعة أثر مدمر للحياة على الأرض، إذا كانت على نصف هذه المسافة منا ومن مصادر الإشعاع الراديوي المتميز أيضاً ما يعرف اليوم بين علماء الفلك باسم أشباه النجوم، وهي أجرام سماوية شديدة البعد عنا، ضعيفة الإضاءة جداً "ربما لبعدها البالغ عنا" ومنها ما يطلق أقوى الموجات الراديوية التي تصل إلينا من السماء الدنيا ولذا تعرف باسم أشباه النجوم المصدرة للموجات الراديوية تمييزاً لها عن غيرها من أشباه النجوم التي لا تصدر موجات راديوية وعلى الرغم من بعدها الشاسع عنا فإن أشباه النجوم تتباعد عنا بسرعات فائقة، وتعتبر أبعد ما قد تم رصده من أجرام السماء بالنسبة لنا حتى اليوم وتبدو كأنها على أطراف السماء الدنيا تطرق أبوابها لتوصل إشاراتها الراديوية إلينا، وأشباه النجوم في حالة من حالات المادة الخاصة غير المعروفة لنا، وتقدر كتلة شبيه النجم بنحو مائة مليون ضعف كتلة الشمس، وهو قليل الكثافة جداً إذ تقدر كثافته بحدود واحد من ألف مليون مليون من الجرام للسنتمتر المكعب وتقدر الطاقة الناتجة عنه بمائة مليون مليون مرة قدر طاقة الشمس، وقد تم الكشف عن حوالي ألف وخمسمائة من أشباه النجوم على أطراف الجزء المدرك من الكون، ويتوقع الفلكيون وجود الآف أخرى منها لم تكتشف بعد، وكل من المرحلتين المطلقتين للموجات الراديوية من مراحل حياة النجوم: من مثل النوابض الراديوية، وأشباه النجوم الراديوية يعتبر من أهم المصادر الراديوية في السماء الدنيا وكلتاهما من مراحل احتضار النجوم وإنكدارها التي تسبق الطمس والخنوس، كما في حالة النوابض أو من مراحل التحول إلى دخان  السماء اللاحقة بمرحلة الخنوس كما في حالة أشباه النجوم ولعل هذه المراحل الراديوية المتميزة في ختام حياة النجوم هي المقصودة بالوصف القرآني "الطارق النجم الثاقب" لأنها تطرق صفحة السماء وتثقب صمتها بنبضاتها السريعة التردد وموجاتها الراديوية الخاطفة، والله تعالى أعلم.

وإن في سبق القرآن الكريم بالإشارة إلى تلك المراحل من حياة النجوم والتي لم يعرفها الإنسان إلا في العقود المتأخرة من القرن العشرين لهو من الشهادات الناطقة بربانية القرآن الكريم وبنبوة خاتم المرسلين صلى الله عليه وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد هذا القسم بالسماء والطارق يأتي جواب القسم " إِن كُلُّ نَفْسٍ لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ"(104).

كل حركاتك وسكناتك، وكل أقوالك وأفعالك، وكل تمنياتك، وكل بواعثك وكل آمالك وكل ما أخفيته عن الناس يحفظه الله لك، وسيحاسبك عليه، لأن الذي خلق النجم الثاقب، النجم الطارق، والنجم إذا هوى، هو الذي سيحاسبك على عملك.

"وَالسَّمَاء وَالطَّارِقِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ * النَّجْمُ الثَّاقِبُ * إِن كُلُّ نَفْسٍ لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ" لم يغب عن علمه نجم في السماء، فهل يغيب عنه شيء في الأرض(105).

16- امتناع سقوط السماء على الأرض:

قال تعالى: "أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاء أَن تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ" (الحج، آية: 65). أي: ألم تشاهد ببصرك وقلبك نعمة ربك السابغة وأياديه الواسعة " سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ" من حيوانات ونباتات وجمادات، فجميع ما في الارض مسخر لبني آدم، حيواناتها لركوبه وحمله وأعماله وأكله وأنواع انتفاعه، وأشجارها وثمارها يقتاتها وقد سلط على غرسها واستغلالها، ومعادنها يستخرجها وينتفع بها "والفلك" أي: وسخر لكم الفلك وهي السفن " تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ" تحملكم وتحمل تجارتكم وتوصلكم من محل إلى محل وتستخرجون من البحر حلية تلبسونها ومن رحمته بكم أنه " وَيُمْسِكُ السَّمَاء أَن تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ"، فلولا رحمته وقدرته لسقطت السماء على الأرض، فتلف ما عليها وهلك ما فيها: "إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَن تَزُولَا وَلَئِن زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِّن بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا" " إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ" أرحم بهم من والديهم ومن أنفسهم، ومن رحمته أن سخر لهم ما سخر من هذه الأشياء(106).

لقد سخر الله مافي الأرض لهذا الإنسان، فجعل نواميسها موافقة لفطرته وطاقاته ولو اختلفت فطرة الإنسان وتركيبه عن نواميس هذه الأرض ما استطاع الحياة عليها، فضلاً عن الانتفاع بها وبما فيها.

وهو الذي خلق الكون وفق هذا النظام الذي اختاره له وحكم فيه تلك النواميس التي تظل بها النجوم والكواكب مرفوعة متباعدة، لا تسقط ولا يصدم بعضها بعضاً، فالله سبحانه هو الذي أنشأ الناموس المنظم للوضع القائم والله سبحانه "وَيُمْسِكُ السَّمَاء أَن تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ" بفعل ذلك الناموس الذي يعمل فيها وهو من صنعه " إِلَّا بِإِذْنِهِ" وذلك يوم يعطل الناموس الذي يُعمله لحكمة ويعطله كذلك لحكمة(107). وفي أيامنا هذه تدرس السماء الدنيا في شرائع تقدر أبعادها بنحو 150 مليون × 15 مليون من السنين الضوئية ووصل أضخمها إلى 250 مليون سنة ضوئية في الطول، وقد أطلق عليه الحائط العظيم وهذه الأعداد المذهلة مما قد علمنا من أجرام الجزء المدرك من السماء الدنيا لا تمثل إلا نحو 10% من مجموع كتلة ذلك الجزء المدرك وهي ممسوكة بشدة إلى بعضها البعض، وإلا لزالت وانهارت، ولذلك قال تبارك وتعالى: "أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاء أَن تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ" (الحج، آية: 65).

- وقال عز من قائل: "إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَن تَزُولَا وَلَئِن زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِّن بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا" (فاطر، آية: 41).

وقد تمكنت العلوم المكتسبة من التعرف على عدد من القوى التي تمسك بأجرام السماء على النحو التالي:

أ - قوة الجاذبية:

وهي أضعف القوى المعروفة على المدى القصير، ولكن نظراً لطبيعتها التراكمية فإنها تتزايد باستمرار على المسافات الطويلة حتى تصبح القوة الرابطة، لكل أجزاء السماوات والأرض بإرادة الخالق سبحانه، حيث يمسك بمختلف أجرام السماء الدنيا على الأقل، وتجمعاتها من الكواكب وأقمارها، والنجوم وتوابعها، وتجمعاتها على كل المستويات إلى نهاية لا يعلمها إلا الله، ولولا هذا الرباط المحكم الذي أوجده الخالق سبحانه لانفرط عقد الكون.

ب- القوة النووية الشديدة:

وهي القوة التي تقوم بربط الجسيمات الأولية للمادة في داخل نواة الذرة، والتي تعمل على التحام نوى الذرات الأثقل في عمليات الاندماج النووي، وهي أشد أنواع القوى المعروفة لنا على الأبعاد المتناهية الصغر، ولكنها تضعف باستمرار عبر المسافات الطويلة وعلى ذلك فدورها يكاد يكون محصوراً في داخل نوى الذرات، وبين تلك النوى ومثيلاتها وتحمل هذه القوة على جسيمات تسمى باسم القوة اللاحمة أو الجليون.

جـ - القوة الذرية الضعيفة:

وتحمل على جسيمات تسمى باسم البوزونات وهي إما صالب، عديمة الشحنة، وتربط الالكترونات الدائرة في فلك النواة وهي لضعفها تؤدي إلى تفكك تلك الجسيمات الأولية للمادة كما يحدث في تحلل العناصر المشعة.

س - القوة الكهرومغناطيسية:

وتحمل على هيئة الفوتونات تنطلق بسرعة الضوء لتؤثر على الجسيمات التي تحمل شحنات كهربائية، ومن ثم فهي تؤدي شحنات كهربائية، ومن ثم فهي إلى تكون الإشعاع الكهرومغناطسي وتؤثر في جميع التفاعلات الكيمائية.

وهنا تتضح روعة النص القرآني المعجز الذي نحن بصدده والنصوص الأخرى المشابهة له في التغيير عن العديد من الحقائق العلمية التي لم يصل إليها إدراك الإنسان إلا بعد مجاهدة استغرقت آلاف العلماء وعشرات العقود حتى وصلوا إلى إدراك شيء منها في السنوات المتأخرة من القرن العشرين(108).

17- ما بين السموات والأرض:

قال تعالى: "رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا" (مريم، آية: 65).

تحدث المولى عز وجل في الآية التي قبلها عن إحاطة علمه وعدم نسيانه فقال: "وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا" (مريم، آية: 64).

قال العلماء: استبطأ النبي صلى الله عليه وسلم جبريل عليه السلام مرة في نزوله إليه فقال له:" لو تأتينا أكثر مما تأتينا، شوقاً وتوحشاً لفراقه وليطمئن قلبه بنزوله، فأنزل الله تعالى على لسان جبريل "وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ" أي: ليس لنا من الأمر شيء إن أمرنا ابتدرنا أمره ولم تعص له أمراً، فنحن عبيد مأمورون " لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ" أي: له الأمور الماضية والمستقبلة والحاضرة في الزمان والمكان، فإذا تبين أن الأمر كله لله، وأننا عبيد مدبرون، فيبقى الأمر دائراً بين هل تقتضيه الحكمة الإلهية فينفذه أم لا تقتضيه فيؤخره؟ ولهذا قال:" وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا" أي: لم يكن الله لينساك ويهملك كما قال تعالى:" مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى" بل لم يزل معتنياً بأمورك مجرياً لك على أحسن عوائده الجميلة وتدابيره الجميلة، أي: فإذا تأخر نزولنا عن الوقت المعتاد، فلا يحزنك ذلك ولا يهمك، وأعلم أن الله هو الذي أراد ذلك لما له من الحكمة فيه، ثم علل إحاطة علمه وعدم نسيانه بأنه " رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ": فربوبيته للسموات والأرض، كونهما على أحسن نظام وأكمله، ليس فيه غفلة ولا إهمال ولا سدى ولا باطل: برهان قاطع على علمه الشامل فلا تشغل نفسك بذلك، بل أشغلها بما ينفعك ويعود إليك طائله، وهو عبادته وحده لا شريك له "وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ" أي: أصبر نفسك عليها وجاهدها، وقم عليها أتم القيام وأكمله بحسب قدرتك وفي الاشتغال بعبادة الله تسلية للعابد عن جميع التعلقات والمشتهيات، كما قال تعالى: "وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى"إلى أن قال:" وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا".

وأما تفسير " هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا" أي: هل تعلم لله مسامياً ومشابهاً ومماثلاً من المخلوقين؟ وهذا استفهام بمعنى النفي المعلوم بالعقل، أي: لا تعلم لله مسامياً ومشابهاً ومماثلاً من المخلوقين؟ وهذا استفهام بمعنى النفي المعلوم بالعقل، أي: لا تعلم له مسامياً، لأنه الرب وغير مربوب، الخالق وغيره مخلوق الغني من جميع الوجوه، وغيره فقير بالذات من كل وجه، الكامل الذي له الكمال المطلق من جميع الوجوه، وغير ناقص ليس فيه من الكمال إلا ما أعطاه الله تعالى، فهذا برهان قاطع على أن الله هو المستحق لإفراده بالعبودية، وأن عبادته حق وعبادة ما سواه باطل، فلهذا أمر بعبادته وحده والاصطبار لها، وعلل ذلك بكماله وإنفراده بالعظمة والأسماء الحسنى(109).

هذا وقد ورد تعبير  السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا" في ثمانية عشر موضعاً من القرآن الكريم كما جاء تعبير " السَّمَاء وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا" في موضعين من كتاب الله وبذلك يكون مجموع مرات ورود هذه الإشارة العلمية الدقيقة عشرين مرة على النحو التالي:

- "وَلِلّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاء وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ" (المائدة، آية: 17).

-  وَلِلّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ" (المائدة، آية: 18).

- "وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ" (الحجر، آية: 85).

- "رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا" (مريم، آية: 65).

- "لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى" (طه، آية: 6).

- "وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاء وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ" (الأنبياء، آية: 16).

- "الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا" (الفرقان، آية: 59).

-"قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إن كُنتُم مُّوقِنِينَ" (الشعراء، آية: 24).

- "أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُّسَمًّى وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ بِلِقَاء رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ" (الروم، آية: 8).

 - "اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ" (السجدة، آية: 4).

- "رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ" (الصافات، آية: 5).

- "أَمْ لَهُم مُّلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبَابِ" (ص، آية: 10).

- "وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاء وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ" (ص، آية: 27).

- "رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ" (ص، آية: 66).

- "وَتَبَارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَعِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ" (الزخرف، آية: 85).

- "رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِن كُنتُم مُّوقِنِينَ" (الدخان، آية: 7).

- "مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُّسَمًّى وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنذِرُوا مُعْرِضُونَ" (الأحقاف، آية: 3).

- "وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ" (ق، آية: 38).

- "رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرحْمَنِ لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا" (النبأ، آية: 37).

وقد احتار المفسرون في شرح دلالة التعبيرين القرآنيين " السَّمَاء وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا" و " السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا" فمنهم من قال: إنها دلالة على أن جميع الموجودات هي من خلق الله سبحانه وتعالى، وملك يمينه، وتحت قهره وسلطانه، لأن الله تعالى هو المالك لكل شيء، ومنهم من قال: إن هذا النص يشير إلى سائر أجرام السماء من نجوم وكواكب وأقمار وأتربة كونية، وغازات وطاقات يتألف الكون منها، ومنهم من مر بها في صمت دون أدنى تعليق، ولكن هناك آيتين من آيات القرآن الحكيم تلقيا الضوء على دلالة هذا النص القرآني المعجز " السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا" و " السَّمَاء وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا".

في الأولى منهما يقول ربنا سبحانه وتعالى: "إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ  وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللّهُ مِنَ السَّمَاء مِن مَّاء فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخِّرِ بَيْنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ" (البقرة، آية: 164).

ومن هذه الآية الكريمة يتضح أن السحاب هو مما بين السماء والأرض.

وفي الآية الثانية يقول ربنا سبحانه وتعالى: "اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا" (الطلاق، آية: 12).

ومن هذه الآية الكريمة يفهم أن هناك مسافات بينية تفصل كل سماء عن التي تليها كما تفصل كل أرض عن التي تليها، وتفصل كلا من السماء الدنيا وباقي السموات السبع عن الأرض ولا يتأتى ذلك إلا إذا كانت الأرض في مركز السماوات(110).

أ - ما بين السماوات والأرض في العلوم المكتسبة:

تجمع العلوم المكتسبة على أن كلاً من المادة والطاقة يملأ فسحة الكون، لأن خلق كل من المكان والزمان، والمادة والطاقة قد تزامن مع عملية الانفجار العظيم "فتق الرتق" فلا يمكن تصور مكان بلا زمان، ولا زمان بلا مكان، كما لا يمكن تصور مكان وزمان بغير مادة وطاقة، فكل من المادة والطاقة يتكثف في مختلف أجرام السماء بتركيز مختلف، كما يوجد بكثافات قليلة ومتباينة بين كل جرم والآخر، وتحرك الطاقة بين السماء الدنيا وأجرامها من الأمور الثابتة علمياً، التي أكدتها الدراسات الفلكية، ومن أمثلتها تخلق النجوم من الدخان الكوني، وعودتها إليه بانفجارها في دورة حياة النجوم، ومن أمثلتها كذلك انتشار الكواكب وعودة مادتها إلى الغبار الكوني أو إلى الشهب والنيازك التي إما أن تحترق أو تتهاوى على عدد من أجرام السماء(111).

ب - الأهمية العلمية للتعبير القرآني "السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا":

إضافة إلى ما سبق القرآن الكريم بالإشارة في عشرين موضعاً منه إلى "ما بين السَّمَاء وَالْأَرْضَ " و "ما بين السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ" وهو سبق علمي حقيقي لم تدركه العلوم المكتسبة إلا في العقود المتأخرة من القرن العشرين، فإن هذه الإشارة المعجزة تحوي من الحقائق العلمية ما يفوق هذا الكشف العلمي أهمية وجدارة، وذلك لأن أول ما يمكن استنتاجه من هذا النص القرآني هو توسط الارض للسماء الدنيا وللسماوات السبع كلها، لأنها متطابقة يغلف الخارج منها الداخل وهي حقيقة لا يمكن للإنسان أن يصل إليها ـ على الرغم من تقدمه العلمي والتقني المذهل ـ فإن الإنسان محدود بحدود حسه وعقله، وبحدود مكانه ـ أي وجوده على كوكب الأرض ـ وبحدود زمانه أي عمره، ومن هنا فإن الإنسان لا يستطيع أن يدرك من الكون إلا جزءاً صغيراً من السماء الدنيا، وهذا الجزء الصغير مليء بالغيوب من مثل الثقوب السود، المادة الداكنة، الكتل المفقودة، وغيرها مما يرغم علما الفلك والفيزياء الفلكية على الإعتراف بأن أقصى ما يمكن إدراكه في الجزء المشاهد من الكون لا يتعد العشرة بالمائة من مجموع المادة والطاقة الموجودة فيه(112).

ج - القرآن الكريم يؤكد توسط الارض للكون:

إن مقابلة القرآن الكريم "في مئات الآيات" للأرض مع السماء أو السماوات ـ على ضآلة أبعاد الأرض بالنسبة إلى أبعاد السماوات ـ يؤكد على أهمية موقع الأرض من الكون.

 - إن ذكر القرآن الكريم للنصين "السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا" و "السَّمَاء وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا" في عشرين موضعاً منه كما يؤكد مركزية الارض من السماء الدنيا ومن مجموع السماوات السبع وذلك لأن هذه البينية لا يمكن أن تتم لو لم تكن الأرض في مراكز السماوات السبع.

- ويؤكد ذلك جمع القرآن الكريم لأقطار السماوات والأرض في وصف واحد كما جاء في قول الحق سبحانه وتعالى: "يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانفُذُوا لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ" (الرحمن، آية: 33).

ـ ويؤكد ما سبق حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي ثبت في الصحيحين: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في حديث الإسراء بعد مجاوزته إلى السماء السابعة: ثم رفع بي إلى البيت المعمور، وإذا هو يدخله كل يوم سبعون ألفاً لا يعودون إليه آخر ما عليهم(113) "، يعني يتعبدون فيه ويطوفون به كما يطوف أهل الأرض بكعبتهم، كذلك ذاك البيت هو كعبة أهل السماء السابعة ولهذا وجد إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام مسنداً ظهره إلى البيت المعمور، لأنه باني الكعبة الأرضية، والجزاء من جنس العمل وهو بحيال الكعبة(114).

ـ وتأتي أبحاث الاستاذ الدكتور حسين كمال لتؤكد توسط مكة لليابسة، فتبرز جانباً من جوانب التكريم المادي الملموس لهذا المكان الطيب الطاهر الذي فضله ربنا سبحانه على كل أماكن الأرض، فجعل فيه كعبته المشرفة أول بيت وضع للناس في الأرض، وجعلها قبلة للمصلين حيثما كانوا، ومكان للحج والعمرة للقادرين من المسلمين، ولو لمرة واحدة في العمر ليتعرضوا لبركات هذا المكان الذي جعل الله سبحانه وتعالى الصلاة فيه بمائة ألف صلاة كما أخبرنا الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم. ويأتي العلم في أوج عطائه ليؤكد لنا توسط مكة ليابسة الارض، وتأتي أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم مؤكدة قيام موقع الكعبة المشرفة الذي هو أصل اليابسة على جبال البيت المعمور في السماء السابعة، ويأتي القرآن الكريم مؤكداً توسط الأرض للسماوات السبع حتى تبقى الكعبة المشرفة مركزاً للكون بأسره، وهي حقيقة لا يمكن للعلوم المكتسبة أن تصل إليها أبداً(115).

ثانياً: الظواهر الجوية، الرياح، السحاب، المطر، الرعد، والبرق:

1- الرياح:

هو هواء متحرك، وفي الحياة فوق هذه السطحية، ولم يستأثره أحد دون الآخر، وما ملَّكها الله سبحانه وتعالى ووكّل بها أحدا من الناس، بل زمام أمورها وتصاريف حركاتها وشئونها بيد الخالق الرحيم(116).

- قال تعالى: " وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخِّرِ بَيْنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ" (البقرة، آية: 164).

- وقال سبحانه: " وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاء مِن رِّزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ" (الجاثية، آية: 5).

والرياح قوة من قوى هذا الكون، وجند من جنود الله تعالى: " وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ" (المدثر، آية: 31)، والله سبحانه وتعالى يرسلها في صورة ما من صورها في الوقت المقدر على من يريد به الهلاك والدمار أو بالحياة والحيا(117).

وروى أبو داؤد عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "الريح من روح الله تأتي بالرحمة وتأتي بالعذاب فإذا رأيتموها فلا تسبوها واسألوا الله خيرها واستعيذوا بالله من شرها(118).

ويرى بعض العلماء أن عامة المواضع التي ذكر الله تعالى فيه الريح بلفظ واحد، فعبارة عن العذاب، كقوله تعالى: " إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُّسْتَمِرٍّ" (القمر، آية: 19).

وفي الحديث عن غزوة الأحزاب قال تعالى: " فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا" (الأحزاب، آية: 9).

وشبه الحق أعمال الكفرة بالرماد التي تشتد به الرياح فقال:" مَّثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ" (إبراهيم، آية: 18).

وكذلك قوله تعالى:" كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ" (آل عمران، آية: 117).

والمواضع التي ذكرت الريح بلفظ الجمع "الرياح" تدل على رحمته سبحانه وتعالى.

- قال تعالى:" وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ" (الفرقان، آية: 48).

- وقال تعالى:" وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ" (الحجر، آية: 22).

- وقال تعالى:" وَمِنْ آيَاتِهِ أَن يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ وَلِيُذِيقَكُم مِّن رَّحْمَتِهِ" (الروم، آية: 46).

- وقوله تعالى:" اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا" (الروم، آية: 48).

فالأظهر فيه الرحمة وقرى بلفظ الجمع(119).

ويعلل القرطبي على هذه القضية فيقول: فمن وحد مع الريح فلأنه اسم للجنس ويدل على القليل والكثير ومن جمع فلاختلاف الجهات التي تهب منها الرياح، ومن جمع مع الرحمة ووحد مع العذاب فإنه فعل ذلك اعتباراً بالأغلب في القرآن: الرياح مبشرات، والريح العقيم، فجاءت في القرآن مجموعة مع الرحمة، مفردة مع العذاب إلا في يونس " وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ" (يونس، آية: 22).

وروي أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يقول إذا هبت الريح "اللهم أجعلها رياحاً ولا تجعلها ريحاً"(120)، وذلك لأن ريح العذاب شديدة ملتئمة الأجزاء، كأنها جسم واحد، وريح الرحمة لينة متقطعة فلذلك هي رياح، فأفردت مع الفلك في سورة يونس، لأن ريح إجراء السفن إنما ريح واحدة متصلة ثم وصفت بالطيب "بريح طيبة" فزال الاشتراك بينها وبين ريح العذاب(121)، وإنها دقة عالية في التعليل لدى القرطبي، فالريح هي التي تحمل الدمار والخراب والشر ولشدة قوتها واتصال اجزائها لا يشعر بها الناس، حتى إذا ما وصلت إليهم ونسفت قواعدهم ودمرت منازلهم، تراهم قد اصيبوا بالهلع والذعر، وربما الزوال، أما الرياح فهي النسيم العليل الحافل بالخير والبركة والهدوء والمطر والراحة النفسية والطمأنينة القلبية، فتبارك الله الذي جعل للهواء جناحين جناح رحمة وجناح عذاب(122)، وقد ورد ذكر الريح والرياح في القرآن على وجوه عدة منها:

أ - رياح النصر النصر:

قال تعالى:" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا" (الأحزاب، آية: 9).

ب - بمعنى مسيرات السفن في البحار:

قال تعالى:" هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُواْ بِهَا جَاءتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءهُمُ الْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُاْ اللّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنجَيْتَنَا مِنْ هَـذِهِ لَنَكُونَنِّ مِنَ الشَّاكِرِينَ" (يونس، آية: 22).

ج ـ بمعنى نسمات الرحمة:

قال تعالى:" وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالاً سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَنزَلْنَا بِهِ الْمَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْموْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ" (الأعراف، آية: 57).

 فالله سبحانه وتعالى هو الذي يرسل الرياح، فهي لا ترسل من غيره ولا ترسل من تلقاء نفسه ولكن الله سبحانه هو الذي يرسلها، يرسلها بالرحمة لعباده، يرسلها محملة بالأمطار ولا تتنزل إلا بأمره، ولا تهطل إلا بإرادته فهي متناسقة مأمورة، حتى تأتي الأرض الموات فتهبط بأمر ربها لإحيائها عندها تكون قد أدت ما أمرت به وتقوم الارض بأمر الله تعالى بإخراج الغلال والثمار وهذه الدورة التي قامت بها الريح والارض في إخراج الثمر وتقديم العطاء، ليس فيها عسر ولا نصب، ولا يكتنفها جهد ولا مشقة لأنها تسير بقوة الله التي لا تغلب، وبأمره الذي لا يختلف ولا يتوقف " إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ" (يس، آية: 82).

كذلك قضية البعث، قضية إحياء الموتى، قضية جمع الذرات المتناثرة والاشلاء المتباينة، هينة لينة على الله الذي خلقها من عدم هو قادر على إعادتها بعد تفرق، عن أبي رزين العقيلي قال: قلت: يا رسول الله كيف يعيد الله الخلق؟ وما آية ذلك في خلقه؟ قال: أما مررت بوادي قومك جدباً ثم مررت به يهتز خضراً؟ قال: نعم قال: فتلك آية الله في خلقه(123).

وقيل: وجه التشبيه أن إحياءهم من قبورهم يكون بمطر يبعثه الله على قبورهم فتنشق عنهم القبور، ثم تعود إليهم الارواح ثم يقول الله تعالى:" وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ" (الصافات، آية: 24).

ومن فوائد رياح نسمات الرحمة تحمل البشرى والخير، والبركة للخلائق ساكنى الارض ولها وظائف أخرى سخرها الله سبحانه وتعالى لمصلحة عباده ومن تلك الوظائف ما ذكره الحق سبحانه وتعالى:" وَمِنْ آيَاتِهِ أَن يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ وَلِيُذِيقَكُم مِّن رَّحْمَتِهِ وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ" (الروم، آية: 46).

فالرياح: تبشر بالمطر وهم يعرفون الريح الممطرة بالخبرة والتجربة،  فيستبشرون بها " وَلِيُذِيقَكُم مِّن رَّحْمَتِهِ" بآثار هذه البشرى من الخصب والنماء " وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ" سواء بدفع الرياح لها أو بتكوين الأنهار من الأمطار فتجري السفن فيها، وهي تجري مع هذا بأمر الله ووفق سنته التي فطر عليها الكون، وحسب تقديره سبحانه، فقد اودع كل شيء خاصيته ووظيفته وجعل من شأن هذا أن تحف الفلك على سطح الماء فتسير، وأن تدفعها الرياح فتجري مع التيار أو ضد التيار وكل شيء عنده بمقدار(124).

ح - بمعنى العذاب في العقوبة:

- قال تعالى:" فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُم بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ * تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا" (الأحقاف، آية: 24 ـ 25).

وقال تعالى:" وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ * مَا تَذَرُ مِن شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ" (الذاريات، آية: 41 ـ 42).

وقال تعالى:" إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُّسْتَمِرٍّ * تَنزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ" (القمر، آية: 19 ـ 20).

تقول الرويات: إنه أصابهم حر شديد واحتبس عنهم المطر، ودخن الجو حولهم من الحر والجفاف ثم ساق إليهم سحابة ففرحوا بها فرحاً شديداً وخرجوا يستقبلونها في الأودية وهم يحسبون فيها الماء، ولسان حالهم يقول " هَذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا" (الأحقاف، آية: 24).

وجاءهم الرد من الخالق المبدع:" بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُم بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ * تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا" (الأحقاف، آية: 24 ـ 25).

وهي الريح الصرصر العاتية التي:" مَا تَذَرُ مِن شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ" (الذاريات، آية: 42).

وتصور الآيات أن الريح حية مدركة مأمورة بالتدمير " تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا" (الأحقاف، آية: 52).

وهذه هي الحقيقة التي يجب أن يعيها الناس: فهذا الوجود حي، وكل قوة من قواه واعية، وكلها تدرك عن ربها وتتوجه لما تكلف به من لدنه والإنسان أحد هذه القوى، وحين يؤمن حق الإيمان ويفتح قلبه للمعرفة الواصلة يستطيع أن يعي عن القوى الكونية من حوله، وأن يتجاوب مع الحياة والإدراك، ففي كل شيء روح وحياة، ولكننا لا ندرك هذا لأننا محجوبون بالظواهر والأشكال عن البواطن والحقائق والكون من حولنا حافل بالأسرار المحجوبة بالأستار التي تدركها البصائر المفتوحة ولا تراها الأبصار وقد أدت الريح ما أمرت به فدمرت كل شيء، فأصبحوا لا يرون إلا مساكنهم(125).

                راحوا فما بكت الدنيا لفرقتهم

                                        ولا تعطلت الأعياد والجمع

وقال شاعرهم يصف حالهم وما صاروا إليه:

                فدعا هود عليهم

                                        دعوة أضحوا هموداً

                عصفت ريح عليهم

                                        تركت عاداً خموداً

                سخرت سبع ليال

                                        لم تدع في الأرض عوداً(126)

س- بمعنى القوة والدولة:

قال تعالى:" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُواْ وَاذْكُرُواْ اللّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُونَ * وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ" (الأنفال، آية: 45 ـ 46).

أي تذهب قوتكم ونصركم والقوة عز لأهلها والمؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف.

قال الشاعر:

                إذا هبت رياحك فاغتنمها

                                        فإن الخافقات لها سكون

                ولا تغفل عن الإحسان فيها

                                        فما تدري السكون متى يكون(127)

ك - بمعنى اللواقح:

قال تعالى:" وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ" (الحجر، آية: 22).

بينت هذه الآية الكريمة أن: إنزال الماء من السماء بتلقيح الرياح للسحب، وتزويد السحب بقطرات الماء وهذه حقيقة مشاهدة أثبتها علماء المناخ وأفاضوا الحديث عنها، يقول القرطبي: معنى لواقح: حوامل لأنها تحمل الماء والتراب والسحاب والخير والنفع.. وجعل الريح لاقحاً لأنها تحمل السحاب أي تقله وتصرفه ثم تمر به فتستدرّه أي تنزله(128).

وقال الطبري: اختلف أهل العربية في وجه وصف الرياح باللقاح، وإنما هي ملقحة لا لاقحة وذلك أنها تلقح السحاب والشجر، وإنما توصف باللقح الملقوحة لا الملقح، كما يقال: ناقة لاقح، كان بعض نحويي البصرة يقول: قيل: الرياح لواقح، فجعلها على لاقح، كأن الرياح لقحت، لأن فيها خيراً فقد لقحت بخير، قال: وقال بعضهم: الرياح تلقح السحاب، فهذا يدل على ذلك المعنى لأنها إذا أنشأته وفيها خير وصل ذلك إليه، وكان بعض نحويي الكوفة يقول: في ذلك معنيان أحدهما أن يجعل الريح هي التي تلقح بمرورها على التراب والماء فيكون فيها اللقاح، فيقال: ريح لاقح، كما يقال: ناقة لاقح... و الصواب من القول في ذلك عندي: أن الرياح لواقح كما وصفها به جل ثناؤه من صفتها، وإن كانت قد تلقح السحاب والأشجار، فهي لاقحة ملقحة، ولقحها: حملها الماء وإلقاحها السحاب والشجر عملها فيه، وذلك كما قال عبد الله بن مسعود(129).

وذهب طائفة من المفسرين إلى أن المقصود باللواقح هو تلقيح الرياح للشجر ومنهم من قرن تلقيح الشجر وتلقيح الرياح للسحب، وعلى رأسهم ابن كثير إذ يقول: اي تلقح السحاب فتدر ماء وتلقح الشجر فتفتح على أوراقها وأكمامها وذكرها بصيغة الجمع ليكون منها الانتاج بخلاف الريح العقيم فإنه أفردها ووصفها بالعقيم وهو عدم الإنتاج(130)

ومعنى لواقح في اللغة: اللقح اسم ما أخذ من الفحال ليدس في الآخرة، وجاءنا زمن اللقاح أي التلقيح، وقد لحقت النخيل، ويقال للنخلة الواحدة: لقحت بالتخفيف واستلقحت النخلة، أي آن لها أن تلقح وألقحت الريح السحابة والشجر، ونحوذلك في كل شيء يحمل، واللواقح من الرياح التي تعمل ملاقح فأما قولهم: لواقح فعلى حذف الزائد، قال الله سبحانه:" وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ"(131).

ويمكن أن نستخلص من معطيات الآية القرآنية ما يلي:

- أن الله سبحانه وتعالى أرسل الرياح وسخرها لمنافع العباد، وصورة المنفعة في هذه الآية أنها تعمل على التلقيح " لَوَاقِحَ".

- والتلقيح يكون للأشجار والسحب معاً، إلا أن الآية هنا تتحدث عن تلقيح الرياح للسحب فقط ولقد حمل هذه الآية عدد من المفسرين القدامى والمعاصرين، وصرفوا وجه الإعجاز فيها على أن المقصود باللواقح تلقيح الزرع والشجر، والذي يتمعن في قوله تعالى:" وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ" يجد أنها تستوعب كلا المعنيين، لكن ما ينبغي أن نغفل الجزء الثاني من الآية وهو قوله تعالى:" فَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ" فلو أن ما ذهبوا إليه من أن الرياح تلقح الأشجار فقط، لا يستلزم المعنى واقتضى السياق القرآني أن ينبني عليه إخراج الزرع والثمار بدل إنزال الماء، أما وأن القرآن قد رتب وعقب إرسال الرياح اللواقح إنزال الماء من السماء ليسقيه الناس فقد تحتم أن يكون المقصود باللواقح تلقيح الرياح للسحب لإنزال المطر، ويتضح الربط هذا من التي ربطت بين السبب والمسبب، وأقامت العلاقة المتينة بين العلة والمعلول ليكون المعنى:" فَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاء مَاء" وهذا هو وجوه الإعجاز القرآني في هذا الصدد وهذا ما أثبته علماء المناخ(132).

ويذكر الدكتور زغلول النجار في حديثه عن الإعجاز العلمي للقرآن الكريم: أن هناك ثلاثة أنواع من التلقيح تتم في السحب:

- تلقيح السحب الحارة بالسحب الباردة مما يزيد عملية التكاثف وبالتالي نزول المطر.

- تلقيح السحب موجبة الشحنة بالسحب سالبة الشحنة ويحدث تفريغ وشرر كهربائي فيكون المطر مصحوباً بالبرق والرعد، وهو صوت تمدد الهواء الناجم عن التفريغ.

- التلقيح الثالث وهو أهم أنواع التلقيح جميعاً هو أن الرياح تلقح السحاب بما ينزل بسببه المطر، إذ أن نويات التكاثف وهي النويات التي يتجمع عليها جزيئات بخار الماء لتكون نقطاً من الماء نامية داخل السحب، هي المكونات الأولى من المطر تحملها الرياح إلى مناطق إثارة السحب، وقوام هذه النويات هي أملاح البحار وما تذروه الرياح من سطح الأرض والأكاسيد والأتربة كلها لازمة للأمطار وهذه هي فكرة المطر الصناعي، عندما تقوم بعض الطائرات برش السحب التي سبق وأن تكونت ببعض المواد تعمل كنويات تكاثف، يتكاثف عليها المطر ويهطل، أي أن الرياح عامل أساسي في تكوين السحب وتلقيحها ونزول المطر، ودائماً ما يربط القرآن بين الرياح والمطر(133).

قال تعالى:" وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالاً سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَنزَلْنَا بِهِ الْمَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْموْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ" (الأعراف، آية: 57).

2- السحاب:

صنف مجموعة من العلماء المختصين السحب إلى نوعين:

أ- السحب البساطية:وقد ذكر هذا النوع في القرآن الكريم وهي كما يفهم من اسمها تظهر بشكل طبقات تحجب السماء بأكملها ولا توجد لها حدود واضحة، ويمكن تشبيهها بالضباب المرتفع وهي من السحب المنخفضة، وقد تصل قاعدتها في بعض الأحيان إلى سطح الأرض فتظهر بشكل ضباب، وقد يحدث أن تتكون من الضباب نفسه عندما يرتفع بتأثيره حرارة الشمس أو الرياح أو كليهما، وهي من السحب التي قد يصحبها هطول خفيف من الرذاذ أو حبيبات الثلج، ويكون الهطول عادة متصلاً أو منقطعاً.. ومنها ما يكون رقيقاً شفافاً لا يحجب الشمس ومنها ما يكون سميكاً معتماً، والنوع السميك منها يصاحبه في المعتاد هطول من المطر أو الثلج أو خليط منها(134).

وفي كتاب "السحب" ذكر أن السحب تنقسم إلى أربعة عشر نوعاً حسب الشكل الذي تبدو به في السماء، وجعل السحب البساطية في المرتبة السادسة: السحب المنبسطة وهي سحب منتشرة أفقياً بشكل طبقة أو صحيفة، نجدها ممثلة في سحب الركام المتوسطة والركام الطبقي(135).

وفي هذا النوع قال تعالى:" اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاء كَيْفَ يَشَاء وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ" (الروم، آية: 48).

" اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ": وفق ناموسه في تكوين هذا الكون وتنظيمه وتعريفه " فَتُثِيرُ سَحَابًا" بما تحمله من بخار الماء المتصاعد من كتلة الماء في الأرض " فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاء" ويفرشه ويمده " وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا" بتجميعه وتكثيفه وتراكمه بعضه فوق بعض، أو يصطدم بعضه ببعض، أو تنبعث شرارة كهربائية بين طبقة منه وطبقة، أو كسفة منه وكسفة، " فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ" وهو المطر يتساقط من خلال السحاب " فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ" ولا يعرف هذا الاستبشار على حقيقته كما يعرفه الذين يعيشون مباشرة على المطر(136).

ليس في الكلام مثل هذا الكلام مثل هذا الكلام من حيث جمال التعبير واكتمال المعنى، ومن حيث المرونة في العرض الذي يستقيم بها المعنى لكل ذي لب من الناس سواء كان في الزمان الغابر وما فيه من بدائية المعرفة أو كان في زماننا هذا بما فيه من ظواهر مذهلة في العلم والاختراع، أو تقدم مثير في الخبرات والنظريات العلمية.

إن كلاماً يسمو فوق آفاق العقول في عامة الأدهار وينسجم تمام الانسجام مع المعطيات الكونية التي يتوصل إليها الإنسان رويداً رويداً.

إن هذا الكلام بهذه الطريقة والكيفية في العرض لا جرم أن يكون من عند الله وأنه معجز(137).

ب - السحب الركامية:

وهي تتكون من تراكم السحب وركوبها بعضها على بعض.

قال تعالى:" أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاء مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَن يَشَاء وَيَصْرِفُهُ عَن مَّن يَشَاء يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ" (النور، آية: 43)

وتمثل هذه الآية الكريمة إعجازاً علمياً رائعاً في علم المناخ والرياح، وتكوين السحب الركامية، فهي تتحدث عن مراحل تكون السحب الركامية والتي تبدأ بدفع الرياح للسحب رويداً رويداً، ثم تأتي المرحلة الثانية والتي تتمثل بتأليف وجمع قطع السحاب، ثم تصبح هذه القطع مركومة فوق بعضها البعض، وعملية الركم هذه تنتج نزول المطر، وبسبب التراكم التصاعدي تنشأ جبال سيارة في السماء من البرد(138)، ونويات البرد هذه محصورة في السحب الركامية، ولم نقرأ في السحب البساطية أنها تحتوي على البرد أو البرق والرعد، ثم إن الآية تخبر أن هذا البرد له برق، والبرق هو نتيجة حتمية للبرد وغير هذه الحقائق والأسرار تحتويها هذه الآية، وسوف نرى بإذن الله أن العلم وصل بشكل دقيق إلى ما أوضحتها الآية القرآنية، بعد ما تطور علم الارصاد الجوية واستعمل العلماء أجهزة الاستشعار عن بعد والرادارات والأقمار الصناعية وغيرها(139).

وفي آية النور يعرض الله المشهد على مهل وفي إطالة، وتترك أجزاؤه للتأمل قبل أن تلتقي وتتجمع كل أولئك لتؤدي الغرض من عرضها في لمس القلب وإيقاظه وبعثه إلى التأمل والعبرة، وتدبر ما وراءها من صنع الله إن يد الله تزجي السحاب وتدفعه من مكان إلى مكان، ثم تؤلف بينه وتجمعه، فإذا هو ركام بعضه فوق بعض فإذا ثقل خرج منه الماء، والوبل الهاطل، وهو في هيئة الجبال الضخمة الكثيفة، فيها قطع البرد الثلجية الصغيرة ومشهد السحب كالجبال لا يبدو كما يبدو لراكب الطائرة وهي تعلو فوق السحب أو تسير بينها، فإذا المشهد مشهد الجبال حقاً، بضخامتها ومساقطها وارتفاعاتها وانخفاضاتها، وإنه لتعبير مصور للحقيقة التي لم يرها الناس إلا بعد ركوب الطائرات.

وهذه الجبال مسخرة بأمر الله، وفق ناموسه الذي يحكم الكون ووفق هذا الناموس يصيب الله بالمطر من يشاء ويصرفه عمن يشاء وتكملة المشهد " يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ" ذلك ليتم التناسق مع جو النور الكبير في الكون العريض، على طريقة التناسق في التصوير(140).

يقول الشيخ عبد المجيد الزنداني في تفسير هذه الآية: درسنا السحاب لمدة سنتين تقريباً في جامعة الملك عبد العزيز مع قسم الأرصاد في جدة، فعند الدراسة ظهر لنا أن هناك أنواعاً متعددة من السحب، لكن الأنواع الممطرة ثلاثة أنواع فقط فلما راجعت القرآن وجدت أن القرآن ذكر الأنواع الثلاثة بالضبط، ووصف كل نوع منها وصفاً دقيقاً هذا الوصف لكل سحاب يختلف تماماً عن وصف السحاب الآخر، فالسحب الممطرة ثلاثة أنواع منها النوع الركامي يقول الله جل وعلا في السحاب الركامي:" أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ" يعني الآن يصف لنا القرآن طريقة تكوين السحاب الركامي، ووجد أن السحاب الركامي يتكوين هكذا، يزجي أي يسوق برفق يتكون "قزعا" ثم يساق هذا "القزع" إلى خط تجمع السحاب، فيساق برفق إلى خط هذا التجمع " أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ـ في هذا الخط ـ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا" يقوم بعضه فوق بعض " ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ" يعني قطرات المطر تخرج متى؟ إذا حدث الركام " فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاء مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَن يَشَاء وَيَصْرِفُهُ عَن مَّن يَشَاء يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ" (النور، آية: 43). وصف كامل بالضبط لطريقة تكوين السحاب للظواهر المصاحبة لتكوينه، للنتائج المترتبة عليه، قلنا يبدأ بالسوق، ثم بالتأليف ثم بالتراكم فينزل المطر، تغير حرف العطف أنظر الدقة على مستوى الحرف، لأن الفترة من فترة السوق إلى التأليف تأخذ زمناً، ومن التأليف إلى نهاية الركم تأخذ زمناً، لكن بعد أن ينتهي الركم إلى نزول المطر بدون وجود زمن ولذلك كان الفارق في هذا الحرف "الفاء" عبّر بالفاء الذي يدل على التعقيب والترتيب بسرعة ولذلك قال " أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا" ف " فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاء مِن جِبَالٍ" يعني يقول لك: أنظر إلى السماء " وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاء مِن جِبَالٍ" مالجبال " فِيهَا مِن بَرَدٍ" إذن هي سحاب " وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاء مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ" لا يتكون البرد إلا في السحاب الركامي، الذي تختلف درجة حرارة قاعدته عن قمته، وبسبب هذا الشكل الجبلي للسحاب يتكون البرد، الشكل الطبقي لا يتكون فيه برد ولذلك قال" وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاء مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ" يجب أن يكون السحاب على شكل جبل " وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاء مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَن يَشَاء" الله الضمير يرجع إلى البرد " وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاء مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ" ـ أي البرد " فَيُصِيبُ بِهِ مَن يَشَاء وَيَصْرِفُهُ عَن مَّن يَشَاء".

يقول علماء الأرصاد: يتكون البرد وينزل إلى قاعدة السحاب وفجأة يأتي تيار هوائي يصرفه ويعيده إلى وسط السحاب.

أما كيف نفهم قوله تعالى:" فَيُصِيبُ بِهِ مَن يَشَاء وَيَصْرِفُهُ عَن مَّن يَشَاء" يعني كان متجهاً إلى قوم.. فقال له ارجع اطلع فوق، وتتبع علماء الأرصاد ذلك فوجدها دورة يدورها، تدورها البردة تكون غلافاً، فلما تنزل البردة إلى الأرض نحسب كم غلاف، نعرف كم دورة دارة هذه البردة في جسم السحاب " فَيُصِيبُ بِهِ مَن يَشَاء وَيَصْرِفُهُ عَن مَّن يَشَاء يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ" سنا برقه لمعان برقه، والكلام كله عن البرد " فَيُصِيبُ بِهِ ـ أي البرد ـ مَن يَشَاء ويصرف البرد ـ عَن مَّن يَشَاء يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ" لمعان برقه أي برق البرد في عام 1985م قُدّم لأول مرة مؤتمر دولي أن البرد هو السبب الحقيقي لتكوين البرق، فعندما يتحول البرد من سائل إلى جسم صلب تتكون الشحنات الكهربائية الموجبة والسالبة وعندما تدور حبة البرد توزع الشحنات الموجبة والشحنات السالبة عندما يستمر الدوران تقوم بعملية التوصيل، فالبرق من البرد(141).

ومن الآيات التي تحدثت عن السحب ونزول الأمطار، قوله تعالى:" وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ وَأَسْقَيْنَاكُم مَّاء فُرَاتًا" (المرسلات، آية: 27).

اي: جبال رواسي ثابتات سامقات، تتجمع على قممها السحب، وتنحدر عنها مساقط الماء العذب أفيكون هذا إلا عن قدرة وتقدير وحكمة وتدبير(142) ؟

فالجبال الشاهقة تكون بمثابة "مصيدة للأمطار" حيث تعترض الرياح المحملة ببخار الماء إذ تجبر الهواء الرطب على الارتفاع إلى أعلى فيبرد ويتكاثف ويسقط مطراً غزيراً(143).

وقال تعالى:" وَأَنزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاء ثَجَّاجًا * لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا * وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا" (النبأ، آية: 14 ـ 16).

" وَأَنزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ" أي: السحاب، " مَاء ثَجَّاجًا" أي: كثيراً جداً(144).

فقد أثبت العلم الحديث: بعد أن يتكون السحاب يمر فيه تيار هوائي دائري يدور كالعصارة فيرفع بدورانه هذه السحابة المشبعة ببخار الماء إلى أعلى فيبرد ويتكثف ويلقح أيضاً وتبدأ عملية العصر عند نقطة محدودة في مكان محدد في الطبقات العليا، فتنزل المطر ثم لا تلبث أن ترفع كمية أخرى من الهواء المشبع ببخار الماء من أسفل إلى أعلى وتتكثف وينزل الماء، فعن طريق العصر ينزل الماء من السحب دفعة دفعة وليس بانسياب مستمر وهذه الظاهرة تشاهد كثيراً في المناطق الاستوائية حيث تيارات الحمل قوية فتحمل السحاب وينزل المطر وتكثر الغابات وتتشابك وتلتف الاشجار حول بعضها البعض(145).

3ـ الماء سر الحياة:

قال تعالى:" أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ" (الأنبياء، آية: 30).

مع أهمية الماء ووفرته في الحياة حيث أن 75% من سطح كرتنا المائية "الأرضية" مغطى بالمياه، احتارت البشرية قروناً في وضع التعريف الدقيق للماء ولما عجزوا قالوا: وفسر الماء بعد الجهد بالماء، وفي العصر الحديث تباينت نظرة الناس للماء فعندما طلب تعريف دقيق للماء مع أيضاح أهميته من بعض الناس جاءت الإجابات متباينة:

- فقطاع الزرّاع يرى أن الماء هو الشيء الأساسي للحياة فإذا غاب لا تنبت البذور ولا الحبوب ولا الجراثيم، ولا تنمو المزروعات، ولا توجد الأنعام، ويهلك الحي منها ويموت.

- أما الأطباء فيرون الماء من زاوية أهميته لحياة الناس وصحتهم الخاصة والعامة فجميع العمليات الحيوية في الجسم تحتاج إلى الماء حتى تتم.

- والبيولوجيون يجمعون في نظرتهم بين نظرتي الزراع والأطباء، ويزيدون عليها أن الحياة جميعاً هي الماء وأن التربة الزراعية والنبات والحيوان والإنسان والكائنات الحية الدقيقة تحتاج إلى الماء في كل مرحلة من مراحل حياتها.

- أما علماء التاريخ والجغرافيا البشرية فيربطون بين نشأة الحضارات والماء، فالحضارة المصرية ارتبطت بنهر النيل، وحضارة سبأ ارتبطت بالمياه الموسمية وسد مأرب، وحضارة العرب ارتبطت ببئر زمزم وتفجر الماء العذب منه.

- أما الفيزيائيون والذين يخططون للمستقبل فيرون أن الماء هو مصدر الهيدروجين عنصر الطاقة الحيوية والاستراتيجية في المستقبل القريب.

- والجيولوجيون يرون نشأة الحياة وتكوّن التربة والحفريات وعناصر الطاقة ومصادرها القديمة والحديثة مرتبطة بالمياه ووجودها ودورتها في الحياة(146).

- فسبحان من قال في كتابه:" وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ" (الأنبياء، آية: 30).

وقد ورد ذكر كلمتي ماء والماء في القرآن الكريم 59 مرة، وورد ذكر الماء في كلمات أخرى "ماءك، ماءها، ماؤكم، وماؤها، أربع مرات، وبذلك يكون الماء قد ورد ذكره في القرآن الكريم 63 مرة وبقراءة الآيات القرآنية التي ورد ذكر الماء فيها يمكن إدراجها تحت المواضيع التالية:

أ ـ نزول ماء السماء بقدر:

قال تعالى:" وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاء مَاء بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ" (المؤمنون، آية: 18).

" وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاء مَاء بِقَدَرٍ" بحكمة وتدبير لا أكثر فيغرق ويفسد، ولا أقل فيكون الجدب والمحل ولا في غير أوانه فيذهب بدداً من غير فائدة " فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ" وما أشبهه وهو مستكن في الأرض بما النطفة وهو مستقر في الرحم "في قرار مكين" كلاهما مستقر هنالك بتدبير الله لتنشأ عنه الحياة وهذا من تنسيق المشاهدة على طريقة القرآن في التصوير " وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ": فيغور في طبقات الارض البعيدة بكسر أو شق في الطبقات الصخرية التي استقرت عليها فحفظته أو بغير هذا من الأسباب، فالذي أمسكه بقدرته قادر على تبديده وإضاعته إنما هو فضل الله على الناس ونعمته(147).

ب- "أَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنزِلُونَ"

قال تعالى:" أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاء الَّذِي تَشْرَبُونَ * أَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنزِلُونَ * لَوْ نَشَاء جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ" (الواقعة، آية: 68 ـ 70).

وهذا الماء أصل الحياة، وعنصرها الذي لا تنشأ إلا به كما قدر الله، ما دور الإنسان؟ دوره أنه يشربه أما الذي أنشأه من عناصره وأما الذي أنزله من سحائبه، فهو الله سبحانه، وهو الذي قدر أن يكون عذباً فكان " لَوْ نَشَاء جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا" مالحاً لا يستساغ ولا ينشيء حياة، فهلا يشكرون فضل الله الذي أجرى مشيئته بما كان؟

والمخاطبون ابتداء بهذا القرآن كان الماء النازل من السحائب، في صورته المباشرة، مادة حياتهم، وموضع احتفالهم، والحديث الذي يهز نفوسهم، وقد خلدته قصائدهم وأشعارهم، ولم تنقص قيمة الماء بتقدم الإنسان الحضاري، بل لعلها تضاعفت، والذين يشتغلون بالعلم ويحاولون تفسير نشأة الماء الأولى أشد شعوراً بقيمة هذا الحدث من سواهم، فهو مادة اهتمام للبذائي في الصحراء، وللعالم المشتغل بالأحداث سواء(148).

ج - نزول الغيث من مفاتيح الغيب:

عن سالم بن عبد الله عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: مفاتيح الغيب خمس لا يعلمهن إلا الله "إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ" (لقمان، آية: 34)(149).

- الله - سبحانه وتعالى - قد جعل الساعة غيباً لا يعلمه سواه، ليبقى الناس على حذر دائم، وتوقع دائم، ومحاولة دائمة أن يقدموا لها، وهم لا يعلمون متى تأتي فقد تأتيهم بغتة في أي لحظة، ولا مجال للتأجيل في اتخاذ الزاد، وكنز الرصيد.

- والله ينزل الغيث وفق حكمته، بالقدر الذي يريده، وقد يعرف الناس بالتجارب والمقاييس قرب نزوله ولكنهم لا يقدرون على خلق الإنسان التي تنشئه والنص يقرر أن الله هو الذي ينزل الغيث، لأنه سبحانه هو المنشيء للأسباب الكونية التي تكونه والتي تنظمه، فاختصاص الله في الغيث هو اختصاص القدرة كما هو ظاهر من النص، ـ مع علم الله الشامل المحيط بكل شيء

- فعلم الله وحده هو العلم الصحيح الكامل الشامل الدائم الذي لا يلحق به زيادة ولا نقصان.

- " وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ".. اختصاص بالعلم كالاختصاص في أمر " السَّاعَةِ" فهو سبحانه الذي يعلم وحده علم يقين، ماذا في الأرحام في كل لحظة وفي كل طور، من فيض وغيض، ومن حمل حتى لا يكون للحمل حجم ولا جرم، ونوع هذا الحمل ذكراً أم أنثى، حين لا يملك أحد أن يعرف عن ذلك شيئاً في اللحظة الأولى لاتحاد الخلية والبويضة وملامح الجنين وخواصه وحالته واستعداداته، فكل أولئك مما يختص به علم الله تعالى.

- " وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا".. ماذا تكسب من خير وشر، ومن نفع وضر، ومن يسر وعسر، ومن صحة ومرض، ومن طاعة ومعصية، فالكسب أعم من الربح المالي وما في معناه، وهو كل ما تصيبه النفس في الغداة، وهو غيب مغلق عليه الأستار والنفس الإنسانية تقف أمام سدف الغيب، لا تملك أن ترى شيئاً مما وراء الستار " وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ" فذلك أمر وراء الستر المسبل السميك الذي لا تنفذ منه الأسماع والأبصار.

وإن النفس البشرية لتقف أمام هذه الأستار عاجزة خاشعة، تدرك بالمواجهة حقيقة علمها المحدود، وعجزها الواضح، ويتساقط عنها غرور العلم والمعرفة المدعاة وتعرف أمام ستر الغيب المسدل أن الناس لم يؤتوا من العلم إلا قليلاً، وأن وراء الستر الكثير مما لم يعلمه الناس، ولو علموا كل شيء آخر فسيظلون واقفين أمام ذلك الستر لا يذرون ماذا يكون غداً بل ماذا يكون اللحظة التالية، وعندئذ تضامن النفس البشرية من كبريائها وتخشع لله.

والسياق القرآني يعرض هذه المؤثرات العميقة التأثير في القلب البشري في رقعة فسيحة هائلة، رقعة فسيحة في الزمان والمكان وفي الحاضر الواقع، والمستقبل المنظور، والغيب السحيق، وفي خواطر النفس، ووثبات الخيال، ما بين الساعة البعيدة المدى، والغيث البعيد المصدر، وما في الارحام الخافي عن العيان والكسب في الغد، وهو قريب في الزمان ومغيب في المجهول، وموضع الموت والدفن، وهو معبد في الظنون، إنها رقعة فسيحة الآماد والأرجاء، ولكن اللمسات التصويرية العريضة بعد أن تتناولها من أقطارها تدق في أطرافها، وتجمع هذه الأطراف كلها عند نقطة الغيب المجهول، وتقف بها جميعاً أمام كوة صغيرة مغلقة لو انفتح منها سم الخياط لاستوى القريب خلفها بالبعيد، ولانكشف القاصي منها والدان، ولكنها تظل مغلقة في وجه الإنسان، لأنها فوق مقدور الإنسان، ووراء علم الإنسان تبقى خالصة لله لا يعلمها غيره، إلا بإذن منه وإلا بمقدار " إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ" وليس غيره بالعليم ولا الخبير(150).

أ - قصة الزنداني مع البروفيسور الأمريكي:

يقول الشيخ عبد المجيد الزنداني: التقيت ببروفيسور كبير، يدير مرصداً، معهداً لدراسة الطقس في أمريكا، تشترك في هذا المعهد "57" جامعة وفي المعهد أكثر من "200" دكتور يحملون دكتوراه في الطقس و"150" مهندساً لتشغيل الصناعات والأجهزة وتطويرها.

قال له الشيخ: في المؤتمر قدم أحد العلماء مع مجموعة من المسلمين.

وقالوا: إن الإنسان لا يستطيع أن يتنبأ بنزول المطر.

قال: أنظر: عندنا أقمار صناعية، ومحطات لدراسة الطقس، في بواخر مخصوصة تمشي في البحار، وطيارات تطير باستمرار، تقيس التغييرات، وعندنا نقاط لدراسة الطقس فوق الجبال، وفي الصحراء وعلى الجليد، وفي أنحاء العالم لأن الطقس يهمنا خاصة للمسافرين في الطائرات، والذين يسافرون في البواخر، ولكن أقوال لك لقد نجحنا في تحديد الحرارة وتحديد الضغط واتجاه الرياح.. استطعنا أن ننجح في هذا بدقة لا بأس بها، قال الشيخ عبد المجيد: والمطر؟

قال: أما المطر فحظنا فيه كحظ الذين يقدمون نشرة الأخبار الجوية(151).

ب - الدكتور فوت يُذعن بالحقيقة:

قال الشيخ عبد المجيد الزنداني: متى يأتي المطر؟

موضوع بحث قدم في المؤتمر الأول للإعجاز العلمي في القرآن والسنة في إسلام آباد.. قدمه دكتور أمريكي "الدكتور فوت" من علماء الإرصاد المتخصصين، واشترك معه عدد من علماء الارصاد المسلمين، فقالوا: متى يأتي المطر؟ لغز إلى هذه اللحظة لا يقدر عليه أحد، ثم دللوا على ذلك قالوا: نستطيع، ويستطيع علماء الارصاد أن يتنبؤا بما يكون في غد؟ غداً كم ستكون درجة الحرارة؟ كم سيكون الضغط الجوي؟ أين ستكون حركة الرياح متجهة؟ وينجحون نجاحاً لا بأس به، لكن إذا قالوا: غداً يأتي المطر، أو غداً لا يأتي المطر، فعندئذ يفشلون فشلاً ذريعاً.

قالوا: لكي ينزل المطر لابد أن نعرف حركة الرياح قالوا: ولكن حركة الرياح تكون سائرة في اتجاه، وفجأة تغير مسارها، وهذا يؤثر على تكوين السحاب وعلى تكوين المطر، لكي ينزل المطر لابد من حبوب اللقاح، وحبوب اللقاح عبارة من تراب وغبار وحبيبات وشيء من الدخان، وشيء من الملح يتطاير من البحر، هذه الحبيبات إذا كانت ملساء نعرف هل ينزل المطر أم لا، وإذا كان شكلها معرجاً فالاحتمال بنسبة كذا، وإذا كانت مدببة فالاحتمال بنسبة كذا.. نقول الآن الجو كذا، وفجأة يأتينا غبار وأتربة فتغير لنا المعادلة، كلما حاولنا أن نضبطها من جهة، اختلفت من جهة أخرى.. وهذه العوامل مختلفة متجددة يقول علماء الأرصاد: إن جناح نسر يرفرف قد يحدث تغييراً في الجو وقد يحدث عاصفة، كيف هذا؟ قالوا: إذا رفع الهواء وفيه بخار ماء تكثف فإذا تكثف خرجت منه حرارة وهكذا.. نسر يخفق بجناحيه، فيغير العملية، يغير الحسبة، تفسد النبوءة وتخطيء الحسابات، ولا يعرفون سبباً لفشلهم هذا(152).

ح - المطر مصدر جميع مياه الأرض:

قال تعالى:" أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُوْلِي الْأَلْبَابِ" (الزمر، آية: 21).

هذا الماء النازل من السماء.. ما هو وكيف نزل؟ إننا نمر بهذه الخارقة سراعاً لطول الالفة وطول التكرار، إن خلق الماء في ذاته خارقة ومهما عرفنا أنه ينشأ من اتحاد ذرتي أيدروجين بذرة أكسجين تحت ظروف معينة فإن هذه المعرفة خليقة بأن توقظ قلوبنا إلى رؤية يد الله التي صاغت هذا الكون بحيث يوجد الأيدورجين ويوجد الأكسجين وتوجد الظروف التي تسمح باتحادهما، وبوجود الماء من هذا الاتحاد، ومن ثم وجود الحياة في هذه الارض ولولا الماء ما وجدت حياة، إنها سلسلة من التدبير حتى نصل إلى وجود الماء ووجود الحياة والله من وراء هذا التدبير وكله مما - خلق الله- ثم نزول هذا الماء بعد وجوده وهو الآخر خارقة جديدة ناشئة من قيام الأرض والكون على هذا النظام الذي يسمح بتكوين الماء ونزوله وفق تدبير الله.

ثم نجيء الخطوة التالية لإنزال الماء " فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ" سواء في ذلك الأنهار الجارية على سطح الأرض، أو الأنهار الجارية تحت طباقها مما يتسرب من المياه السطحية، ثم يتفجر بعد ذلك ينابيع وعيوناً، أو يتكشف آباراً ويد الله تمسكه فلا يذهب في الأغوار البعيدة التي لا يظهر منها أبداً.

" ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ" والحياة النباتية التي تعقب نزول الماء وتنشأ عنه، خارقة يقف أمامها جهد الإنسان حسيراً ورؤية النبتة الصغيرة وهي تشق حجاب الأرض عنها، وتريح أثقال الركام من فوقها، وتتطلع إلى الفضاء والنور والحرية، وهي تصعد إلى الفضاء رويداً رويداً.. هذه الرؤية كفيلة بأن تملأ القلب المفتوح ذكر، وأن تثير فيه الإحساس بالله الخالق المبدع الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى، والزرع المختلف الألوان في البقعة الواحدة، بل في الزهرة الواحدة إن هو إلا معرض لإبداع القدرة، يشعر الإنسان بالعجز المطلق عن الإتيان بشيء منه أصلاً هذا الزرع النامي اللدن الرخص الطري بالحياة، يبلغ تمامه، ويستوفي أيامه.

- " ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا"

وقد بلغ غايته المقدرة له في ناموس الوجود، وفي نظام الكون، وفي مراحل الحياة، فينضج للحصاد.

- " ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا"

وقد استوفى أجله، وأدى دوره، وأنهى دورته كما قدر له واهب الحياة.

- " إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُوْلِي الْأَلْبَابِ"

الذين يتدبرون فيذكرون، وينتفعون بما وهبهم الله من عقل وإدراك(153).

خ - ماء المطر يتوقف عليه كيان الزراعة:

قال تعالى:" وَهُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُّخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُّتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِن طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِّنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انظُرُواْ إِلِى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ" (الأنعام، آية: 99).

الآيات الكريمة تمضي إلى مشاهدة الحياة المتفتحة في جنبات الأرض، تراها الأعين وتستجلبها الحواس وتتدبرها القلوب، وترى فيها بدائع صنع الله، والسياق يعرضها -كما هي في صفحة الكون -  ويلفت إليها النظر في شتى أطوارها، وشتى أشكالها، وشتى أنواعها، ويلمس الوجدان بما فيها من حياة نامية، ودلالة على القدرة التي تبدع الحياة كما يوجه القلب إلى استجلاء جمالها والاستمتاع بهذا الجمال.

" وَهُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ"

ودور الماء ظاهر في إنبات كل شيء دور واضح يعلمه البدائي والمتحضر، ويعرفه الجاهل والعالم ولكن دور الماء في الحقيقة أخطر وأبعد مدى من هذا الظاهر الذي يخاطب به القرآن الناس عامة، فقد شارك الماء ابتداء ـ بتقدير الله ـ في جعل تربة الأرض السطحية صالحة للإنبات وظل الماء يشارك في إخصاب هذه التربة، وذلك بإسقاط "النتروجين ـ الأزوت" من الجو كلما أبرق فاستخلصت الشرارة الكهربائية، التي تقع في الجو، النتروجين الصالح للذوبان في الماء ويسقط مع المطر، ليعيد الخصوبة إلى الأرض وهو السماء الذي قلد الإنسان القوانين الكونية في صنعه فأصبح يصنعه الآن بنفس الطريقة وهو المادة التي يخلو وجه الأرض من النبات لو نفدت من التربة.

- "فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُّخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُّتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِن طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِّنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ"

وكل نبت يبدأ أخضر واللفظ "خضر" أرق ظلاً، وأعمق ألفة من لفظ "أخضر" هذا النبت الخضر " نُّخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُّتَرَاكِبًا" كالسنابل وأمثالها " وَمِنَ النَّخْلِ مِن طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ" وقنوان جمع قنو وهو الفرع الصغير وفي النخلة هو الغدق الذي يحمل الثمر ولفظة " قِنْوَانٌ" ووصفها " دَانِيَةٌ" يشتركان في إلقاء ظل لطيف أليف، وظل المشهد كله ظل وديع حبيب " وَجَنَّاتٍ مِّنْ أَعْنَابٍ" " وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ" هذا النبات كله بفصائله وسلالاته ـ " مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ" ـ " انظُرُواْ إِلِى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ" أنظروا بالحس البصير، والقلب اليقظ، أنظروا إليه في ازدهاره عند كمال نضجه، انظروا إليه واستمعوا بجماله لا يقول هنا، كلوا من ثمره إذا أثمر ولكن يقول " انظُرُواْ إِلِى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ" لأن المجال هنا مجال جمال ومتاع كما أنه تدبر في آيات الله، وبدائع صنعته في مجالي الحياة.

- " إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ"

فالإيمان هو الذي يفتح القلب، وينير البصيرة، وبتبنه أجهزة الاستقبال والاستجابة في الفطرة، ويصل الكائن الإنساني بالوجود ويدعو الوجدان إلى الإيمان بالله خالق الجميع وإلا فإن هناك قلوب مغلقة وبصائر مطموسة، وفطراً منتكسة تمر بهذا الإبداع كله وبهذه الآيات كلها فلا تحس بها ولا تستجيب وإنما يدرك هذه الآيات الذين يؤمنون(154).

د - دورة المياه في الأرض ثابتة:

قال تعالى:" أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَّابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاء حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِّثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللّهُ الأَمْثَالَ" (الرعد، آية: 17).

شبه تعالى الهدى الذي أنزل على رسوله لحياة القلوب والأرواح بالماء الذي  أنزله لحياة الاشباح وشبه ما في الهدى من النفع العام الكثير الذي يضطر إليه العباد بما في المطر من النفع العام الضروري، وشبه القلوب الحاملة للهدى وتفاوتها بالاودية التي تسيل فيها السيول، فواد كبير يسع ماءً كثيراً كقلب كبير يسع علماً كثيراً وواد صغير يأخذ ماءً قليلاً كقلب صغير يسع علماً قليلاً، وهكذا، وشبه ما يكون في القلوب من الشهوات والشبهات عند وصول الحق إليها بالزبد الذي يعلو الماء ويعلو ما يوقد عليه النار من الحلية التي يراد تخليصها وسبكها وأنها لا تزال فوق الماء طافية مكدرة له حتى تذهب وتضمحل ويبقى ما ينفع الناس من الماء الصافي والحلية الخالصة كذلك الشبهات والشهوات لا يزال القلب يكرهها ويجاهدها بالبراهين الصادقة والإرادات الجازمة حتى تذهب وتضمحل ويبقى القلب خالصاً صافياً ليس فيه إلا ما ينفع الناس من العلم بالحق وإيثاره والرغبة فيه، فالباطل يذهب ويمحقه الحق " إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا" وقال هنا " كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللّهُ الأَمْثَالَ"(155).

ففي الآية السابقة: مثل الحق والباطل في هذه الحياة فالباطل يطفو ويعلو وينتفخ ويبدو رابياً طافياً ولكنه بعد زبد أو خبث، ما يلبث أن يذهب جفاء مطروحاً لا حقيقة له ولا تماسك فيه والحق يظل هادئاً ساكناً وربما يحسبه بعضهم قد انزوى أو غار أو ضاع أو مات، لكنه هو الباقي في الأرض كالماء المحيي والمعدن الصريح ينفع الناس " كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللّهُ الأَمْثَالَ" وكذلك يقرر مصائر الدعوات، ومصائر المعتقدات، ومصائر الأعمال والأقوال وهو الله الواحد القهار، المدبر للكون والحياة، العليم بالظاهر والباطن، والحق والباطل والباقي والزائل(156).

هذا كما أن في الآية حقيقة علمية تقول: أن دورة المياه الأرضية ثابتة مادامت قد وجدت الحياة، وأنه لا سبيل إلى زيادة الماء قطرة ولا أن ينقص منها قطرة فالماء يتبخر بها الزرع والنبات، وما تستهلكه كل الأحياء من ماء إنما يعود إلى الأرض ثانية كاملاً غير منقوص في مخلفاتها أو في بقايا أجسامها، وأن جبال الجليد والثلوج عندما تسيل فإنها لا تضيف جديداً على الماء لأنها أصلاً من ماء الأرض، وهذه الدورة المائية الثابتة والمقدرة قد سبقت بها وإليها آيات القرآن الكريم(157).

ل - علاقة المطر بالخوف واستخدامه في التطهير:

قال تعالى:" إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن السَّمَاء مَاء لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ" (الأنفال، آية: 11).

ومن نصره واستجابته لدعائكم أن أنزل عليكم نعاساً يغشيكم فيذهب ما في قلوبكم من الخوف والوجل، ويكون آمنة لكم وعلامة على النصر والطمأنينة، ومن ذلك أنه أنزل عليكم من السماء مطراً ليطهركم به من الحدث والخبث ويطهركم به من وساوس الشيطان ورجزه: " وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ" أي: يثبتها فإن ثبات القلب أصل ثبات البدن: " وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ"، فإن الأرض كانت سهلة دهسة، فلما نزل عليها المطر تلبدت وثبتت به الأقدام(158).

وهناك حقيقة طبية، يقول الأطباء: عند الخوف تفرز في الدماء مادة معينة ترتعد منها الأطراف فلا تثبت، ومن وسائل تثبيت الأطراف بتقليل هذه المادة أن يرش ـ من هذه حالته ـ بالماء، وقد كان نزول الماء أيضاً من الأسباب المادية التي جعلها الله وسيلة لتثبيت الأقدام بتثبيت الأرض التي يسير عليها المجاهدون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأن الرمال إذا بللت تماسكت وسار عليها السائر بعزم وثبات(159).

والآيات كثيرة في بيان الحديث عن الماء وأهميته ومواضيعه، فكم هو ثمين هذا الماء، وكم من نعم لا نشعر بأهميتها إلا بعد ضياعها؟ وصدق رب العزة حيث قال: " وَجَعَلْنَا ِمنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ" (الأنبياء، آية: 30).

ولولا الله ثم الماء ما كان الانبات ولا النبات ولا الحياة.

4 - إنزال الحديد:

قال تعالى: "لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ" (الحديد، آية: 25).

يقول تعالى: "لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ"، وهي الأدلة والشواهد والعلامات الدالة على صدق ما جاءوا به وحقيقته.

- "وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ"، وهو اسم جنس يشمل سائر الكتب التي أنزلها الله لهداية الخلق وإرشادهم ما ينفعهم في دينهم ودنياهم.

- " وَالْمِيزَانَ"، وهو العدل في الأقوال والأفعال، والدين الذي جاءت به الرسل كله عدل وقسط في الأوامر والنواهي، وفي معاملات الخلق وفي الجنايات والقصاص والحدود والمواريث وغير ذلك.

- وذلك " لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ"، قياماً بدين الله وتحصيلاً لمصالحهم التي لا يمكن حصرها وعدها، وهذا دليل على أن الرسل متفقون في قاعدة الشرع، وهو القيام بالقسط، وإن اختلفت صورة العدل بحسب الأزمنة والأحوال.

- " وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ "، من آلات الحرب كالسلاح والدروع وغير ذلك.

- "وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ "، وهو ما يشاهد من نفعه في أنواع الصناعات والحرف والأواني وآلات الحرث حتى أنه قل أن وجد شيء إلا وهو يحتاج إلى الحديد.

- "وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ "، أي: ليقيم تعالى سوق الامتحان بما أنزله من الكتاب والحديد، فيتبين من ينصره وينصر رسله في حالة الغيب، التي ينفع فيها الإيمان قبل الشهادة، التي لا فائدة بوجود الإيمان فيها، لأنه حينئذ يكون ضرورياً.

- "إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ"، أي: لا يعجزه شيء ولا يفوته هارب، ومن قوته وعزته أن أنزل الحديد الذي منه الآلات القوية، ومن قوته وعزته أنه قادر على  الانتصار من أعدائه، ولكنه يبتلي أوليائه بأعدائه ليعلم من ينصره بالغيب.

وقرن تعالى بهذا الموضع بين الكتاب والحديد، لأن بهذين الأمرين ينصر الله دينه ويعلي كلمته بالكتاب الذي فيه الحجة والبرهان والسيف الناصر بإذن الله وكلاهما قيامه بالعدل والقسط، والذي يستدل به على حكمة الباريء وكماله وكما شريعته التي شرعها على ألسنة رسله(160).

- وجه الإعجاز في الآية الكريمة:

قال الشيخ عبد المجيد الزنداني: قال البروفسور "آرمسترونج" أحد مشاهير علم الفلك في أمريكا والذي يعمل في وكالة الفضاء الأمريكية "ناسا" حين سألناه كيف تكون الحديد؟: سأحدثكم كيف تكونت كل العناصر على الأرض، لقد اكتشفناها، بل لقد إقمت عدداً من التجارب في إثبات ما أقول لكم، إن العناصر المختلفة تتجمع فيها الجسيمات المختلفة من الكترونات وبروتونات وغيرها، لكي تتحد هذه الجسيمات في ذرة كل عنصر تحتاج إلى طاقة، وعند حسابنا للطاقة اللازمة لتكوين ذرة الحديد وجدنا أن الطاقة اللازمة يجب أن تكون كطاقة المجموعة الشمسية أربع مرات، ولذلك يعتقد العلماء أن الحديد عنصر قريب وفد إلى الأرض ولم يتكون فيها.

وعند سؤاله متى اكتشف العلماء التجريبيون حقيقة إنزال الحديد إلى الأرض؟ قال: بأنها لم تعرف عن العلماء التجريبيين إلا في الربع الأخير من القرن العشرين وأنه لم يشر أحد من العلماء المتخصصين والباحثين إلى شيء من ذلك ولم تشر كتب العلم التجريبي إلى هذه الحقيقة قبل هذا التاريخ(161).

إن علما الفيزياء قد تمكنوا من أن يوجدوا عناصر أثقل من عناصر أخف(162)، واستطاعوا أن يحسبوا الطاقة اللازمة لتكوين كل عنصر من هذه العناصر وقد وجدوا أن الطاقة اللازمة لتكوين ذرة واحدة من الحديد يحتاج إلى أربعة أضعاف الطاقة الموجودة في المجموعة الشمسية مما جعلهم يجزمون بأن الحديد لا يمكن أن يكون قد خُلق في نجم خارج المجموعة الشمسية ونزل إلى الأرض في صورة حديد(163).

إن الإنسان لم يتمكن من معرفة حقيقة أن الحديد نزل من السماء إلى الأرض إلا بعد أن أمتلك من الوسائل العلمية ما تمكن به من معرفة ما جرى ويجري في أعماق النجوم البعيدة لتكوين مادة الحديد، وبعد أن تمكن من تحويل بعض العناصر الخفيفة إلى عناصر ثقيلة وحساب ما يحتاج إليه ذلك من طاقة، وعجزه عن تكوين مادة الحديد من مواد أخف منه إذ يتطلب ذلك طاقة تساوي أربعة أضعاف طاقة المجموعة الشمسية، كما أن استخراج البشر للحديد من مناجمه في باطن الأرض جعلهم لا يتوقعون أن يكون الحديد قد نزل من السماء إلى الأرض وحملهم على الاعتقاد بأنه خلق مع سائر العناصر الأرضية، لذلك خلت العلوم التجريبية من أي إشارة إلى هذه الحقيقة قبل الربع الأخير من القرن العشرين، فمن أخبر محمداً صلى الله عليه وسلم بهذه الحقيقة التي لم تعرفها البشرية إلا في الربع الأخير من القرن العشرين والتي خفيت عن كل البشر حتى هذا التاريخ من؟ إلا الذي أنزل الحديد وأنزل القرآن على عبده ليكون للعالمين نذير(164).

5- الرعد والبرق والصواعق:

أ - معجزة قرانية وحقيقة كونية:

قال تعالى:" هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنْشِىءُ السَّحَابَ الثِّقَالَ * وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلاَئِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَاء وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ" (الرعد، آية: 12 ـ 13).

يخبر تعالى أنه هو الذي يسخر البرق، وهو مايُرى من النور اللامع ساطعاً من خلال السحاب " خَوْفًا وَطَمَعًا". قال قتادة: خوفاً للمسافر يخاف أذاه ومشقته وطمعاً للمقيم يرجو بركته ومنفعته ويطمع في رزق الله.

- " وَيُنْشِىءُ السَّحَابَ الثِّقَالَ" أي يخلقها منشأة جديدة، وهي لكثرة مائها ثقيلة قريبة إلى الأرض قال مجاهد: السحاب الثقال: الذي فيه المال.

- " وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ" كقوله " وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ" (الإسراء، آية: 44).

وروى الإمام أحمد عن شيخ من بني غفار أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم

يقول: إن الله ينشيء السحاب فينطق أحسن النطق ويضحك أحسن الضحك(165). وروى ابن جرير عن أبي هريرة أنه كان إذا سمع الرعد قال: سبحان من يسبح الرعد بحمده(166).

يقول الزنداني: سألت بعض أساتذة الأرصاد قلت لهم: هل للرعد ذبذبة متكررة؟ فالإنسان عندما يسبح: سبحان الله، سبحان الله، لابد من نغم مكرر فقلت: هل هناك نغمات مكررة للرعد؟ فقال: نعم.. هناك نغمات مكررة تتردد على وتيرة واحدة بالنسبة لها والله أعلم " وَلَـكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ" (الإسراء، آية: 44)(167).

- وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه كان إذا سمع صوت الرعد قال: سبحان من سبحت له، وكذا روى عن ابن عباس وطاوس والأسود بن يزيد أنهم كانوا يقولون ذلك.

وعن عبد الله بن الزبير أنه كان إذا سمع الرعد ترك الحديث وقال: سبحان الذي يسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته(168).

- " وَالْمَلاَئِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ" أي: خشعاً لربهم خائفين من سطوته.

- " وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ" وهي هذه النار التي تخرج من السحاب.

 - "فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَاء" أي: من عباده بحسب ما شاء وأراده.

- " وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ" أي: شديد الحول والقوة، فلا يريد شيئاً إلا فعله، ولا يتعاصى عليه شيء، ولا يفوته هارب، فإذا كان وحده الذي يسوق للعباد الأمطار والسحب التي فيها مادة أرزاقهم، وهو يدبر الأمور وتخضع له المخلوقات العظام التي يُخاف منها وتزعج العباد، وهو شديد القوة، فهو شديد القوة الذي يستحق أن يعبد وحده(169).

وفي هذه الآيات حقيقة كونية، وهي أن سبب حدوث البرق والرعد والصواعق مع تكوين السحاب والثقال الممطر أي المتشابه الضخم، في الجو العاصف هو اجتماع الحالتين المتضادتين المتكهربتين المتجاذبتين تجاذباً شديداً في هذا السحاب عندما يقترب بعضه من بعض ثم يجتمعان ويخبر العلم أن البرق شرر كهربائي عظيم الحرارة شديد الضوء مفرط السرعة ويحدث بمرور الكهرباء في الهواء بين كتل السحاب الرعدي، فيسخن الهواء من مقاومته لمرور الكهرباء خلاله إلى درجة عظيمة، ويتمرد بسرعة كبيرة، ولكنه يبرد ويرجع إلى حالته الاصلية بسرعة كبيرة أيضاً، فتولد من تمدده وانكماشه السريعين موجات اهتزازية عظيمة السعة فتنتشر في الهواء بين السحاب والارض، فينشأ عنهما صوت الرعد، فالعلم إذن يتفق مع ما قيل عن السبب العام في تولد البرق والرعد والصواعق، وهو التكهرب الموجب والسالب في السحاب(170).

ب - علاقة البرق بالبرد:

قال تعالى:" أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاء مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَن يَشَاء وَيَصْرِفُهُ عَن مَّن يَشَاء يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ" (النور، آية: 43)

قال الشيخ الزنداني: درس علماء الارصاد في العشر سنوات الأخيرة سبب تكوين البرق في السحاب، فقامت الطائرات والبالونات والأقمار الصناعية، والارصاد والأجهزة، وتقدموا بكل ما لديهم ليدرسوا السبب، فهم يدرسون السبب لا لتفسير الآية ولكنهم يدرسونها ليعرفوا كيف تتقي الطائرات خطر هذا البرق فقاموا بالتجارب في أمريكا واليابان وغيرهما.. وأنتهت الأبحاث إلى معرفة السبب في تكوين البرق، والآن ظهرت الحقيقة؟

في عام 1985م..أي منذ عهد قريب فقط قال العلماء: انتهى البحث إلى ما يلي: لكي يتكون البرق لابد من شيئين:

- لابد أن يكون السحاب ناقصاً بمقدار "10 ـ 20" درجة مئوية، وما بين الدرجتين هي الدرجة الحرارية التي يتكون فيها البرد.

- لابد أن يكون في جسم السحاب مادة صلبة: المادة الصلبة هي البرد، والماء هو السحاب، وقطرات السحاب ثم انتهى البحث فقال: عندما يتحول الماء إلى برد يخرج منه شحنة كهربائية فالسبب الأصلي في تكوين البرق هو السحاب هو "البرد" فاللمعان الذي ترونه شديداً ذاك لمعان كهرباء نتجت بالبرد وبسبب البرد تكويناً وإطلاقاً(171).

وتشير الآية الكريمة إلى أن أهم أخطار البرق الذهاب بالبصر والعجيب أن هذا هو عين ما يعانيه الطيار من أخطار في حالات العواصف الرعدية والومضات البرقية خصوصاً في المناطق الحارة، حيث تبلغ ومضات البرق في الدقيقة الواحدة أربعين ومضة أو شرارة هائلة، فيصيب فقد البصر، ولا يقوى على الاستمرار في قيادة طيارته(172).

ج- أخطار الصواعق والبرق:

قال تعالى:" أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السَّمَاء فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصْابِعَهُمْ فِي آذَانِهِم مِّنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ واللّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ * يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاء لَهُم مَّشَوْاْ فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُواْ وَلَوْ شَاء اللّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّه عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ" (البقرة، آية: 19 ـ 20).

إنه مشهد عجيب، حافل بالحركة، مشوب بالاضطراب، فيه تيه وضلال، وفيه هول ورعب، وفيه فزع وحيرة، وفيه أضواء واصداء.. صيب من السماء هاطل غزير " فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ" " كُلَّمَا أَضَاء لَهُم مَّشَوْاْ فِيهِ" " وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُواْ".. أي وقفوا حائرين لا يدرون أين يذهبون وهم مفزعون " يَجْعَلُونَ أَصْابِعَهُمْ فِي آذَانِهِم مِّنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ" إن الحركة التي تغمر المشهد كله: من الصيب الهاطل، إلى الظلمات والرعد والبرق، إلى الحائرين المفزعين فيه إلى الخطوات المروعة الوجلة، التي تقف عندما يخيم الظلام إن هذه الحركة في المشهد لترسم - عن طريق التأثر الإيحائي - حركة التيه والاضطراب والقلق التي يعيش فيها أولئك المنافقون(173)، وفي هذه الآيات حقيقة علمية متعلقة بأخطار الصواعق فقد أثبت العلم الحديث أن الصواعق تحدث نتيجة التفريغ الكهربائي ويتم هذا التفريغ عادة خلال الأجسام المرتفعة أو القابلة للتوصيل الكهربائي، ولهذا السبب يتعرض الشجر وخاصة البلوط للصواعق، كما تتعرض لها السفن في البحار والمحيطات، وإذا أصيب شخص بمس بسيط من صاعقة وجبت المبادرة إلى إجراء التنفس الصناعي له لمدة لا تقل عن ساعة، وربما تعود إليه الطبيعة وغالباً ما يفقد حياته، ولا عجب فقد أهلك الله عاد وثمود بالصاعقة، فقال: " أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِّثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ" (فصلت، آية: 13).

ويسبب الرعد سخيناً شديداً فجائياً في مناطق الهواء التي ينبعث منها وكذلك تفعل الصاعقة بطبيعة الحال، فتتمدد هذه المناطق فجأة وتولد سلسلة من أمواج التضاغط والتخلخل في الجو "هو الرعد"، ويعزو العلماء جلجلة الرعد المعروفة إلى ما يعتري سلسلة الأمواج الصوتية هذه من عدة انعكاسات من قواعد السحب ومن المرتفعات ونحوها(174).

 

ثالثاً: الأرض في القرآن الكريم:

جاء ذكر الأرض في أربعمائة واحد وستين "461" موضعاً من كتاب الله، منها ما يشير إلى الأرض ككل في مقابلة السماء، ومنها ما يشير إلى اليابسة التي نحيا عليها، أو إلى جزء منها ومنها ما يشير إلى التربة التي تغطي صخور الغلاف الصخري للأرض، واليابسة هي جزء من الغلاف الصخري للأرض وهي كتل القارات السبع المعروفة والجزر المحيطة العديدة ومن الآيات الكريمة التي تحدثت عن الأرض:

1- قال تعالى:" وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ" (الذاريات، آية: 20).

هذه الأرض، هذا الكوكب المعد للحياة، المجهز لاستقبالها وحضانتها بكل خصائصها على نحو يكاد يكون فريداً في المعروف لنا في محيط هذا الكون الهائل، الحافل بالنجوم الثوابت والكواكب السيارة، التي يبلغ عدد المعروف منها فقط ـ والمعروف نسبة لا تكاد تذكر في حقيقة هذا الكون - مئات الملايين من المجرات التي تحوي الواحدة منها مئات الملايين من النجوم، والكواكب هي توابع هذه النجوم. ومع هذه الأعداد التي لا تحصى فإن الأرض تكاد تنفرد باستعدادها لاستقبال هذا النوع من الحياة وحضانته ولو اختلت خصيصة واحدة من خصائص الأرض الكثير ة جداً لتعذر وجود هذا النوع من الحياة عليها، ولو تغير حجمها صغراً أو كبراً، لو تغير وضعها من الشمس قرباً أو بعداً، لو تغير حجم الشمس ودرجة حرارتها، لو تغير ميل الأرض على محورها هنا أو هنا لو تغيرت حركتها حول نفسها أو حول الشمس سرعة أو بطأ لو تغير حجم القمر ـ تابعها ـ أو بعده عنها، لو تغيرت نسبة الماء واليابس فيها زيادة أو نقصاً.. لو لو لو.. إلى الآف الموافقات المعروفة والمجهولة التي تتحكم في صلاحيتها لاستقبال هذا النوع من الحياة وحضانته.

أليست هذه آية أو آيات معروضة في هذا المعرض الإلهي؟ ثم هذه الأقوات المذخورة في الأرض للأحياء التي تسكن سطحها أو تسبح في أجوائها، أو تمخر ماءها أو تختبيء في مغاورها وكهوفها، أو تختفي في مساربها وأجوافها، هذه الأقوات الجاهزة المركبة والبسيطة والقابلة للوجود في شتى الأشكال والأنواع لتلبي حاجة هذه الأحياء التي لا تحصى، ولا تحصى أنواع غذائها أيضاً، هذه الأقوات الكامنة في جوفها، والساربة في مجاريها، والسابحة في هوائها، والنابتة على سطحها، والقادمة إليها من الشمس ومن عوامل أخرى بعضها معروف وبعضها مجهول، ولكنها تتدفق وفق تدبير المشيئة المدبرة التي خلقت هذا المحضن لهذا النوع من الحياة، وجهزته بكل ما يلزم للأنواع الكثيرة التي لا تحصى.

وتتنوع مشاهد هذه الأرض ومناظرها، حيثما امتد الطرف وحيثما تنقلت القدم، وعجائب هذه المشاهد التي لا تنفذ من هاد وبطاح، ووديان وجبال وبحار وبحيرات وأنهار وغدران، وقطع متجاورات وجنات من أعناب وزرع، ونخيل صنوان وغير صنوان.. وكل مشهد من هذه المشاهد تناوله يد الإبداع، والتغيير الدائبة التي لا تفتر عن الإبداع والتغيير، ويمر به الإنسان وهو ممحل فإذا هو مشهد، ويراه وهو نبت خضر فإذا هو مشهد، ويراه إبان الحصاد حين يهيج ويصفر فإذا هو مشهد آخر وهو لم ينتقل باعاً ولا ذراعاً، والخلائق التي تعمر هذه الأرض من الأحياء نباتاً وحيواناً، وطيراً وسمكاً، وزواحف وحشرات، أما الإنسان فيفرده القرآن بنص خاص، هذه الخلائق التي لم يعرف عدد أنواعها وأجناسها بعد ـ فضلاً على إحصاء أعدادها وأفرادها وهو مستحيل، وكل خليقة منها أمة، وكل فرد منها عجيبة، كل حيوان، كل طائر، كل زاحفة، كل حشرة، كل دودة، كل نبتة، لا بل كل جناح في يرقة، وكل ورقة في زهرة، وكل قصبة في ورقة في ذلك المعرض الإلهي العجيب الذي لا تنقضي عجائبه.

ولو مضى الإنسان ـ بل لو مضى الأناسي جميعاً ـ يتأملون هكذا ويشيرون مجرد إشارة إلى ما في الأرض من عجائب وإلى ما تثير هذه العجائب من آيات، ما انتهى لهم قول ولا إشارة والنص القرآني ما يزيد على أن يوقظ القلب البشري للتأمل والتدبر، واستجلاب العجائب في هذا المعرض الهائل، طوال الرحلة على هذا الكوكب، والمتعة بما في هذا الاستجلاء من مسيرة طوال الرحلة.

غير أنه لا يدرك هذه العجائب، ولا يستمتع بالرحلة هذا المتاع، إلا القلب العامر باليقين " وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ"، فلمسة اليقين هي التي تحي القلب فيرى ويدرك وتحي مشاهد الأرض فتنطق للقلب بأسرارها المكنونة وتحدثه عما وراءها من تدبير وإبداع، وبدون هذه اللمسة تظل تلك المشاهد ميتة جامدة جوفاء، لا تنطلق للقلب بشيء، ولا تتجاوب معه بشيء وكثيرون يمرون بالمعرض الإلهي المفتوح مغمضي العيون والقلوب لا يحسون فيه حياة، ولا يفقهون له لغة، لأن لمسة اليقين لم تحي قلوبهم ولم تبث الحياة فيما حولهم وقد يكون منهم علماء " يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا". أما حقيقتها فتظل محجوبة عن قلوبهم، فالقلوب لا تفتح لحقيقة الوجود إلا بمفتاح الإيمان ولا تراها إلا بنور اليقين(175).

فسبحان الله الذي خلق الأرض بهذا القدر من الإحكام والإتقان، وترك فيها من الآيات ما يشهد لخالقها بطلاقة القدرة، وإحكام الصنعة، وشمول العلم، كما يشهد له ـ تعالى ـ بجلال الربوبية وعظمة الألوهية، والتفرد بالواحدانية المطلقة فوق جميع خلقه وبالقدرة على إفناء هذا الخلق، ثم إعادة بعثه، وحسب كل بعمله، وجزائه عليه إن خيراً فخير، وإن شر فشر(176).

2 - قال تعالى:" وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا* أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءهَا وَمَرْعَاهَا"

 (النازعات، آية: 30 - 31).

ودحو الأرض تمهيدها وبسط قشرتها بحيث تصبح صالحة للسير عليها، وتكوين تربة تصلح للإنبات وإرساء الجبال وهو نتيجة لاستقرار سطح الأرض ووصول درجة حرارته إلى هذا الاعتدال الذي يسمح بالحياة والله أخرج من الأرض ماءها سواء ما يتفجر من الينابيع، أو ما ينزل من السماء فهو أصلاً من مائها الذي تبخر، ثم نزل في صورة مطر، وأخرج من الأرض مرعاها وهو النبات الذي يأكله الناس والأنعام وتعيش عليه الأحياء مباشرة وبالواسطة وكل أولئك قد كان بعد بناء السماء، وبعد إغطاش الليل وإخراج الضحى والنظريات الفلكية الحديثة تقرب من مدلول هذا النص القرآني حين تفترض أنه قد مضى على الأرض مئات الملايين من السنين، وهي تدور دوراتها ويتعاقب الليل والنهار عليها قبل دحوها وقبل قابليتها للزرع وقبل استقرار قشرتها على ما هي عليه من مرتفعات ومستويات.

والقرآن يعلن أن هذا كله كان " مَتَاعًا لَّكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ"(177).

وتحدث الدكتور زغلول النجار عن هذه الآية الكريمة باسلوب علمي فقال: شاءت إرادة الخالق العظيم أن يُسكن في الأرض هذا القدر الهائل من الماء، الذي يكفي جميع متطلبات الحياة على هذا الكوكب، ويحفظ التوازن الحراري على سطحه، كما يقلل من فروق الحرارة بين كل من الصيف والشتاء صوناً للحياة بمختلف أشكالها وهذا القدر الذي يكون الغلاف المائي للأرض أخرجه الله تعالى من داخل الأرض بكميات محسوبة بدقة بالغة، فلو زاد قليلاً لغطى كل سطحها، ولو قل قل قليلاً لقصر دون الوفاء بمتطلبات الحياة عليها، وللتوفيق بين هذين الأمرين حبس ربنا سبحانه كمامن هذا الماء من الجليد فوق قطبي الأرض وفي قمم الجبال كي يوفر للأرض مصدراً للرطوبة المطلوبة ويكشف من اليابسة ما يسمح للحياة بالانتشار عليها ولكي يحفظ ربنا سبحانه هذا الماء من التعفن والفساد حركه في دورة معجزة تعرف باسم: دورة المياه الأرضية ولما كانت نسبة بخار الماء في الغلاف الغازي للأرض ثابتة، فإن كم سقوط الأمطار سنوياً على الأرض يبقى متساوياً لكم التبخر من على سطحها وإن تباينت أماكن وكميات السقوط في كل منطقة حسب الإرادة الإلهية ولذلك يروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله: ما من عام بأمطر من عام ولكن الله يصرفه(178)، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: قال ربكم: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال: مطرنا بفضل الله وبرحمته فذلك مؤمن بي كافر بالكواكب، وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا فذلك كافر بي مؤمن بالكواكب(179).

وقد ثبت أن أكثر الغازات اندفاعاً من فوهات البراكين بعد بخار الماء هو ثاني أكسيد الكربون الذي يعتبر أساس عملية التمثيل الضوئي التي تقوم بتنفيذها النباتات الخضراء مستخدمة هذا الغاز مع الماء وعدد من عناصر الأرض لبناء العديد من الكربوهيدرات التي تنبني منها خلايا النبات وأنسجته وزهوره وثماره، ومن هنا عبر القرآن الكريم عن إخراج هذا الغاز المهم وغيره من الغازات اللازمة لإنبات النبات من الأرض تعبير بإخراج المرعى، لأنه لولا ثاني أكسيد الكربون ما أنبتت الأرض ولا كستها الخضرة وقد عبر القرآن الكريم عن تلك الحقائق الكونية المتضمنة إخراج كل من الغلافين المائي والغازي للأرض من داخل الأرض بإسلوب لا يفزع العقلية البدوية في صحراء الجزيرة العربية وقت تنزله، فقال " وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا * أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءهَا وَمَرْعَاهَا" (النازعات، آية: 30 ـ 31).

والعرب في قلب الجزيرة العربية كانوا يرون الأرض تتفجر منها عيون الماء فقالوا: هذا هو إخراج مائها منها، ويرون الأرض تكسى بالعشب الأخضر بمجرد سقوط المطر عليها، فقالوا: هذا هو إخراج مرعاها منها ففهموا هذا المعنى الصحيح الجميل من هاتين الآيتين الكريمتين، ثم نأتي نحن اليوم فنرى في نفس الآيتين رؤية جديدة مفادها أن الله تعالى يمن على الأرض وعلى جميع من يحيا على سطحها بأن هيأها لهذا العمران بإخراج كل من أغلفتها الصخرية والمائية والغازية حيث تصل درجات الحرارة إلى الآف الدرجات المئوية، مما يشهد لله الخالق بطلاقة القدرة وببديع الصنعة وبكمال العلم، وتمام الحكمة وورودها في القرآن الكريم بهذه الدقة والشمول والإحاطة لما يشهد لهذا الكتاب الخالد بأنه لا يمكن أن يكون صناعة بشرية، بل هو كلام الله الخالق الذي أنزله بعلمه على خاتم أنبيائه ورسله صلى الله عليه وسلم(180).

قال تعالى:" قُلْ أَنزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا" (الفرقان، آية: 6).

وقال تعالى:" لَّـكِنِ اللّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلآئِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللّهِ شَهِيدًا" (النساء، آية: 166).

3- نقصان الأرض من أطرافها: قال تعالى:" أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَأْتِي الأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَاللّهُ يَحْكُمُ لاَ مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ" (الرعد، آية: 41).

قيل: بإهلاك المكذبين واستئصال الظالمين، وقيل: بفتح بلدان المشركين ونقصهم في أموالهم وأبدانهم، وقيل غير ذلك من الأقوال والظاهر.. ـ والله أعلم ـ أن المراد بذلك أن أراضي هؤلاء المكذبين، جعل الله يفتحها ويجتاحها ويحل القوارع بأطرافها تنبيها لهم قبل أن يحتاجهم النقص ويوقع الله بهم من القوارع ما لا يرده أحد ولهذا قال: " وَاللّهُ يَحْكُمُ لاَ مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ": ويدخل في هذا حكمه الشرعي والقدري والجزائي، فهذه الأحكام التي يحكم الله فيها توجد في غاية الحكمة والإتقان ولا خلل فيها ولا نقص، بل هي مبنية على القسط والعدل والحمد، فلا يتعقبها أحد ولا سبيل إلى القدح فيها، بخلاف حكم غيره، فإنه قد يوافق الصواب وقد لا يوافقه " وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ" أي: فلا يستعجلوا بالعذاب، فإن كل ما هو آت فهو قريب(181).

- من الدلالة العلمية لإنقاص الأرض من أطرافها:

ترد لفظة "الأرض" في القرآن الكريم يمعنى الكوكب ككل، كما ترد بمعنى اليابسة التي نحيا عليها من كتل القارات والجزرية البحرية والمحيطية، وإن كانت ترد أيضاً بمعنى التربة التي تغطي صخور اليابسة ولإنقاص الأرض من أطرافها من إطار معنى من تلك المعاني عدد من الدلالات العلمية التي نحصي منها ما يلي:

في إطار دلالة لفظة "الأرض" على "الكوكب" ككل، ففي هذا الإطار نجد ثلاثة معان علمية بارزة يمكن إيجازها فيما يلي:

- إنقاص الأرض من أطرافها بمعنى انكماشها على ذاتها، وتناقص حجمها باستمرار.

- إنقاص الأرض من أطرافها بمعنى: تفلطحها قليلاً عند القطبين، وانبعاجها قليلاً عند خط الاستواء.

- إنقاص الأرض من أطرافها بمعنى: اندفاع قيعان المحيطات تحت القارات وانصهارها وذلك بفعل تحرك ألواح الغلاف الصخري للأرض.

وفي إطار دلالة لفظ الأرض على اليابسة التي نحيا عليها، في هذا الإطار نجد معنيين علميين واضحين نوجزهما فيما يلي:

إنقاص الأرض من أطرافها بمعنى أخذ عوامل التعرية المختلفة من المرتفعات السامقة وإلقاء نواتج التعرية في المنخفضات من سطح الأرض حتى تتم تسوية سطحها.

- إنقاص الأرض من أطرافها بمعنى طغيان مياه البحار والمحيطات على اليابسة.

وفي إطار دلالة لفظ الأرض على التربة التي تغطي صخور اليابسة:

- إنقاص الأرض من أطرافها بمعنى التصحر أي: زحف الصحاري على مساحات كبيرة من الأرض الخضراء بسبب ندرة المياه ونتيجة لموجات الجفاف وللجور على مخزون المياه تحت سطح الأرض وبسبب الرعي الجائر، واقتلاع الاشجار، وتحويل الأراضي الزراعية إلى أرض للبناء، مما أدى إلى تملح التربة وتعريتها بمعدلا سريعة تفوق بكثير محاولات استصلاح بعض الأراضي الصحراوية، أضف إلى ذلك التلوث البيئي، والخلل الاقتصادي في الاسواق المحلية والعالمية، وتذبذب أسعار كل من الطاقة والآلآت والمحاصيل الزراعية، مما يجعل العالم يواجه أزمة حقيقية تتمثل في انكماش المساحات المزروعة سنوياً بمعدلات كبيرة خاصة في المناطق القارية وشبه القارية نتيجة لزحف الصحاري عليها، ويمثل ذلك صورة من صور خراب الأرض بإنقاصها من أطرافها.

هذه المعاني منفردة أو مجتمعة تعطي بعداً علمياً رائعاً لمعنى إنقاص الأرض من أطرافها(182).

4- وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ" (الطارق، آية: 12):

ومن المعاني الصحيحة التي فهمها الأولون من القسم القرآني بالأرض ذات الصدع معنى انصداعها عن النبات، أي أنشقاقها عنه وهو صحيح، ولكن لما كانت لفظة "الأرض" قد جاءت في القرآن الكريم بمعنى التربة التي تغطي صخور اليابسة، وبمعنى كتلة اليابسة التي نحيا عليها، وبمعنى كوكب الأرض كوحدة فلكية محددة، فإن القسم القرآني بالأرض ذات الصدع لابد وأن يكون له دلالة في كل معنى من معاني كلمة الأرض، كما نجده في:

- انصداع التربة عن النبات.

- تصدع صخور اليابسة.

- تصدع الغلاف الصخري للأرض.

وسبحان الذي أقسم بالأرض ذات الصدع تضخيماً لظاهرة من أروع ظواهر الأرض وأكثرها إبهاراً للعلماء وأشدها لزوماً لجعل الأرض كوكباً صالحاً للعمران بالحياة، فعبر هذه الصدوع العملاقة خرج كل من الغلافين المائي والغازي للأرض، ولا يزالان يتجددان وعبر النشاط الملازم لها تحركت ألواح الغلاف الصخري الأولي للأرض فتكونت الجزر البركانية، والقارات والسلاسل الجبلية وتجددت قيعان المحيطات ولا تزال تتجدد، وتزحزحت القارات ولا تزال تتحرك وتبادلت اليابسة والمحيطات، وثارت البراكين لتخرج قدراً من الحرارة الأرضية الحبيسة في داخل الأرض والتي كان من الممكن أن تفجرها لولم تتواجد تلك الصدوع العملاقة وخرجت كميات هائلة من المعادن والصخور ذات القيمة الاقتصادية مع هذه الثورات البركانية ونشطت دنياميكية الأرض، وثبتت ألواح غلافها الصخري الأولي للأرض فتكونت الجزر البركانية والقارات والسلاسل الجبلية، وتجددت قيعان المحيطات ولاتزال تتجدد، وتزحزحت القارات ولاتزال تتحرك وتبادلت اليابسة والمحيطات، وثارت البراكين لتخرج قدراً من الحرارة الأرضية الحبيسة في داخل الأرض، والتي كان من الممكن أن تفجرها لو لم تتواجد تلك الصدوع العملاقة، وخرجت كميات هائلة من المعادن والصخور ذات القيمة الاقتصادية مع هذه الثورات البركانية، ونشطت ديناميكية الأرض، وثبتت ألواح غلافها الصخري بالجبال، ولاتزال ديناميكية الأرض تحرك ذلك كله بأمر الله الخالق سبحانه وتعالى، وهنا نرى في صدوع الأرض أبعاد ثلاثة: بعداً لا يتعدى بضعة ملليمترات أو بضعة سنتيمترات في انصداع التربة عن النبات، وبعداً آخر في صدوع اليابسة التي تمتد الحركات الأرضية عبر مستوياتها من عشرات السنتيمترات إلى مئات الأمتار، وبعداً ثالثاً في الصدوع العملاقة التي تنتشر أساساً في قيعان المحيطات كما توجد في بعض اليابسة على هيئة أغوار سحيقة.

ونرى أهمية هذه الابعاد في تهيئة الأرض للعمران ومن هنا كانت روعة الإشارة القرآنية إلى حقيقة " وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ"(183).

5- أدنى الأرض، قال تعالى:" الم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ" (الروم، آية: 1 - 4).

كانت الفرس والروم في ذلك الوقت من أقوى دول الأرض، وكان يكون بينهما من الحروب والقتال ما يكون بين الدول المتوازنة، وكانت الفرس مشركين يعبدون النار، وكانت الروم أهل كتاب ينتسبون إلى التوراة والإنجيل وهم أقرب إلى المسلمين من الفرس، فكان المؤمنون يحبون غلبتهم وظهورهم على الفرس وكان المشركون لاشتراكهم والفرس في الشرك يحبون ظهور الفرس على الروم، فظهر الفرس على الروم وغلبوهم غلباً لم يُحط بملكهم بل بأدنى أرضهم، ففرح بذلك مشركو مكة وحزن المسلمون، فأخبرهم الله ووعدهم أن الروم ستغلب الفرس " فِي بِضْعِ سِنِينَ": تسع أو ثمان ونحو ذلك مما لا يزيد على العشر ولا ينقص على ثلاث، وأن غلبة الفرس للروم ثم غلبة الروم للفرس كل ذلك بمشيئته وقدره ولهذا قال:" لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ" فليس الغلبة والنصر لمجرد وجود الاسباب، وإنما هي لابد أن يقترن بها القضاء والقدر " وَيَوْمَئِذٍ" أي: يوم يغلب الروم الفرس ويقهرونهم:" يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُون* بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَاء" أي يفرحون بانتصارهم على الفرس، وإن كان الجميع كفاراً، ولكن بعض الشر أهون من بعض، ويحزن يومئذ المشركون " وَهُوَ الْعَزِيزُ": الذي له العزة التي قهر بها الخلائق أجمعين، يؤتي الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء ويعزُ من يشاء ويذل من يشاء، " الرَّحِيمُ" بعباده المؤمنين، حيث قيض لهم من الاسباب التي تسعدهم وتنصرهم ما لا يدخل في الحساب(184).

أ - أدنى الأرض في العلوم الحديثة:

ثبت علمياً بقياسات عديدة أن أكثر اليابسة انخفاضاً هو غور البحر الميت ويقع البحر الميت في أكثر أجزاء الغور انخفاضاً، حيث يصل مستوى منسوب سطح الماء فيه إلى حوالي أربعمائة متر تحت مستوى سطح البحر، ويصل منسوب قاعه في أعمق أجزائه إلى قرابة ثمانمائة متر تحت مستوى سطح البحر، وهو بحيرة داخلية بمعنى أن قاعها يعتبر في الحقيقة جزءاً من اليابسة، وغور البحر الميت هو جزء من خسف أرضي عظيم يمتد من منطقة البحيرات في شرقي إفريقيا إلى بحيرة طبرية، فالحدود الجنوبية لتركيا مروراً بالبحر الأحمر، وخليج العقبة، ويرتبط بالخسف العميق في قاع كل من المحيط الهندي، وبحر العرب وخليج عدن، ويتراوح عمق الماء في الحوض الجنوبي من البحر الميت بين الستة والعشرة أمتار وهو بذلك في طريقه إلى الجفاف ويعتقد أنه كان جافاً إلى عهد غير بعيد من تاريخه، وكان عامراً بالسكان، وأن منطقة الأغوار كلها من وادي عربة في الجنوب إلى بحيرة طبرية في الشمال كانت عامرة بالسكان منذ القدم، حيث عرف البحر الميت في الكتابات التاريخية القديمة، ووصف بأسماء عديدة من مثل: "بحر سدوم" "بحيرة لوط" "بحيرة زغر" "البحر النتن" "بحر عربة" "بحر الاسفلت" " البحر الميت" وذلك لأن المنطقة اشتهرت بخصوبة تربتها، ووفرة مياهها فعمرتها القبائل العربية منذ القدم، وإندفعت إليها من كل من العراق والجزيرة العربية وبلاد الشام ومنهم: قوم لوط عليه السلام الذين عمروا خمس مدن في أرض الحوض الجنوبي من البحر الميت هي "سدوم" و"عمورة" و"أدمة" و "صوبييم" و"زغر" وقد ازدهرت فيها الحياة إلى أواخر القرن العشرين قبل الميلاد ودمرت بالكامل في عقاب إلهي أنزل بها، وجاء خبر عقابها في القرآن الكريم، يقول الحق عز وجل " فَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ مَّنضُودٍ" (هود، آية: 82).

والأرض في حوض البحر الميت ـ بصفة عامة ـ وفي الجزء الجنوبي منه بصفة خاصة تعرف باسم الأرض المقلوبة وقد أثبتت الدراسات الجيولوجية مؤخراً أن تتابعات الصخور هنا مقلوبة فعلاً كما ذكر القرآن الكريم يقول ربنا تبارك وتعالى:" فَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ مَّنضُودٍ * مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ" (هود، آية: 81 ـ 82).

وقوله تعالى:" فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ" (الحجر، آية: 74).

وتتميز منطقة غور البحر الميت بالحرارة الشديدة، ويتفجر كل من العيون المائية، والأبخرة الكبريتية الحارة فيها، ويتناثر كتل الاسفلت التي كثيراً ما كانت تطفو على سطح مياه البحر الميت إلى عهد غير بعيد(185).

ب- خلاصة القول: أن منطقة أغوار وادي عربة /البحر الميت/ الأردن، تحوي أخفض أجزاء اليابسة على الإطلاق والمنطقة كانت محتلة من قبل الروم البيزنطيين في عصر البعثة النبوية الخاتمة، وكانت هذه الإمبراطورية الرومانية يقابلها ويحدها من الشرق الإمبراطورية الفارسية الساسانية، وكان الصراع بين هاتين الإمبراطوريتين الكبيرتين في هذا الزمن على أشده ولابد أن كثيراً من معاركهما الحاسمة قد وقعت في أرض الأغوار وهي أخفض أجزاء اليابسة على الإطلاق، ووصف القرآن الكريم لأرض تلك المعركة الفاصلة التي تغلب فيها الفرس على الروم ـ في أول الأمر بـ " أدنى الأرض" وصف معجز للغاية، لأن أحداً من الناس لم يكن يدرك تلك الحقيقة في زمن الوحي، ولا لقرون متطاولة من بعده ووردوها بهذا الوضوح في مطلع سورة "الروم" يضيف بعد آخر إلى الإعجاز الانبائي في الآيات الأربع التي استهلت بها هذه السورة المباركة ألا وهو الإعجاز العلمي فبالإضافة إلى ما جاء بتلك  الآيات من إعجاز شمل الإخبار بالغيب، وحدد لوقوعه بضع سنين، فوقع كما وصفته وكما حددت له زمنه تلك الآيات فكانت من دلائل النبوة، فإن وصف أرض المعركة بالتعبير القرآني " أدنى الأرض" يضيف إعجاز علمياً جديداً، يؤكد أن القرآن الكريم هو كلام الله الخالق وأن النبي الخاتم الذي تلقاه كان موصولاً بالوحي، ومعلماً من قبل خالق السماوات والأرض وكما كانت هذه الآيات الكريمة من دلائل النبوة في زمن الوحي لإخبارها بالغيب فتحقق، فهي لا تزال من دلائل النبوة في زماننا بالتأكيد أن المعركة الفاصلة قد تمت في أخفض أجزاء اليابسة على الإطلاق، وهي أغوار البحر الميت وما حولها من أغوار ويأتي العلم التجريبي ليؤكد هذه الحقيقة(186).

6- المشارق والمغارب: قال تعالى:" فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ" (المعارج، آية: 40)

جاء ذكر المشرق والمغرب في القرآن الكريم بالإفراد والتثنية والجمع في أحد عشر موضعاً على النحو التالي:

أولاً: بالإفراد: جاء ذكر المشرق والمغرب في ست آيات قرآنية كريمة هي كما يلي:

- " وَلِلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ إِنَّ اللّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ" (البقرة، آية: 115).

- " سَيَقُولُ السُّفَهَاء مِنَ النَّاسِ مَا وَلاَّهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُواْ عَلَيْهَا قُل لِّلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَن يَشَاء إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ" (البقرة، آية: 142).

- " لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَـكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ" (البقرة، آية: 177).

- " قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ(البقرة، آية: 258).

- " قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ" (الشعراء، آية: 28).

- " رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا" (المزمل، آية: 9).

وجاء ذكر المشرقين أو ذكر المغربين مرتين في كتاب الله على النحو التالي:

- " حَتَّى إِذَا جَاءنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ" (الزخرف، آية: 38).

- " رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ" (الرحمن، آية: 17).

وجاء ذكر المشارق وحدهما مرة وذكر المشارق والمغارب مرتين في كتاب الله على النحو التالي:

- " رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ" (الصافات، آية: 5).

- وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا" (الأعراف، آية: 137).

- " فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ" (المعارج، آية: 40).

- المدلول العلمي للآية الكريمة:

بتبادل الأيام والفصول على الموقع الواحد في كل سنة وبتعدد المواقع على خط العرض الواحد مع تعدد خطوط الطول، وعلى خط الطول الواحد بتعدد خطوط العرض وبتعدد كل ذلك تتعدد المشارق والمغارب تعدداً مذهلاً فسبحان الذي أقسم برب المشارق والمغارب فقال:" فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ"

ونتيجة لدوران الأرض حول محورها، انبعجت قليلاً عند خط الاستواء وتفلطحت قليلاً عند القطبين ونتيجة لذلك أصبح لكل من المشارق والمغارب العديدة نهايتان تمثلان أقصى زمانين ومكانين لكل من شروق الشمس وغروبها على أقصى بقعتين من بقاع الأرض تمثل كل منهما مرة أقصى الشروق ومرة أقصى الغروب، ومن هنا كان للأرض مشرقان ومغربان، فسبحان القائل " رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ" (الرحمن، آية: 17).

ومن هنا جاءت الإشارة في كتاب الله إلى كل من المشرق والمغرب بالإفراد وبالمثنى وبالجمع تأكيداً على العديد من حقائق الأرض وحقائق أجرام السماء وهي حقائق لم تدرك إلا في زمن العلم الذي نعيشه(187).

7- أم القرى:

قال تعالى:" وَهَـذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُّصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلاَتِهِمْ يُحَافِظُونَ" (الأنعام، آية: 92).

ومعنى الآية أي: " وَهَـذَا" القرآن الذي " أَنزَلْنَاهُ" إليك " مُبَارَكٌ" أي: وصفه البركة وذلك لكثرة خيراته وسعة مبراته " مُّصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ" أي موافق للكتب السابقة وشاهدٌ لها بالصدق " وَلِتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا" أي وأنزلناه أيضاً لتنذر أم القرى ـ وهي مكة ـ ومن حولها من ديار العرب بل ومن سائر البلدان، فتحذر الناس عقوبة الله وأخذه الأمم وتحذرهم مما يوجب ذلك(188).

وفي محاولة جادة لتحديد الاتجاهات الدقيقة إلى القبلة، أي الكعبة المشرفة من المدن الرئيسية في العالم باستخدام الحاسوب "الكمبيوتر" ذكر الأستاذ الدكتور حسين كمال الدين رحمه الله الذي شغل درجة الاستاذية لمادة المساحة بكلية الهندسة من عدد من الجامعات والمعاهد العليا مثل جامعة القاهرة، وأسيوط، والرياض، وبغداد، والأزهر الشريف، والمعهد العالي للمساحة بالقاهرة، أنه لاحظ تمركز مكة المكرمة من قلب دائرة تمر بأطراف جميع القارات، أي أن اليابسة على سطح الكرة الأرضية موزعة حول مكة المكرمة توزيعاً منتظماً، وأن المدينة المقدسة تعتبر مركزاً لليابسة وصدق الله العظيم إذ يقول:" وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ" (الشورى، آية: 7).

وقد ثبت علمياً أن القارات السبع التي تكون اليابسة على أرضنا في هذه الأيام كانت في الأصل قارة واحدة ثم تفتت بفعل الصدوع والخسوف الأرضية إلى تلك القارات السبع التي أخذت في التباعد من بعضها البعض ولاتزال تتباعد وبمتابعة جهود الدكتور حسين كمال الدين رحمه الله وجدت أنه في كل الحالات، واليابسة قطعة واحدة، وبعد تفتتها إلى القارات السبع مع قربها من بعضها البعض، وفي كل مراحل زحف هذه القارات ببطء شديد متباعدة عن بعضها البعض حتى وصلت إلى أوضاعها الحالية في كل هذه الحالات كانت مكة المكرمة دائماً في وسط اليابسة(189).

وتوسط مكة المكرمة لليابسة يفسر دلالة النص القرآني " أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا".

وقد ثبت علمياً - أيضاً -  أن أرضنا في مرحلة من مراحلها الابتدائية كانت مغمورة غمراً كاملاً بالماء ثم فجر الله تعالى - قاع هذا المحيط الغامر بثورة بركانية عارمة عن طريق تصدع وخسف هذا القاع وأخذت الثورة البركانية تلقي بحممها فوق قاع هذا المحيط لتبني سلسلة من سلاسل جبال أوساط المحيطات، ومع ارتفاع أعلى قمة في تلك السلسلة فوق مستوى سطح ما، هذا المحيط الغامر تكونت أول مساحة من اليابسة على هيئة جزيرة بركانية تشبه العديد من الجزر البركانية المتكونة في أواسط محيطات اليوم كجزر اليابان، الفلبين، إندونسيا، هاواي، وغيرها.

ويروى عن رسول الله صلى الله عليـه وسلم قـوله: كانت الكعبة خشعة على المـاء فدحيت منها الأرض(190)، وهذا الحديث ذكره الهروي في غريب الحديث وذكره الزمخشري في الفائق في غريب الحديث(191)، وذلك لأن مدلوله العلمي سابقاً لزمانه بألف وأربعمائة سنة و"الخشعة" هي الأكمة المتواضعة، فهل يمكن أن تكون أرض الكعبة المشرفة أول جزء من اليابسة ظهر فوق سطح  المحيط الذي غمر الأرض في مراحلها الأولى؟ سؤال لم تكتمل الإجابة عليه بعد(192).

وتتضح ومضة الإعجاز القرآني في قول الحق ـ تبارك وتعالى ـ مخاطباً خاتم أنبيائه ورسله صلى الله عليه وسلم:" وَهَـذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُّصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلاَتِهِمْ يُحَافِظُونَ" (الأنعام، آية: 92).

فتتضح وسطية أم القرى ليابسة الأرض، ومن هنا يكون المنذرون هم جميع أهل الأرض بلا استثناء، ويتضح وضع الكعبة المشرفة في وسط الأرض الأولى وهي اليابسة ودونها ست أرضين ويحيط بذلك سبع سموات وفوق الكعبة المشرفة البيت المعمور(193).

8- أول بيت وضع للناس:

قال تعالى:" إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ * فِيهِ آيَاتٌ بَيِّـنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ" (آل عمران، آية: 96ـ 97).

يخبر تعالى بعظمة بيته الحرام، وأنه أول البيوت التي وضعها الله في الأرض لعبادته وإقامة ذكره وأن فيه من البركات وأنواع الهدايات وتنوع المصالح، والمنافع للعالمين شيء كثير وفضل غزير، وأن فيه آيات بينات تذكر بمقامات إبراهيم الخليل وتنقلاته في الحج ومن بعده تذكر بمقامات سيد الرسل وإمامهم وفيه الأمن الذي من دخله كان آمناً قدراً، مؤمناً شرعاً وديناً، فلما احتوى على هذه الأمور الت هذه مجملاتها وتكثر تفصيلاتها أوجب الله حجه على المكلفين المستطيعين إليه سبيلا وهو الذي يقدر على الوصول إليه بأي مركوب يناسبه وزاد بتزوده، لهذا أتى بهذا اللفظ الذي يمكنه تطبيقه على جميع المركوبات الحادثة والتي ستحدث، وهذا من آيات القرآن حيث كانت أحكامه صالحة لكل زمان وكل حال ولا يمكن الصلاح التام بدونها، فمن أذعن لذلك وقام به فهو من المهتدين المؤمنين ومن كفر فلم يلتزم حج بيته فهو خارج عن الدين " وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ"(194).

- الدلالة العلمية للآية الكريمة:

بعد مجاهدة طويلة استغرقت الآفاً من العلماء، عبر عشرات من العقود ثبت لنا في منتصف الستينات من القرن العشرين أن أرضنا في مرحلة من مراحل خلقها كانت مغمورة بالماء غمراً كاملاً، لم يدع فيها شيئاً مكشوفاً من اليابسة، ثم شاءت إرادة الله تعالى أن يفجر قاع هذا المحيط الغامر بثورة بركانية عنيفة ظلت تلقي بحممها التي تراكمت فوق بعضها البعض مكونة سلسلة جبلية في وسط هذا المحيط الغامر وظلت هذه السلسلة في النمو والارتفاع حتى ظهرت قمتها فوق سطح الماء مكونة أول جزء من اليابسة على هيئة جزيرة بركانية مثل الجزر البركانية العديدة والمنتشرة في محيطات اليوم، وباستمرار عمليات النشاط البركاني نمت هذه الجزيرة الأولية بالتدرج بواسطة الثورات البركانية المتلاحقة التي أضافت إليها مساحات جديدة من اليابسة محولة إياها إلى قارة كبيرة تعرف باسم القارة الأم أو بانجيا ـ وهذا النمو ـ بالإضافة على مراحل - يعرف باسم الدحو الذي يعرف لغة: بالمد والبسط والإلقاء وهو تعريف دقيق لعمليات بناء الأرض بواسطة الثورات البركانية، وبعد اكتمال تكون القارة الأم شاءت إرادة الله -تعالى - أن يمزقها بواسطة شبكة هائلة من الصدوع العميق التي شكلت خسوفاً أرضية غائرة، فصلت تلك القارة الأم إلى القارات السبع المشاهدة حالياً على سطح الأرض التي كانت في القديم أشد تقارباً إلى بعضها البعض ثم بدأت في الزحف والتباعد حتى وصلت إلى مواقعها الحالية على سطح الأرض والتي لاتزال في حركة دائبة منها اليوم هذه الطاهرة التي يتحول فيها جزء من المحيط إلى الأرض يابسة أو تنشق الأرض اليابسة لتحتوي محيطاً قيماً بينها تعرف باسم "دورة المحيط واليابسة" ويتم تحول المحيط إلى أرض يابسة بواسطة الثورات البركانية المتكررة من تحت قاع المحيط التي ترتفع بجزء من ذلك القاع إلى ما فوق سطح الماء على هيئة جزر بركانية تظل تنمو بالتدرج متحولة إلى قارة، ثم بواسطة تصدع وخسف أجزاء من تلك القارة تنفصل إلى كتلتين متوازيتين يفصلهما بحر طولي شبيه بالبحر الأحمر، يظل يتسع باستمرار حتى يتحول إلى محيط.

ومن قبل ألف وأربعمائة سنة روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله: كانت الكعبة خشعة على الماء فدحيت منها الأرض(195).

"والخشعة" أكمة لاطئة بالأرض، والجمع "خشع".

وهذا الحديث النبوي الشريف يدعمه حديث آخر أخرجه الطبراني والبيهقي في الشعب عن ابن عمر رضي الله عنه موقوفاً عليه:أنه، أي البيت الحرام أول ما ظهر على وجه الماء عند خلق السموات والأرض زبدة - بفتح - الزاي أي كتلة من الزبد بيضاء فدحيت الأرض من تحته، وهذان الحديثان الشريفان يعتبران سبقاً علمياً معجزاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم يشهد له بالنبوة وبالرسالة، وبأنه كان موصولاً بالوحي، ومعلماً من خالق السماوات والأرض لأنه لم يكن لأحد من الخلق قبل منتصف الستينات من القرن العشرين إدراك الشيء من هذه الحقيقة.

وفي هذين الحديثين الشريفين ما يدعم قول السدي رحمه الله في تفسيره قوله تعالى:" إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ" (آل عمران، آية: 96)، إنه أول بيت وضع على وجه الأرض مطلقاً، ويؤكد ذلك ما أشرنا إليه عن توسط مكة المكرمة لليابسة، كما يحمل معنى اليابسة تحت الكعبة المشرفة تعتبر أقدم جزء من الغلاف الصخري للأرض على الإطلاق(196).

9- ومن آيات البينات في الحرم المكي:

أ - توسط مكة المكرمة لليابسة:

الأرض هي مركز السماوات السبع بنص الآية الكريمة التي يقول فيها ربنا تبارك وتعالى:" يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانفُذُوا لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ" (الرحمن، آية: 33).

وذلك لأن قطر أي شكل هندسي هو الخط الواصل بين طرفيه مروراً بمركزه واقطار السماوات على ضخامتها تنطبق على أقطار الأرض على ضآلتها النسبية بحسب نص الآية الكريمة، فلابد أن تكون الآية هي مركز الكون.

ويدعم هذا الاستنتاج ورود الإشارة بذكر السماوات والأرض وما بينهما في عشرين آية قرآنية صريحة ومقابلة السماوات بالأرض في عشرات الآيات القرآنية الأخرى.

ووصف رسول الله صلى الله عليه وسلم البيت المعمور بأنه في السماوات السابعة على جبال الكعبة تماماً حتى لو خرّ لخرّ فوقها كل هذه النصوص تؤكد مركزية الأرض للسماوات السبع، فالحرم المكي مركز بين السماوات السبع والأرضين السبع كما وصفه المصطفى صلى الله عليه وسلم.

ب - انتفاء الانحراف المغناطيسي عند خط مكة المكرمة:

إن الأماكن التي تشترك مع مكة المكرمة في نفس خط الطول ينطبق فيها الشمال المغناطيسي الذي تحدده الإبرة الممغنطة في البوصلة مع الشمال الحقيقي الذي يحدده النجم القطبي، ومعنى ذلك أنه لا يوجد أي قدر من الإنحراف المغناطيسي على خط طول مكة المكرمة، بينما يوجد عند جميع خطوط الطول الأخرى.

ج - ضبط اتجاه أضلاع الكعبة المشرفة:

الكعبة المشرفة مبنية بأركانها الأربعة في الاتجاهات الأربعة الأصلية تماماً، فركنها الشامي في اتجاه الشمال الحقيقي، ويقابله في اتجاه الجنوب الحقيقي تماماً الركن اليماني وركن الحجر الأسعد يواجه الشرق الحقيقي تماماً ويقابله الركن المصري في اتجاه الغرب الحقيقي تماماً.

وتحديد تلك الاتجاهات بهذه الدقة في زمن موغل في التاريخ كالذي بنيت فيه الكعبة المشرفة ينفي إمكانية كونه عملاً بشرياً(197).

س ـ الحجر الأسعد من أحجار السماء(198):

روى أبي بن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: الحجر الأسود نزل به ملك من السماء.

وأخرج الإمام أحمد في مسنده عن ابن عباس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: نزل الحجر الأسود من الجنة، وهو أشد بياضاً من اللبن، فسودته خطايا بني آدم(199).

كذلك أخرج كل من الترمذي وأحمد والحاكم وابن حيان قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الركن والمقام ياقوتتان من ياقوت الجنة(200).

وحينما قرأ المستشرقون هذه الأحاديث النبوية ظنوا الحجر الأسعد قطعة من البازلت الذي جرفته السيول من الحرات المجاورة وألقت به إلى منخفض مكة المكرمة ومن أجل اثبات ذلك استأجرت الجمعية الملكية الجغرافية البريطانية ضابطاً بريطانياً باسم ريتشارد فرانسيس بيرتون وجاء إلى الحجاز في هيئة حاج أفغاني وذلك في منتصف القرن التاسع عشر الميلادي "1269هـ / 1853م" بهدف سرقة جزء من الحجر الأسود والفرار به إلى بريطانيا وبالفعل تم له ذلك وبدراسة العينة المسروقة ثبت أنها من أحجار السماء لأنها تشبه أحجار النيازك، وإن تميزت بتركيب كيميائي ومعدني خاص وكان هذا الاكتشاف سبباً في إسلامه وقد سجل قصته في كتاب من جزءين بعنوان: رحلة إلى مكة وتوفي بيرتون في سنة 1980م / 1308هـ.

ع - مقام إبراهيم صلى الله عليه وسلم يحمل طبعة قدمية:

إن كلمة المقام ـ بفتح الميم الأولى وضمها ـ تأتي بمعنى "الإقامة" من الفعل، " أقام"، "يقيم"، "إقامة"، و"مقاماً" ومن هنا أخذ التعبير القرآني "مقام إبراهيم" على أنه الحرم المكي بكل حدوده، ولكن من مدلول الكلمة أيضاً "موضع القيام " من الفعل "قام" "يقوم" "مقاماً"، ولذلك فهم تعبير "مقام إبراهيم" بالصخرة التي "قام" عليها وهو يرفع القواعد من البيت، وبهذا المفهوم فإن هذه الصخرة تحمل آية بينة وهي أنه على الرغم من صلادتها "صلابتها" الشديدة فإنها تحمل طبعة غائرة لقدمي أبي الأنبياء إبراهيم عليه السلام ولين هذه الصخرة الصلدة إلى الحد الذي يمكنها من حمل طبعة قدمي هذا النبي الكريم معجزة بكل المقاييس العلمية يقف العلم عاجزاً أمام إمكانية تفسيرها، لأن المعجزات خوارق للسنن والقوانين، ولذلك لا يمكن للعلم المكتسب أن يفسرها، وهي آية محسوسة لكل ذي بصيرة(201).

ك - بئر زمزم آية من آيات الحرم المكي:

إن تدفق الماء من بئر زمزم على مدى أكثر من ثلاثة الآف سنة، من قلب صخور نارية، أو متحولة شديدة التبلور هو أمر لافت للنظر، على الرغم من طمرها وحفرها لعدة مرات، ولم يعرف مصدر هذا الماء المتدفق إلى البئر إلا بعد حفر الانفاق حول مكة المكرمة، حين أدرك العاملون في حفر تلك الأنفاق أن الماء يتدفق من تشققات شعرية دقيقة تمتد لمسافات بعيدة خارج حدود مكة المكرمة وفي جميع الاتجاهات من حولها وهذه الملاحظة تؤكد وصف المصطفى صلى الله عليه وسلم لهذه البئر المباركة بأنها نتجت عن طرقة شديدة وصفها بقوله الشريف: هي هزمة جبريل وسقيا الله لإسماعيل(202)، لأن الهزمة في اللغة هي الطرقة الشديدة.

وبئر زمزم هي إحدى الآيات المادية الملموسة الدالة على كرامة المكان ويصف رسول الله صلى الله عليه وسلم ماءها بقوله: خير ماء على وجه الأرض ماء زمزم، فيه طعام طعم وشفاء سقم(203)، وقوله صلى الله عليه وسلم: ماء زمزم لما شرب له(204).

هـ - " ومن دخله كان آمناً"

ذكر ابن كثير في تفسيره ما نصه:" ومن دخله كان آمناً" يعني حرم مكة إذا دخله الخائف يأمن من كل سوء، وكذلك الأمر في حال الجاهلية، كما قال الحسن البصري وغير: كان الرجل يقتل فيضع في عنقه صوفة ويدخل الحرم، فيلقاه ابن المقتول فلا يهيجه حتى يخرج، وعن ابن عباس قال ابن عباس: من عاذ بالبيت أعاذه البيت ولكن لا يؤوي ولا يطعم، ولا يسقى، فإذا خرج أخذ بذنبه(205).

قال تعالى:" أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ" (العنكبوت، آية: 67).

وقال تعالى:" فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ" (قريش، آية: 3 ـ 4).

وحتى أنه من جملة تحريمها حرمة اصطياد صيدها وتنفيره في اوكاره، وحرمة قطع شجرها وقلع حشيشها، كما ثبتت الأحاديث والآثار في ذلك ففي الصحيحين واللفظ لمسلم عن ابن عباس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة: لا هجرة ولكن جهاد ونية وإذا استنفرتم فانفروا(206).

وقال صلى الله عليه وسلم: إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السماوات والأرض، فهو حرام بحرمة الله يوم القيامة، وأنه لم يحل القتال فيه لأحد قبلي ولم يحل لي إلا في ساعة من نهار، فهو حرام يحرمه الله إلى يوم القيامة لا يعضد شوكه، ولا ينفر صيده، ولا تلتقط لقطته إلا من عرفها، ولا يختلي خلاه(207)، فقال العباسي: يا رسول الله إلا الأذخر فإنه لقينهم ولبيوتهم، فقال: إلا الأذخر(208).

وعن جابر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا يحل لأحد أن يحمل السلاح بمكة، وعن عبد الله بن الحمراء الزهري، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو واقف بالحرورة بسوق مكة يقول: والله إنك لخير أرض الله وأحب أرض الله إلى الله، ولولا أني أخرجت منك ما خرجت(208).

وقد لاحظ المراقبون أن الحيوانات الضاربة ولا تضطرع عن الحرم المكي،

ولا يؤذي بعضها بعضنا، بل تخالط من الحيوانات ما تعودت على افتراسه خارج الحرم المكي ولا تتعرض له فيه أبداً، كما لاحظ المراقبون أن الطيور عادة لا تعلو الكعبة المشرفة، بل تنحرف عنها كلما طارت في إتجاهها وكأنها هي الأخرى في طواف حولها ويروي لنا التاريخ أن كل جبار قصد الحرم المكي بسوء أهلكه الله، ولم يمكنه من ذلك، كما حدث مع أصحاب الفيل.

وربنا ـ تبارك وتعالى ـ يقرر حمايته لبيته العتيق بقوله عز من قائل:" وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ" (الحج، آية: 25).

وتحقيقاً لهذا الوعد الإلهي تُعجّل العقوبة لمن انتهك حرمة الحرم المكي، لذلك قال المصطفى صلى الله عليه وسلم: الدجال يطوي الأرض كلها إلا مكة والمدينة(209).

وتقدر مساحة الحرم المكي بحوالي 600 كلم مربعاً على هيئة سلسلة من الأودية والمنخفضات تمتد من مكة المكرمة إلى ساحة عرفات شرقاً مروراً بكل من وادي منى ووادي المزدلفة، ولهذا الحرم حدود حددها ربنا ـ تبارك وتعالى لأبينا آدم عليه السلام وحملها جبريل عليه السلام إلى أبي الأنبياء إبراهيم ـ على نبينا وعليه من الله السلام ـ وقد نصبت على هذه الحدود أعلام من جهات خمس تعتبر المداخل الرئيسية للحرم المكي، وهذه الأعلام على هيئة أحجار مرتفعة منصوبة على جانبي كل طريق من الطرق المؤدية إلى منطقة الحرم المكي(210).

10- ما ينفع الناس يمكث في الأرض:

قال تعالى:" أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَّابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاء حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِّثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللّهُ الأَمْثَالَ" (الرعد، آية: 17).

يضرب الله مثلاً للحق والباطل، للدعوة الباقية، والدعوة الذاهبة مع الريح، للخير الهادئ والشر المتنضح والمثل المضروب، هنا مظهر لقوة الله الواحد القهار، ولتدبير الخالق المدبر المقدر للأشياء.

فسيلان هذه الأودية بقدرها، كل بحسبه وكل بمقدار طاقته ومقدار حاجته يشهد بتدبير الخالق وتقديره لكل شيء.

إن الماء لينزل من السماء فتسيل به الأودية، وهو يلم في طريقه غثاء، فيطفو على وجهه في صورة الزبد حتى ليحجب الزبد الماء في بعض الأحيان، هذا الزبد نافش راب منتفخ، لكنه بعد غثاء والماء من تحته سارب ساكن هادئ، ولكنه هو الماء الذي يحمل الخير والحياة كذلك يقع في المعادن التي تذاب لتصاغ منها حلية كالذهب والفضة، أو آنية أو آلة نافعة للحياة كالحديد والرصاص فإن الخبث يطفو وقد يحجب المعدن الأصيل ولكنه يعد حيث يذهب ويبقى المعدن في نقاء وذلك مثل الحق والباطل في هذه الحياة، فالباطل يطفو ويعلو وينتفخ ويبدو رابياً طافياً ولكنه يعد زبداً وخبث، ما يلبث أن يذهب جفاء مطروحاً لا حقيقة له ولا تماسك فيه، والحق يظل هادئاً ساكناً وربما يحسبه بعضهم قد انزوى أو غار أو ضاع أو مات، ولكنه هو الباقي في الأرض كالماء المحي والمعدن الصريح ينفع الناس، كذلك يضرب الله الأمثال وكذلك يقرر مصائر الدعوات، ومصائر الاعتقادات ومصائر الأعمال والأقوال وهو الله الواحد القهار، المدبر للكون والحياة، والعليم بالظاهر والباطن، والحق والباطل، والباقي والزائل(211).

ويقول السعدي في تفسيره: شبه تعالى الهدى الذي أنزله على رسوله لحياة القلوب والأرواح بالماء الذي أنزله لحياة الأشباح وشبه ما في الهدى من النفع العام الكثير الذي يضطر إليه العباد بما في المطر من النفع العام الضروري وشبه القلوب الحاملة للهدى وتفاوتها بالأودية التي تسيل فيها السيول فواد كبير يسع ماء كثير، كقلب كبير يسع علماً كثيراً، وواد صغير يأخذ ماء قليلاً كقلب صغير يسع علماً قليلاً وهكذا.

وشبه ما يكون في القلوب من الشهوات والشبهات عند وصول الحق إليها بالزبد الذي يعلو الماء ويعلو ما يوقد عليه النار من الحلية التي يراد تخليصها وسبكها وأنها لاتزال فوق الماء طافية مكدرة له حتى تذهب وتضمحل، ويبقى ما ينفع الناس من الماء الصافي والحلية الخالصة كذلك الشبهات والشهوات لايزال القلب يكرهها ويجاهدها بالبراهين الصادقة والإرادات الجازمة حتى تذهب وتضمحل ويبقى القلب خالصاً صافياً ليس فيه إلا ما ينفع الناس من العلم بالحق وإيثاره والرغبة فيه، فالباطل يذهب ويمحقه الحق، وقال هنا:" كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللّهُ الأَمْثَالَ" ليتضح الحق من الباطل والهدى والضلال(212).

هذا المثل القرآني الرائع يشبه باطل الدنيا بالزبد الذي يطفو فوق أسطح السيول المتدفقة بالماء في الأودية الضيقة والواسعة على حد سواء، أو بما يشبهه من الزبد الذي يطفو فوق أسطح المعادن الفلزية النفيسة والنافعة حينما يتم صهرها مع بعض المواد لتنقيتها من الشوائب العالقة بها وفي الحالتين يتضح أن الزبد الذي يحمله السيل ـ غثاء السيل ـ والزبد الذي يطفو فوق أسطح الفلزات المصهورة خبث الفلزات ـ لا قيمة لهما ولا فائدة في أي منهما، وكلاهما نهايته النبذ والإلقاء، وكذلك الباطل.

وفي المقابل يشبه هذا المثل القرآني الحق بما يمكث في الأرض مما ينتفع به الناس في الحالتين: ففي حالة السيول الجارية في الأودية ينتفع الناس بمائها ـ والماء سر من أسرار الحياة كما ينتفعون بما يحمله السيل من ثروات معدنية كبيرة تترسب بالتدريج على طول قاع الوادي الذي يندفع فيه السيل، وذلك مع سرعة جريان الماء المتدفق في الأودية وتناقض قدرته على الحمل فتترسب هذه المعادن كل حسب حجم حبيباته وكثافته النوعية: الأثقل فالأقل كتلة بالتدريج حتى يتم تمايز حمولة تلك السيول من المعادن وتركيز كل منهما في مناطق محددة من مجاري السيول، وتعرف هذه الترسبات المعدنية باسم رسوبيات القرارة وكثير من الثروات الأرضية كالذهب والفضة تتجمع بمثل هذه الطريقة لوجودها أصلاً بنسب ضئيلة في صخور الأرض، ويتم ذلك بتكرار هذه العملية لمرات عديدة عبر الآف السنين، إن لم يكن عبر عشرات الآلآف من القرون، وهذه حقيقة لم تكن معروفة وقت تنزل القرآن الكريم، ولا لقرون متطاولة من بعد نزوله.

وفي حالة خامات الفلزات النفيسة كالذهب والفضة والبلاتين، والمفيدة كالحديد والنحاس والرصاص والقصدير وغيرها، فإنه يضاف إلى تلك الخامات بعض المواد التي تساعد على انصهارها، وعلى تنقيتها مما فيها شوائب وهذه المواد المساعدة من مثل الحجر الجيري والرمل، وثاني اكسيد المنجنيز وغيرها تتحد مع مابتلك الفلزات من شوائب عند صهرها وتطفو فوق سطح الفلز المنصهر الصافي، وحينما يترك ليتبرد بتجمد على هيئة طبقة زجاجية سوداء، مليئة بالفقاعات الهوائية تشبه إلى حد بعيد غثاء السيل وما يحمل معه من شوائب وبانفصال طبقة الخبث يصبح الفلز في درجة عالية من الصفاء والنقاء وبه يشبه القرآن الكريم الحق في صفائه ونقائه.

والتشبيه في الحالتين: تشبيه الباطل بالزبد الجاف، وتشبيه الحق بما يمكث في الأرض فينتفع به الناس، جاء على قدر من الدقة اللغوية والعلمية، والإحاطة والشمول بالمعنى المقصود لم تكن متوافرة لأحد من الخلق وقت تنزل القرآن الكريم ولا لأكثر من عشرة قرون بعد تنزله، مما يقطع بأن القرآن الكريم هو كلام الله الخالق، ويشهد بالنبوة والرسالة للنبي الخاتم والرسول الخاتم الذي تلقاه صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه ودعا بدعوته إلى يوم الدين(213).

11- جاذبية الأرض:

قال تعالى:" أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا * أَحْيَاء وَأَمْوَاتًا" (المرسلات، آية: 25 ـ 26).

عندما اكتشف نيوتن قانون الجاذبية، وأثبت من خلاله أن الأشياء إنما تسقط على الأرض أو تثبت عليها بفعل هذا القانون، كما أثبت أن النظام الفلكي في ثبات النجوم وتباعدها إنما يخضع لهذا القانون، وأعلن نيوتن أن قانونه هذا لا يفسر له سر دوران الكواكب حول نفسها، أو حول مركزها وأنه لابد من يد قدرة حكيمة كانت هي السبب في هذا الدوران وهذا مطابق لما أخبر الله عنه منذ قرون طويلة في الوقت الذي كان الإنسان يجهل فيه تماماً كل معنى من معاني الجاذبية، مما يؤكد للناس أجمعين بأن هذا الكلام من أكبر الأدلة القاطعة على أنه ليس من كلام البشر وإنما هو من كلام الله خالق الكون والعالم بأسراره.

وإذا رجعنا إلى معنى الكفت في العربية وجدناه منصباً على الضم والجمع يقال: كفت الشيء إليه يكفته، كفتاه، إذا ضمه وقبضه.

وأما الكفات: فهو الموضع الذي يكفت فيه الشيء، أي يضع ويقبض ويجمع، وجميع مشتقات هذه الكلمة بمعنى الضم والجمع والقبض والجذب.

إذاً فهذه الآية تدلنا صراحة على هذا المعنى العلمي الدقيق الذي اكتشفه الإنسان المعاصر بعد جهد جهيد من البحث والتدبر والملاحظة ألا وهو معنى الجاذبية التي توجد في الأرض والتي بواسطتها يستقر الإنسان عليها وينجذب إليها.

ولكي لا يتصور متصور أن هذا الجذب أو الضم إنما يكون إذا دفن الإنسان بعد موته في باطن الأرض جاء القيد المعمم:" أَحْيَاء وَأَمْوَاتًا" أي إنا جعلناها بحيث تجذبكم إليها إذ تكونون أحياء تتحركون على ظهرها، وإذ تعودون أمواتاً مدفونين في باطنها.

إننا حينما تقرأ هذه الآية وندرك المعنى اللغوي المتفق عليه لمادة كفت، نوقن وبلا تردد في أنها ناصبة على معنى الجاذبية، فإذا علمنا يقينا بأن هذا المعنى، بمعناه العلمي المعاصر، لم يكن معروفاً أبداً في زمان النبي صلى الله عليه وسلم، لا من قبل العرب ولا من قبل غيرهم من الأمم السالفة، وأن معنى الجاذبية العلمي المعاصر لم يكتشف إلا منذ أمد قريب على يد العالم الشهير نيوتن في القرن الثامن عشر الميلادي، إذا علمنا هذين الأمرين، وتجردنا من المعصية والهوى، وأخضعنا البحث للمنطق المجرد، أدركنا يقيناً بأن هذه الآية لم يكن أبداً من الممكن أن تكون من قبل البشر، لأنها قيلت في الزمن الذي لم يكن الإنسان يعرف فيه شيئاً عن معناها، إذن فهي من قول المطلع على الأسرار، العالم بالخفايا، والراسم للقوانين إنها من قول الله، معجزة قرآنية باقية على الزمان لتدل الإنسان على أن هذا القرآن من عند الله(214).

12- كروية الأرض ودورانها:

يشير القرآن الكريم في بعض من آياته إلى أن الأرض كروية الشكل، فهي بذلك ليست في حقيقتها ممتدة امتداداً ينتهي عند حافة من الحواف كما كان يتصور الأقدمون ويعتقدون، ولكن الأرض ذات شكل بيضوي كالكرة، وذلك ما تقتضيه سنة الطبيعة في دورتها الرتيبة المنتظمة، وما تقتضيه عجلة الكون المتحرك الدقيق، ولو لم تكن الأرض على هذا النحو من الاستدارة لتعطلت نواميس الخلق على هذا الكوكب، ولباتت الحياة على ظهره مشلولة أو مستحيلة ومن الآيات الدالة على كروية الأرض قوله سبحانه وتعالى:" لَا الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ" (يس، آية: 40).

فقد جاء ذلك رداً على السابقين لفهمهم أن اليوم يكون مبدوءاً بالنهار ثم يعقبه الليل، فكأن الله سبحانه يقول لهم: لا يسبق النهار الليل ولا يسبق الليل النهار، ولكنهما كليهما موجودان معاً وفي آن واحد(215)، ومن المعلوم أن أجزاء الأرض تتفاوت فيما بينها من حيث إقبال النهار بضيائه أو حلول الليل بسواده فبينما تزهو بقاع من الأرض بضياء الشمس، تسكن بقاع أخرى من الأرض بعد أن أرقدها الليل بظلامه، وذلك كله لا يقع بالتعاقب ولكنه واقع في نفس الآن، مما يدل على أن الأرض كروية استناداً إلى الظاهر من دلالة النص القرآني الكريم " وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ".

- ومن الدليل كذلك كروية الأرض قوله تعالى:" يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ" (الزمر، آية: 5).

وقوله: " وَيُكَوِّرُ" من التكوير وهو اللف، نقول كار الرجل العمامة كوراً بمعنى أدارها على رأسه، وكورت الشيء إذا لففته على جهة الاستدارة وذلك كقوله تعالى:" إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ" يعني طويت كطي السجل(216)، ولابن جرير الطبري في تفسيره أن:يكور الليل على النهار ويكور النهار على الليل، أي يغشى هذا على هذا وهذا على هذا كما قال:" يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ" (الحديد، آية: 6)(217).

يستفاد مما ورد في التكوير أن المراد به اللف على هيئة الاستدارة، وبذلك فإن تكوير الليل على النهار يعني انبساطه عليه بغشائه الملتف وذلك على النحو المستدير وفي ذلك دلالة على أن الأرض مستديرة في هيئتها طبقاً لصورة الغشاء الذي يلف الأرض لفاً دائرياً على شكل الكرة(218).

ومن الآيات الدالة على دوران الأرض آيات إيلاج الليل في النهار وإيلاج النهار في الليل:

- قال تعالى:" تُولِجُ اللَّيْلَ فِي الْنَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الَمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَن تَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ" (آل عمران، آية: 27).

- وقال تعالى:" ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ" (الحج، آية: 61).

- وقال تعالى:" أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ" (لقمان، آية: 29).

- وقال تعالى:" يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ" (الحديد، آية: 6).

والولوج لغة: هو الدخول، ولما كان من غير المعقول دخول زمن في زمن آخر، اتضح لنا أن المقصود بكل من الليل والنهار هنا هو المكان الذي يتعيشانه أي الأرض، بمعنى أن الله تعالى يدخل نصف الأرض الذي يخيم عليه ظلام الليل بالتدريج في مكان النصف الذي تخيم عليه ظلمة الليل، وهو ما يشير إلى كل من كروية الأرض ودورانها حول محورها أمام الشمس بطريقة غير مباشرة، ولكنها تبلغ من الدقة والشمول والإحاطة ما يعجز البيان عن وصفه(219).

ومن الآيات الدالة على دوران الأرض آية سلخ النهار من الليل، قال تعالى:" وَآيَةٌ لَّهُمْ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُم مُّظْلِمُونَ" (يس، آية: 37).

ومعنى ذلك أن الله تعالى ينزع نور النهار من أماكن الأرض التي يتغشاها الليل بالتدريج كما ينزع جلد الذبيحة عن كامل بدنها بالتدريج، ولا يكون ذلك إلا بدوران الأرض حول محورها أمام الشمس، وفي هذا النص القرآني سبق بالإشارة إلى رقة طبقة النهار في نصف الكرة الأرضية المواجهة للشمس وهي حقيقة لم يدركها الإنسان إلا بعد زيارة الفضاء في النصف الثاني من القرن العشرين، واتضحت كذلك لمحة الإعجاز القرآني في تشبيه انحسار طبقة النهار الرقيقة عن ظلمة الليل بسلخ جلدة الذبيحة الرقيق في كامل بدنها وفي التأكيد على أن الظلام هو الأصل في الكون، وأن نور النهار ظاهرة رقيقة عارضة لا تظهر إلا في الطبقات الدنيا من الغلاف الغازي للأرض في نصفها المواجهة للشمس، والذي يتحرك باستمرار مع دوران الأرض حول محورها أمام الشمس(220).

- ومن الآيات الدالة على دوران الأرض، آية مرور الجبال مر السحاب: وفيها يقول الخالق سبحانه وتعالى:" وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ  السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ" (النمل، آية: 88).

ومرور الجبال مر السحاب هو كناية عن دوران الأرض حول محورها، وعن جريها وسبحها في مداراتها وذلك لأن الجبال جزء من الأرض ولأن الغلاف الغازي للأرض الذي يتحرك فيه السحاب مرتبط كذلك بالأرض برباط الجاذبية وحركته منضبطة مع حركة كل من الأرض والسحاب المسخر فيه(221).

ومن الآيات الدالة على كروية الأرض ودورانها، آيات غشيان الليل النهار:

- قال تعالى:" إِنَّ رَبَّكُمُ اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ" (الأعراف، آية: 54).

- وقال تعالى:" وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ" (الرعد، آية: 3).

ومن معاني " يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ" أن الله تعالى يغطي بظلمة الليل مكان نور النهار على الأرض بالتدريج فيصير ليلاً، ويغطي بنور النهار مكان ظلمة الليل على الأرض بالتدريج فيصير نهاراً، وهي إشارة لطيفة إلى كل من كروية الأرض ودورانها حول محورها أمام الشمس دورة كاملة في كل يوم مدته في زمننا الحالي 24 ساعة يتقاسمها بتفاوت قليل الليل والنهار، في تعاقب تدريجي ينطق بطلاقة القدرة الإلهية المبدعة، فلو لم تكن الأرض كروية الشكل ما استطاعت الدوران حول محورها ولو لم تدر حول محورها أمام الشمس ما تبادل الليل والنهار(222).

13- الجبال في منهج القرآن الكريم:

جاء حديث القرآن عن الجبال على وجوه كثيرة:

أ - شاهد على تعنت الفئة الكافرة التي رفضت عبادة الواحد الأحد الفرد الصمد، وشاهد على دعوة نوح عليه السلام، قال تعالى:" رَّبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا * إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا" (نوح، آية: 26 ـ 27).

واستجاب الله دعاء فأرسل عليهم الطوفان الذي أغرق الأخضر واليابس، والذي طهر الأرض من الشرك والكفر وحطم الأصنام وأغرق البهتان واكتسح الكفر وأهله، قال تعالى:" وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا وَلاَ تَكُن مَّعَ الْكَافِرِينَ * قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاء قَالَ لاَ عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللّهِ إِلاَّ مَن رَّحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ" (هود، آية: 42 ـ 43).

ب - شاهد على مهارة قوم صالح في النحت والصناعة، وشاهد على تعنتهم وعصيانهم قال تعالى:" وَكَانُواْ يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا آمِنِينَ* فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ" (الحجر، آية: 82 - 83).

إنها صيحة الإيمان، صيحة التوحيد، إنها صيحة القوة اقتلعت الشرك وطوحت بالأصنام وأبادت البهتان وخسفت بالكفر وأهله.

قال تعالى:" فَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ * وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ" (هود، آية: 66 ـ 67).

ج - شاهد على تكليم الله لموسى عليه السلام قال تعالى:" وَكَلَّمَ اللّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا" (النساء، آية: 164)، وشاهد على ضعفه وانهياره أمام تجلى ربه، قال تعالى:" وَلَمَّا جَاء مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَـكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ موسَى صَعِقًا" (الأعراف، آية: 143).

ساحت نتواءات الجبل فبدأ موسى بالأرض مدكوكاً وأدركت موسى رهبة الموقف وسرت في كيانه البشري الضعيف.

" وَخَرَّ موسَى صَعِقًا" (الأعراف، آية: 143). مغشياً عليه غائبه عن الوعي " فَلَمَّا أَفَاقَ" وثاب إلى نفسه وأدرك مدى طاقته واستشعر أنه تجاوز المدى في سؤاله " قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ" (الأعراف، آية: 143).

تنزهت، وتعاليت عن أن ترى بالأبصار وتدرك في حال الدنيا.

س - شاهد على قدرة الله تعالى في أحياء الموتى وجمع الذرات المتناثرة في أركان الأرض قال تعالى:" وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِـي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَـكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ" (البقرة، آية: 260).

ش - شاهد على أن الله رفعه وجعله ظلة على بني إسرائيل عند أخذ الميثاق عليهم، قال تعالى:" وَإِذ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّواْ أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُواْ مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُواْ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ" (الأعراف، آية: 171).

جعل الجبل فوقهم مثل الظلة وقيل لهم خذوا التوراة وعليكم الميثاق ألا تضيعوها وإلا سقط عليكم الجبل فسجدوا لله وأخذوا التوراة بالميثاق وهو ميثاق لا ينسى، فقد أخذ في ظرف لا ينسى، أخذ وقد نتق الله الجبل فوقهم وظنوا أنه واقع بهم، أعطوا الميثاق في ظل خارقة هائلة كانت جديرة بأن تعصمهم بعد ذلك من الانتكاس، وقد أمروا في تلك الخارقة أن يأخذوا ميثاقهم بقوة جدية وإن يستمسكوا به في شدة وصرامة، ولكن اليهود تقضوا الميثاق وارتكبوا المعاصي واعتدوا على حدود الله حتى استحقوا غضب الله ولعنته، قال تعالى: "لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ * كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ" (المائدة، آية: 78 ـ 79).

ص - شاهد على المكر والخديعة، والانفلات من قيود الشريعة وتهاون البشرية في تعاليم الدين، قال تعالى: " وَقَدْ مَكَرُواْ مَكْرَهُمْ وَعِندَ اللّهِ مَكْرُهُمْ وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ" (إبراهيم، آية: 46).

والمراد بالجبال في هذا الموضوع قولان:

أحدهما: الجبال المعروفة قال الجمهور.

الثاني: أنها ضربت مثلاً لأمر النبي صلى الله عليه وسلم وثبوت دينه كثبوت الجبال الراسيات، والمعنى لو بلغ كيدهم إلى إزالة الجبل لما استطاعوا إزالة دين الإسلام.

ض - شاهد على احتضان النحل لتأخذ من كهوفه لأوبها وموضعاً لعسلها وكنا لتناسلها، قال تعالى: "وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ * ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاء لِلنَّاسِ" (النحل، آية: 68 ـ 69).

ر- شاهد على أنه كان كناً يحفظ من يأوي إليه من المطر والريح وغير ذلك، قال تعالى: " وَاللّهُ جَعَلَ لَكُم مِّمَّا خَلَقَ ظِلاَلاً وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا" (النحل، آية: 81).

أكناناً للخلق يأوون إليها ويحتصنون بها ويعتزلون عن الخلق فيها، وفي الصحيح أنه ـ عليه السلام- كان في أول مرة يتعبد بغار حراء ويمكث فيه الليالي، وفي صحيح البخاري: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم مهاجراً هارباً من قومه فاراً بدينه مع صاحبه أبي بكر حتى لحقا بغار في جبل ثور فكمنا فيه ثلاث ليال، قال تعالى: "إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ" (التوبة، آية: 40).

ز - تسبيح الجبال لخالقها الذي خلق فسوى والذي قدر فهدى، قال تعالى: "وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ" (الأنبياء، آية: 79).

وقوله تعالى: "إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ" (ص، آية: 18).

وقوله تعالى: "وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَا جِبَالُ أَوِّبِي" (سبأ، آية: 10).

وهذه الدرجة من الإشراف والصفاء والتجرد لا يبلغها أحد إلا بفضل من الله يزيح عنه حجاب كيانه المادي ويرده إلى كينونته اللدنية التي يلتقي بها بهذا فيرى ما لم يكن يرى، وسمع ما لا يسمع، ويحس ما لا يحس أو يشعر به.

فسمع تسبيح الجبال والطير وتجاوب السهول الوديان، والأمواج والبحار، والظل والشجر والنور والظلمة، والشمس والقمر، وكل حصاة وكل حجر وكل حبة وكل ورقة وكل زهرة وكل ثمر، وكل نبتة وكل غصن وكل حشرة وكل زاحفة وكل حيوان، وكل إنسان(223). وصدق الله العظيم في قوله: "تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَـكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ" (الإسراء، آية: 44).

ع - موقف الجبال من الأدعياء أدعياء الشرك وتعدد الألوهية عندما تجرأوا ووصفوا الله تعالى بما لا يصح أن يوصف به فقال تعالى: "وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا * لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا * تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا"مريم، آية: 88 ـ 91).

فكانت هذه الغضبة الكونية التي اشتركت فيها السماوات والأرض والجبال حتى تحولت إلى زلزال كبير مدمر بمجرد سماعهم لهذه الكلمة: "وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا"، وكأن الكون كله قد تحول إلى أفواه مزمجرة تقول لهؤلاء المشركين: " لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا".

لقد اهتز كل ساكن وأرتج كل مستقر وغضب كل ما هو داخل في هذا الكون غضباً شديداً لبارئه وخالقه، لأن هذه الكلمة صدمت كيانه وفطرته وخالفت ما وقر في ضميره وعقله، وما استقر في كيانه وحسه وهز القاعدة التي قام عليها الوجود واطمأن إليها، قال تعالى: "أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا * وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَدًا" (مريم، آية: 91 ـ 92).

وفي وسط هذه الثورة العارمة يدوي في جنبات الكون اللانهائي آيات بينات تنزيل من حكيم حميد(224).

قال تعالى: "إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا" (مريم، آية: 93 ـ 95).

ك - حالة الجبال يوم القيامة وكيف أن بعضها يسير إلى حيث يريد لها خالقها، قال تعالى: "وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا" (الكهف، آية: 47).

إنه مشهد تشترك فيه الطبيعة ويرتسم الهول فيه على صفحاتها وعلى صفحات القلوب، مشهد تتحرك فيه الجبال الراسخة فتسير، فكيف بالقلوب، وتتبدى فيه الأرض عارية، وتبرز فيه صفحاتها مكشوفة لا نجاد فيها ولا خافية(225).

قال تعالى: "يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنكُمْ خَافِيَةٌ" (الحاقة: آية: 18).

وبعض الجبال ينسف نسفاً فيتطاير شظايا وذرات، قال تعالى: "وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا * فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا * لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا" (طه، آية: 105 ـ 107)، الجبال الراسية قد نسفت نسفاً، وتحطمت بعد أن كانت حصوناً وتساوت بالأرض بعد أن كانت تطاول السماء وبعضها يبث كما يبث الدقيق فيكون ذرات صغيرة متطايرة، قال تعالى: "وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا * فَكَانَتْ هَبَاء مُّنبَثًّا" (الواقعة، آية: 5 ـ 6).

إنه الهول الكبير، الذي لا ينبقي ولا يذر، إنها الواقعة الكبرى التي تبدل الأرض غير الأرض، والسماوات وغير السماوات، والناس أين هم(226) ؟

قال تعالى: " يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ" (عبس، آية: 34 ـ 37).

14- الجبال أوتاداً للأرض:

قال تعالى: " أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا * وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا" (النبأ، آية: 6 ـ 7).

تشير الآية إلى أن الجبال أوتادا للأرض، والوتد يكون منه جزء ظاهر على سطح الأرض، ومعظمه غائر فيها، ووظيفته التثبيت لغيره بينما نرى علماء الجغرافيا والجيولوجيا يعرفون الجبل بأنه:

كتلة من الأرض تبرز فوق ما يحيط بها وهو أعلى من التل(227).

ويقول د. زغلول النجار: إن جميع التعريفات الحالية للجبال تنحصر في الشكل الخارجي لهذه التضاريس، دون أدى إشارة لامتداداتها تحت السطح والتي ثبت أخيراً أنها تزيد على الارتفاع الظاهر بعدة مرات(228)، ثم يقول: ولم تكتشف هذه الحقيقة إلا في النصف الأخير من القرن التاسع عشر عندما تقدم السير "جورج ايري" بنظرية مفادها أن القشرة الأرضية لا تمثل أساساً مناسباً للجبال التي تعلوها، واقترض أن القشرة الأرضية وما عليها من جبال لا تمثل إلا جزءاً طافياً على بحر من الصخور الكشفية المرنة، وبالتالي فلا بد أن يكون للجبال جذور ممتدة داخل تلك المنطقة العالية الكشافة لضمان ثباتها واستقرارها(229).

وهذه الحقيقة العلمية لم تعرف إلا منذ أمد قصير بعدما أمكن تصوير باطن الأرض بالوسائل الحديثة التي لم تكن معروفة قبل القرن العشرين، بل قبل النصف الأخير من هذا القرن..، إذ وجد أن الجبل ليس هو الجزء الظاهر منه فوق سطح الأرض فقط، بل أنه مغروس كالوتد في باطن الأرض، وأن الجزء المغروس منه مدبب كالوتد، ليثبت الجبل مكانه، وأنه لولا جذر الوتد المغروس في باطن الأرض ما ثبت الجبل مكانه، وهذه الحقيقة لم تكن معروفة للعرب ـ ولا لغيرهم ـ وقت نزول القرآن، حتى يقال إن محمداً صلى الله عليه وسلم اقتبسها من علوم عصره، إنما هي إحدى الإشارات القرآنية الكونية التي وعد الله البشر أنهم سيعلمونها في يوم من الأيام، ويعلمون أنها حق، ويتبينون أنها وحي من عند الله(230).

ولقد وصف القرآن الكريم الجبال شكلاً ووظيفة.

- فقال تعالى: " وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا" (النبأ، آية: 7).

- وقال تعالى: "وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ" (لقمان، آية: 10).

- وقال تعالى: "وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ" (الأنبياء، آية: 31).

والجبال أوتاداً بالنسبة لسطح الأرض، فكما يختفي معظم الوتد في الأرض للتثبيت، كذلك يختفي معظم الجبل في الأرض لتثبيت قشرة الأرض، وكما تثبت السفن بمراسيها التي تغوص في ماء سائل فكذلك تثبت قشرة الأرض بمراسيها الجبلية التي تمتد جذورها في طبقة لزجة نصف سائلة تطفو عليها القشرة الأرضية(231).

وفيما يختص بالجبال هناك حقيقة، وهي التي خلق الجبال من أجلها هي ترسية الأرض ومنعها أن تميد بالناس، فهي بجذور أوتادها المغروسة في باطن الأرض هي التي تحفظ توازن الأرض، وتجعلها مستقرة يسطيع البشر أن يعيشوا فوقها، وينشطوا نشاطهم ويبنوا ما يبنونه من منازل ومنشئات، ولولاها لظلت الأرض تميد بالناس، وترتج بهم ذات اليمين وذات اليسار، بما تحدث منه نماذج حقيقية في الزلازل بين الحين والحين، وبصدد تلك الرواسي أيضاً جاء في سورة الرعد: "وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ" (الرعد، أية: 3).

وهو الآية وحدها تحمل حشداً من المعلومات العلمية، متتابعة تتابعاً علمياً لم يكن يدركه الناس قبل إتساع معلوماتهم عن هذا الكون وما يجري فيه، فالرواسي ـ وهي الجبال ـ تحفظ توازن الأرض، وفي الوقت ذاته هي مصدات تصد الرياح المحملة ببخار الماء فنصعد إلى أعلى، فيبرد فيتكاثف، فينزل إلى الأرض في صورة أمطار، ومن الأمطار الغزيرة تتولد الأنهار ومن هنا نرى ذكر الأنهار بعد الرواسي ليس مجرد تعديد لآيات قدرة الله في الكون، وإنما هناك ترابط ((علمي)) بينهما، وهو ترابط السبب والنتيجة.

ومرة أخرى يأتي الترابط ((العلمي)) فيما بين الأنهار والثمرات، فالأنهار هي التي تسقي الزروع، فتنتج فيها الثمار، وثمة حقيقة علمية أخرى هي أن الثمرات أزواج وسنتحدث عن هذه الحقيقة في فقرة تالية، ولكن الذي يلفت النظر ((العلمي)) وهو ذكر غشيان الليل النهار بعد ذكر الثمرات، وهذه حقيقة علمية لم تكن معروفة إلا أخيراً أن الثمرة تنمو في الليل، وأن غشيان الليل النهار أمر ضروري لانضاج الثمرة، وأنه إذا لم يأخذ النبات حظه من الإظلام في الليل فإنه يضعف ويضوي(232).

15 - الحاجز بين البحرين:

- قال تعالى: " مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ * بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَّا يَبْغِيَانِ * فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ" (الرحمن، آية: 19 ـ 22).

- وقال تعالى: "وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ" (النمل، آية: 61).

في كل من الآيتين رقم (19 ـ 22) من الرحمن والآية رقم (6) من النمل تفسر لفظة (البحرين) التي جاءت مطلقة في الحالتين بالبحرين الملحين، وذلك للمبررات التالية:

أ- أن لفظة (البحر) في اللغة تطلق على كل من البحر المالح والبحر العذب "أي النهر"، ولكنها إذا أطلقت دون تقييد فإنها تدل على البحر المالح فقط، وإذا قيدت فإنها تدل ما قيدت به، وقد جاءت لفظة "البحرين في مطلقة في الحالتين المذكورتين".

ب- أورد القرآن الكريم لفظة "البحر" بالإطلاق (39) موضعاً، منها (33) بالإفراد و(3) بالتثنية و(3) أخرى بصيغة الجمع، ومن ذلك قوله تعالى: وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الأَنْهَارَ" (إبراهيم، آية: 32).

وفي المقابل نلاحظ أن القرآن الكريم أورد لفظة "البحر" بالتقييد المحدد مرتين فقط بصيغة التثنية:

- يقول فيها ربنا: " وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَّحْجُورًا" (الفرقان، آية: 53).

والآية الكريمة تشير إلى ثلاثة أنواع من المياه:

- مياه الأنهار وهي شديدة العذوبة.

- مياه البحار وهي شديدة الملوحة.

- مياه في منطقة المصب وهي مزيج من الملوحة والعذوبة، وهي منطقة فاصلة بين البحر والنهر.

لا تختلط الكتل المائية الثلاثة (ماء النهر وماء البحر وماء المصب) في الملوحة والعذوبة، وقد شاهد الباحثون الذين قاموا بتصنيف الكائنات الحية بأن معظم الكائنات التي تعيش في البحر أو النهر أو المصب لا تستطيع أن تعيش في غير بيئتها وتموت إذا خرجت منها.

ومنطقة المصب منطقة محجوزة على معظم الكائنات الحية التي تعيش في البحر أو النهر، لأن هذه الكائنات تموت إذا دخلتها بسبب اختلاف الضغط الأسموزي، وإذا كانت العين المجردة لا تستطيع أن ترى هذا الحاجز الذي يحفظ الله به منطقة المصب، فإن الأقمار الصناعية قد زودتنا بصورة باهرة تبين لنا حدود هذه الكتل المائية الثلاث، ولقد وصف القرآن الكريم منطقة اللقاء بين الكتل المائية الثلاثة بأدق وصف وأدل لفظ وأوجز عبارة تضمنت تحديد العلاقة بين الكتل المائية الثلاثة وكائناتها الحية التي تعيش فيها(233).

- وقال تعالى: "وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِن كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ" (فاطر، آية: 12).

جـ- في وصف لفظة "البحرين" المطلقة جاء في سورة الرحمن قول الحق تبارك وتعالى: " مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ * بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَّا يَبْغِيَانِ * فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ" (الرحمن، آية: 19 ـ 22).

وكل من اللؤلؤ والمرجان لا يحيا إلا في الماء المالح، وإن كانت بعض أصداف اللؤلؤ قد استزرعت صناعياً في الماء العذاب، وعلى ذلك فإن جمع اللؤلؤ والمرجان معاً في الآية رقم (22) من سورة الرحمن يؤكد على أن المقصود بالبحرين هنا هما البحر الملح، والبحر الملح، وهو أمر أكبر إعجازاً من التقاء النهر العذب بالبحر المالح، على أهمية ذلك العظمى، وضرورته القصوى لاستقامة الحياة على سطح الأرض، وعلى ما فيه من إعجاز في الخلق يعجز البيان عن تصويره.

س- الإشارة القرآنية الكريمة إلى تعظيم الفاصل بين البحرين العذب والملح بكل من البرزخ والحجر المحجور، وذلك لوجود الدلتا ومقدماتها وما حولها من حواجز ترسبية بالإضافة إلى الماء الوسطي بين العذب والملح "الماء المويلح إي قليل الملوحة" على حواف الماء العذب عند التقاء المائين ووجود الشحنات الكهربية المتشابهة والمتنافرة في أيونات الأملاح المذابة في الماء وفي المقابل فإن الإشارة القرآنية إلى الفاصل بين البحرين ـ بغير تخصيص ـ بتعبير البرزخ فقط أو الحاجز فقط، وهو الحاجز بين الماء الوسطي بين مائين مختلفين في صفاتهما الطبيعية والكيميائية، كالبحرين الملحين المختلفين أفقياً أو رأسياً وذلك لأن مثل هذا الحاجز يمنع تحرك الكائنات البحرية من كتلة مائية إلى كتلة مائية أخرى مجاورة إلا إذا تباينت الصفات بينهما تبايناً صارخاً، فهو لا يحجزالكائنات البحرية حجراً كاملاً، كما أنه يصعب إدراكه على غير المتخصصين حتى في زمن التقدم العلمي الذي نعيشه.

ر- ثبت أن التنوع بين كتل الماء المتجاورة أفقياً ورأسياً بين البحار المتجاورة، وفي داخل البحر الواحد من البحار العميقة والمحيطات ضرورة من ضروروات التنوع البيئي في البحار الذي لولاه لتقلصت الحياة البحرية تقلصاً شديداً(234).

* التحقيق العلمي:

لقد توصل علماء البحار بعد تقدم العلوم في هذا العصر، إلى اكتشاف في الحاجز بين البحرين، فوجدوا أن هناك برزخاً يفصل بين كل بحرين، ويتحرك بينهما ويسميه علماء البحار "الجبهة" تشبيهاً له بالجبهة التي تفصل بين جيشين، وبوجود هذا البرزخ يحافظ كل بحر على خصائص التي قدرها الله له ويكون مناسباً لما فيه من كائنات حية تعيش في تلك البيئة.

وقد تدرج العلم البشري لمعرفة حقائق اختلاف مياه البحار وما بينهما من حواجز، فقد استقرت الدراسات الواسعة لخصائص البحار ـ والتي أعلنت في عام 1361هـ/1942م عن اكتشاف حواجز مائية تفصل بين البحار الملتقية، وتحافظ على الخصائص المميزة لكل بحر من حيث الكثافة والملوحة، والأحياء المائية، والحرارة، وقابلية ذوبان الأكسجين في الماء، وبعد عام 1962م عُرف دور الحواجز البحرية في تهذيب خصائص الكتل العابرة من بحر إلى بحر لمنع طغيان أحد البحرين على الآخر فيحدث الاختلاط بين البحار الملحة، مع محافظة كل بحر على خصائصة وحدوده المحدودة بوجود تلك الحواجز(235).

وأخيراً تمكن الإنسان من تصوير هذه الحواجز المتحركة المتعرجة بين البحار الملحة عن طريق تقنية خاصة بالتصوير الحراري بواسطة الأقمار الصناعية، والتي تبين أن مياه البحار وإن بدت جسماً واحداً، إلا أن هناك فروقاً كبيرة بين الكتل المائية للبحار المختلفة، وتظهر بألوان مختلفة منعاً لاختلافها في درجة الحرارة.

وفي دراسة ميدانية للمقارنة بين مياه خليج عمان والخليج العربي بالأرقام والحسابات والتحليل الكيميائي، تبين اختلاف كل منهما عن الآخر من الناحية الكيميائية والنباتات السائدة في كل منهما، ووجود البرزخ الحاجز بينهما، وقد تطلب الوصول إلى حقيقة وجود الحواجز بين الكتل البحرية وعملها في حفظ خصائص كل بحر قرابة مائة عام من البحث والدراسة، اشترك فيها المئات من الباحثين واستخدم فيها الكثير من الأجهزة ووسائل البحث العلمي الدقيقة(236).

إن هذا العلم الذي نزل به القرآن يتضمن وصفاً لأدق الأسرار في زمن يستحيل على البشر فيه معرفتها ليدل على مصدره الإلهي، كما قال تعالى: " قُلْ أَنزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا" (الفرقان، آية: 6).

كما يدل على أن الذي أنزل عليه الكتاب رسول يوحي إليه وصدق الله القائل: "سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ" (فصلت، آية: 53).

16- ظلمات في بحر لجي:

قال تعالى: "أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ" (النور، آية: 40).

هذا المثل لأعمال الكفار في أنها عملت على خطأ وفساد وضلال وحيرة وعلى غير هدى، فهي في ذلك كمثل ظلمات في بحر عميق جداً كثير الماء، وفوق هذا الموج موج آخر، وفوقها سحاب متراكم، فاجتمعت عدة ظلمات، وهكذا عمل الكافر ظلمات في ظلمات(237).

فهذا المثل يصور الحالة النفسية والفكرية والقلبية للذين كفروا بعد أن تركوا نور الهداية الربانية، إنهم يطلبون سعادتهم في الظلمات، فقلوبهم مظلمة بالكفر، ونفوسهم تائهة في بحر ظلمات الأهواء والشهوات، وأفكارهم تسبح في ظلمات أسباب لذات الدنيا، وإرادتهم تحت كل هذه الظلمات، فمثلهم كمن في ظلمات قاع بحر عميق فوقه أمواج في العمق الظلمة، فوقها أمواج في السطح تضاعف الظلمة، فوقها سحاب يزيد الظلام ظلاماً، ظلمات بعضها فوق بعض(238).

إن مثل الظلمات في سورة النور دل على حقائق علمية تتصل بالعلوم الدنيوية المادية التطبيقية أو النظرية، فقد أثبت القرآن الكريم وجود ظلمات في البحر العميق، وقيد وصف البحر بلفظ "لُجِّي" ليعلم قاريء القرآن الكريم أن هذه الظلمات لا تكون إلا في بحر لجي أي عميق " أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ"، ويخرج بهذا القيد البحر السطحي الذي لا توجد فيه هذه الظلمات، وهذه الظلمات تتكون بسبب العمق في البحر اللجي، وهي ظلمات الأعماق.

فالبحر اللجي يكون قعره مظلماً جداً بسبب عمورة الماء، وذكر القرآن الكريم: أن للبحر العميق موج يغشاه من أعلاه قال تعالى: " أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ".

وذكرت الآية وجود موج آخر فوق الموج الأول، قال تعالى: " يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ"، وهذه صفة للبحر وهي: وجود موجين في وقت واحد أحدهما فوق الآخر، وليس أمواجاً متتابعة على مكان واحد بل هي موجودة في وقت واحد، والموج الثاني فوق الموج الأول، وتشير الآية إلى أن فوقية الموج الثاني على الموج الأول كفوقية السحاب على الموج الثاني، قال تعالى: " يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ" (النور، آية: 40).

واشتملت الآية على ذكر ظلمات الأعماق السبعة في أولها وهي سبع ظلمات بعضها فوق بعض تنشأ من التلاشي التدريجي لألوان الطيف السبعة، وظلمات الحوائل الثلاثة: السحب، الموج السطحي، والموج الداخلي " أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ".

وذكرت الآية أن هذه الظلمات التي سبق ذكرها بسبب الأعماق أو الحوائل بعضها فوق بعض، واستعمل القرآن لفظ ظلمات الذي تستعمله العرب للدلالة على جمع القلة، من الثلاثة إلى العشرة، فقبلها تقول ظلمة وظلمات، وبعدها تقول إحدى عشرة ظلمة، ومن ثلاث إلى عشر تقول ظلمات كما هي في الآية، وهذا ما كشفه العلم كما بين العلماء: سبع ظلمات للألوان متعلقة بالأعماق وثلاث ظلمات متعلقة بالحوائل "الموج الداخلي، والموج السطحي والسحاب.

وبينت الآية التدرج في اشتداد الظلام في البحار العميقة باستعمال فعل من أفعال المقاربة وهو (كاد) وجعلته منفياً. قال تعالى: "ِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا".

فدل هذا الاستعمال الدقيق على معنيين:

الأول: أن الذي يخرج يده في هذه الأعماق ليراها لا يراها البتة، لأن فعل المقاربة كاد جاء منفياً، فإذا نفيت مقاربة الرؤية دلت على تمام نفي الرؤية، وهذا ما ذهب إليه بعض المفسرين، أمثال الزجاج وأبو عبيد والفراء والنيسابوري. والآية استعملت تعبيراً يدل على المعنيين معاً فتكون الرؤية بصعوبة في الأعماق البعيدة، على عمق (1000) متر تقريباً فتأمل كيف جاء التعبير القرآني الموجز دالاً على المعاني الصحيحة المتعددة(239).

وحين عُرضت هذه الحقائق على البروفسور "راو"، وسئل عن تفسيره لظاهرة الإعجاز العلمي في القرآن والسنة وكيف أخبر محمد صلى الله عليه وسلم بهذه الحقائق منذ أكثر من ألف وأربعمائة عام أجاب: من الصعب أن نفترض أن هذا النوع من المعرفة العلمية كان موجوداً في ذلك الوقت منذ ألف وأربعمائة عام، ولكن بعض الأشياء تتناول فكرة عامة، ولكن وصف هذه الأشياء بتفصيل كبير أمر صعب جداً، ولذلك فمن المؤكد أن هذا ليس علماً بشرياً بسيطاً لا يستطع الإنسان العادي أن يشرح هذه الظواهر بذلك القدر من التفصيل، ولذلك فكرت في قوة خارقة للطبيعة خارج الإنسان، لقد جاءت المعلومات منن مصدر خارق للطبيعة(240).

إنه لدليل قاطع على أن هذا العلم الذي حملته هذه الآية قد أنزله الله الذي يعلم السر في السماوات والأرض، كما قال تعالى: " قُلْ أَنزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا" (الفرقان، آية: 6).

كما قال تعالى: (لَّـكِنِ اللّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلآئِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللّهِ شَهِيدًا" (النساء، آية: 166).

17- البحر المسجور:

قال تعالى: " وَالطُّورِ * وَكِتَابٍ مَّسْطُورٍ * فِي رَقٍّ مَّنشُورٍ * وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ * وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ * وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ" (الطور، آية: 1 ـ 6).

لقد ثبت علماء وجود براكين نارية تخرج من قاع البحر، ولم يعرف ذلك إلى في النصف الثاني من القرن العشرين، وقد أمكن تصوير هذه البراكين وقياس حرارة الماء الموضوعة حول النار الخارجة من قاع البحار. وكلمة " الْمَسْجُورِ" أي: المسخن تدل على وجود نار تحت البحر فتسخنه وهي نار البراكين المكتشفة حديثاً، وقد تكلم عنها القرآن قبل 1400 سنة(241).

وقال تعالى: " وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ" (التكوير، آية: 6).

وجاءت العلوم والمعارف الحديثة واكتشفت أن الماء يتكون من عنصرين هما: الهيدروجين، والأوكسجين، وأن الجزيء المائي الواحد يشتمل على ذرتين من عنصر الهيدروجين، وذروة واحدة من الأوكسجين، وأن الهيدروجين غاز قابل للاحتراق ويشتعل، وأن الأوكسجين غير قابل للاحتراق ولا يشتعل، ولكنه يساعد على الاشتعال، ومعنى هذا أن جزيء الماء الواحد لو تحلل لأمكن أن يشتعل، ولأعطانا أشد أنواع الاشتعال والاحتراق، بسبب تكونه من هذين الغازين المشتعل والمساعد على الاشتعال، كما هو معروف ومسلم في العلوم(242).

وهنا نشير إلى ما ورد على لسان البرفسور "شرويدر" وهو أكبر أساتذة علم البحار الألمان.. قال في ندوة معه في جامعة الملك عبد العزيز بالسعودية بعد أن عرضت عليه هذه الحقائق عن علم البحار.. وبعد أن تسمع معنى الآيات القرآنية ووجهت إليه عدة أسئلة قال بالحرف الواحد: إن ما سمعناه في هذه المحاضرة، وما وجه إلى من أسئلة ليثبت أن كل ما تكتشفه نحن العلماء كان مذكوراً من قبل الله الخالق المجيد مما يعني أن هناك علماً واحداً وحقيقة واحدة وإلها واحداً، وإنني أطالب بنشر هذا العلم في مثل هذه المجامع العلمية.. ومن خلال العالم كله(243).

رابعاً: من آيات النبات في القرآن الكريم:

عالم  النبات مستقل عنا لا نكاد نعرف شيئاً عن جوهره ولا عن سره فالنبات كائن حي يسبح لله عز وجل، قال تعالى: " تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَـكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا" (الإسراء، آية: 44)، يوضح لنا أن الأشياء تسبح جميعاً لله عز وجل، ولكننا عاجزون عن فهم تسبيحها، فهذا العجز منا، كما دلت الآية يؤدي بنا إلى التسليم بقصور أدواتنا ووسائلنا المعرفية وقصور عقلنا وعجزه عن استيعاب ما يجري في أرجاء الكون الفسيح والله يقول: " وَلِلّهِ يَسْجُدُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلالُهُم بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ" (الرعد، آية: 15).

فأبان سبحانه أن كل من على الأرض من الكائنات العالقة بما فيها الإنسان والجن والملائكة موكولون في الأرض يسجدون شاؤووا أم أبوا وخاضعون ومستسلمون لمشيئته وإرادته الكونية سبحانه وتعالى.

وإذا كان هذا في الكائنات العاقلة المكلفة واضحاً إلا أنه يمكن أن يكون أشد غموضاً في حال الكائنات الحية غير العاقلة أو الجماد، فإن قوله تعالى: " وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ" (الرحمن، آية: 6)، يدل على سجود النبات والجماد، إذا وضعنا في اعتبارنا دلالة كلمة النجم على النجم الذي في السماء لا أنه نبات الأرض(244).

وقد توصل العلماء إلى حقائق علمية في النبات وزراعته يؤيدها الكتاب والسنة تأييداً واضحاً، ومن هذه الأمور:

1- الزوجية في عالم النبات:

يبين الله سبحانه في كتابه الكريم أنه خلق من الأرض زوجين اثنين ثم يذكر خلقه للأزواج كلها، وهو يقول سبحانه، قال تعالى: " وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ" (الحج، آية: 5).

فهذا في حق الأرض وكذلك قال سبحانه في هذا الموضوع، وقال تعالى: " أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ" (الشعراء، آية: 7).

وقال أيضاً في نفس الموضوع " وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ" (ق، آية: 7).

ثم قال أيضاً: " سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ" (يس، آية: 36).

- وقال تعالى: "وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاء مَاء بِقَدَرٍ فَأَنشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَّيْتًا كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ * وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ" (الزخرف، آية: 11 ـ 12).

وقال أيضاً: "وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ" (الرعد، آية: 3)

- وقال تعالى: " وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ" (الذاريات، آية: 49).

فإن ذكر الزوجية جاء مطلقاً بكلمة "زوجين"، ثم أكد بوصف "اثنين"، ثم في موضع ثالث ذكرت "الأزواج" وخلقه سبحانه لها، مما يجعل الزوجية عامة في كل شيء، وكذلك معنى "الأزواج" و"زوجين" يصل بنا إلى فهم أعمق من مجرد الذكورة والأنوثة، فكل شيء على الأرض فيه "زوجان" مما يشعر بمعنى الأزدواج فضلاً عن معنى الذكورة والأنوثة، فمثلاً الطعم الحلو والحامض، وغير ذلك مع الألوان المختلفة فيها هذا الأزدواج، فهو داخل ضمن معنى الأزواج، والذكورة والأنوثة داخلة ضمن معنى "زوجين اثنين"، فالآيات تدل على الزوجية والأزدواج، وهو ما يشير إلى معان عامة، منها تصنيفات النبات في فصائل أو أزواج، وتصنيفات أخرى متوفرة في خلق الله جميعه، فاتجاه الساق واتجاه السنبلات واتجاه ما في الثمر والزهر، كله فيه معنى الشرق والغرب أو اليمين واليسار والشمال والجنوب(245).

وفي قوله تعالى: " وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ" (الذاريات، آية: 49).

تأكيد على قاعدة الزوجية المطلقة في خلق كل شيء من الأحياء والجمادات، بمعنى أن الله تعالى، خلق كل شيء في زوجية حقيقية، وأن هذه الزوجية ظاهرة عامة في كل المخلوقات، وعلى جميع المستويات، من اللبنات الأولية للمادة إلى الإنسان وإلى مختلف وأحداث الكون، وأنها سمة من سمات التناسق والتناغم والتوافق في الخلق، وشهادة ناطقة بالوحدانية المطلقة للخالق سبحانه تلك الوحدانية المطلقة التي تؤكد أن الخالق سبحانه وتعالى فوق جميع خلقه، وهو الذي وصف ذاته العلية بقوله تعالى: " فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ" (الشورى، آية: 11.

كما وصف هذه الذات العلية بأمره الواضح الصريح إلى خاتم أنبيائه ورسله صلى الله عليه وسلم، ومن ثم إلى كل مؤمن بالله أن يردد في كل وقت وفي كل حين: "قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ" (الإخلاص، آية: 1 ـ 4)(246).

2- فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت:

- قال تعالى: " وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاء اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ" (الحج، آية: 5).

- وقال تعالى: " وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاء اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ" (فصلت، آية: 39).

بين الله تعالى في هاتين الآيتين أثر الماء، وأهميته، لحياة الأرض وإنباتها من كل زوج بهيج، فالماء مذيب عام للمعادن التي تحتويها التربة، ووسط تدخل من خلاله المواد المذابة إلى النبات وتتحرك خلال أنسجته وتتكون الأرض من ثلاثة مكونات هي:

- مادة التربة الصلبة المكونة من المواد المعدنية والعضوية.

- محلول التربة المكون من مواد التربة الذائبة في الماء.

- الهواء المتخلل لحبيبات التربة ومساماتها.

وتشتمل المادة الصلبة للتربة على حبيبات ذات أحجام متباينة تتدرج من حبيبات خشنة ذات قطر (2) مم إلى حبيبات ناعمة جداً يصل قطرها إلى أقل من ميكرون(247).

وهذه الحبيبات تتكون من صفائح معدنية متراصة بعضها فوق بعض ملتصقة في حالة سكونها وهي ما عبر عنه القرآن الكريم بقوله سبحانه: " وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً"، وفي قوله " خَاشِعَةً" وتحمل الحبيبة على سطحها شحنات كهربائية سالبة.

أ- الاهتزاز:

إذا نزل ماء المطر على التربة يحدث فيها الاهتزاز الدقيق الذي أشار إليه القرآن بقوله: " فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاء اهْتَزَّتْ" وذلك بسبب ما يأتي:

- تساقط قطرات المطر على حبيبات التربة فتنشأ فيها حركة آلية (ميكانيكية).

- حركة جزيئيات الماء (الحركة البراونية) إذ أن حبيبات التربة الموجودة في الوسط المائي تهتز بسبب حركة جزيئيات الماء، وهذا الاهتزاز عملية خفية لا يمكن مشاهدتها بالعين المجردة.

- طرد الماء للهواء الموجود في الفراغات بين تلك الحبيبات، فيحدث اهتزازاً في حبيبات التربة، وكلما كانت الحبيبات دقيقة كانت الفراغات بينها أدق تعجز العين المجردة عن إدراكها وإدراك حركة الماء خلالها وما يحدثه الماء من اهتزاز لتلك الحبيبات.

- ظهور الشحنة الكهربائية على سطوح الحبيبات بسبب نزول المطر والذي بسبب عدم استقرارها وحدوث حركات اهتزازية لا يمكن سكونها إلا بعد تعادل هذه الشحنات.

ب- الربو:

فعندما تهتز الصفائح الصغيرة الرقيقة المكونة لحبيبات التربة فإنها تتيح الفرصة لدخول الماء وأيونات(248)  العناصر الذائبة فيه إلى الشقوق السطحية بين الصفائح الرقيقة فتتباعد الصفائح وتربو الحبيبات وتنفخ بسبب خزن الماء بين صفائح الحبيبات، كما تحاط الحبيبة بأغلفة مائية ممسوكة بقوى الجذب (الكهروستاتيكي)(249)، وهكذا تمتليء الفراغات بين الحبيبات، وبهذا تصنع حبيبات التربة خزانات مائية صغيرة تكون سبباً في انتفاخ التربة وزيادة حجمها وإمداد جذور النبات بالماء بعد انقطاع المطر.

جـ- إنبات النبات:

وبنزول ماء المطر وخزنه بين صفائح حبيبات التربة وعلى سطح الحبيبات نفسها يستفيد النبات من ذلك الماء خلال الفترة التي تلي نزول المطر فتبدأ البذور الجافة الموجودة في التربة بامتصاص الماء، والمواد المعدنية من الوسط المحيط بها وتتحرك العمليات الكيميائية الحيوية في البذور فتنبت وتنمو الدرنات والأبصال وتصبح مساحة سطحيه كبيرة من الشعيرات الجذرية.. للنباتات معرضة لمحلول التربة مما يسهل عليها عملية امتصاص الماء والعناصر الغذائية.

كما تنشط ملايين الكائنات الحية الموجودة في التربة، فالفطريات والبكتريا تحول بقايا النباتات والحيوانات إلى مواد معدنية تمتصها النباتات عبر الجذور، وتقوم ديدان الأرض بحفر الأنفاق عبر التربة مفسحة المجال لدخول الهواء والماء خلال التربة فتصبح مخضرة بإنباتها من كل زوج بهيج.

وقد وصف القرآن الكريم هذه الحركة الدقيقة لحبيبات التربة والتي لم تشاهد إلا بالمجهر، كما وصف ما يحدث من نمو (ربو) لحبيبات التربة الصغيرة بسبب دخول الماء بين الصفائح المكونة لها، ودخوله بين الحبيبات وما ينتج عن ذلك من خزن طويل للماء فيكون سبباً لاستمرار إنبات النبات ونموه في وقت انقطاع المطر(250).

قال تعالى: " وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاء اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ" (الحج، آية: 5).

ومعنى الآية: " وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً": أي خاشعة مغبَّرة لا نبات فيها ولا خضرة، " فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاء اهْتَزَّتْ" أي: تحركت بالنبات و"وَرَبَتْ" أي: ارتفعت بعد خشوعها وذلك لزيادة نباتها، و"وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ " أي: صنف من أصناف النبات "بَهِيجٍ"، أي: يبهج الناظرين ويسر المتأملين(251).

* وجه الإعجاز في الآية:

ذكر القرآن اهتزاز التربة وربوها بعد نزول الماء عليها، وهما عمليتان دقيقتان غير مشاهدتين ولا محسوستين ولا يمكن إدراكهما إلا من خلال استخدام المجهر: وعملية الاهتزاز والربو لحبيبات التربة يحصل بنزول المطر، وهذا الاهتزاز يمكن الماء بإذن الله من التخلل بين الصفائح المكونة للتربة والفراغات بين الحبيبات فتنتفخ الحبيبات ويزداد حجمها وتصبح مخازن للماء يستفيد منها النبات، حيث تتشرب البذور الموجودة في التربة الماء وتنبت، وتمتصه الشعيرات الجذرية للنبات فتنمو برحمة الله، وتفاصيل العلاقة بين اهتزاز حبيبات التربة وربوها وإنبات الأرض خفية لم يدركها الإنسان إلا بعد تقدم علم التربة وتطور أدواته المعملية(252).

وإخبار القرآن الكريم بكل وضوح عن هذه الأسرار دليل على أنه منزل ممن يعلم السر في السماوات والأرض القائل: " قُلْ أَنزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا" (الفرقان، آية: 6)، والذي وعدنا في كتابه أنه سيرينا آياته بقوله سبحانه: " وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا" (النمل، آية: 93)(253).

3- الحب والنوى:

قال تعالى: " إِنَّ اللّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ" (الأنعام، آية: 95).

يخبر تعالى عن كماله وعظمة سلطانه وقوة اقتداره وسعة رحمته وعموم كرمه وشدة عنايته بخلقه في هذا النص الكريم إشارة إلى أن للبذور النباتية اسمين متمايزين: متمايز "الْحَبِّ وَالنَّوَى "، والأول: يشمل البذور الهشة أي القابلة للطحن وهي المستخدمة كمحاصيل غذائية أساسية للإنسان ومنها ذوات الفلقة الواحدة مثل: القمح والشعير والذرة والشوفان، وذات الفلقتين مثل: الفول، الحمص، البازلاء، العدس، الترمس، وغيرها، أما البذور التي  لها قدر من الصلابة فيطلق عليها اسم "النوى"، مثل نوى البلح، نوى المشمش، نوى الخوخ، نوى البرقوق وأشباهها.

ويغلف البذور: (بما فيها من جنين ومواد غذائية مكتنزة) عدد من الأغلفة اللازمة لحمايتها من المؤثرات الخارجية، ومن هذه الأغلفة ما يتميز بالرقة مع أحكامه كما هو الحال في أغلب البذور، ومنها ما يتميز بالصلابة الشديدة، كما هو الحال في النوى، وهناك شروط داخلية وخارجية لإنبات البذور منها وفرة الماء (بقوة الإنبات)، وبدء نمو الجنين، والزيادة التدريجية في حجمه، وهي عملية معقدة للغاية، لا يقوى عليها أحد من الخلق، ولا يمكن لها أن تتم بغير توجيه وهداية ربانية، وهي حقائق لم تدرك إلا في القرنين الماضيين، ولذلك ينسبها ربنا ـ تبارك وتعالى ـ لذاته العلية(254).

4- احتفاء القرآن بجمال الزرع:

قال تعالى: "وَفِي الأَرْضِ قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِّنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاء وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ" (الرعد، آية: 4).

وهذه المشاهد الأرضية فينا الكثيرون يمرون عليها فلا تثير فيهة رغبة التطلع إليها، إلا أن ترجع النفس إلى حيوية الفطرة والإتصال بالكون الذي هي قطعة منه انفصلت عنه لتتأمله ثم تندمج فيه " وَفِي الأَرْضِ قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَاتٌ" متعددة الشيات، وإلا ما تبين أنها "قِطَعٌ"، فلو كانت متماثلة لكانت قطعة، منها الطيب الخصب ومنها السبخ النكد، ومنها المقفر الجدب، ومنها الصخر الصلد، وكل واحد من هذه وتلك ألوان وأنواع ودرجات ومنها العامر والغامر، ومنها المزروع الحي والمهمل الميت، ومنها الريان والعطشان، ومنها ومنها، وهي كلها في الأرض متجاورات، هذه اللمسة العريضة الأولى في التخطيط التفصيلي، ثم تتبعها تفصيلات: و"وَجَنَّاتٌ مِّنْ أَعْنَابٍ" و"وَزَرْعٌ" و"وَنَخِيلٌ" تمثل ثلاثة أنواع من النبات، الكرم المتسلق، والنخل السامق، والزرع من بقول وأزهار وما أشبه مما يحقق تلوين المنظر، وملء فراغ اللوحة الطبيعية، والتمثيل لمختلف أشكال النبات ذلك النخيل، "صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ"، منه ما هو عود واحد ومنها ما هو عودات أو أكثر في أصل واحد، وكله "يُسْقَى بِمَاء وَاحِدٍ" والتربة واحدة، ولكن الثمار مختلفات الطعوم، و"َنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الأُكُلِ" فمن غير الخالق المدبر يفعل هذا وذاك؟

من منا لا يذق الطعوم مختلفات في نبت البقعة الواحدة، فكم منا التفت هذه اللفتة التي وجه القرآن إليها العقول والقلوب؟ إنه بمثل هذا يبقى القرآن جديداً أبداً، لأنه يجدد أحاسيس البشر بالمناظر والمشاهد في الكون والنفس، وهي لا تنفد ولا يستقصيها إنسان في عمره المحدود، ولا تستقصيها البشرية في أجلها الموعود "إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ".

ومرة ثالثة نقف أمام التقابلات الفنية في اللوحة بين القطع المتجاورات المختلفات، والنخل صنوان وغير صنوان والطعوم مختلفات والزرع والنخيل والأعناب، تلك الجولة الهائلة فيى آفاق الكون الفسيحة، يعود منها السباق ليعجب من قوم هذه الآيات كلها في الآفاق لا توقظ قلوبهم ولا تنبه عقولهم، ولا يلوح لهم ورائها تدبير المدبر وقدرة الخالق، كأن عقولهم مغلولة وكأن قلوبهم مقيدة، فلا تنطلق للتأمل في تلك الآيات(255)، وقد ذكر الدكتور زغلول النجار عدد من الحقائق العلمية في هذه الآية الكريمة:

- تكون الغلاف الصخري للأرض من عدد الصخور والتربة المتجاورة.

- تباين صور الحياة النباتية بتباين التربة ومختلف الظروف البيئية المحيطة بها.

- تباين الشيفرات الوراثية من نبات إلى آخر مما يجعل لكل نبات قدراته الخاصة على استخلاص عناصر محددة من الأرض لتعطي ثمارها ما يفضل بعضها على بعض في الأكل.

- لكل من ثمار الأعناب والنخيل من المميزات ما لا يتوافر لغيرها من ثمار النباتات الأخرى وكذلك لأشجارها من الخصائص ما يميزهال عن غيرها من الزروع(256).

إن الزرع من الجمال بمكان، بحيث ضربه القرآن الكريم مثلاً لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم ولأصحابه رضي الله عنهم، حمل هذا المثل دلالات كثيرة لا شك أن الجمال أهمها(257):

- قال تعالى: "مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا" (الفتح، آية: 29).

- " كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ"، أي: أخرج فراخه، بمعنى: أخرج صغاره.

- "فَآزَرَهُ"، أي: شدّه(258).

- "فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ"، أي: فاستقام على أعواده والسوق جمع ساق(259).

-  "فَاسْتَغْلَظَ"، أي: شبَّ وطال(260). قال الشوكاني: صار ذلك الزَّرع غليظاً بعد أن كان دقيقاً(261). فهذا الزرع من الجمال بمكان بحيث صار محل إعجاب الناس جميعاً وعلى رأسهم "الزُّرَّاعَ"، قال تعالى: "يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ" أي: يعجب هذا الزرع زارعه لقوته وحسن منظره(262).

وخص الله "الزُّرَّاعَ" بالذكر، لأن الزّرع إذا أعجب (الزرّاع) وهم يعرفون عيوب الزّرع، فهو أحرى أن يُعجب غيرهم(263).

وهذا النص القرآني يشير إلى حقيقة علمية وهي تكاثر النباتات بالأشطاء، وهي عبارة عن سيقان إضافية تنمو من براعم قاعدية عند المنطقة بين الحذر والساق، كما هو الحال في نباتات القمح والشعير والشوفان والأرز وغيرها حيث تنمو الساق الأساسية أولاً من داخل البذرة النابتة ثم ينمو العديد من هذه السيقان الإضافية التي تندفع من قاعدة الساق والتي قد يزيد عددها على الثلاثين من النبتة الواحدة، والتي سرعان ما تنمو حتى تصل إلى طول الساق الأصلية تقريباً وتعطي سنابل مثلها، وهذه الأشطاء تخرج متلاحقة الواحد تلو الآخر، ومن هنا كان التعبير بالإفراد في هذا النص القرآني المعجز "أَخْرَجَ شَطْأَهُ"، وكان وصف التتابع بحرف العطف "ف" الذي يدل على الترتيب مع التعقيب، فقال تعالى: "كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ"، وبهذا النمط من التكاثر، فإن الساق الأصلية للنبات تحاط بعدد من السيقان الثانوية التي تنمو حولها على هيئة حزمة من الأعواد القائمة التي تزيد من سمك النبتة الأساسية وتغلظ من قطرها وتمكنها من الانتصاب قائمة فوق مجموعها الجذري فتزيد من قدرتها على مقاومة هبوب الريح وتبعد كل من الأعشاب الضارة والآفات وتضاعف من غلتها، وهذه الآية جاءت في مقام التشبه لصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم في التفافهم حوله، وحبهم له وتلقيهم عنه وافتدائهم له بالنفس والنفيس فشبهم الله بالأشطاء حول النبتة الأساسية، ويأتي التشبيه في غاية الدقة والتعبير اللغوي والعلمي والنفسي ليشهد للقرآن الكريم بأنه كلام الله الخالق، ويشهد للنبي الخاتم الذي تلقاه بالنبوة والرسالة(264).

وعند حديث القرآن الكريم عن جمال جنتي أحد الرّجلين اللَّذين جاء ذكرهما في سورة الكهف، كان الاهتمام بعنصر الجمال واضحاً، وذلك من خلال ذكر الترتيب والتناسق اللذين كانت عليه الجنتان.

حيث كان الزرع واحداً من أهم ما تجملت وتزينت به هاتان الجنتان، ويبرز الزرع في مكانه المناسب، كعنصر مهم في هذه اللوحة الجميلة التي قصد القرآن الكريم إبراز جمالها، قال الله تعالى: " وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلًا رَّجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا" (الكهف، آية: 32).

انه المنظر الرهيب والحيوية الدافقة(265)، ترسمه الآية لهاتين الجنتين، "وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا"، جعلناها أرضاً جامعة للأقوات والفواكه ووصف الجنتان بأنهما متواصلة، متشابكة لم يتوسط ما يقطعها، أو ما يفصل بينها إلا النهر الذي يضيف إليهما ما يزيد حسناً إلى شكلهما الحسن، وأناقته إلى ترتيبهما الأنيق(266).

5- ألوان ذات بهجة:

يكمن جمال الزرع في ألوانه الرائعة وأشكاله المتعددة وكثافته الناضرة وإنحناءاته الرائعة وقوامه البديع، ويكمن جماله أيضاً في حركته متأثراً بنسمات الهواء وهبات الرياح..الخ، وقد أبدع القرآن الكريم حديثه عن الزرع وعن ألوانه المختلفة من أصفر وأخضر وأبيض وأحمر(267)، ومن الجمال الذي يتمتع به الزرع تدرج ألوانه في مراحل نموه المختلفة التي يمر بها الزَّرع: فيبدو وهو نبتة مخضراً مشبعاً باللون الأحمر، ثم يخف ذلك الاحمرار بالتدرج إلى أن ينتهي، وتكمل النبتة إخضرارها، ثم تتدرج الخضرة بالتزايد إلى أن تقترب نحو السواد، ثم تخف الخضرة مرة أخرى متجهة إلى الاصفرار بالتدرج إلى أن يصفر الزرع ويكون في آخر مراحله وهكذا(268)، قال تعالى: "أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُوْلِي الْأَلْبَابِ" (الزمر، آية: 21).

وصيغة المضارع " يُخْرِجُ": لاستحضار الصورة(269)، حتى لكأن السامع يشاهد ذلك الاخراج أمامه بكل ما له من جمال، كما يقيد تجدد المشهد واستمراره(270).

ومن أجمل مراحل نمو الزرع، عندما يكتمل نموه ويقرب زمان حصاده، فيشبه لونه الحلل على اختلاف الصور والطعوم والأراييج، والزرع تختلف ألوانه في البقعة الواحدة، بل في معرض لإبداع القدرة يُشعر الإنسان بالعجز المطلق عن الإتيان بشيء منه أصلاً(271).

وقد أكثر القرآن الكريم من ذكر الحدائق والجنات ذات البهجة، والتقط لها لقطات جميلة، وأبرز جمالها من جوانب مختلفة، وأعطى لها مساحة كبيرة في آياته مما يدل على اهتمام القرآن الكريم بالجمال بشكل عام، وبجمال الحدائق والجنات  بصفة خاصة، قال تعالى: "أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ السَّمَاء مَاء فَأَنبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ" (النمل، آية: 60).

وفي قوله تعالى: "أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُوْلِي الْأَلْبَابِ" (الزمر، آية: 21)، من الحقائق العلمية ما يمكن إيجازه فيما يلي:

- إشارة إلى أن الماء المخزون تحت سطح الأرض كله من ماء المطر.

- إخراج الزروع مختلفة الألوان من الأرض الواحدة بمجرد نزول المطر عليها.

- سادة الأصباع الخضراء في بدء حياة النبتة ثم الصفراء الشبيهة بأصباغ الجزر عند تمام نضجها، ثم عند جفاف النبتة وفقد مائها تبدأ في التحلل وتبدأ عوامل التعرية في تفتيتها(272).

6 - لون الزرع وجمال تنوعه والحب المتراكب:

من المعلوم أن اللون السائد في الزرع هو اللون الأخضر، وقد تكلم القرآن الكريم عن هذا اللون وأعطاه إهتماماً كبيراً، بل جعله أهم الألوان في الجنة التي وعدها الله عباده المتقين، حيث إن اللون الأخضر لون متفائل مريح لا يصيب مشاهده بالكآبة والضيق، وإنما يضفي عليه راحة وجمال، ولذلك اختير لوناً للجنة ولأزيائها(273).

واللون الأخضر سيد ألوان الجنة، فهو كذلك أساس الحياة، فلا حياة على هذه الأرض بدون اللون الأخضر، بل يعد من أهم أدوات الطب النفسي(274)، حيث أنه أكثر الألوان راحة للنفس وللعين ووجوده في مكان ما دليل على وجود الحياة  معه(275).

واللون الأخضر هو أحب الألوان إلى البشر لما فيه من جمال وحيوية وإنسجام مع الطبيعة والفطرة ولما يعنيه من الأمان والسلام(276)، ولذلك جاء اللون الأخضر مرتبطاً بالزرع في عدة مواضع في القرآن الكريم(277).

قال تعالى: "وَهُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُّخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُّتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِن طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِّنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انظُرُواْ إِلِى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ" (الأنعام، آية: 99).

وتفسير الآية:

- " وَهُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء": أي: المطر.

- "فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ": أي: فأخرجنا بالمطر كل صنف من النبات.

- "فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ": أي: من الماء وقيل من النبات.

- "خَضِرًا": أي: شيئاً غضاً أخضر(278).

- "نُّخْرِجُ مِنْهُ": أي: من الخضر(279).

- "حَبًّا مُّتَرَاكِبًا": أي: بعضه على بعض.

- "وَمِنَ النَّخْلِ مِن طَلْعِهَا": الطلع: غلاف يشبه الكوز، ينفتح عن حب منضود فيه مادة إخصاب النخلة.

- "قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ": جمع قنوان وهو العذق الذي هو عنقود النخل.

- "وَجَنَّاتٍ مِّنْ أَعْنَابٍ": أي: وأخرجنا جنات من أعناب.

- "وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ": مشتبهاً ورقها مختلفاً ثمرها(280)  وقيل متشابه في المنظر مختلف في المطعم(281).

- "انظُرُواْ إِلِى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ":أي: انظروا بأعينكم نظر اعتبار لا نظر الإبصار المجرد عن التفكير ونبه على حالين الابتداء وهو وقت ابتداء الإثمار والإنتهاء وهو وقت نضجه أي كيف يخرجه ضئيلاً لا يكاد ينتفع به، وكيف يعود نضيجاً مشتملاً على منافع(282). والثمر في اللغة: جنى الشجر.

-  "وَيَنْعِهِ": نضجه، يقال: ينع وأينع إذا نضج(283).

إذن فهذه المصانع الخضراء تخرج من النبات عند بدء نموه والنبات يخرجه الماء في بذوره وأصوله، فالله سبحانه وتعالى أنزل من السماء ماء، فأخرج به نبات كل شيء، وأخرج من النبات هذه المصانع الخضراء التي منها تخرج المواد الغذائية التي تتكون منها الحبوب والثمار بل وسائر أجزاء النبات، ولكن هذه الحقيقة جهلتها البشرية، ولم تعرفها إلا بعد بحث استغرق ثلاثمائة عام من عام (1600م) حيث أجرى علماء فسيولوجيا النبات (علم وظائف الأعضاء) أبحاثاً وتجارب كثيرة لمعرفة عملية البناء الضوئي(284).

إن العلماء الباحثين في مجال فسيولوجيا النبات اكتشفوا أن المادة الخضراء هي التي تقوم بامتصاص الطاقة الضوئية، وتحويلها إلى طاقة كيميائية ينتج عنها تكوين الثمار المختلفة.

وكان هذا الاكتشاف بعد دراسات متواصلة وتجارب متنوعة استغرقت قروناً ثلاث امتدت إلى القرن العشرين، وبعد أن توافرت لهم وسائل البحث العلمي قرروا في نهاية المطاف أن في النبات الكربوهيدراتية التي هي أساس لتكوين جميع المواد المكونة للثمار والأشجار والزروع، وهذا ما قرره القرآن الكريم قبل ألف وأربعمائة عام، على لسان نبي أمي عاش في بيئة صحراوية وفي أمة أمية وفي عصر لم تتوافر فيه آلات البحث العلمي، ومن عظمة القرآن الكريم أن يذكر الحقيقة وأن يأخذ بأيدي الناس للوقوف على أول الطريق من أراد معرفة السر، فيقول: "انظُرُواْ إِلِى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ"، فهو يوجه النظر إلى بداية تكون الثمرة وعلاقتها بالإيناع الذي يتوقف عنده إنتاج تلك الثمار بسبب إصفرار أوراق بعض النباتات وموت خلاياها.

فمن أخبر محمداً صلى الله عليه وسلم بهذه الحقيقة؟ وهو النبي الأمي الذي عاش في تلك البيئة الأمية، وهو في زمان لم توجد فيه أبسط الأجهزة، فضلاً عن امتلاك ما تتطلبه معرفة هذه الحقائق من الأجهزة المتطورة ومراكز ومعامل الأبحاث في مجال فسيولوجيا النبات.

إن إشتمال القرآن على هذه المعلومات النباتية الدقيقة يشهد أنه من عند الله القائل: " لَّـكِنِ اللّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلآئِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللّهِ شَهِيدًا" (النساء، آية: 166)(285).

وفي قوله تعالى: " نُّخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُّتَرَاكِبًا"، فالحب بألوانه المختلفة وأشكاله المتنوعة يضيف للزرع جمالاً إلى جماله ويحلي للزرع تاجاً على رأسه متعدد الألوان، الأمر الذي يضفي عليه روعة وبهجة ووقاراً، وقد وصف القرآن الكريم الحب بألفاظ تشوق النفوس النظر إلى الجمال الذي تكلَّمت عنه منها لفظ " مُّتَرَاكِبًا".

والحب: هو ثمر النبات كالبر، والشعير والزروع كلها.

والمتراكب: الملتصق بعضه على بعض في السنبلة مثل القمح وغيره.

والتفاعل في قوله "مُّتَرَاكِبًا" للمبالغة في ركوب بعضه بعضاً.

وجاء اللفظ "نخرج" بصيغة المضارع: لاستحضار الصور، لما فيها من الغرابة حتى لكأن السامع يشاهد الإخراج أمامه بكل ما له من جمال، كما يفيد تجدد هذا الإخراج واستمراره(286).

والقرآن الكريم في هذه الآية ـ كما في غيرها ـ يطالب المسلم بالنظر خاصة إلى الثمر وجماله ونضجه وتراكبه لتستمتع النفس بجماله ليكون ذلك حافزاً لإدراك أسرار الصنعة الإلهية وكيف إنزال الماء فأخرج به النبات وفيه تلك المادة الخضراء التي تتكون منها الثمار، وتتحول إلى حب جميل متراكب(287).

وإذا تأملنا إلى الجنان في عنقود العنب لرأيناها متراكبة على شكل إنحدار أو مثلث مقلوب ليس بين حبة وأخرى من فروج، وإنما هو ياقوت أو لؤلؤ متراكب(288).

وإذا ما قطعت ثمرة نصفين رأيت غشاء أبيض رقيقاً يمتد بين كل مجموعة وأخرى ما أن تمتد أصبعاً أو أصبعين ترفع بهما الغشاء حتى تظهر لك حبات الرمان متراكبةـ\، متراصة متناغمة بلونها الأحمر الفاقع، كأنه الياقوت ثم ترفع غشاء آخر فإذا أنت أمام خلية نحل أخرى، وهكذا فسبحان الله أحسن الخالقين(289).

وفي تنوع الزرع جمال، حيث تتعدد أنواع تعدداً كبيراً، فمنه الطويل والأطول، ومنه القصير والمتوسط، ومنه سميك الساق ونحيفها، ومنه متعدد السيقان ومفردها، كما تتعدد ألوانه وتتدرج فيما بينها ولكل نوع ما يميزه من الجمال عن بقية الأنواع، وقد ذكر هذا التنوع في مواضع قرآنية مختلفة، تعطي إشارات واضحة إلى جمال التنوع الذي يتمتع به الزرع.

قال تعالى: "وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّن نَّبَاتٍ شَتَّى" (طه، آية: 53).

وفي قوله: "أَزْوَاجًا مِّن نَّبَاتٍ شَتَّى"، أي: ما بين ثمار، وزروع مختلفة الألوان، والأشكال والطعوم، والروائح، والمنافع(290).

- وفي قوله: " وَمِنَ النَّخْلِ مِن طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِّنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ"، وفي كلمات محددة أشار هذا النص القرآني المعجز في تسلسل رائع إلى محاصيل النباتات وثمارها من الحب المتراكب إلى ثمار كل من النخيل والأعناب والزيتون والرمان ليجمع كل أنواع الغذاء الأساسي لإنسان ولأنعامه وبالإضافة إلى هذا الشمول يأتي التعبير الإلهي المعجز في هذا النص بقول ربنا: " مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ" ليعتبر عن حقيقة التنوع الهائل لتلك النباتات بما أودعها الله ـ تعالى ـ من قدرات وراثية هائلة داخل كل خلية نباتية(291).

وفي قوله: "انظُرُواْ إِلِى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ" سبق علمي أصيل يشير إلى ضرورة الاعتماد على مشاهدة الشكل الخارجي لمختلف أجزاء النبات في جميع أطوار نموه حتى يمكن التعرف عليه وتصنيفه، وهي من القواعد الأساسية اليوم في علم تصنيف النبات.

والثمار النباتية مهمة للإنسان، لأنها تمثل غذاءه الرئيسي، وعلف أنعامه، كما تمثل مصدراً أساسياً من مصادر الزيوت والدهون والدواء والكساء ومواد الصباغة وغيرها من الصناعات الأساسية في حياة الناس وثمار النباتات من أجل نعم الله على الإنسان وتحركها من بدء ظهورها على النبات إلى نضجها، وما يعتريها خلال تلك الفترة من نمو في الحجم، واختلاف في اللون، وتدرج في الطعم والمذاق لما يشهد لله الخالق بطلاقة القدرة على الخلق وعلى الإفناء والبعث، ولذلك ختمت الآية الكريمة بقول الحق تبارك وتعالى: " إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ"(292).

7- جمال الأشجار:

الأشجار رمز للجمال، وتعتبر من أهم الزينات التي تزين الأرض، جبالها وسهولها ووديانها وحدائقها ومساكنها وشوارع مدنها، وهي محل ضرب الأمثال الجمالية في القرآن الكريم.

أ - شجرة النخيل: قال تعالى: "أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ" (إبراهيم، آية: 24 ـ 25).

يقول تعالى: " أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً"، وهي شهادة أن لا إله إلا الله وفروعها، "كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ"، وهي النخلة "أَصْلُهَا ثَابِتٌ" في قلب المؤمن علماً واعتقاداً، "وَفَرْعُهَا" من الكلم الطيب والعمل الصالح والأخلاق المرضية وألآداب الحسنة "فِي السَّمَاء دائماً، يصعد إلى الله منه من الأعمال والأقوال التي تخرجها شجرة الإيمان، ما ينتفع به المؤمن وينتفع به غيره، "وَيَضْرِبُ اللّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ" ما أمرهم به ونهاهم عنه(293).

- وقال تعالى: " وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ" (ق، آية: 10).

فقد أشارت هذه الآية الكريمة إلى النخل الباسقات وهي الطوال وهو نوع خاص من النخل يتميز بطول ساقه حتى ليتجاوز الثلاثين متراً في الارتفاع "لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ"، أي: متراكب بعضه على بعض، وفي ذلك إشارة إلى القدرة الإلهية المبدعة التي تتجلى في خلق النخلة الباسقة بهذا الطول الفاره، وإعطائها من القدرات البينة الظاهرة، والخفية المستترة ما جعل من النخل مضرب المثل في القرآن الكريم الذي ذكره في عشرين موضعاً، وفضله على غيره من أنواع الزروع، والفاكهة، وجعله في مقابلة غيره من أنواع النباتات. فمن القدرات الظاهرة للنخل ثباته في الأرض، وارتفاعه فوق سطحها، ومقاومته للريح، وتحمله لكل من الحرارة الشديدة والجفاف، وقوته وتعميره ووفرة إنتاجيته تحت أقسى الظروف، وتعدد أشجاره وثماره شكلاً ولوناً، وطعماً وحجماً ونفعاً، وتعدد الفوائد المرجوة من كل جزء من أجزاء شجرته المباركة، ومن القدرات المستترة للنخلة، تلك القوى الفائقة التي وهبها الله إياها لتعينها على القيام بكافة وظائفها الحياتية، وفي مقدمتها القدرة على الاستفادة بماء الأرض وعناصرها ومركباتها المختلفة والاختيار منها حسب حاجتها، ورفع العصارة الغذائية إلى قمتها، وإلى كل من أوراقها وأزهارها وثمارها، وإلى مختلف أجزائها مهما تسامقت تلك القمة وتباعدت تلك الأوراق والأزهار والثمار عل مستوى سطح الأرض(294).

ب- شجرة الزيتون:

ذكر الله القرآن الكريم شجرة الزيتون كواحدة من مكونات المثل الذي ضربه الله لنوره في السماوات والأرض، الأمر الذي يدل على إهتمام القرآن الكريم بجمال الأشجار، فقد زادت الدنيا جمالاً إلى جمالها ونوراً إلى نورها(295)، قال تعالى: "اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاء وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ" (النور، آية: 35).

وقد فسر قوله تعالى: "اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ" (النور، آية: 35) بكونه منوِّر السماوات والأرض، وهادي أهل السماوات والأرض، فبنوره اهتدى أهل السماوات والأرض، وهذا إنما هو فعله، وإلا فالنور هو من أوصافه قائم به ومنه اشتق اسم النور الذي هو أحد الأسماء الحسنى، والنور يضاف إليه سبحانه على أحد وجهين: إضافة صفة إلى موصوفها، وإضافة مفعول إلى فاعله(296).

- وفي قوله تعالى::"مَثَلُ نُورِهِ" وهي أن أصل الإيمان يكون من الله عندما يشرح صدر عبده المؤمن للإسلام ويجعل له نوراً فيبدأ به النور والحياة، وقد شبه العلم المستفاد من الوحي الواصل للقلب بالزيت الجيد، فاستدامة النور وقوته وسلامته وتنامي حياة القلب، إنما تكون بالعلم بالكتاب والسنة والعمل به، فهي غذاؤه ومادة حياته(297).

- إن ضياء النار يحتاج في دوامه إلى مادة تحمله، فتلك المادة للضياء بمنزلة غذاء الحيوان، فكذلك نور الإيمان يحتاج إلى مادة من العلم النافع والعمل الصالح يقوم بها ويدوم بدوامها، فإذا ذهبت مادة الإيمان طفيْ كما تطفأ النار بفراغ مادتها(297).

- إن المثل دل على أن الإيمان يزيد وينقص، يزيد بزيادة العلم الواصل للقلب المستفاد من نور الكتاب والسنة، كما ينقص بنقصه، ومأخذ ذلك من المثل هو تشبيه العلم الذي يمد القلب بالمعارف والحقائق الإيمانية بالزيت الذي يمد المصباح بالوقود، وكون المصباح يزيد ضوؤه ويصفو بزيادة الزيت وجودته والمؤمنون يتفاوتون بقوة النور الكائن في قلوبهم بحسب ما عندهم من العلم والإيمان وأكمل المؤمنين نوراً هو النبي صلى الله عليه وسلم لكمال علمه وإيمانه.

- إن المثل دل على أن النور الذي يجعله الله في قلوب المؤمنين نور حقيقي، ومأخذ ذلك هو تشبيه ذلك النور الذي يعلم معناه ولا تعتقل كيفيته بنور المصباح.

- هناك تشابه بين الفطرة والفتيلة، من حيث إن كلاً منهما في أصل خلقه وضعه مُهماً لاستدعاء وتشرب ما يناسبه، فالفتيلة تتشرب الوقود المناسب وتمتصه وتتبلل به وتصبح مهيأة به للاشتعال إذا أوقدت، وكذلك الفطرة على الدين الحنيف التي فطر الله قلوب العباد عليها مهيأة لاستدعاء ما يناسب ما فُطرت عليه من التوحيد والدين الحق، فإذا اتشربت ما يرد إليها من ذلك من العلم بالكتاب والسنة، فإنها تكون مهيأة لإيقاد مصباح القلب وقذف نور الإيمان به، قال تعالى: " فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ" (الروم، آية: 30).

فالله سبحانه وتعالى فطر كل الناس على معرفته وتوحيده ومحبته وجبل نفوسهم على استدعاء وقبول ما يناسب ذلك من الدين والإسلام والفطرة تزكي بالعلم المستمد من الكتاب والسنة وتطهيرها من مكايد شياطين الإنس والجن الذين يجتهدون في إفسادها(298).

- إن المثل دل على أثر نور العلم والإيمان على العقل، حيث أكسبه سلامة التعقل، وسداد النظر، وصحة الاستنتاج وأن الطريق إلى الحق في كل المطالب الدينية إنما يكون بإعمال العقل المستنير بالوحي النازل على الرسول صلى الله عليه وسلم لاستخلاص الحقائق والمعارف اليقينية وغيرها، وأن العقل المجرد عن العلم لا سبيل له إلى تلك الحقائق، كما دل المثل على أن النور سطع وأشرق على كل أعمال القلب ووظائفه الأخرى من العقائد، والعواطف، والإرادات، والانفعلات، فأخصبها بالخير والسلام والصلاح(299).

- وفي قوله: "نُّورٌ عَلَى نُورٍ" دل على أن نور القرآن والسنة والعلم المستفاد منهما يغذي نور الإيمان ويزيده ويقويه، وفي قوله تعالى: "وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ" (النور، آية: 40).

دليل على أن النورين من الله، نور الإيمان الذي يقذف في القلب ونور العلم الذي طريقه الوحي، فمن هُدي إلى الأول واهتدى بالثاني فقد أعطاه الله نوراً تاماً، ومن أخطأه الله فليس له من نور، بل في طريق من طرق الضلال سائر في الظلمات(300).

وفي قوله: " يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ" نور زيت الزيتون كان أصفى نور يعرفه المخاطبون، ولكن ليس لهذا وحده كان اختيار هذا المثل، إنما كذلك الظلال المقدسة التي تلقيها الشجرة المباركة، وظلال الوادي المقدس في الطور، وهو أقرب منابت الزيتون لجزيرة العرب وهي شجرة معمرة، وكل ما فيها ينفع الناس زيتها وخشبها وورقها وثمرها ومرة أخرى يلتفت من النموذج الصغير ليذكر بالأصل الكبير، فهذه الشجرة ليست شجرة بعينها وليست متحيزة إلى مكان أو جهة إنما هي مثل مجرد للتقريب: " لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ" وزيتها ليس زيتاً من هذا المشهود المحدود، إنما هو زيت آخر عجيب " يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ" فهو من الشفافية بذاته، ومن الإشراق بذاته، حتى ليكاد يضيء بغير احتراق(301).

- وذكر الله تعالى شجرة الزيتون أيضاً في قوله: " وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْنَاء تَنبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِّلْآكِلِينَ" (المؤمنون، آية: 20).

وهذه الآية تشير بوضوح إلى شجرة الزيتون التي تؤكل ثمارها ويؤتدم بزيتها وبما فيه من منافع للناس، وفي قوله: " تَنبُتُ بِالدُّهْنِ" أي: تنبت ثمارها ملتبسة بالدهن وهو زيت الزيتون " وَصِبْغٍ لِّلْآكِلِينَ"" أي: إدام وطعام لهم سمي صبغاً لكونه إداماً، ولأنه يصبغ الخبز إذا لامسه، ولعل في ذلك إشارة إلى ما هو غير الدهن من مئات المركبات الكيميائية المهمة التي مكن الله "تعالى" شجرة الزيتون من استخلاصها من ماء وتربة الأرض ونقلها في العصارة الغذائية، وتخليقها في أوراقها وثمارها من تعجز أكبر المصانع التي بناها الإنسان عن تحقيقه، لذلك امتدح ربنا "تبارك وتعالى" كلاً من شجر الزيتون وزيته في ستة مواضع أخرى من القرآن الكريم، وأقسم بالتين والزيتون في موضع سابع منه والله (تعالى) غني عن القسم لعباده(302).

وقد ثبت بالدراسة أن أفضل الزيوت النباتية على الإطلاق هو زيت الزيتون وذلك لما أعطاه الله (تعالى) من خاصية خفض ضغط الدم، وتقليل امتصاص الجسم للكلوليسترول بصفة عامة، وإنقاص المعدل الكلي للكوليسترول في الدم بحوالي 13% وإنقاص معدل الكوليسترول الخفيف بنسبة 21% فيرفع نسبة الكوليسترول المفيد نسبياً في الدم، والمعروف باسم الكوليسترول الثقيل.

ومن الثابت طبياً أنه كلما انخفضت نسبة الكوليسترول الضار وزادت نسبة المفيد منه في الدم قلة نسبة الإصابة بالجلطة القلبية من مثل الإصابة المعروفة باسم "إحتشاء العضلة القلبي"، وعلى ذلك فإن تناول زيت الزيتون بكميات منتظمة يحمي القلب من أمراض انسداد الشرايين وهي من أكثر الأمراض إنتشاراً في الزمن الحاضر، وقد ثبت بالتحليل الدقيق احتواء كل من ثمرة الزيتون وزيتها على مركبات كيميائية تمنع تخثر الدم وانطلاقاً من ذلك يوصي الأطباء كل من أجريت لهم عمليات توسعة لشرايين القلب بتناول 4 ـ 5 ملاعق من زيت الزيتون يستخدم في إنتاج العديد من الأدوية والدهانات الطبية، وزيوت الشعر، والصابون، وبه كانت توقد المصابيح في المنازل والمساجد قديماً، لصفاء اللهب الناتج عن اشتعاله(303).

جـ- شجرتي التين والزيتون:

قال تعالى: "والتِّينِ وَالزَّيْتُونِ * وَطُورِ سِينِينَ * وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ" (التين، آية: 1 ـ 3).

هذه الآيات القرآنية الثلاثة يقسم فيها ربنا تبارك وتعالى بكل من التين والزيتون، وجبل طور سيناء، ومكة المكرمة، والله تعالى غني عن القسم لعباده، ولكن إذا جاءت الآية القرآنية بصيغة القسم كان في ذلك تنبيه لنا لأهمية الأمر المقسم به.

وفي القسم الثاني بالتين تأكيد على تميز ثمرته بقيمتها الغذائية والصحية، وما بها من إنزيمات مقيدة وغير ذلك من المركبات الكيميائية الهامة ومنها المضادة للسرطانات والفيروسات والبكتريا والطفيليات، كما أثبتت الدراسات مؤخراً وفي القسم بالزيتون إشارة إلى تمييز أشجاره وثماره وزيوته بميزات عديدة لا تتوافر لغيره من النباتات(304).

ح - شجرة اليقطين:

قال تعالى: " فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاء وَهُوَ سَقِيمٌ * وَأَنبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِّن يَقْطِينٍ" (الصافات، آية: 145 - 146).

بتأمل هاتين الآيتين الكريمتين من سورة الصافات يتبادر إلى الذهن اختيار الله "سبحانه وتعالى" للتعبير القرآني شجرة من يقطين لحماية عبده ونبيه "يونس بن متَّى" على نبينا وعليه من الله السلام، بعد أن نبذه الحوت بالعراء وهو سقيم، أي: وهو منهك القوى من شدة المرض، وهذا التنكير في الإشارة إلى شجرة اليقطين يفيد بأن الشجرة من جنس اليقطين الذي عرفه العرب ومنه كل من القرع العسلي، وقرع الكوسة، والحنظل، وليست نوعاً محدداً(305).

ومن المقطوع به أن الشجرة التي أنبتها ربنا "تبارك وتعالى" ليظلل بها عبده ونبيه "يونس بن متَّى" ويستره بأوراقها وزهورها، وثمارها، وأغصانها وسيقانها وعصائرها من مركبات هي شجرة خاصة معجزة أنبتها ربنا "تبارك وتعالى" بأمره الذي لا يرد إلا أن الصياغة القرآنية: "شَجَرَةً مِّن يَقْطِينٍ" توحي بأن المقصود هو عموم اليقطين الذي نعرفه، وهنا يظهر التساؤل المنطقي، وماذا في اليقطينيات من علاج للحالات المماثلة للحالة التي مر بها نبي الله "يونس" عليه السلام، بعد أن التقطه الحوت ولفظه بالعراء وهو سقيم، أي: مريض منهك القوى(306).

وثبت بالدراسة المختبرية التي قام بها الدكتور كمال فضل خليفة الأستاذ المشارك لعلم النبات بجامعة الخرطوم أن اليقطينيات عدداً من المركبات الكيميائية المهمة التي لها تأثير طبي علاجي ووقائي واضح أبرزه في مقاومة الحشرات، وفي علاج العديد من الالتهابات الجلدية وتقرحاتها(307)، وفي علاج عدد من أمراض الجهازين الهضمي والبولي وفي مقاومة بعض الأمراض السرطانية ـ عافانا الله جميعاً منها ـ هذا بالاضافة إلى القيمة الغذائية العالية لثمار اليقطينيات المأكولة، والقيمة الطبية للثمار التي لا تؤكل مثل ثمار الحنظل وهنا تتضح روعة الإشارة القرآنية المبهرة في قول الحق "تبارك وتعالى: " وَأَنبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِّن يَقْطِينٍ" (الصافات، آية: 146).

س- شجر للمراعي:

قال تعالى: " هُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء لَّكُم مِّنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ" (النحل، آية: 10)، وفي قوله: " وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ" أي: وأخرج لكم منه شجراً ترعون فيه أنعامكم.

ومن الثابت علمياً أن الماء سابق في وجوده على الأرض لخلق جميع أحيائها وأن النبات سابق في وجوده لخلق الحيوان، وكلاهما سابق لوجوده لخلق الإنسان وبتقدير الله قام النبات، ولا يزال قائماً، بالدور الرئيسي في إمداد الغلاف الغازي للأرض بالأكسجين وفي تخليق الجزيئيات العضوية اللازمة لبناء أجساد كل من النبات والحيوان والإنسان، ومن هنا كان اعتماد كل من الإنسان والحيوان في غذائه أساساً على النبات وهي حقائق لم تكن معروفة في زمن الوحي ولا لقرون متطاولة من بعده مما يؤكد روعة الإشارة القرآنية في قوله تعالى " هُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء لَّكُم مِّنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ * يُنبِتُ لَكُم بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالأَعْنَابَ وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ " (النحل، آية: 10 ـ 11).

وفي قوله: "إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ"، في تدبير هذا الكون ونواميسه المواتية لحياة البشر وما كان الإنسان ليستطيع الحياة على هذا الكوكب لو لم تكن نواميس الكون مواتية لحياته، وموافقة لفطرته، ملبية لحاجاته، والذين يتفكرون هم الذين يدركون حكمة التدبير وهم الذين يربطون بين ظاهرة كظاهرة المطر وما ينشئه على الأرض من حياة وشجر وزروع وثمار، وبين النواميس العليا للوجود، ودلالتها على الخالق وعلى وحدانية ذاته ووحدانية إرادته ووحدانية تدبيره، أما الغافلون فيمرون على مثل هذه الآية في الصباح والمساء في الصيف والشتاء، فلا توقظ تطلعهم، ولا تثير استطلاعهم ولا تستجيش ضمائرهم إلى البحث عن صاحب هذا النظام الفريد(308): سبحانه وتعالى.

ر - تنوع الأشجار واختلاف ألوانها:

تختلف الأشجار اختلافاً كبيراً في أنواعها وأشكالها وألوانها مما يعطيها المزيد من الجمال والبهجة، فمنها الباسق والقصير ومنها السميق والنحيف، ومنها كثير الفروع وقليله، ومنها المسلق والزاحف، وتختلف أيضاً في تنوع ثمارها وأوراقها، وقد لفت القرآن الكريم أنظارنا إلى هذا التنوع(309)، قال تعالى: "وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَ جَنَّاتٍ مَّعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُواْ مِن ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ" (الأنعام، آية: 141).

إن الله ـ سبحانه وتعالى ـ هو الذي خلق هذه الجنات ابتداءً ـ فهو الذي أخرج الحياة من الموات، وهذه الجنات منها الإنسان المعروشات التي يتعهدها الإنسان بالعرائس والحوائط ومنها البريات التي تنبت بذاتها ـ بقدر الله ـ وتنمو بلا مساعدة من الإنسان ولا تنظيم، وإن الله هو الذي أنشأ النخل والزرع مختلف الألوان والطلوع والأشكال، وإن الله هو الذي خلق الزيتون والرمان، منوع الصنوف متشابهاً وغير متشابه.. وإنه هو الذي بث الحياة في هذه الأرض ونوَّعها هذا التنويع وجعلها مناسبة للوظائف التي تتطلبها حياة الناس في الأرض، فكيف يذهب الناس ـ في مواجهة هذه الآيات وهذه الحقائق ـ إلى تحكيم غير الله في شأن الزروع والأنعام والأموال(310) ؟

8 - ثمرات مختلف ألوانها:

الثمار جزء من جمال الحدائق إن لم تكن أجمل ما فيها، حيث أن لها من الألوان والأشكال ما يضفي على الحدائق جمالاً وبهجة والثمار تختلف في ذلك من نوع لآخر ومن صنف لآخر، بل تختلف حتى في الصنف الواحد، فألوان الثمار تتدرج وتزداد تدرجاً كلما دخل عليها يوم جديد، وهكذا إلى أن يكتمل جمالها باكتمال نضجها(311).

قال تعالى: "أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ * وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ" (فاطر، آية: 27 ـ 28).

إنها لفتة كونية عجيبة من اللفتات الدالة على مصدر هذا الكتاب، لفتة تطوف في الأرض كلها تتبع فيها الألوان والأصباغ في عواملها في الثمرات وفي الجبال وفي الناس وفي الدواب والأنعام، لفتة تجمع في كلمات قلائل، بين الأحياء وغير الأحياء في هذه الأرض جميعاً، وتدع القلب مأخوذاً بذلك المعرض الإلهي الجميل الرائع الكبير الذي يشمل الأرض جميعاً وتبدأ بإنزال الماء في السماء وإخراج الثمرات المختلفات الألوان، وألوان الثمار معرض بديع للألوان يعجز عن إبداع جانب منه جميع الرسامين في جميع الأجيال، فما من نوع من الثمار يماثل لونه لون نوع آخر، بل ما من ثمرة واحدة يماثل لونها لون أخواتها من النوع الواحد، فعند التدقيق في أي ثمرتين أختين يبدو شيء من اختلاف اللون، وينتقل من ألوان الثمار إلى ألوان الجبال نقلة عجيبة في ظاهرها، ولكنها من ناحية دراسة الألوان تبدو طبيعية، ففي ألوان الصخور شبه عجيب بألوان الثمار وتنوعها وتعددها، بل إن فيها أحياناً ما يكون على شكل بعض الثمار وحجمها كذلك حتى ما تكاد تفرق من الثمار صغيرها وكبيرها.

" وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ".

والجدد: الطرائق والشعاب، وهنا لفتة في النص صادقة، فالجدد البيض مختلف ألوانها فيما بينها، والجدد الحمر مختلف ألوانها فيما بينها، مختلف في درجة اللون والتظليل والألوان الأخرى المتداخلة فيه، وهناك جدد غرابيب سود، حالكة شديدة السواد.

واللفتة إلى ألوان الصخور، وتعددها وتنوعها داخل اللون الواحد، يعد ذكرها إلى جانب ألوان الثمار، تهز القلب هزاً، وتوقظ فيه حاسة الذوق الجمالي، التي تنظر إلى الجمال نظرة تجريدية فتراه في الصخرة، كما تراه في الثمرة على بعد ما بين طبيعة الصخرة وطبيعة الثمرة، وعلى بعد ما بين وظيفتيها في تقدير الإنسان، ولكن النظرة الجمالية المجردة ترى الجمال وحده عنصراً مشتركاً بين هذه وتلك يستحق النظر والالتفات.

ثم ألوان الناس وهي لا تقف عند الألوان المتميزة العامة لأجناس البشر، فكل فرد بعد ذلك متميز اللون بين بني جنسه، بل متميز في توأمه الذي شاركه حملاً واحداً في بطن واحدة.

وكذلك ألوان الدواب والأنعام والدواب أشمل والأنعام أخص، فالدابة كل حيوان والأنعام هي الإبل والبقر والغنم والماعز، خصصها من الدواب لقربها من الإنسان والألوان والأصباغ فيها معرض كذلك جميل كمعرض الثمار ومعرض الصخور السوداء.

هذا الكتاب الكوني الجميل الصفحات العجيب التكوين والتلوين، يفتحه القرآن ويقلب صفحاته ويقول إن العلماء الذين يتلونه ويدركونه ويتدبرونه هم الذين يخشون الله:

- "إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء".

والعلماء هم الذين يتدبرون هذا الكتاب العجيب ومن ثم يعرفون الله معرفة حقيقية يعرفون بآثار صنعته ويدركونه بآثار قدرته، ويستشعرون حقيقة عظمته برؤية حقيقة إبداعه، ومن ثم يخشونه حقاً ويتقونه حقاً، ويعبدونه حقاً لا بالشعور الغامض الذي يجده القلب أمام روعة الكون، ولكن بالمعرفة الدقيقة والعلم المباشر الذي يستشعره القلب، ويتحرك به، ويرى يد الله المبدعة للألوان والأصباغ والتكوين والتنسيق في ذلك الكون الجميل " إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ".

عزيز قادر على الابداع وعلى الجزاء، غفور يتدارك بمغفرته من يقصرون في خشيته، وهم يرون بدائع صنعته(312).

- السير جيمس جينز وتأثره بهذه الآية:

هذه الواقعة رواها العالم الهندي المغفور له بإذن الله عناية الله المشرقي يقول: كان ذلك يوم أحد من أيام 1909م، وكانت السماء تمطر بغزارة وخرجت من بيتي لقضاء حاجة ما، فإذا بي أرى الفلكي المشهور (السير جيمس جينز) الأستاذ بجامعة كمبردج ذاهباً إلى الكنيسة والإنجيل والشمسية تحت إبطه فدنوت منه، وسلمت عليه، فلم يرد عليَّ فسلمت عليه مرة أخرى فسألني: ماذا تريد مني؟ فقلت له أمرين يا سيدي:

الأول هو: أن شمسيتك تحت إبطك رغم شدة المطر، فابتسم (السير جيمس) وفتح شمسيته على الفور فقلت له:

وأما الأمر الآخر فهو: ما الذي يدفع رجلاً ذائع الصيت في العالم ـ مثلك ـ أن يتوجه إلى الكنيسة؟ وأمام هذا السؤال توقف (السير جيمس) لحظة، ثم قال: عليك اليوم أن تأخذ شاي المساء عندي وعندما وصلت إلى داره في المساء، خرجت (السيدة جيمس) في الساعة الرابعة، بالضبط وأخبرتني أن (السير جيمس) ينتظرني.

وعندما دخلت عليه غرفته وجدت أمامه منضدة صغيرة موضوعة عليها أدوات الشاي وكان البروفيسور منهمكاً في أفكاره وعندما شعر بوجودي سألني: ماذا كان سؤالك؟

ودون أن ينتظر ردي بدأ يلقي محاضرة عن تكون الأجرام السماوية ونظامها المدهش، حتى أتى شعرت بقلبي يهتز بهيبة الله وجلاله، وأما (السير جيمس) فوجدت شعر رأسه قائماً، والدموع تنهمر من عينيه، ويداه ترتعدان من خشية الله وتوقف فجأة، ثم بدأ يقول: يا عناية الله، عندما ألقى نظره على روائع خلق الله يبدأ وجودي يرتعش من الجلال الإلهي، وعندما أركع أمام الله وأقول: (إنك العظيم) أجد أن كل جزء في كياني يؤيدني في هذا الدعاء، وأشعر بسكون وسعادة عظيمتين، وأحس بسعادة تفوق الآخرين ألف مرة أفهمت يا عناية الله خان لماذا أذهب إلى الكنيسة؟ ويضيف العلامة عناية الله قائلاً ولقد أحدثت المحاضرة طوفان في عقلي، وقلت له: يا سيدي لقد تأثرت جداً بالتفاصيل العلمية التي رويتموها لي وتذكرت بهذه المناسبة آية في كتابي المقدس فلو سمحتم لي لقرأتها عليكم فهز رأسه بكل سرور.

فقرأت عليه الآية التالية: "أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ * وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء" (فاطر، آية: 27 ـ 28).

فصرخ (السير جيمس) ماذا قلت؟ ـ إنما يخشى الله من عباده العلماء؟ ـ مدهش وغريب وعجيب جداً.

إن الأمر الذي كشفت عنه هو دراسة ومشاهدة استمرت خمسين سنة، من أنبأ محمد به؟ هل هذه الآية موجودة في القرآن حقيقة؟

لو كان الأمر كذلك، فاكتب شهادة مني أن القرآن كتاب موحي من عند الله، ويستطرد السير (جيمس جينز) قائلاً: لقد كان محمداً أمياً، ولا يمكن أن يكشف عن هذا السر بنفسه ولكن (الله) هو الذي أخبره بهذا السر (مدهش وغريب جداً)(313).

9- بستان بربوة:

قال تعالى: "وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ وَتَثْبِيتًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ" (البقرة، آية: 265).

وهذا مثل ضربه الله لمن كانت نفقته مقبولة مضاعفة لصدورها عن الإيمان والإخلاص التام "ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ وَتَثْبِيتًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ" أي ينفقون وهم ثابتون على وجه السماحة والصدق، فمثل هذا العمل " كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ"، وهو المكان المرتفع لأنه يتبين للرياح والشمس والماء فيها غزير، فإن لم يصبها ذلك الوابل الغزير، حصل لها طل كاف لطيب منبتها وحسن أرضها وحصول جميع الأسباب الموفرة لنموها وإزدهارها وإثمارها ولهذا "فآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ" أي متضاعفاً، وهذه الجنة التي على هذا الوصف هي أغلى ما يطلبه الناس، فهذا العمل الفاضل بأعلى المنازل(314).

وفي تعبير القرآن الكريم بكلمة ربوة، وهي الأرض الخصبة المرتفعة، إشارة إلى ما كشفه العلم الحديث، لأنه بارتفاعها تبعد عن المياه الجوفية ليغوص المجموع الجذري في التربة من غير ماء يضره ويتضاعف عدد الشعيرات الماصة لأكبر كمية من الغذاء للسيقان والمجموع الخضري، فيتضاعف المحصول وللوابل من الأمطار فائدة فوق التغذية أنه يذيب بعض المواد التي لا تحتاج إليها النباتات وبغسلها من التربة، لأن وجودها مما يعطل نمو النباتات كما يغسلها من الآفات(315).

ومن الأمور المشاهدة أن سطح الأرض ليس تام الاستواء، فهناك القمم السامقة للسلاسل الجبلية، وهناك السفوح الهابطة لتلك السلاسل، حتى تصل إلى السهول المنبسطة والممتدة إلى ما فوق مستوى سطح الأرض وبين "القمم السامقة" و"والسهول المبسطة" نجد "الرواب" أو "الربى" جمع "ربوة" أو "رابية" و"التلال" جمع تل و"الآكام" جمع "أكمة"، وهي النتوءات الأرضية المختلفة دون الربوة ثم "الهضاب" جمع "هضبة" و"النجود" جمع "نجد"، ثم "السهول" ومن بعد السهول يأتي كل من المنخفضات الأرضية على اليابسة والمنخفضات البحرية المغمورة بماء البحار والمحيطات ويرجع السبب في تباين تضاريس سطح الأرض إلى اختلاف التركيب الكيميائي والمعدني للصخور المكونة لها، وبالتالي إلى اختلاف كثافة تلك الصخور، وذلك لأن كتل الغلاف الصخري للأرض تطفو فوق نطاق من الصخور شبه المنصهرة، يعرق باسم "نطاق الضعف الأرضي"، يحكمها في ذلك قانون الطفو: تماماً كما تطفو جبال الجليد في ماء المحيطات(316).

إن الآية الكريمة قد نبهت إلى البيئة المثلى لزراعة أشجار الثمار ألا وهي بيئة الروابي حيث أنها أراضي مسطحة مرتفعة دون الجبل وفوق التل، وهذه حقيقة علمية أثبتتها التجارب على مدى عقود متتالية وورودها في كتاب الله بهذا الوصف القرآني شاهد للقرآن الكريم بأنه كلام الله الخالق الذي أنزله بعلمه على خاتم أنبيائه ورسله عليه الصلاة والسلام(317).

والآية الكريمة فيها مشهد جمالي مبهج حيث نرى جمال الحديقة فوق الرابية والمطر ينزل فيها وذلك بإعادة لفظ المطر مرتين "وابل" ف"طل".

10- حفظ المحاصيل في سنابلها:

قال تعالى: " قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تَأْكُلُونَ" (يوسف، آية: 47).

وهذه الآية الكريمة تشير إلى أن أفضل وسيلة لحفظ المحاصيل الزراعية التي تنبت في سنابل، كالقمح والشعير والشوفان والأرز وأمثالها هي حفظها في سنابلها، وقد أثبتت الدراسات التجريبية  صحة ذلك ودقته، وقد طبقها نبي الله يوسف ـ علي نبينا وعليه من الله السلام ـ لعدد من السنين وصلت إلى خمس عشرة سنة دون أن تفسد أو أن يصيبها شيء من العطب، بل بقيت محتفظة بقيمتها الغذائية كاملة، وبحيويتها وقدرتها على الإنبات والنمو والإثمار(318).

11 ـ طعام الإنسان:

- قال تعالى: " فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ * أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاء صَبًّا * ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا * فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبًّا * وَعِنَبًا وَقَضْبًا * وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا * وَحَدَائِقَ غُلْبًا * وَفَاكِهَةً وَأَبًّا * مَّتَاعًا لَّكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ" (عبس، آية: 24 ـ 32).

تشير هذه الآيات الكريمة إلى أهمية الطعام في حياة الإنسان، لأن الطعام هو مصدر الطاقة اللازمة لمختلف الأنشطة في جسم الإنسان واللازمة لبناء خلاياه وأنسجته في مختلف مراحل نموه وللإحلال محل الذي يهلك منها بعد تمام النمو، للمحافظة على درجة حرارة جسمه، ويحتاج الإنسان في طعامه  إلى الكربوهيدرات والبروتينات والزيوت والدهون، وقد هيأ الله تعالى لنا النبات ليصنع لنا كل الكربوهيدرات التي يحتاجها الإنسان والحيوان الآكل للأعشاب في حياته، ويصنع عدداً من البروتينات كالزيوت والدهون ويتم ذلك بعمليات معجزة تشهد للإله الخالق سبحانه وتعالى بطلاقة القدرة، وبديع الصنعة، وإحكام الخلق، كما تشهد له سبحانه وتعالى بالألوهية والربوبية والوحدانية المطلقة فوق جميع خلقه.

كذلك هيأ الله ـ تبارك وتعالى ـ للحيوان القدرة على تحويل ما يأكله من النبات إلى سلسلة طويلة من البروتينات التي يحتاجها كلاً من الإنسان وبعض الحيوان في طعامه، وذلك عبر العديد من العمليات المعقدة التي تشهد للخالق سبحانه وتعالى بأنه هو الله(319).

ففي الآيات الكريمة يتحدث الله عز وجل عن قصة طعام الإنسان مفصلة مرحلة مرحلة هذه هي فلينظر إليها، فهل من يد فيها؟ هل له من تدبير لأمرها؟ إن اليد التي أخرجته للحياة وأبدعت قصته، هي ذاتها التي أخرجت طعامه وأبدعت قصته.

- " فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ".. ألصق شيء به، وأقرب شيء إليه، وألزم شيء له، لينظر إلى هذا الأمر الميسر الضروري الحاضر المكرر وهي معجزة كمعجزة خلقه ونشأته وكل خطوة من خطواتها بيد القدرة التي أبدعته.

- " أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاء صَبًّا"، وصب الماء في صورة المطر حقيقة يعرفها كل إنسان في كل بيئة، في أية درجة كان من درجات المعرفة والتجربة، فهي حقيقة يخاطب بها كل إنسان(320).

ذلك كان أول قصة الطعام: " أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاء صَبًّا"، ولا يزعم أحد أنه أنشأ هذا الماء في أي صورة من صوره، وفي أي تاريخ لحدوثه ولا أنه صبه على الأرض صباً لتسير قصة الطعام في هذا الطريق.

" ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا" وهذه هي المرحلة الثانية لصب الماء، وهي صالحة لأن يخاطب بها الإنسان البدائي الذي يرى الماء ينصب من الماء بقدرة غير قدرته، وتدبير غير تدبيره، ثم يراه يشق الأرض ويتخلل تربتها أو يرى النبت يشق تربة الأرض شقاً بقدرة الخالق وينمو على وجهها، ويمتدد في الهواء فوقها وهي معجزة يراها كل من يتأمل انبثاق النبتة في التربة، ويحس من ورائه انطلاق القوة الخفية الكامنة في النبتة الرخية(321).

- " فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبًّا" وهو يشمل جميع الحبوب، ما يأكله الإنسان، وما يتغذى به الحيوان.

- و"عِنَبًا وَقَضْبًا" والعنب معروف والقضب هو كل ما يؤكل رطباً غضاً من الخضر مرة بعد أخرى.

- " وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا * وَحَدَائِقَ غُلْبًا * وَفَاكِهَةً وَأَبًّا"، والزيتون والنخل معروفان والحدائق جمع حديقة وهي البساتين ذات الأشجار المثمرة المسورة بحوائط تحميها و" غُلْبًا" جمع غلباء أي ضخمة عظيمة ملتفة الأشجار والفاكهة من ثمار الحدائق و"الأب" أغلب الظن أنه الذي ترعاه الأنعام.

هذه قصة الطعام وليس فيها للإنسان يد يدعيها في أي مرحلة من مراحلها " مَّتَاعًا لَّكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ" إلى حين ينتهي فيه هذا المتاع، الذي قدره الله حيق قدر الحياة، ثم يكون بعد ذلك أمر آخر يعقب المتاع أمر يجدر بالإنسان أن يتدبره قبل أن يجيء: "فَإِذَا جَاءتِ الصَّاخَّةُ * يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ * وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ * ضَاحِكَةٌ مُّسْتَبْشِرَةٌ * وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ * تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ * أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ" (عبس، آية: 33 ـ 42).

لقد عرضت سورة عبس في تسع آيات قصار لا تشغل أكثر من سطرين أهم النبتات التي تشكل الطعام الرئيسي للإنسان وأنعامه، وهذا الحصر الدقيق لما يحتاجه الإنسان وأنعامه  من طعام في كلمات قليلة يشهد للقرآن الكريم بأنه لا يمكن أن يكون صناعة بشرية، كما يشهد للعبد الصالح الذي تلقاه بالنبوة والرسالة(322).

12- من الشجر الأخضر ناراً:

الشجر إذا قطع وأصبح حطباً يكون ميتاً وليس فيه أثر للحياة، فإذا أوقدت به النار دبت فيه الحركة واضطرب، وهذه آثار الحياة، فمن قدر على هذا قادر على إحياء الموتى، وقد ذكر الله تعالى هذا الدليل في موضعين من كتابه سبحانه وتعالى:

- قال تعالى: "أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ * أَأَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنشِؤُونَ" (الواقعة، آية: 71 - 72).

- قال تعالى: "أَوَلَمْ يَرَ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ * وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ * الَّذِي جَعَلَ لَكُم مِّنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنتُم مِّنْهُ تُوقِدُونَ * أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُم بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ * إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ * فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ" (يس، آية: 77 ـ 83).

فردَّ بهذه الآيات على من أنكر البعث بثلاثة أدلة عقلية:

أ - الاستدلال بالنشأة الأولى على النشأة الأخرى، قال تعالى: " قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ" (يس، آية: 79).

ب- الاستدلال بإخراج النار من الشجر الأخضر: مع أنه أكثر بالضدية لأن الشجر إنما يكون أخضر إذا كان مليئاً بالماء، فمن قدر على إخراج النار من هذا الشجر الميت المليء بالماء قادر على إحياء الأموات من قبورهم، قال تعالى: " الَّذِي جَعَلَ لَكُم مِّنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا" إعجاز علمي، وذلك لأن أهل البادية فهموها من قبل ألف وأربعمائة سنة بالخشب أو الحطب أو بشجرتي المرخ والعفار، ونحن نفهما اليوم في إطار كل صور الطاقة ذات الأصل العضوي من كل الفصلات النباتية والحيوانية مثل التين والقش، والحطب والخشب إلى الفحم النباتي، والفحم الحجري والغازات المصاحبة له، إلى الطفلة الزيتية إلى النفط والغازات المصاحبة له، وكل هذه المصادر للطاقة يلعب الدور الرئيسي في تكوينها الشجر الأخضر وما وهبه الله تعالى من قدرة على احتباس جزء من طاقة الشمس يعينه على تحليل الماء إلى مكوناته الأساسية: الأيدروجين والأكسجين، فيطلق الأكسجين ويحتفظ بذرات الأيدروجين، كما يعينه على تحليل ثاني أكسيد الكربون (الذي يمتصه النبات من الغلاف الغازي للأرض) إلى مكوناته الأساسية الكربون، الأكسجين، فيحتفظ بذرة الكربون ويطلق الأكسجين إلى الجو، ثم يربط ذرات الكربون والأيدروجين بروابط كيميائية على هيئة سلاسل الكربوهيدرات المختلفة السكر بمختلف أنواعه، النشأ، السيليولوز وغيرها، التي تشكل كل أجزاء النباتات وثمارها ومحاصيلها التي يقتات عليها الإنسان وكثير من الحيوانات آكلة الأعشاب.

وعلى ذلك، فإن حركة الطاقة على الأرض تتلخص في تبادل ذرة الكربون بين الهواء والنبات والحيوان والإنسان، يأخذها النبات من الغلاف الغازي، للأرض بعملية التمثيل الضوئي ويهبها لكل من الحيوان والإنسان، ثم يعاود كل من النبات والحيوان والإنسان إطلاقها إلى الغلاف الغازي للأرض بعمليات التنفس، وبين عمليتي أخذ ثاني أكسيد الكربون من الجو وإعادة إطلاقه إليه يختزن لنا ربنا ـ تبارك وتعالى ـ كمَّاً هائلاً من الجو وإعادة إطلاقه إليه يختزن لنا ربنا ـ تبارك وتعالى ـ كمَّاً هائلاً من ذرات الكربون ليشكل مختلف مصادر الطاقة التي يحرقها الإنسان فيردها مرة أخرى إلى الغلاف الغازي للأرض، وهذه الدورة لم تكتشف إلا مؤخراً، وورود الإشارة إليها في القرآن الكريم من قبل ألف وأربعمائة سنة لمّما يقطع بأن هذا الكتاب العزيز لا يمكن أن يكون صناعة بشرية.

خامساً: الحيوان:

يقرر القرآن الكريم حقائق عن الحيوان لا تقل في الأهمية والدقة عن الحقائق التي يقررها في كل جانب من جوانب الكون والحياة، فهو يلفت النظر تارة إلى المنافع التي يحصل عليها الإنسان من تسخير هذه الدواب ركوباً وحملاً ولباساً وطعاماً وشراباً وزينة، فهي المسخرة للإنسان مذللة له منقادة.

- التذليل:

إن ظاهرة انقياد الحيوان للإنسان ظاهرة تستدعي شكر المنعم الذي جعل فيها هذه الطبائع، ولولا وجود هذا الطبع فيها لما استطاع الإنسان إلى التغلب عليها سبيلاً.

- قال تعالى: "أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ * وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ * وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ أَفَلَا يَشْكُرُونَ" (يس، آية: 71 ـ 73).

- الرزق:

وعبرة أخرى يلفت القرآن الكريم الأنظار إليها في الحيوان وهي مسألة رزق الحيوان، إن الإنسان يعقل ويفكر ويخطط ويسعى في سبيل تحصل معيشته وكسبه وإذا حصل على الكسب بطريقة ما، فكر في إدخاره وخزنه للمستقبل، أما الحيوان فليست عنده القدرة على التفكيروالتخطيط، وليس من طبعه ذلك، إلا أنواع قليلة منها يجدها علماء الحيوان في الطبقة الراقية من الحيوان كالنمل والنحل، إن قدرة الحكيم الخبير المحيطة بكل شيء قد تكفلت بأرزاقها، وتوفر سبل البقاء أمامها، يقول عز من قائل: " وَكَأَيِّن مِن دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ" (العنكبوت، آية: 60).

هكذا شأن الألوهية في المخلوقات: العلم والاحاطة بالمكان وتكفل الرزق في جميع الظروف، فالحيوان مرزوق في كل مكان في أعماق البحار والمحيطات، وفي الصحراء المحرقة والأصقاع المتجمدة، تحت الصخور الصماء وفي أجواء الفضاء، كل ذلك في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى، قال تعالى: " وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ" (هود، آية: 6).

- أنماط الحياة والتكاثر:

لقد نص القرآن الكريم أن هذه المخلوقات من الدواب والحشرات المتباينة في الإشكال والحجوم وطريقة الحركة والسير أمم وفصائل أمثال الناس.

- قال تعالى: "وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِن مَّاء فَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاء إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ" (النور، آية: 45).

- وقال تعالى: " وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُم مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ" (الأنعام، آية: 38).

لقد أدرك العلم الحديث شيئاً جزئياً من حياة الحيوان بالمخالطة والتتبع والاستقراء، وتأكد لدى الباحثين أن كل حيوان ينتمي إلى فصيلة معينة تجمع بين أفرادها خصائص واحدة وتربطها فيما بينهم نظم ثابتة ولها وسائلها الخاصة في التفاهم ومن دراسة ظواهر الحيوانات الأليفة أثبتوا أن لكل صنف منها لغة خاصة يتفاهم بها ويتعارف مع غيره على أحواله، وأحوال ما يحيط به.

فالدجاجة تصدر أصواتاً خاصة مميزة عندما تدعو صغارها إلى التقاط الحبوب وترى الصغار تتجمع حولها بسرعة، ولكنها تصدر أصواتاً أخرى عند تحذيرها من خطر وشيك فترى الصغار تهرب للاختباء في القنّ أو تحت أجنحتها.

يقول "ألن يفو" أحد علماء الحيوان: إنه وقف يوماً يرقب ثلاثة من صغار الثعالب تلعب حول أمها، وإذا بصغير منها يدخل الغابة ويبتعد عنها كثيراً حتى غاب عن النظر، فاستوت الأم قائمة ومدت أنفها إلى الناحية التي ذهب منها وبقيت على حالها هذه برهة عاد بعدها الصغير في اتجاه لا يلتفت يمنة ولا يسرة كأنما تجذبه بخيط لا تراه العين(323).

لقد قرر القرآن الكريم هذه الحقائق بكل وضوح قبل أن يتطور علم الحيوان الذي لا يزال يدرس الحالات الظاهرة، وبين أن هذه اللغة يمكن إدراكها إذا شاء الله سبحانه وتعالى، بأن أودع في الإنسان خاصة تمكنه من استقبال إشارات هذه اللغة وأخبر القرآن الكريم أن ذلك قد تحقق لأحد أصفياء الله من البشر وهو سليمان عليه السلام(324).

1- الأنعام:

أ- ولكم فيها جمال:

قال تعالى: "وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ * وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ * وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُواْ بَالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ الأَنفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ" (النحل، آية: 5 ـ 6).

والأنعام المتعارف عليها في الجزيرة كانت هي الإبل والبقر والضأن والمعز، أما الخيل والبغال والحمير فللركوب والزينة، والقرآن الكريم إذ يعرض هذه النعمة هنا ينبه إلى ما فيها من تلبية لضرورات البشر وتلبية لأشواقهم كذلك، ففي الأنعام دفء من الجلود والأصواف والأوبار والأشعار، ومنافع في هذه وفي اللبن واللحم وما إليها، ومنها تأكلون لحماً ولبناً وسمناً، وفي حمل الأثقال إلى البلد البعيد لا يبلغونه إلا بشق الأنفس، وفيها كذلك جمال عند الإراحة في المساء وعند السرح في الصباح، جمال الاستمتاع بمنظرها فارهة رائعة صحيحة سمينة وأهل الريف يدركون هذا المعنى بأعماق نفوسهم ومشاعرهم أكثر مما يدركوه أهل المدينة(325).

وهذه اللفتة لها قيمتها في بيان نظرة القرآن ونظرة الإسلام للحياة، فالجمال عنصر أصيل في هذه النظرة وليست النعمة هي تلبية الضرورات من طعام وشراب وركوب، بل تلبية الأشواق الزائدة على الضرورات تلبية حاسة الجمال ووجدان الفرح والشعور الإنساني المرتفع على ميل الحيوان وحاجة الحيوان(326).

وجاء التعبير في" تُرِيحُونَ " و"تَسْرَحُونَ" والروح رجوعها بالعشي من المراعي والسراح: مسيرها إلى مراعيها بالغداة، يقال: سرحت الإبل أسرحها سرحاً وسروحاً: إذا ذُهب بها إلى المرعى(327).

وقدَّم الإراحة على التسريح: لأن منظرها عند الإراحة أجمل، وأحسن لكونها في تلك الحالة قد نالت حاجتها من الأكل والشرب فعظمت بطونها، وانتفخت ضروعها(328).

و" تُرِيحُونَ": فعل مضارع يفيد تجدد مشهد جمال الأنعام في كل رواح وكل سراح، ولذلك جاء التعبير بصيغة المضارع ليحمل السامع وكأنه يشاهده أمامه، كما فيه تجدد المشهد واستمراره، و"َحِينَ" التي تقصده الآية الآية الأولى: أن يُفهم على أنه الوقت كله، أي أن لهذه الأنعام جمال في كل وقت إراحتها، ولها جمال يمتد مع امتداد ذهابها، فلها جمال وهي ترد المساقي في طريق رواحها، ولها جمال وهي تنتشر هنا وهناك، ولها جمال وهي تسرع إلى العشب والماء، ولها جمال وهي تتجمع، ولها جمال وهي تسير بعضها إلى بعض خلف قيادة إحداهن، كما أن لها جمال وهي تقبل إلى راعيها لتستجدي منه شيئاً، أو ليهش لها أوراق الأشجار، والجمال في هذه الأنعام يمكن أيضاً في جمال التركيب وجمال تناسب الأعضاء وجمال تعدد الألوان حيناً واتحدها حيناً آخر، كما يمكن في سلاسة الحركة والعدو طمعاً أو هرباً، ولأهمية الجمال بشكل عام وفي الأنعام بشكل خاص، فإن الآيات السابقة قدمت ذكر

 

"الجمال" قبل ذكر منفعة حمل الأثقال، فقبل أن يقول: " وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ" قال: " وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ".

ب- الأنعام من أحب الشهوات إلى الإنسان:

والجمال عنصر أصيل في الأنعام، ولذلك جاء ذكرها ضمن مهرجاناً حاشد يستعرض فيه القرآن الكريم مجموعة من الزينات المختلفة حيث تأتي هذه الأنعام واحدة من المفردات المهمة في هذا المهرجان الناطق بجمال وروعة هذه الزينات، قال تعالى: "زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ" (آل عمران، آية: 14).

في آية واحدة يجمع السياق القرآني أحب شهوات الأرض إلى نفس الإنسان: النساء، والبنين والأموال المكدسة والخيل والأرض المخصبة والأنعام وهي خلاصة للرغائب الأرضية، إما بذاتها، وإما بما تستطيع أن توفره لأصحابها من لذائذ أخرى، وفي الآية التالية يعرض لذائذ أخرى في العالم الآخر، جنات تجزئ من تحتها الأنهار، وأزواج مطهرة، وفوقها رضوان من الله، وذلك كله لمن يمد بصره من لذائذ الأرض ويصل قلبه بالله.

قال تعالى: "قُلْ أَؤُنَبِّئُكُم بِخَيْرٍ مِّن ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ *    الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ * الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ" (آل عمران، آية: 15 ـ 17).

" زُيِّنَ لِلنَّاسِ" وصياغة للمجهول هنا تشير إلى أن تركيبهم الفطري قد تضمن هذا الميل، فهو محبب ومزين، وهذا تقرير للواقع من أحد جانبيه، ففي الإنسان هذا الميل إلى هذه الشهوات، وهو جزء من تكوينه الأصيل لا حاجة إلى إنكاره، ولا استنكاره في ذاته، فهو ضروري للحياة البشرية، كما تتأصل وتنمو وتطرد، ولكن الواقع يشهد كذلك بأن في فطرة الإنسان جانباً آخر يوازن ذلك الميل، ويحرس الإنسان أن يستغرق في ذلك الجانب وحده، وأن يفقد قوة النفخة العلوية، أو مدلولها، وإيحاءها هذا الجانب الآخر هو جانب الاستعداد للتسامي، والاستعداد الأول، وينقيه من الشوائب، ويجعله في الحدود المأمونة التي لا يطغى فيها جانب اللذة الحسية ونزعاتها القريبة، على الروح الإنسانية وأشواقها البعيدة والاتجاه إلى الله، وتقواه هو خيط الصعود والتسامي إلى تلك الأشواق البعيدة(329).

والنساء والبنون شهوة من شهوات النفس الإنسانية قوية، وقد قرن إليها "الْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ" " مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ"، ونهم المال هو الذي "ترسمه" "الْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ" تلقي ظلاً خاصاً هو المقصود ظل النهم الشديد لتكديس الذهب والفضة، ذلك أن التكديس ذاته شهوة، بغض النظر عما يستطيع المال توفيره لصاحبه من الشهوات الأخرى؟.

ثم قرن النساء والبنين والْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ" والخيل كانت وما تزال حتى في عصر الآلة المادي اليوم ـ زينة محببة مشتهاة، ففي الخيل جمال وقوة وانطلاق وقوة، وفيها زكاء وإلفة ومودة، وحتى التي لا يركبونها فروسية، يعجبهم مشهدها، ما دام في كيانهم حيوية تجيش بمشهد الخيل الفتية.

وقرن إلى تلك الشهوات الأنعام والحرث وهما يقترنان عادة في الذهن وفي الواقع، الأنعام والحقول المخصبة، والحرث شهوة بما فيه من مشهد الإنبات والنماء وإن تفتح الحياة في ذاته لمشهد حبيب، فإذا أضيفت إليه شهوة الملك كانت الحرث والأنعام شهوة(330).

وهذه الشهوات التي ذكرت هنا هي نموذج لشهوات النفوس، يمثل شهوات البيئة التي كانت مخاطبة بهذا القرآن، ومنها ما هو شهوة كل نفس على مدار الزمان، والقرآن يعرضها ثم يقرر قيمتها الحقيقية، لتبقى في مكانها هذا لا تتعداه، ولا تطغى على ما سواه ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا"  "وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ"(331).

2- أفلا ينظرون إلى الإبل:

قال تعالى:" أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ" (الغاشية، آية: 17).

كان الإنسان يسافر ويحمل أثقاله على الإبل، ومنها يشرب ويأكل ومن أوبارها وجلودها يلبس وينزل، ولها خصائص مهمة منها، فهي على قوتها وضخامتها وضلاعة تكوينها ذلول يقوده الصغير، فتقاد وهي على عظم نفعها وخدمتها قليلة التكاليف، مرعاها ميسر، وكلفتها ضئيلة وهي أصبر الحيوان المستأنس على الجوع والعطش والكدح وسوء الأحوال، فالإبل من إبداع الخلاق العليم المتفرد بصنعته التي تدل عليه وتقطع بوجوده(332)، والآية الكريمة " أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ" أفلا صيغة استفهام إنكاري، وهي أفضل صور الحث على النظر، وعلى إعمال البصر، والعقل والقلب للوصول إلى ما عليه الإبل من خلق بديع(333).

وفيها: دعوة للنظر إلى الإبل بما هي عليه من الخلق البديع من عظم جثتها ومزيد قوتها وبديع أوصافها(334)، فقد خلقت جميلة جداً، فهي تبهرك حين تمشي وحين ترد الماء وحين تبرك(335).

أ- خصائص الإبل:

إن العلماء في عالمنا المعاصر قد توصلوا إلى بعض الخصائص التي يمتاز بها الإبل عن بقية المخلوقات من ذلك: اختلاف "كريات" الدم الحمراء في الإبل عن بقية كريات الدم الحمراء في جميع المخلوقات، إذ أن جميع الحيوانات لها "كريات" دم حمراء مستديرة الشكل، أما الإبل فإن كريات الدم عنده "أهليجية" الشكل، وليست لها نواه ـ وذلك لحكمة أرادها الخالق جل وعلا، ومن أجل هذه الخاصة يمكن أن يشرب الإبل مائة لتر من الماء مرة واحدة عندها تتفتح كريات الدم بقدر حجمها مرتين دون أن تتفجر، يقول أحد العلماء: إن جميع خلق الله سبحانه وتعالى من إنسان وحيوان ونبات له قدرة محدودة على شرب الماء، فإذا زادت الكمية عن القدر المحدد انفجرت كريات الدم الحمراء وعرضت حياة صاحبها للخطر، ويقول: إن بعض الإبل تستطيع أن تستغني عن الماء لمدة تزيد على ستة أشهر في فصل الشتاء، ويدلل هذا العالم بذلك على التجارب التي قام بها في معمله على الإبل وبقية الحيوانات الأخرى، والتي نفقت بمجرد أن أفرغ في جوفها كمية من الماء تزيد عما تتحمله كريات الدم الحمراء داخل جسمها(336).

ب- لعاب الإبل من أقوى المضادات الحيوية:

يدلل بعض العلماء نتيجة للأبحاث التي أجريت على هذا الحيوان العجيب أن لعابه يعتبر من أقوى المضادات الحيوية التي عرفتها البشرية في قتل المكروبات، ولهذا نجد أن الأمراض التي تصيب الإبل قليلة جداً، وتكاد تكون خارجية مثل "الجرب" و"الشاف".

جـ - قدرة الإبل على شرب الماء شديد الملوحة والمرارة:

تمتاز الإبل عن بقية المخلوقات بقدرتها على إطفاء ظمئها بأي نوع من الماء تجده فهي تشرب من مياه المستنقعات شديدة الملوحة والمرارة، وتشرب من مياه البحر والمحيطات، وترجع مقدرة الإبل على تجرع محاليل الأملاح المركزة إلى استعداد خاص في الكليتين اللتين لهما قدرة عجيبة على إخراج الفائض ضمن الأملاح(337).

س - العلاج بأبوال الإبل:

إن أبوال الإبل وردت فيها دراسات حديثة أولاها خلصت بعد دراسة على النبات المعالج بمواد مسرطنة إلى أن بول الإبل قد أوقف الخلايا السرطانية، ويمكن أن يستفاد منه في علاج سرطان الجهاز الهضمي وسرطان الدم، موحين بمزيد من التحليلات الكيماوية للمواد الفعالة في بول الإبل، وهذه الدراسة على أيدي كويتيين في جامعة الكويت بكلية الزراعة في الثمانينيات، ثم تلتها دراسة لباحثة سودانية وجدت في دراسة ميدانية في صحراء المغرب لدى القبائل التي لديها الإبل أن نساءهم ذوات شعر جيد، حيث أنهن يغسلن به شعورهن، ولذلك زالت القشرة، وامتنع تساقط الشعر، واستطاعت الباحثة علاج جرب الإبل من الإبل ببول الإبل، وذكرت في خلاصة بحثها أن بول الإبل فيه قدر عال من مركبات الكبريت والثيو سلقيت التي تعد أهم مكونات الشامبو ومنظفات الشعر(338).

إن الأبحاث العلملية أثبتت فعالية ضد بعض أنواع البكتريا والفيروسات ومعالجة كثير من الأمراض(339). وأثبتت كذلك أننا نستطيع معالجة الكثير من الأمراض جليلها وقليلها عن طريق ألبان الإبل وأبوالها، ويؤيد ذلك ما رواه الإمامان البخاري ومسلم بسندها عن أنس بن مالك - رضي الله عنه- أن نفراً من قبيلة عكل قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم فبايعوه على الإسلام ثم استوحموا أرض المدينة ـ وسقمت أجسامهم ـ فشكوا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال عليه السلام: ألا تخرجوا مع راعينا في إبله فتصيبون من أبوالها وألبانها..؟ فقالوا: بلى.

فخرجوا فشربوا من أبوالها وألبانها فصحوا(340)، ووقع خصوص التداوي بأبوال الإبل حديث أخرجه ابن المنذر عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ عليكم بأبوال الإبل فإنها نافعة للذربة(341)  بطونهم(342).

لقد أثبت كثير من العلماء الباحثين، أن في أبوال الإبل من الخصائص ما يمكن عن طريقها ـ بإذن الله تعالى ـ معالجة الكثير من الأمراض المستعصية ولقد كانت الأجيال السابقة، قبل ظهور ما يعرف بـ"المضادات الحيوية" والمطهرات يغسلون الجروح والقروح بأبوال الإبل فتندمل وتشفى، وكانوا إذا أحسوا بخمول في الجسم أو آلام في المعدة نتيجة لما يسمى بالتلبكات المعوية سارعوا إلى شرب أبوال وألبان الإبل فتعود لهم الصحة، وكانت النساء يغسلن رؤوسهن بأبوال الإبل فينموا الشعر ويتكاثر ويشفى من أمراضه التي تعمل على تقصفه وإزالة ما به من قشور وآفات(343).

ك- ألبان الإبل:

وللبن النوق فوائد ودواء وشفاء من أمراض الربو والسكر وعلاج نزلات البرد والنزلات الشعبية، ولسرعة التئام الجروج، وفي قرحة المعدة ودواء للسرطان، وأمراض الكبد والتهاباته، لاحتوائه على تراكيز عالية من فيتامين "ج" والأملاح المعدنية المهمة لحيوية الجسم، فهو واق من كثير من أمراض الجهاز التنفسي ودهونه لا تشكل على جدران الأوعية الدموية، فالنسبة المنخفضة منه التي لا توجد لدى غير الإبل من بين الحيوانات الأخرى اللبونة لا تؤثر في الجسم ولا تؤدي إلى مشكلات صحية، كما أن تركيب الأحماض الأمينية في لبن الناقة يشبه تركيب هرمون الأنسولين مما يجعله ذا فائدة لمرض السكر، كما ثبت أنه بإضافته إلى بول الناقة "بنسبة الخمس من البول" يصير علاجاً فعالاً وناجحاً جداً من أمراض متعددة من بينها أنواع من أمراض الكبد من تليّفه إلى تشمعه إلى التهاباته الفيروسية وغيره، وعلى كل حال فإن محتوى الحديد فيه يحوي عشرة أضعاف ما في غيره من ألبان، وينظر إليه كمقوّ جنسي ومنشط قوي مثير للشهوة، وما زالت البحوث على قدم وساق في شأن لبن النوق(344).

3- آية اللَّبن " مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ":

قال تعالى: " وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُّسْقِيكُم مِّمَّا فِي بُطُونِهِ مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَنًا خَالِصًا سَآئِغًا لِلشَّارِبِينَ" (النحل، آية: 66).

والفرث هو ما في الكرش، وقيل السرجين ما دام في الكرش(345).

وذكر كثير من المفسرين ما يتفق مع ما جاء به العلم الحديث من أن مكونات اللبن تستخلص من الفرث ثم من الدم، وممن قال بذلك القرطبي وأبو السعود وغيرهم، فقد هدى الله تعالى بعض المفسرين إلى الفهم الصحيح لمعنى " مِن بَيْنِ"،أنها تعني من بعض الفرث ثم من بعض الدم، على الرغم من عدم معرفتهم للكيفية التي لم يطلع عليها البشر إلا بعد قرون من نزول هذه الآية الكريمة.

كما أن لفظ " خَالِصًا" في الآية دليل آخر على أن مواد اللبن تخلص من بين الدم بعد أن خلصت من الفرث، وقد ألمح إلى هذا المعنى الطبري بقوله: خلص من مخالفة الدم والفرث فلم يختلطا به(346). فهذا اللبن الذي تدره ضروع الأنعام مستخلص من بين فرث ودم الكرش بعد الهضم والامتصاص.

ففي تأكيد القرآن الكريم أن الله ـ تعالى ـ يخلق لنا اللبن في ضروع الحيوانات اللبونة من بين فرث ودم، حقيقة علمية لم يصل إليها علم الإنسان إلا في القرن العشرين، فالدراسات العلمية الحديثة أثبتت أن حركة الدم بين معدة الاجترار "المحتوية على الفرث" وبين باقي أجزاء جسم الحيوان من الأنعام هي التي يتخلق بها اللبن حتى يصل إلى الضرع وهي عملية معقدة يتم خلالها ضخ حوالي خمسمائة لتر من الدم إلى الغدد اللبنية في ضرع الحيوان من الأنعام الكبيرة كالإبل والبقر لتوفير المواد اللازمة من البروتينات والكربوهيدرات، والدهون، والعناصر الفلزية وغير الفلزية، والفيتامينات، والهرومونات اللازمة لرضعة واحدة أو لحلبة واحدة كاملة والتي يستخلصها الدم من الفرص ثم يوصلها إلى الغدد اللبنتية(347).

ما كان أحد يعلم قبل اكتشاف أجهزة التشريح في القرنين الماضيين أسرار ما يجري في الجهاز الهضمي عند الحيوان والإنسان ووظائف ذلك الجهاز المعقد وعلاقته بالدورة الدموية ومراحل تكون اللبن في بطون الأنعام، فلما تكاملت صناعة الأجهزة والتجارب العلمية عبر قرون عرف الإنسان أن مكونات اللبن تستخلص بعد هضم الطعام من بين الفرث وتجري مع مجرى الدم لتصل إلى الغدد اللبنية في ضروع الإناث التي تقوم باستخلاص مكونات اللبن من بين الدم دون أن يبقى أي آثار من الفرث أو الدم، وتضاف إليه من حويصلات اللبن مادة سكر اللبن التي تجعله سائغاً للشاربين، هذه الأسرار كانت محجوبة عن البشر فلم يكتشفوها إلا بعد رحلة طويلة من التجارب والبحوث العلمية التي استغرقت قروناً واستعملت فيها أجهزة صنعت لأول مرة على أيدي الباحثين لم يكن لها وجود عند البشر قبل ذلك، ولكن القرآن الكريم كشفها أمام قارئيه بأجمل عبارة، وأوجز لفظ قبل ألف وأربعمائة عام(348).

4- جمال الخيل:

الخيل من الحيوانات التي تتمتع بدرجة عالية من الجمال، فجمالها يفوق جمال غيرها من الحيوانات في الشكل واللون والحركة وهذه حقيقة ثابتة لا أظن أحداً من  الناس يغفلها، فضلاً عن أن ينكرها، قد زينها الله للناس وحببها إليهم جميعاً، قال تعالى: " زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ" (آل عمران، آية: 14).

وتسويمها حسنها.

وذكر القرآن الكريم جمال البغال والحمير والخيل، فقال تعالى: " وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ" (النحل، آية: 8).

وتكلم القرآن الكريم عن مهرجان استعراضي عظيم أقيم لخيل نبي الله سليمان عليه السلام، عرض يليق بنبي الله سليمان، سليمان النبي الملك الذي استجاب الله له دعوته، ووهب له ملكاً لا ينبغي لأحد من بعده، قال تعالى: "} وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ * إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ * فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ * رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ" (ص، آية: 30 ـ 33).

العرض: هو الإمرار والإحضار أمام الرائي(349).

الصافنات الجياد: الخيل وصفوفها ووقوفها وبسطها قوائمها(350).

والجياد: الخيل جمع جواد وهو السابق(351)  وهو الفرس إذا كان سريع العدو.

والمسح حقيقته: إمرار اليد على الشيء لإزالة ما عليه من غبش أو ماء أو غبار وغير ذلك مما لا يراد بقاؤه على الشيء ويكون باليد وبخرقة أو ثوب(352).

والسوق: جمع ساق، وهو ما أعلى القدم.

والأعناق: جمع عنق، وهو الرقبة.

والصافنات من الخيل: القائم على ثلاثة قوائم، وقد أقام الرابعة على طرف الحافر، سماها القرآن الكريم ذلك وهي تقف على ثلاث وترفع الرابعة في حركة إيقاعية جميلة(353). وعن ابن عباس رضي الله عنهما وغيره في قوله " فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ" (ص، آية: 33).

أي: طفق يمسح أعراف الخيل وسوقها بيده حباً لها.

وقال الطاهر بن عاشور: وهذا هو الجاري على المناسب لمقام نبي والأوفق بحقيقة "المسح"(354).

وقوله: " رُدُّوهَا عَلَيَّ" متصلاً بقوله "ِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ"، أي: بعد أن استعرضها واتصرفوا بها لتأوي إلى مزاودها. قال: " رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ" إكراماً لها ولحبها(355)، وكان هذا العرض في غاية الجمال، والروعة، والبهجة، مما زاد سليمان ـ عليه السلام ـ حباً لها وإعجاباً بجمالها وحسن عرضها، فقال: "ِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ"، والخير هنا: الخيل قال الطبري: عني بالخير في هذا الموضع الخيل، والعرب فيما بلغني تسمِّي الخيل الخير، كما يسمون المال الخير(356).

أي: إني أحببت الخيل لأجل أنها تذكرني بربي: "لا أحبها لأجل الدنيا، ولأجل نصيب النفس، وإنما أحبها لأمر الله تعالى(357).

إذن فقد كان حب سليمان عليه السلام للخيل نوعاً من أنواع ذكر الله خالقها: إذ أن ذلك من ذكر ربه أو لأن ذلك النظر نوع من ذكر ربه أو لأن الله أمره أن يستروح بالجمال في الطبيعة وفي المخلوقات استرواحاً لا يؤذي أحداً، وإنما استرواح متسق مع ذكر الله دائماً(358). ومثله قوله تعالى: " لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللّهِ" (الرعد، آية: 11) من أمر الله: أي بأمر الله(359)، أو من أجل أمر الله(360)، ويظهر أن هذا العرض وهذا الابتهاج قد استمر إلى أن غابت الشمس وبعدها قال نبي الله سليمان: " رُدُّوهَا عَلَيَّ" أي الخيل: ولسان حاله يقول: لأشكرها على هذا العرض الجميل العظيم الذي جاءت به، فجعل يمسح سوقها، وأعناقها مسحة شكر وإكبار وعرفان بالجميل، والخيل تتجاوب معه في هذا الشكر كعادتها مع من يمسح أعناقها وسوقها، وتنعم بهذا المسح وتستريح وتحس بالسكينة، وهذا الارتياح إنما هو تعبير منها على حبها لهذا المسح(361).

هذا هو التفسير الأقرب للصواب لأنه ينسجم وروح الإسلام(362)، على خلاف التفسير الخاطيء، الذي أورده كثير من المفسرين والذي يزعم أن سليمان ـ عليه السلام ـ قام بقطع أعناق وسوق هذه الخيل، بزعم أنها شغلته وألهته عن صلاة العصر حتى غابت الشمس، وذلك التفسير ليس صحيحاً لأن قتل الخيل ـ البريئة الجميلة ـ بهذا الشكل غير الحسن والمنافي لتعاليم الإسلام، لا يليق أن يُنْسب أو يُلصق بإنسان عادي لديه أدنى إحساس أو أدنى رحمة أو أدنى الإيمان، فكيف يلصق بنبي يوحى إليه: نبيّ يملك من الإحساس والشعور والرقة والرحمة والشفقة الشيء الكثير ـ قد أوقفته وحيدة ذات يوم نملة خافت على نفسها وأخواتها أن يحطمها سليمان وجنوده وهم لا يشعرون، فما كان منه إلا أن أشفق عليها وتبسم ضاحكاً من قولها، فكيف هنا يقطع أعناق الخيل، لا ذنب لها في غفلة سليمان عن صلاة العصر - كما زعم أصحاب هذا القول- ومن هنا نقول: إن القول بتقطيع سليمان سوق وأعناق الخيل قول مردود من عدة أوجه(363)  يمكن تلخيصها في النقاط التالية التي تمثل:

أ- طبيعة نبي الله سليمان الشفاقة التي تمنعه أن يدوس نملة أو يُحطمها فضلاً في أن يعذب خيلاً بتقطيع أعناقها وسوقها، دليلنا على ذلك شهادة النملة عندما قالت: "وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ" (النمر، آية: 18)، بمعنى أنهم لو شعروا بوجود نمل فلن يُحطِّموها بأقدامهم، فهم سليمان وجنده.

ب- تقدير وحُبّ نبيِّ الله سليمان للجمال، كما هو واضح في قصّته مع، الأمر الذي يمنعه أن يعذب خيلاً فاضت عليه حسناً وجمالاً يعرضها، فهو لم يحبها فحسب بل أحبها، وأحب حبه لها أيضاً.

ت- لفظ: "المسح" في الآية: الذي يعني "المسح" على حقيقته ولا يوجد ما يصرفه عن معناه الحقيقي أو إلى القطع كما يزعم البعض وأنه لو كان معنى: مسح السوق والأعناق قطعها لكان قوله تعالى: " وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ" تعني: اقطعوها، وهذا لا يقوله عاقل(364).

ج- لو افترضنا جدلاً أن الله أجاز لسليمان قتلها بذبح أعناقها، فلماذا عذَّبها إذا بقطع سيقانها وقد حرّم الله عليها ذلك التعذيب(365)، وغيره، بل أمره بالإحسان في كل شيء حتى في القتل(366).

ح- إن صلاة العصر لم تكن مفروضة في شريعة سليمان، فكيف يقال أنها فاتته وهي في حكم المعدوم، حيث كان هو على ملة إبراهيم التي كانت فيها الصلاة فقط، في الغدو والعشي.

س- إن القائلين بهذا القول جمعوا على سليمان أنواعاً من الأفعال المذمومة منها، أنه ترك الصلاة، واستولى عليه الاشتغال بحب الدنيا، وحب الدنيا رأس كل خطيئة وأنه لم يشتغل بالتوبة والإنابة من هذا الذنب العظيم "كما زعموا" بل اتبع هذه المعاصي، بعقر الخيل "سوقها وأعناقها"، وهذه كلها من الكبائر نسبوها إلى سليمان ـ عليه السلام ـ مع أن لفظ القرآن الكريم لا يدل على شيء منها.

ش- إن هذه الرواية إسرائيلية ولم تصح عند أهل العلم، وقد ثبت ـ كما رأينا تناقضها مع روح الإسلام ورحمته.

والعجيب في الأمر، كيف قبل الناس ما شاع من هذه الوجوه الخاطئة مع أنها تعارض العقل والنقل وليس لمن أثبتها أدنى  شبهة تؤيد قوله فضلاً عن حجة وبرهان(367).

ك - وجه الإعجاز في الصافنات الجياد؟

ورد في القرآن الكريم وصف: " الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ": لخيل نبي الله سليمان ـ على نبينا وعليه من الله السلام ـ وهم مدح للخيل واقفة " الصَّافِنَاتُ" وجارية "الْجِيَادُ"، فإذا وقفت كان ذلك على ثلاثة قوائم وعلى طرف القائم الرابع ذلك من علامات السكون، والاطمئنان، والثقة بالنفس والخيلاء بما أفاء الله تعالى ـ عليها، من قوة وجمال وذكاء، وقدرات على الحس والإدراك، وإذا جرت كانت في عدوها سباقة راكضة، وهذه من المعارف التي بدأ البحث في علم سلوك الحيوان في التوصل إليها، كذلك أثبت علم سلوك الحيوان أن المسح بسوق الخيل وأعناقها يلعب دوراً مهماً في ترويضها وتطمينها وإشعارها بالود والمحبة، من هنا فإن وصف القرآن الكريم لجياد سيدنا سليمان بـ" الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ" ووصف تعاملها معها يقول الحق تبارك وتعالى: " فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ" كان إلهاماً من الله تعالى لنبيه سليمان ـ على نبينا وعليه من الله السلام ـ وسبقاً علمياً وتاريخياً، لأن ذلك لم يكن معروفاً لأحد في زمن الوحي بالقرآن الكريم(368)، ثم أن الإشارة الإشارة في الآيات القرآنية الكريمة التي تصف هذه الواقعة (سورة ص، آية 31 ـ 33) جاءت بالتأنيث " الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ" مما يؤكد دور أنثى الخيل في تدبير أمر جماعتها وهو من حقائق علم سلوك الحيوان التي لم تعرف إلا في أواخر القرن العشرين(369).

و- أفضل طرق فحص واختبار الخيل:

للحيوانات الأهلية أمزجة متباينة، وطباع تتقلب بين الدعة والشراسة لذلك يتطلب الاقتراب منها حرصاً وانتباهاً عظيمين خصوصاً للغريب الذي لم يسبق له معاملتها أو خدمتها، نجد أنه في الخيل يجب أن يظهر فاحص الحصان نحوه كثيراً من العطف وهو داخل عليه، فيربت على رأسه ورقبته وظهره فيطمئن إليه ويعلم أن القادم صديق فلا يتهيج أو يرفس.

وقياس نبض الخيل من أهم الأمور التي يجب على الفاحص أن يبدأ بها فحصه للحصان، فعن طريق النبض يمكن معرفة حالة الحصان المرضية، ويقرر العلم أن قياس النبض في الخيل يكون من الشريان تحت الفكي، والشريان الصدغي، والشريان الكعبري.. وإذا كان قياس النبض والحصان في حالة هدوئه إنما يكشف لإنسان عن حالة الحصان المرضية وعما إذا كان مصاباً بمرض أو سليماً، فإن قياس نبضه لمعرفة درجة احتمال قلبه وطاقته لا بدَّ أن تكون بعد أن يقوم الحصان بشوط من الجري، كما أنه توجد في بعض الخيول عيوب تقلل من قيمة الحصان، ولذلك فإن الطريقة التي أصبحت دستوراً يعمل به عند فحص واختبار الخيل هي أنه بعد الفحص الظاهري الأول للحصان والتأكد من صلاحياته شكلاً ومنظراً يقوم بالعدو لشوط كبير على قدر الاستطاعة ومراقبته أثناء العدو، ثم قياس نبضه بعد أن فحص الخيل فحصاً ظاهرياً إذ عرضت عليه، لذلك أمر النبي سليمان عليه السلام بأن تعدو الخيل إلى أقصى وأبعد ما يستطاع حتى توارت بالحجاب فلم تعد رؤيتها مستاطعة، ثم طلب أن تعود بعد هذا الشوط الطويل من العدو وعندها قام بالفحص العملي لقياس النبض من الشريان تحت الفكي والصدغي والعكبري، كما قام بفحص ساق الحصان بعد هذا المجهود ليعرف أثر العدو عليه وطاقة الساق عليه(370).

سادساً: الطير:

1- الطير أمة من الأمم:

الطير أمة من الأمم خلقها الله تعالى، وألهمها سبل الحياة، وجعلها برهاناً على عظمته وقدرته.

- قال تعالى: " وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُم مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ" (الأنعهام، آية: 28).

وفي قوله: "ِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُم" أي: أصناف، وكل صنف من الدواب، أو الطير مثل بني آدم في المعرفة بالله وطلب الغذاء، وتوقي المهالك.. مع أشبه لهذا كثير(371)، و"أُمَمٌ أَمْثَالُكُم" أي: كما لكم حياتكم الخاصة بكم كأمم وشعوب.. فهذه العوالم من الدواب والطيور مثلكم لهم حياتهم الخاصة بهم كأمم مختلفة ألوانها وأشكالها.. كل أمة تتميز عن أختها بما خصها الله تعالى من الخصائص والصفات، وهي جماعات مماثلة لكم في الخلق والرزق والحياة والموت والحشر ينتابها ما ينتابكم من الحسرة أو حزن أو ألم.. ومرض وشفاء(372)، وهي ستحاسب يوم القيامة إن طغى بعضها على بعض وظلم بعضها البعض، كما سيحاسب الإنسان، وتقتص كل منها من الآخر، وإن لم يكن من قصاص التكليف إذ لا تكليف عليها، بل قصاص مقابلة كما في الحديث الشريف عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى يقاد للشاه الجلحاء(373) من الشاه القرناء(374).

2 - منطق الطير:

قال تعالى: " وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ" (النمل، آية: 16)، ومنطق كل شيء: صوته، وقد يقع لما يفهم بغير كلام، وقد علم الله تعالى سليمان عليه السلام فهم أصوات الطير ولغاتها التي تسبح بها وتصلي " كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ" (النور، آية: 41).

وبهذه اللغة تتفاهم الطيور مع بعضها، وقد عكف العلماء على دراسة الطير، وطباعه ولغته فوجدوا أنه بواسطة اللغة هذه يتفاهم الذكر مع الأنثى وأن بعضها يحذر بعضاً، كما تفعل العصافير بالزقزقة، ولاحظوا أن الطيور تغرد في فترات الصباح أكثر من فترة الظهيرة فتطرب الآذان وتنس النفوس(375).

3- سليمان عليه السلام والهدهد:

قال تعالى: "وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ * لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ * فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ * إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ * وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ * أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ * اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ * قَالَ سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ * اذْهَب بِّكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ" (النمل، آية: 20 ـ 28).

يتجلى لنا الإعجاز الإعلامي في قصة هدهد سليمان والتي وردت في سورة النمل في النواحي التالية:

أ - استخدام المقدمة المشوقة:

حيث نرى الهدهد في هذه القصة استخدم أسلوب التشويق في بداية القصة حينما قال: " فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ" (النمل، آية: 27).

- فالهدهد، أحاط أي رأى وشاهد وسمع وفهم وحلل فهو قد أحاط الموقف علماً ولذلك قال أحطت(376).

- وهو يعلم ويجزم أن سليمان لم يحط به: " بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ"(377).

إن الهدهد يعرف حزم الملك وشدته، ولذلك بدأ حديثه بمفاجأة تطغى على موضوع غيبته، وتضمن إصغاء الملك له.. وأي ملك لا يستمع وأحد رعاياه يقول له: "أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ".

- وهو قد تحرى ودقق وبحث وعرف أن القرية اسمها سبأ وهي في بلاد اليمن.

- وهو قد جاء منها بنبأ يذاع لأول مرة عند سليمان فكلمة "جِئْتُكَ" تدل على إحضار بيانات وعلم من مكان خارج عن المكان الذي أنت فيه الآن.

إذن فالهدهد استخدم أسلوب التشويق لأنه يعرف أنه جاء بسبق صحفي يذاع لأول مرة خاصة لنبي الله سليمان عليه السلام.

وهو واثق من نفسه ومن النبأ الذي جاء به، فيصفه بأنه نبأ يقين، وقد عاجل الهدهد سليمان بهذه المقدمة المشوقة لكي يمتص غضبه بسبب غيابه، ولكي يستثيره، فقول سليمان الذي توعده بالعذاب الشديد أو الذبح استثنى أن جاء الهدهد بسلطان مبين(378).

ب - التناسب:

يؤكد علماء الصحافة أن كل خبر صحفي ينبغي أن يتكون من عنوان ومقدمة وجسم للخبر وخاتمة، وعندما ننظر إلى قصة الهدهد مع نبي الله سليمان نجد أن الهدهد يبتكر شيئاً جديداً في عالم الصحافة حيث رآه يقسم جسم الخبر المؤكد الذي جاء به إلى نبي الله سليمان عليه السلام إلى نوعين:

- معلومات يراها الإعلامي، وترصد حواسه عن أشياء معلنة يراها بعينه وسمعها بأذنيه ويمسكها بيديه وهي أربعة:

* إني وجدت امرأة تملكهم، عرف أنها امرأة، فالهدهد له عقل ويعرف الفرق بين الذكر والأنثى.

* تملكهم عرف العلاقة الإدارية بينها وبين قومها في لا ترأسهم ولا تقودهم ولا تؤمهم، وهي ليست فقط ملكتهم، ولكنها تملكهم.

* وأوتيت من كل شيء ومعنى هذا أن الهدهد طلع على ملكها وقيمه، كما أن لديه خبرة في الأشياء عرف بها كيف يقيم هذا الملك.

* ولها عرش عظيم، هو يقيم عرضها ويقدر أنه عظيم، فمن الذي علمه هذا؟ لا شك أنه الله رب العالمين ولا جدال أن كل هذه الأمور الأربعة محسوسة ومدركة بالحواس الخمس أو ببعضها.

- أنباء عن أشياء مخفية عن الحواس فهي أشياء في عقل أو قلب بعض الناس فلا تدرك بالحواس الخمس وإنما بالعقل منها.

* " وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ" (النمل، آية: 24).

وأنت لا تستطيع من رؤيتك لقوم يسجدون أن تعرف أهم يسجدون لله أم للشمس، أم نفاقاً؟ فذلك في نيتهم التي لا يمكن الاطلاع عليها من الظاهر، ولكن الهدهد عرف ما في عقولهم.

* فصدهم عن السبيل فهي أخبار لا تدرك بالحواس ولكن بالاطلاع على مخبوء العقل.

* " لَا يَهْتَدُونَ"، وهذه معناها أن الهدهد يعرف الهدى من الضلال، وهكذا نرى أن الهدهد في قصته الخبرية استخدم الألفاظ المناسبة التي تدل على المعنى المراد.

ج - التنوع في طريقة عرض الأبطال والأحداث:

وهذه سمة مهمة في قصة سليمان مع الهدهد، فنحن نرى تنوعاً وتعدداً في أبطال القصة، فمرة نجد نبي الله سليمان يتفقد الطير فلا يجد الهدهد، ومرة نجد الهدهد يقف بين يدي نبي الله سليمان متحدياً " أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ"، ومرة ثالثة نجد ملكة سبأ وقد عبدت الشمس من دون الله مع قولها وهكذا التنوع في طريقة عرض الأبطال والأحداث.

ح - التدرج في الاتهام:

فعند التأمل الدقيق لهذه القصة نجد أن نبي الله سليمان تدرج في الاتهام، فنحن نراه اتهم نفسه أولاً: " مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ" (النمل، آية: 20)، ثم اتهم الهدهد: " أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ".

ثم تدرج في العقوبة من الأشد على الأخف، فمن العذاب الشديد إلى الذبح، ثم إلى الى العفو الشامل، لو يأتي بسلطان مبين، ولا شك أن هذا التدرج من علامات الإيمان، حيث لا يترك الإنسان احتمالاً لا لإدانة نفسه قبل إدانة غيره، وألا يترك نفسه للانفعال الشديد ولكنه يهدأ حتى يصل ‘لى العفو(379).

س - براعة الدفاع عن النفس:

وقد تمثل في قول الهدهد معتذراً لنبي الله سليمان عليه السلام: " أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ" فهنا نجد الهدهد بدأ بمقدمة يسميها علماء الصحافة المقدمة القنبلة حيث نراها تطغى على مسألة غيابه، وتضمن إصغاء نبي الله سليمان له.

ش - حسن اختيار الألفاظ:

حيث تم اختيار الألفاظ في قصة هدهد سليمان عليه السلام بطريقة رائعة تدل على فهم عميق، فكانت الألفاظ تحمل معنى واحداً هو المعنى الذي قصده وأراده القائم بالاتصال ومن أمثلة ذلك:

" أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ" فالاحاطة هنا شاملة لجميع جوانب الحدث أو الخبر الذي جاء به دون أن يترك ثغرة فيه، وكذلك عند اختياره لجملة " بِنَبَإٍ يَقِينٍ" فلقد ذكر الهدهد لفظ "نبأ" بدلاً من "خبر"لأن النبأ أصدق من الخبر، ولأنه يروي الأحداث الهامة والعظيمة والتي تهم المستمع وكذلك يدل استخدام النبأ اليقين على شدة تيقن الهدهد من صحة الأخبار والمعلومات والمتابعات الإخبارية، وتتجلى براعة الهدهد أيضاً في استخدامه للفظ " الْخَبْءَ" في حديثه حيث أظهر قدرة وعظمة الله وكذلك اختياره للفظ السجود في قوله " يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ" (النمل، آية: 24).

فهذا دليل على أن العبادة لا تتم إلا بالسجود لله الخالق الوهاب، فالسجود أصل العبادة.

ك - براعة تصوير الأحداث:

فالمتأمل لهذه الآيات القرانية التي تتحدث عن قصة هدهد سليمان يكتشف براعة في تصوير الأحداث وكأنه يرى الأحداث حية أمامه، فنبي الله سليمان عليه السلام يبحث عن الهدهد في مشهد رائع والهدهد يأتي من سبأ بنبأ يقين في مشهد يشعر وكأن الأحداث تجري حية أمام عينه فهو يحس بانفعال الهدهد، وحزنه على قوم سبأ الذين يسجدون للشمس من دون الله، وهو أيضاً يحس بني الله سليمان وهو يتفقد أحوال رعيته ويبحث عن الهدهد.

و - الأيجاز:

وهذه سمة مهمة في قصة هدهد سليمان عليه السلام توضح الإعجاز الإعلامي في القرآن الكريم الذي يتجلى لنا في استخدام أقل الكلمات للتعبير عن أكبر عدد من الأفكار، ومن الأمثلة على ذلك قوله تعالى: " وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ" (النمل، آية: 23).

هـ - انتقاء الأحداث:

وتتجلى لنا سمة انتقاء الأحداث وهي إعجاز إعلامي رائع في قول الهدهد: " وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ" (النمل، آية: 22).

قال سليمان: وما ذاك الخبر؟ قال: إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ"، فقد تم انتقاء الحدث، فلم يذكر لنا سؤال سليمان وجيء بجواب الهدهد مباشرة(380).

4 - تسبيح الطير:

قال تعالى: " أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ" (النور، آية: 41).

هذا مشهد الإيمان والهدى والنور في الكون الفسيح، مشهد يتمثل فيه الوجود كله، بمن فيه وما فيه، شاخصاً يسبح لله: إنسه وجنه، أملاكه وأفلاكه، أحياؤه وجماده، وإذا الوجود كله تتجاوب بالتسبيح أرجاؤه في مشهد يرتعش فيه الإنسان حين يتأمله.

إن الإنسان ليس مفرداً في هذا الكون الفسيح، فإن من حوله، وعن يمينه وعن شماله ومن فوقه ومن تحته وحينما امتد به النظر أو طاف به الخيال، إخوان له من خلق الله، لهم طبائع شتى، وصور شتى، وأشكال شتى، ولكنهم بعد ذلك كله يلتقون في الله، ويتوجهون إليه، ويسبحون بحمده وتقواه ويوجه بصره وقلبه خاصة إلى مشهد في كل يوم يراه فلا يثير انتباهه لطول ما يراه ذلك مشهد الطير صافات أرجلها وهي طائرة في الفضاء تسبح بحمد الله " كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ".

والإنسان وحده هو الذي يغفل عن تسبيح ربه، وهو أحد خلق الله بالإيمان والتسبيح والصلاة، وإن الكون ليبدو في هذا المشهد الخاشع متجهاً كله إلى خالقه، مسبحاً بحمده، قائماً بصلاته وإنه لكذلك في فطرته، وفي طاعته لمشيئة خالقه الممثلة في نواميسه، وإن الإنسان ليدرك ـ حين يشف ـ هذا المشهد ممثلاً في حسه كأنه يراه، وإنه ليسمع دقات هذا الكون وإيقاعاته تسابيح لله، وإنه يشارك كل كائن في هذا الوجود صلاته ونجواه كذلك كان محمد بن عبد الله ـ صلاة الله وسلامه عليه ـ إذن متى سمع تسبيح الحصى تحت قدميه وكذلك الجبال معه والطير " وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ".

فلا اتجاه إلا إليه، ولا ملجأ من دونه، ولا مفر من لقائه، ولا عاصم من عقابه، وإلى الله المصير(381).

5ـ الطير جند من جند الله:

- قال تعالى: "أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ * أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ * وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ * تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِّيلٍ * فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ" (الفيل، آية: 1 ـ 5).

وفي قوله: " أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ"، وهو سؤال للتعجب من الحادث، والتنبيه إلى دلالته العظيمة، فالحادث كان معروفاً للعرب ومشهوراً عندهم حتى لقد جعلوه مبدأ تاريخ، يقولون حدث كذا عام الفيل بعشر سنوات، والمشهور أن مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان في عام الفيل ذاته، ولعل ذلك من بدائع الموافقات الإلهية المقدرة.

وإذن فلم تكن السورة للإخبار بقصة يجهلونها، إنما كانت تذكيراً بأمر يعرفونه، المقصود ما وراء هذا التذكير، ثم أكمل القصة بعد هذا المطلع في صورة الاستفهام التقريري كذلك.

" أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ"، أي: أم يضل مكرهم فلا يبلغ هدفه وغايته، شأن من يضل الطريق فلا يصل إلى ما يبتغيه، وأما كيف جعل في تضليل فقد بينه في صورة وصفية رائعة: "وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ * تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِّيلٍ * فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ".. والأبابيل: الجماعات، وسجيل: كلمة فارسية مركبة من كلمتين تفيدان: حجر وطين، أو حجارة ملوثة بالطين، والعصف: الجاف من ورق الشجر، ووصفه بأنه مأكول: فتيت طحين، حين تأكله الحشرات وتمزقه، أو حين يأكله الحيوان فيمضغه ويطحنه وهي صورة حسية للتمزيق البدني بفعل هذه الأحجار التي رمتهم بها جماعات الطير، وتوحي دلالة هذا الحادث بأن الله لم يقدِّر لأهل الكتاب ـ أبرهة وجنوده ـ أن يحطموا البيت الحرام أو يسيطروا على الأرض المقدسة حتى والشرك يدنسه والمشركون هم سدنته، ليبقى هذا البيت عتيقاً من سلطان المتسلطين مصوناً من كيد الكائدين، وليحفظ لهذه الأرض حريتها حتى تنبت فيها العقيدة الجديدة حرة طليقة لا يهيمن عليها سلطان، ولا يطغى فيها طاغية، ولا يهيمن على هذا الدين الذي جاء ليهيمن على الأديان وعلى العباد ويقود البشرية ولا يقاد، وكان هذا من تدبير الله لبيته ولدينه قبل أن يعلم أحد أن نبي هذا الدين قد ولد في هذا العام(382).

وكذلك توحي دلالة هذا الحادث أن العرب لم يكن لهم دور في الأرض، بل لم يكن لهم كيان قبل الإسلام، كانوا في اليمن تحت حكم الفرس أو الحبشة، وكانت دولتهم حين تقوم هناك أحياناً تقوم تحت حماية الفرس وفي الشمال كانت الشام تحت حكم الروم، إما مباشرة وإما بقيام حكومة عربية تحت حماية الرومان، ولم ينجح إلا قلب الجزيرة من عدم تحكم الأجانب فيه، ولكنه ظل في حالة بداوة أو في حالة تفكك لا تجعل منه قوة حقيقية في ميدان القوى العالمية، وكان يمكن أن تقوم الحروب بين القبائل أربعين سنة، ولكن لم تكن هذه القبائل متفرقة ولا مجتمعة ذات وزن عند الدولة القوية المجاورة وما حدث في عام الفيل كان مقياساً لحقيقة هذه القوة حين تتعرض لغزو أجنبي(383).

وتحت راية الإسلام ولأول مرة في تاريخ العرب أصبح لهم دور عالمي يؤدونه، وأصبحت لهم قوة دولية يحسب لها حساب، قوة جارفة تكتسح الممالك وتحطم العروش وتتولى قيادة البشرية، بعد أن تزيح القيادات الجاهلية المزيفة الضالة، ولكن الذي هيأ للعرب هذا لأول مرة في تاريخهم هو الإسلام، وذكروا أنهم مسلمون ورفعوا راية الإسلام وتركوا نعرة الجنس وعصبية العنصر، وإنما حملوا راية الإسلام وحدها وعقيدة ضخمة قوية يهدونها إلى البشرية رحمة وبراً بالبشرية، ولم يحملوا قومية ولا عنصرية، ولا عصبية حملوا ديناً يعلمون الناس به لا مذهباً أرضياً يخضعون الناس لسلطانه، وخرجوا من أرضهم جهاداً في سبيل الله وحده ولم يخرجوا ليأسسوا إمبراطورية عربية ينعمون ويرتعون في ظلها ويشمخون ويتكبرون تحت رعايتها وإنما قاموا ليخرجوا الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام.

عندئذ فقط كان للعرب وجود، وكانت لهم قوة، وكانت لهم قيادة ولكنها كانت كلها لله وفي سبيل الله، وقد ظلت لهم قوتهم وظلت لهم قيادتهم ما استقاموا على الطريقة، حتى إذا انحرفوا عنها وذكروا عنصريتهم وعصبيتهم وتركوا راية الله ليرفعوا راية العصبية نبذتهم الأرض وداستهم الأمم، لأن الله قد تركهم حين تركوه ونسيهم مثلما نسوه(384).

والإسلام الذي تقدم به العرب للبشرية وهو الذي رفعهم الله به في مكان القيادة، فإذا تخلوا عنه لم يعد لهم في الأرض وظيفة ولم يعد لهم في التاريخ دور، وهذا ما يجب أن يذكره المسلمون جيداً إذا هم أرادوا الحياة، وأرادوا القوة وأرادوا القيادة والله الهادي من الضلال(385).

6 - معجزة الطيران:

لقد أشار القرآن الكريم إلى الأنظمة التي خلقها تعالى للطير وبها يستطيع الطيران في الجو وذلك:

- في قوله: " أَلَمْ يَرَوْاْ إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاء مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ اللّهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ" (النحل، آية: 79).

- وقوله تعالى: " أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ" (الملك، آية: 19).

لقد أشارت هاتان الآيتان إلى ناحيتين من نواحي الإعجاز العلمي في القرآن وهي الطير المسخرات والطير الصافات.

أ - الطير المسخرات:

- فقوله سبحانه: " مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاء مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ اللّهُ" وهي تشير إلى الأنظمة التي خلقها الله في جسم الطائر وفي التيارات الهوائية التي تمكن الطائر من الطيران ولكي يستطيع الطائر أن يطير ويحلق في الهواء عليه أن يحقق عنصرين هامين هما: خفة الوزن والعمل على زيادة قوته واندفاعه، بالاضافة إلى وجود جناحين يدعامنه ويرفعانه في الهواء.

* خفة الوزن:

وهي صفة هامة تحققت للطيور عن طريق عدة سمات منها:

- بنية الرئيش: والطائر عليه أن يحتفظ برياشه نظيفة وجاهزة للطيران دائماً لكي يضمن استمراره في الحياة، كما يستخدم الطائر عادة الغدة الزيتية الموجودة في أسفل الذيل في صيانه ريشه وبواسطة هذا الزيت تنظف الطيور ريشها وتلمعه، كما أنه يقيها من البلل عندما تسبح أو تغطس أو تطير في الأجواء الممطرة.

الهيكل العظمي:

خلق الله الطيور بعظام خفيفة جوفاء، ولكنها بالغة القوة والمرونة نظراً لوجود دعامات داخلية عظيمة ويحتوي جسم الطائر على جيوب هوائية متصلة بالرئتين تسهل عليه التنفس وطفو الجسم وخفته، كما تسمح له باستنشاق مزيد من من الأوكسجين.

- زيادة قوة الاندفاع:

إن الشكل الإنسيابي لجسم الطائر يسهل عليه اختراق الهواء بأقل مقاومة ممكنة وتسمح الأجنحة للطائر بالتحليق في الهواء والاندفاع إلى الأمام(386).

ب- الطير الصافات:

في طيران الطيور آيات معجزة لم تكشف إلا بعد تقدم علوم الطيران ونظريات الحركة "الديناميك" الهوائية وأكثر ما يثير العجب هو قدرة الطائر على الطيران في الجو بجناحين ساكنين حتى يغيب عن الأبصار، قال تعالى: " َأوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ" (الملك، آية: 19).

وقد كشف العلم أن الطيور الصافة تركب من التيارات الهوائية المساعدة التي تنشأ إما من اصطدام الهواء بعائق ما، أو من ارتفاع أعمدة من الهواء الساخن، فإذا كانت الريح هينة ظلت الأعمدة قائمة وصفت الطيور في أشكال حلزونية، أما إذا اشتدت انقلبت الأعمدة أفقياً فتصف الطيور في خطوط مستقيمة بعيدة المدى، ولقد توصل العلم أيضاً إلى أن كل طائر عندما يضرب بجناحيه يعطي رفعة إلى أعلة للطائر الذي يليه مباشرة وعلى ذلك تتخذ الطيور المهاجرة ـ بإلهام الله تعالى ـ الطيران على شكل الرقم (V )، وهذا الشكل يمكن الطير لمسافات إضافية قدرت على الأقل بـ"71%" زيادة على المسافة التي يمكن أن يقطعها فيما لو طار بمفرده، وعندما يخرج أحد الطيور من هذا المسار فإنه يواجه فجأة بسحب الجاذبية وشدة مقاومة الهواء، لذلك فإنه سرعان ما يرجع إلى السرب ليستفيد من القوة والحماية التي تمنحها إياه المجموعة، وعندما يحس قائد السرب بالتعب، لأنه يتحمل العبء الأكبر من المقاومة فإنه ينسحب إلى الخلف ويترك القيادة لقائد آخر، وهكذا تتم القيادة بالتناوب، وأما أفراد الطيور في المؤخرة فإنهم يواصلون الصياح أثناء الطيران لتشجيع الأفراد الذين في المقدمة على المحافظة على سرعة الطيران(387).

إن وصف طرائق طيران الطيور، بكل من "الصف" و"القبض" وهي من أسس هندسة الطيران اليوم، ولم تكن معروفة قبل قرن واحد من الزمان، وسبق القرآن بالإشارة إليها هو من صور الإعجاز العلمي فيه، فالصف هو جعل جناحي الطائر منبسطين على خط مستوٍ دون تحريكهما. والطائر يمضي في الهواء إلى أبعد المسافات مستفيداً بالتيارات الهوائية في أثناء سيره أو صعوده وبالجاذبية الأرضية أثناء هبوطه البطيء، دون أن يحرك الخفق أو الرفرفة أي: الضرب بالجناحين إلى أسفل ثم إلى أعلى والحركة الأولى تدفع بالطائر إلى الأمام، والثانية تدفع به إلى أعلى(388).

7- علة تحريم أكل كل ذي مخلب من الطير:

لقد أثبت علم التغذية الحديث أن الشعوب تكتسب بعض صفات الحيوانات التي تأكلها وخاصة لحوم الحيوانات المفترسة لاحتواء لحومها على سمات ومفردات تسري في الدماء وتنتقل إلى معدة البشر فتؤثر في أخلاقياتهم، وهذا لا يقتصر على الحيوانات وحدها، بل يشمل الطيور آكلات اللحوم كالصقور والنسور ذات المخالب الحادة، ولذلك كانت الحكمة العظيمة في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ابن عباس رضي الله عنهم قال: "نهى رسول الله عن أكل كل ذي ناب من السباع وعن كل مخلب من الطير(389).

سابعاً: النحل:

قال تعالى: وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ * ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاء لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ" (النحل، آية: 68، 69)

لقد ذكر الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز النحل، كما سمى الله سورة كاملة باسم سورة النحل، فالله سبحانه وتعالى يريد أن يلفت أنتباهنا إلى عظمة هذا المخلوق الصغير الذي تتجلى فيه قدرة الله تعالى(390) 

1- التنظيم الفئوي الإجتماعي:

إن دراسات مستفيضة قامت حول هذه المملكة، فأظهرت التقسيمات بين أصناف النحل وتحديد:

- مهمة كل صنف منها، صنف مهمته جمع رحيق الأزهار وإيداعه في مستودعاته من الخلية.

- وصنف يعمل داخل الخلية لبناء بيوت سداسية الشكل، واختيار الشكل السداسي لم يأت اتفاقاً، بل عن اختيار وحكمة فإن أي شكل هندسي آخر لا يمكن أن يملأ كل الفراغات، بل تبقى زوايا مهملة لا يستفاد منها، أما الشكل السداسي فلا تبقى معه أية زاوية مهملة، وهناك صنف من النحل يجهز للملكة طعاماً خاصاًَ، ومهمة الملكة هي الإنجاب ليس إلا، إذ بعد أن تضع بيوضها تموت لتختار ملكة جديدة من بين الجيل القادم، وتقتل كل الأصناف الشبيهة بالملكة المختارة حتى لا تنازع الملكة سلطتها، وهناك على باب الخلية حرس يفتشون العاملات بدقة متناهية، فالتي تقع على نجاسة أو شيء خبيث الرائحة يكون جزاؤها القتل أو الطرد والمنع من دخول الخلية(391)، فمملكة النحل تتكون من ثلاث فئات: الإناث العاملات، الأنثى الملكة والذكور(392).

2- طبيعة العسل وتركيبه:

ليظهر الله سبحانه وتعالى معجزات كتابه ويُري آياته للناس في هذا العصر فقد سخر أناساً لدراسة طبيعة العسل وتركيبه، وذهبوا إلى تشريح جسم النحلة واستخراج السم الذي في بطنها وتحليله للتعرف على خاصيته، وتوصلوا إلى نتائج باهرة تميط اللثام عن معجزة الكتاب الخالد: "يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاء لِلنَّاسِ" (النحل، آية " 70)، وفيما يلي إشارات إلى بعض هذه النتائج:

أما عن تركيب العسل فقد وجدوا أنه يتركب من:

- (25 ـ 40)               دكستروز              (جلوكوز)

- (30 ـ 45)               ليفيوز                  (فروكتوز)

- (15 ـ 25)               ماء

والجلكوز الموجود فيه نسبة أكثر من أي غذاء آخر هو سلاح الطبيب في أغلب الأمراض، واستعماله في إزدياد مستمر بتقدم الطب، فيُعطي بالفم وبالحقن الشرجية وتحت الجلد وفي الوريد ويُعطى بصفته مقوياً ومغذياً ومضاداً للتسمم الناشيء عن مواد خارجية مثل الزرنيخ والزئبق والذهب وضد التسمم الناشيء من أمراض الكبد والاضطرابات المعدية والمعوية وضد التسمم في الحميات مثل التيفويئد والالتهاب، والسحائي المخي، وفي حالات ضعف القلب، وحالات الذبحة الصدرية، وبطريقة خاصة في الارتشاحات العمومية الناشئة من التهابات الكُلَى الحادة، وفي احتقان المخ وفي الأورام المخية.

وفي أمريكا وانجلترا حالياً مناحل لا أغراض لها إلا تربية النحل لاستخراج مصله، وعمل منها لعلاج كثير من الأمراض الروماتيزمية، اللمباجو، وعرق النسا، ونجحت في علاج التراخوما "الرمد الحبيبي"، وما زال العلم يحمل إلينا في كل يوم فائدة طبية من فوائد ما يخرج من بطون النحل من عسل وسلم

وخلال الحروب استعمل الأطباء العسل في علاج الجروح المتسببة عن الإصابات بالرصاص المستعصية التي  فشل علاجها بالأشعة وسائر المضادات الحيوية، وقد استعمل العسل ولا يزال علاجاً عالمياً للزكام بإضافته إلى بعض السوائل، فبعض الأطباء ينصحون بالعسل مع اللبن الدافيء، وآخرون ينصحون باستعمال العسل الممزوج بعصير الليمون.

ويتفق الأطباء الأمريكيون والروس على أن العسل أفضل علاج للمصابين بقرح المعدة والأثني عشر، على أن يؤخذ قبل وجبات الطعام ساعة أو أكثر، وأفضل الأوقات هو قبل الإفطار، ومزايا في كوب ماء دافيء، وقد وصف بعض الأطباء الروس والصينيين العسل لعلاج أمراض الجلد والخراريج والدمامل، أما علاج قرح القرنسية في العين بالعسل فقد أعطى نتائج مذهلة.

ويقول الدكتور "بيك" الأمريكي، إن مرض السرطان غير معروف بين النحالين في الغالب، وهذا يرجع إما إلى العسل الذي يتناولونه النحالون بإستمرار أو نتيجة الغذاء الملكي أو حبوب اللقاح الموجودة في العسل أو أنها نتيجة لسم النحل الناتج من اللسع، وإذا أخذ مرضى السكر العسل من خلال إشراف الطبيب قد أثبتت التجارب انخفاض نسبة السكر في دمائهم وعودتها إلى الحالة الطبيعية، هـذا بعض ما توصلوا إليه مـن شأن النحل بعد تطور والشراب الخارج من بطونها، ومن يدري ماذا يكون بعد تطور وسائل المعرفة والاكتشاف؟ فقد تكتشف خصائص للعسل أضعاف ما عرفوا الآن وستبقى المعجزة الخالدة تحدوهم " فِيهِ شِفَاء لِلنَّاسِ"(393).

3 - إناث النحل:

ولعل القاريء يدرك بأن إناث النحل العاملات هي التي تقوم بكافة النشاطات دون الفئتين الأخريين، ولذلك تلاحظ هنا المعجزة القرآنية الأخرى في العلم وفي دقة التعبير، وهي أن الآيتين في سورة النحل تخاطب إناث النحل وليس ذكورها ".. أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا " "ثُمَّ كُلِي" "فَاسْلُكِي" "مِن بُطُونِهَا".

قال تعالى: "... أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ * ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاء لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ" (النحل، آية: 68، 69).

فهل كان الرسول صلى الله عليه وسلم "عالم أحياء" حتى يميز إناث النحل العاملات من بين الملكة والذكور على أنها هي الفئة المقصودة في الآيتين الكريمتين؟، إنها الحقيقة الربانية الساطعة بأن القرآن الكريم أنزل " لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ"(394).

فالإناث في مملكة النحل هي التي تقوم بكل المجهود والعمل في مستعمراتها وما الذكور إلا للتلقيح فقط، ولا تظهر إلا قبيل موسم التلقيح ثم تموت وتندثر(395).

4 - بيوت النحل:

في الآية الكريمة إشارة إلى مساكن النحل وأنواعها المختلفة، فهناك فصائل برية من النحل تسكن الجبال ومنها سلالات تتخذ من الأشجار سكناً بأن تلجأ إلى أجزاء الشجرة من الثقوب الموجودة في جذوع الأشجار والأوراق وتتخذ منها بيوتاً تأوي إليها، ولما سخر الله النحل لمنفعة الإنسان أمكن استئناسه في حاويات من الطين أو الخشب، ولقد تبين لعلماء الحشرات أن النحل يقوم بهذا السلوك بشكل فطري أي لا نتيجة معارف مكتسبة، وهذا مصداق لقوله تعالى: " وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ"، فالإيحاء هو الإعلام بخفاء، ولا هذا لا يتم إلا من خلال خالقها الله سبحانه وتعالى، وليس أدل على إعجاز القرآن العلمي من استيعابه لكل ما يمكن للنحل أن يتخذ منه مسكناً كما سبق ذكره إذ أننا لو استعرضنا أنواع النحل نجد أنها تتخذ بيوتها في الجبال والكهوف، وفي الأرض "التربة بأنواعها"، وفي جذوع الأشجار(396).

5 - النحل مهندس معماري:

ومن آيات إلهام الخالق سبحانه وتعالى للنحل اتخاذها من الشكل السداسي أساساً لبناء مسكنها من مادة الشمع التي تنتجها، وهذا الشكل يستخدم كمخادع لتربية الحفنة الصغيرة، أو مستودعات لتخزين العسل أو حبوب اللقاح، فبالإضافة إلى أن هذا الشكل الهندسي "السداسي" مهيأ تماماً لأداء الوظائف السابقة، فإن الشكل السداسي للعين يتطلب أقل كمية من المادة البنائية "الشمع"، كما أن الشكل السداسي هو خير الأشكال الهندسية التي لا ينتج عنها فراغات بينية، وأن عدد العيون منها في مساحة معينة يفوق عدد الأشكال الأخرى في نفس المساحة، وذلك لأن الشكل المسدس هو الشكل الوحيد الذي جمع كل واحد منها إلى أمثاله لم يحدث بينهم فرج، وهذا خاص فقط بالشكل المسدس دون الشكل المخمس أو المثمن أو المتسع أو المعشر، ونجد أن نحلة العسل حينما تملأ العين السداسية بالعسل فإنها تغطيها بغطاء من الشمع الخالص حتى لا يمتص العسل رطوبة أو أية روائح، وحينما تحتوي العيون على حضنه فإن النحلة تغطيها بغطاء نفاذ مكون من الشمع وحبوب اللقاح يسمح بمرور الهواء والأوكسجين إلى تلك الأخباء الموجودة داخل العين المقفلة ومما يثير الدهشة أيضاً أن النحل عند بنائه الأقراض فإنه يترك بين الأقراص مسافة مقدار (16.5) من البوصة يطلق عليها المسافة النحلية ولا يختلف أي نوع من أنواع العسل في ذلك، فمن ذا الذي علم النحل أصول هذا الفن من الهندسة والعمارة؟

6- ثم كلي من الثمرات:

تطير النحل لارتشاف رحيق الأزهار، فتبتعد عن خليتها آلاف الأمتار، ثم ترجع إليها ثانية دون أن تخطئها وتدخل خلية أخرى غيرها، علماً بأن الخلايا في المناحل تكون متشابهة ومرصوصة بعضها إلى جوار بعض، وذلك من خلال ما حباها الله سبحانه وتعالى من حواس متطورة من بصر وشم، فلقد زود الله سبحانه وتعالى النحلة بحواس تساعدها في رحلة الاستكشاف لجمع الغذاء فهي مزودة بما يلي:

أ - بحاسة شم قوية عن طريق قرني الاستشعار في مقدمتها.

ب- وبعيون متطورة يمكنها أن تحس بالأشعة فوق البنفسجية ولذلك فهي ترى ما لا تراه عيوننا، مثل بعض المسالك والنقوش التي ترشد وتقود إلى مختزن الرحيق. وعاملات النحل تمر على 500 إلى 1500 زهرة شجر مثمر قبل أن يمتليء جيب العسل في جوفها، وهذه الحقيقة العلمية تتطابق تماماً مع ما أوحي لها تعالى في قوله: ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ"(397)  وفي رحلة العودة تهتدي النحلة إلى مسكنها بحاستي النظر والشم معاً، أما حاسة الشم فتتعرف على الرائحة الخاصة المميزة للخلية، وأما حاسة الإبصار فتساعد على تذكر معالم رحلة الاستكشاف، إذ يلاحظ أن النحل عندما تغادر البيت تستدير إليه وتقف أو تحلق أمامه فترة وكأنها تتفحصه وتتمعنه حتى ينطبع في ذاكرتها، ثم هي بعد ذلك تطير من حوله في دوائر تأخذ في الاتساع شيئاً فشيئاً فتقوم بذلك بحفظ مكان البيت حتى يتسنى لها العودة إليه بسهولة، وهذا مصداق قوله تعالى: " فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً"، أي: سيري في الأرض بين الأزهار باحثة عن الرحيق بما سخر لك سبحانه من الحواس والأعضاء التي تعينك على ما خلقت من أجله(398).

ثامناً: النمل:

قال تعالى: "وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ * حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِي النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ * فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِّن قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ" (النمل، آية: 17 ـ 19).

حشر لسليمان جنوده من الجن والإنس والطير وهو موكب عظيم، وحشد كبير يجمع أوله على آخره " فَهُمْ يُوزَعُونَ" حتى لا يتفرقوا أو تشيع فيهم الفوضى فهو حشد عسكري منظم، يطلق عليه اصطلاح الجنود، إشارة إلى الحشد والتنظيم.

لقد سار الموكب، موكب سليمان من الجن والإنس والطير في ترتيب ونظام يجمع آخره على أوله، وتضم صفوفه، وتتلاءم خطاه، حتى إذا أتوا وادي كثير النمل، حتى لقد أضافه التعبير إلى النمل فسماه "وادي النمل" قالت نملة لها صفة الإشراف والتنظيم على النمل السارح في الوادي، ومملكة النمل، كمملكة النحل دقيقة التنظيم، تتنوع فيها الوظائف وتؤدى كلها بنظام عجيب، يعجز البشر غالباً على إتباع مثله، على ما أوتوا من عقل راقٍ وإدراك عال.

- قالت هذه نملة للنمل، بالوسيلة التي تتفاهم بها أمة النمل، وباللغة المتعارفة بينها، قال للنمل: " ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ" بكم(399).

1 - الإعجاز الإعلامي:

استخدمت النملة عناصر استمالة وإقناع على وجه معجز مبهر ذلك في قوله على لسان النملة: " يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ" (النمل، آية: 18).

فنحن نرى النملة جمعت عشرة أجناس من الكلام في قولها حيث، نادت، ونبهت، وسمت، وأمرت، ونصحت، ونهت وخصت، وعمت وأشارت وأعذرت:

- نادت في قولها " يَا".

- ونبهت في قولها "أَيُّهَا ".

- وسمت في قوله "النَّمْلُ".

- وأمرت في قولها "ادْخُلُوا".

- ونصحت في قولها "مَسَاكِنَكُمْ".

- ونهت في قولها "لَا يَحْطِمَنَّكُمْ".

- وخصت في قولها "سُلَيْمَانُ".

- وعمت في قولها "وَجُنُودُهُ".

- وأشارت في قولها "وَهُمْ".

- وأعذرت في قولها "لَا يَشْعُرُونَ".

والحقيقة أن النملة في هذه الآيات القصيرة أدت وظائف إعلامية عديدة تمثلت فيما يلي:

- حق تجاه ربها عز وجل، حيث استرعيت على النمل فأفزعتهم.

- حق النملة تجاه سليمان حيث نراها نبهت على حق النمل.

- حق النملة تجاه نفسها، حيث أسقطت حق الله تعالى عنها، بنصيحتها له.

- حق النملة تجاه قومها، حيث قالت لقومها ادخلوا مساكنكم، وقدمت لهم النصيحة على طبق من ذهب كما يقولون.

- حق النملة تجاه الإنسانية وهي أنها أدت بفعلها حقاً قضته وحقاً لله أدته، وصار كلامها ونصحها مثلاً إلى أن تقوم الساعة.

لقد علمت النملة أن هذا القادم هو سليمان ـ وهو شخصية معروفة للنمل ـ حيث ذكرت اسمه تحديداً، ولم تقل هذا رجل قادم وهذا معناه في لغة الإعلام إن المشاهير دائماً يصنعون الأخبار المهمة.

- وعلمت أن معه جنوداً ولهم وظائف وصفات.

- وعلمت أن سليمان هو رئيسهم وقائدهم.

- توقعت أن يقوموا بتحطيم النمل أثناء سيرهم " لَا يَحْطِمَنَّكُمْ".

- وبأنهم إن فعلوا ذلك فإنما سيكون فعلهم بغير قصد " وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ".

- ثم قامت بتوصيل مفهومها للموقف وتعليقها عليه، في شكل أمر بسرعة التحرك لتجنب الكارثة: " يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ".

- شرحت النملة إلى مجتمعها من النمل سبب الأمر بسرعة التحرك: " لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ" حتى تبرر لهم سبب أمرها بدخول مساكنهم.

- علمت النملة شعور سليمان وجنوده ما يشعرون به وما لا يشعرون وأنهم لا يشعرون بأنهم لا يشعرون بأنهم قادمون لتحطيم النمل.

- أبلغت النملة مجتمعها بذلك تبرئة لسليمان وجنوده من تهمة قصد القتل بدون سبب حتى لا ينفعل النمل ضدهم وربما تطوع بعضه بالدفاع أو الانتقام، فهاجم سليمان وجنوده(400).

2- التقديم الحي للوقائع:

إن المتأمل لآيات القرآن الكريم في سورة النمل المتعلقة بقصة سليمان مع النملة يؤكد أن وقائعها قدمت بصورة حية ديناميكية وكأن القاريء يرى بعينيه هذه الأحداث ويعيشها ويتجلى لنا ذلك في قوله:" وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ"، هنا يقدم الحدث بصورة حية، حيث نرى جنود سليمان وهم "يُوزَعُونَ" أي: يرد أولهم إلى آخرهم ويكفون، إذ يكف كل واحد منهم ويمنع من تخطي مرتبته ومكانه، وهي أعلى من التنظيم والتلاحم والانقياد، ومثل هذا المشهد يبهر العين، ويهز القلب ويسر الحبيب ويحزن ويضر الحاقد والعدو، كما يتضح التقديم الحي للوقائع أيضاً بقوله: " فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِّن قَوْلِهَا" (النمل، آية: 19)، وكأنك ابتسامة الوجه حتى تظهر الأسنان من السرور مع صوت خفي " وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ"، في إشارة إلى العدل والدين والرأفة(401).

3 - قالت نملة:

ذكر القرآن الكريم كلمة نملة بلفظ المؤنث، قالت نملة، وقد ثبت علمياً أن النملة الأنثى العقيمة هي التي تقوم بأعباء المملكة من جميع الطعام ورعاية الصغار والدفاع عن المملكة، وتخرج من الخلية للعمل، أما النمل المذكر فلا يظهر إلا في فترة التلقيح، ولا دور له إلا في تلقيح الملكات(402).

4 - وجود لغة تفاهم:

" قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ"، فقد اكتشف العلماء أن للنمل لغات تفاهم خاصة بينها، وذلك من خلال تقنية التخاطب من خلال الشفرات الكيماوية، وربما كان الخطاب الذي وجهته النملة إلى قومها هو عبارة عن شيفرة كيماوية، فقد أثبتت أحدث الدراسات العلمية أن لكل نوع من أنواع الحيوانات رائحة خاصة به، وداخل النوع الواحد هناك روائح إضافية تعمل بمثابة بطاقة شخصية أو جواز سفر للتعريف يشخصية كل حيوان، أو العائلات المختلفة أو أفراد المستعمرات المختلفة، والنمل يتميز برائحة خاصة تدل على العش الذي ينتمي إليه، والوظيفة التي تؤديها كل نملة في هذا العش.

والرائحة تعتبر لغة خفية أو رسالة صامتة تتكون مفرداتها من مواد كيماوية أطلق عليها العلماء اسم "فرمونات"، ويتم انتاج "فرمونات النمل من غدة قرب الشرج.

وقد وجد أنه إذا دخلت نملة غريبة مستعمرة لا تنتمي إليها، فإن النمل في هذه المستعمرة يتعرفن عليها عن طريق رائحتها ويعدها عدواً، ثم يبدأ في الهجوم عليها، ومن الطريف أنه في إحدى التجارب المعملية وجد إن إزالة الرائحة الخاصة ببعض النمل التابع لعشيرة معينة ثم إضافة رائحة خاصة بنوع آخر عدوَّ له، أدى إلى مهاجمته بأفراد من عشيرته نفسها، وفي تجربة أخرى غمس نملة برائحة نملة ميتة ثم أعيدت إلى عشها فلوحظ أن أقرانها يخرجونها من العش لكونها ميتة، وفي كل مرة تحاول فيها العودة يتم إخراجها ثانية، تمت إزالة رائحة الموت، فقد تم السماح لهذه النملة بالبقاء في العش، وحينما تعثر النملة الكاشفة على مصدر للطعام فإنها تقوم على الفور بإفراز "الفرمون" اللازم من الغدد الموجودة في بطنها لتعليم المكان ثم ترجع إلى العش، وفي طريق عودتها لا تنسى تعليم الطريق حتى يتعقبها زملاؤها، وفي الوقت نفسه يضيفون مزيداً من الإفراز لتسهيل الطريق أكثر فألأكثر(403).

5 - ذكاء النمل:

لقد أشار القرآن الكريم إلى حقيقة علمية وهي ذكاء النمل وقدرته على المحاكمة العقلية والفكرية ومواجهة الأخطار وذلك من خلال هذه القصة التي حدثت مع نبي الله سليمان عليه السلام وعلى نبينا أفضل الصلاة والتسليم، فقد استطاعت نملة صغيرة تحديد مكان سليمان والطريق الذي سوف يمر به، وهذا لم يكن ليتم لولا هذه القدرات الخارقة التي يتمتع بها النمل، ولقد كشف العلم الحديث عن بعض العجائب من سلوك النمل الذكي وتطور جهازها العصبي، فعند دراسته تحت المجهر يظهر لنا أن دماغ النملة يتكون من فصين رئيسيين يشبه مخ الإنسان، ومن مراكز عصبية متطورة وخلايا حساسة.

إن الله تعالى لم يذكر النمل في القرآن الكريم إلا ليلفت انتباهنا إلى عظمة وروعة هذه الكائنات التي يحسبها الإنسان مخلوقات تافهة، ولكنها بحق مخلوقات منظمة ذات قدرات خارقة، تعمل ضمن خطة عمل واضحة، حيث يوزع العمل على أفراد الخلية، فيقوم كل فرد من أفراد المملكة بواجبه على أكمل وجه، من خلال البرنامج الفطري الذي أودعه الله تعالى في دماغه(404).

6 - وادي النمل:

لقد أشار القرآن الكريم إلى أن النمل من المخلوقات الإجتماعية تعيش متعاونة متكاثفة في مستعمراتها ويشعر كل فرد منها بشعور الآخرين، ويظهر ذلك في سلوك النملة وفي إنذار قومها(405).

ويعيش النمل ضمن مستعمرات يقوم ببنائها، وقد يتجاوز فتكون أعداد كبيرة من المستعمرات مدينة أو وادياً للنمل، كما سماها القرآن الكريم، ففي جبال بنسلفانيا إحدى الولايات الأمريكية اكتشف أحد العلماء إحدى أكبر مدن النمل في العالم، وقد بني معظمها تحت الأرض، وتشغل مساحتها ثلاثين فداناً، حفرت فيها منازل النمل، تتخللها الشوارع والمعابر والطرق، وكل نملة تعرف طريقها إلى بيتها بإحساس غريب، وتشتمل كل مستعمرة من مستعمرات النمل على الطبقات والمرافق التالية:

- باب التهوية.

- مكان الحراسة لمنع  دخول الغريب.

- أول طبقة لراحة العاملات في الصيف.

- مخزن إدخار الأقوات.

- مكان تناول الطعام.

- ثكنة الجنود.

- الغرف الملوكية حيث تبيض ملكة النمل.

- اسطبل لبقر النمل وعلقه.

- اسطبل آخر لحلب البقر.

- مكان تفقيس البيض.

- مكان تربية صغار النمل.

- مشتى النمل، وفي يمينه جبانة لدفن من يموت.

- مشتى الملكة.

ويمكن أن تصل أعمال مملكة النمل في بعض الأنواع التي تعيش في غابات الأمازون إلى (5 أمتار) وإتساعها (7 أمتار)، تُنشيء النملات فيها مئات الغرف والأنفاق يُحفر وينقل قرابة (أربعين طناً) من التراب إلى الخارج إن الهندسة المعمارية للمملكة وحدها معجزة من معجزات الخلق(406).

7 - جمع المواد الغذائية:

ولأعضاء مجتمع النمل طرق فريدة في جمع المواد الغذائية، وتخزينها والمحافظة عليها، فإذا لم تستطع النملة حمل ما جمعته في فمها كعادتها لكبر حجمه، حركته بأرجلها الخلفية ورفعته بذراعيها، ومن عاداتها أن تقضم البذور قبل تخزينها حتى لا تعود إلى الإنبات مرة أخرة، وكي يسهل عليها إدخالها في مستودعاتها، وهناك بعض البذور التي إذا كُسرت إلى فلقتين فإن كل فلقة يمكنها أن تنبت من جديد مثل بذور الكزبرة، لذلك فإن النمل يقوم بتقطيع بذرة الكزبرة إلى أربع قطع كي لا تنبت، وإذا ما ابتلت البذور بفعل المطر أخرجتها إلى الهواء والشمس لتجف، ولا يملك الإنسان أمام هذا السلوك الذكي للنمل إلا أن يسجد لله الخالق العليم الذي جعل النمل يدرك أن تكسير جنين الحبة وعزل البذرة عن الماء والرطوبة يجعلها لا تنبت(407).

8 - أبقار النمل:

ويضيف العلم الحديث حقائق جديدة عن أبقار النمل وزراعتها، فقد ذكر أحد علماء التاريخ الطبيعي وهو "رويال ويكسون" أنه ظل يدرسمدينة النمل حوالي عشرين عاماً في بقاع مختلفة من العالم، فوجد نظاماً لا يمكن أن نراه في مدن البشر، وراقبه وهو يرعى أبقاره، وما هذه الأبقار إلا خنافس صغيرة رباها النمل، في جوف الأرض زمناً طويلاً حتى فقدت في الظلام بصرها، وإذا كان الإنسان قد سخر عدداً محدوداً من الحيوانات لمنافعه، فإن النمل قد سخر مئات من الأجناس من حيوانات أدنى منه جنساً، ونذكر على سبيل المثال "بقّ النبات"، تلك الحشرة الصغيرة التي تعيش على النبات ويصعب استئصالها لأن أجناساً كثيرة من النمل ترعاها، يرسل النمل الرسل لتجمع له بيوض هذا البقّ حيث تعتني به وترعاه حتى يفقس وتخرج صغاره، ومتى كبرت درت هذه اليرقات سائلاً حلواً مؤلفاً من مواد سكرية يمكن أن نسميها بـ"عسل النمل"، ويقوم على حلبه جماعة من النمل لا عمل لها إلا حلب هذه الحشرات بمسها بقرونها وتنتج هذه الحشرات 48 قطرة من العسل كل يوم، وهذا ما يزيد مائة ضعف عما تنتجه البقرة إذا قارنا حجم الحشرة بحجم البقرة(408).

تاسعاً: العنكبوت والبعوض والذباب والجراد والفراش:

- قال تعالى: " مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاء كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ" (العنكبوت، آية: 41).

من الإشارات الكونية في هذه الآيات:

- تأكيد أن بيت العنكبوت هو أوهن البيوت على الإطلاق من الناحيتين المادية والمعنوية، وهو ما أثبتته الدراسات المتأخرة في علم دراسة حيوانات الأرض.

وهذا مثل ضربه الله تعالى للمشركين في اتخاذهم آلهة من دون الله، يرجعون نصرهم ورزقهم ويتمسكون بهم في الشدائد، فهم في ذلك كبيت العنكبوت في ضعفه ووهنه، فليس في أيدي هؤلاء من آلهتهم إلا كمن يتمسك ببيت العنكبوت، فإنه لا يجدي عنه شيئاً، فلو علموا هذا الحال لما اتخذوا من دون الله أولياء، وهذا بخلاف المسلم اللمؤمن قلبه لله وهو مع ذلك يحسن العمل في ا\إتباع الشرع، فهو متمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها لقوتها وثباتها(409).

1- الإشارة إلى العنكبوت بالإفراد:

وتسمية السورة الكريمة إشارة واضحة إلى أن الذي يقوم ببناء البيت أساساً هي أنثى العكنبوت، وعلى ذلك فإن مهمة بناء العنكبوت هي مهمة تضطلع بها إناث العناكب التي يحمل في جسدها غدد إفراز المادة الحريرية التي ينسج منها بين العنكبوت، وإن اشتراك الذكر في بعض الأوقات بالمساعدة في عمليات التشييد أو الترميم أو التوسعة، فإن العملية تبقى عملية أنثوية محضة، ومن هنا كان الإعجاز العلمي في قول الحق تبارك وتعالى: " اتَّخَذَتْ".

3- في قوله تعالى: " وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ"، هذا النص القرآني المعجز يشير إلى عدد من الحقائق المهمة منها:

أ- الوهن المادي:

إن بيت العنكبوت هو من الناحية المادية البحتة أضعف بيت على الإطلاق، لأنه مكون من خطوط حريرية غاية في الدقة تتشابك مع بعضها البعض تاركة مسافات بينية في أغلب الأحيان، ولذلك فهي لا تقي حرارة شمس ولا زمهرير برد، ولا تحدث ظلاً كافياً، ولا تقي من مطر هاطل ولا من ريح عاصفة ولا من أخطار المهاجمين، وذلك على الرغم من الإعجاز في بنائها.

ب- الوهن في بيت العنكبوت لا في الخيوط: قوله تعالى: " وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ".

وهنا إشارة صريحة إلى أن الوهن والضعف في بيت العنكبوت، وليس في خيوط العنكبوت، وهي إشارة دقيقة جداً، فخيوط بيت العنكبوت حريرية دقيقة جداً، يبلغ سمك الواحد منها في المتوسط واحداً من المليون من البوصة المربعة، أو جزءاً من أربعة آلاف جزء من سمك الشعرة العادية في رأس الإنسان، وعلى على الرغم من دقتها الشديدة فهي أقوى مادة بيولوجية عرفها الإنسان حتى الآن.

جـ - الوهن المعنوي:

إن بيت العنكبوت من الناحية المعنوية هو أوهن من بيت على الإطلاق، لأنه بيت محروم من معاني المودة والرحمة التي تقوم على أساسها كل بيت سعيد، وذلك لأن الأنثى في بعض أنواع العنكبوت تقضي على ذكرها بمجرد إتمام الاخصاب، وذلك بقتله وافتراس جسده، لأنها أكبر حجماً وأكثر شراسة منه، وفي بعض الحالات تلتهم الأنثى صغارها دون أدنى رحمة، وفي بعض الأنواع تموت الأنثى بعد إتمام إخصاب بيضها الذي عادة ما تحتضنه في كيس من الحرير، وعندما يفقس البيض تخرج العنيكبات فتجد نفسها في مكان شديد الإزدحام بالأفراد داخل كيس البيض، فيبدأ الإخوة الأشقاء في الاقتتال من أجل الطعام أو المكان أو من أجلهما معاً، فيقتل الأخ أخاه وأخته وتقتل الأخت أختها وأخاها، حتى تنتهي المعركة ببقاء عدد قليل من العنيكبات التي تنسلخ من جلدها، وتمزق جدار كيس البيض لتخرج الواحدة تلو الأخرى، والواحد تلو الآخر بذكريات تعيسة، لينتشر الجميع في البيئة المحيطة وتبدأ كل أنثى في بناء بيتها ويهلك في الطريق إلى ذلك من يهلك من هذه العنيكبات، ويكرر من ينجو منها نفس المأساة التي تجعل من بين العنكبوت أكثر البيوت شراسة ووحشية، وانعداماً لأواصر القربى، ومن هنا ضرب الله تعالى به المثل في الوهن والضعف، لافتقاره إلى أبسط معاني التراحم بين الزوج وزوجه، والأم وصغارها، والأخ وشقيقه وشقيقته، والأخت وأختها وأخياه(410).

ح - " لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ":

هذه الحقائق لم تكن معروفة لأحد من الخلق في زمن الوحي، ولا لقرون متطاولة من بعده، حيث لم تُكتشف إلا بعد دراسات مكثفة في علم سلوك العنكبوت استغرقت مئات من العلماء لعشرات من السنين حتى تبلورت في العقود المتأخرة من القرن العشرين، ولذلك ختم ربنا تبارك وتعالى الآية الكريمة بقوله: " لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ"(411).

2 - البعوضة:

قال تعالى: " إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا" (البقرة، آية: 26).

إن ضرب المثل القرآني بالبعوضة وما فوقها حجماً، وما هو أشد منها خطراً، يؤكد خطر البعوضة في نقل العديد من الأمراض، كما يؤكد أن إنثى البعوضة وحدها دون ذكرها هي الناقلة للأمراض، وهي حقائق مستحدثة على العلوم المكتسبة التي لم يصل الإنسان إلى معرفة شيء منها إلا في القرنين التاسع عشر والعشرين، وسبق القرآن الكريم بالإشارة إليها مما يشهد لهذا الكتاب العزيز بأنه كلام الله الخالق(412).

3- الذباب:

قال تعالى: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ" (الحج، آية: 73).

قررت الآية الكريمة: أن الذباب يختلس ما يأخذه من أشربة وأطعمة اختلاساً، وينتزعه انتزاعاً رغم أنوف أصحابها ولذلك عبر القرآن الكريم بالتعبير المعجز "وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا" ثم قال: " لَّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ" والذبابة المنزلية تمتص الشراب بواسطة خرطومها ليصل إلى جهازها الهضمي مباشرة، فلا يمكن استنقاذه بأي حال من الأحوال.

أما إذا كان الطعام صلباً فإن الذبابة المنزلية، تفرز عليه مع لعابها عدداً من العصائر الهاضمة والإنزيمات التي تذيبه في الحال فتمتصه الذبابة في ثوان معدودة، ثم يتم هضمه وتمثيله في ثوان معدودة، وكذلك وإرساله إلى الدم ومن ثم فلا يمكن استنقاذه أبداً، ولذلك ختمت الآية الكريمة بقول ربنا تبارك وتعالى: "ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ"، والطالب هنا هو المسلوب الذي سلبه الذباب شيئاً من شرابه أو طعامه، والمطلوب هو الذباب السالب للشيء وسواء كان المسلوب هو الفرد من بني الإنسان أو هضم أو الوثن المعبود من دون الله فكلاهما ضعيف ضعف الذبابة أو أضعف، وعاجز عن خلق خلية حية واحدة فضلاً عن خلق ذبابة كاملة(413).

4- الجراد:

بين الله عز وجل عملية الحشر بقوله: " خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ" (القمر، آية: 7).

فالأبصار ذليلة حين يخرج هؤلاء من الأجداث، أي الناس من القبور، فقد شبههم بالجراد المنتشر فما وجه الشبه؟ وما هي اللمحة الإعجازية فيه؟ هذا التشبيه معجز في الحقيقة، إذ إن الناس المبعوثين حين يخرجون من القبور يخرجون عرايا كما تخرج حوريات الجراد عارية بعد انسلاخها من جلدها عدة مرات لتخرج حشرة بالغة، تتحرك بعدها في أسراب يصل عدد الجراد في السرب الواحد منها إلى عشرات المليارات، ولو أننا تمثلنا في أذهاننا كيفية بعض هذه الأعداد الهائلة من الأمم الذين عمروا الأرض من لدن آدم إلى يوم الساعة لكان هذا التشبيه بالجراد معجزاً لأنه لم يكن أحداً آنذاك يمكنه تصوير ذلك زمن الوحي ولا عبر القرون بعده إلى أن أدركه العلم الحديث، والجراد عار تماماً إلا من رحمة ربه الذي زوده بغطاء قرني رقيق، والناس كذلك حفاة عراة غُرل "غير مختونين" كما قال صلى الله عليه وسلم، كما أن الجراد حين يتحرك يتحرك بقيادة صارمة في مقدمة السرب، وبانضباط شديد، وهكذا فإن سوق الناس يوم الحشر يكون كذلك(414).

5- الفراش:

قال تعالى: " يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ" (القارعة، آية: 4).

أي يوم يكون الناس في قبورهم واندفاعهم في الخروج منها كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم مفصلاً في المروي عنه بأعداد تشمل جميع البشر من لدن خلق آدم إلى قيام القيامة، فقد شبههم هذا التشبيه المعجز الذي يشير إلى دورة حياة الفراشة، كما أفادت آية القمر دورة حياة الجراد المشابهة لحياة البشر، فالموتى لحظة خروجهم يشبهون الفراش المبثوث الخارج من شرانقه، حيث يتحول جلد الشرنقة "الخادرة" إلى حالة نصف شفافة ثم ينشق لتخرج عذارى الفراش بالمليارات في آن معاً، فهو يشبه تماماً عملية تشقق القبور عن أصحابها وبعث الموتى، فبالله لهذا التشبيه كم كان خافياً واقعه حتى دلنا البحث العلمي عليه(415).

6- أنكر الأصوات:

قال تعالى: " وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ" (لقمان، آية: 19).

الآية تتحدث عن رفع الصوت وأن الصوت ينبغي أن يكون معتدلاً أو مقتصداً متوسطاً، وأن يكون منخفض الطبقة لأن الصوت العالي ليس من شيم المسلم، ولهذا كان الصوت العالي مختصاً بالحيوان، وأنكر هذه الأصوات صوت الحمار(416).

وهذه حقيقة علمية دقيقة تؤكدها دراسات شدة أصوات الحيوانات المختلفة، حيث تصل شدة صوت الحمار إلى ما يتجاوز مائة "ديسيبل"، ويصل تردده إلى 350 هيرتز، وهو أعلى تردد لصوت حيوان من الحيوانات التي تحيا على اليابسة، ومن أعلاها شدة، وذلك لأن شدة صوت الحوت الأزرق تصل إلى ضعف شدة صوت الحمار الحمار تقريباً "188 ديسيبل" ولكن تردده أقل بكثير، ونظراً لعيشه في ماء محيط فلا يكاد الإنسان يسمع صوته إلا إذا رفع الحوت الأزرق رأسه فوق الماء، وإن كانت الحيتان يسمع بعضها بعضاً على بعد مئات الأميال في داخل كتلة ما(417).

عاشراً: الظل والسراب:

1- الظل الممدود له حدود:

قال تعالى: " أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاء لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا * ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا" (الفرقان، آية: 45).

إن مشهد الظل الوريف اللطيف ليوحي إلى النفس المجهودة المكدودة بالراحة والسكن والأمان، وكأنما هو اليد الآسية الرحيمة تنسم على الروح والبدن وتمسح على القرح والألم، وتهدهد القلب المتعب المكدود، أفهذا الذي يريده الله سبحانه وهو يوجه قلب عبده إلى الظل بعدما ناله من استهزاء ولأواء؟ وهو يمسح على قلبه المتعب في هذه المعركة الشاقة، وهو في مكة يواجه الكفر والكبر والمكر والعناد، في قلة من المؤمنين وكثرة من المشركين.

والتعبير يرسم مشهد الظل ويد الله الخفيه تمده في رفق، وتقبضه في لطف: " أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ؟" " ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا".

والظل هو ما تلقيه الأجرام من الظلمة الخفيفة حين تحجب أشعة الشمس في النهار وهو يتحرك مع حركة الأرض في مواجهة الشمس، فتغيير أوضاعه وامتداداته وأشكاله، والشمس تدل عليه بضوئها وحرارتها وتميز مساحته وامتداده وارتداده، ومتابعة خطوات الظل في مده وانقباضه يشيع في النفس نداوة وراحة، كما يصير فيها يقظة لطيفة شفيفة، وهي تتبع صنع الباري اللطيف القدير.

وإن مشهد الظلال والشمس مائلة للمغيب وهي تطول وتطول، وتمتد وتمتد ثم في لحظة واحدة ينظر الإنسان فلا يجدها جميعاً، لقد اختفى قرص الشمس وتوارت معه الظلال، أين نراها ذهبت؟ لقد قبضتها اليد الخفية التي مدتها، لقد انطوت كلها في الظل الغامر الطامي، ظل الليل والنهار، إنها يدالقدرة القوية اللطيفة التي يغفل البشر عن تتبع آثارها في الكون من حولهم وهي تعمل دائبة لا يدركها الكلال.

إن لامتداد الظل وانقباضه، وهي الظاهرة التي أشارت إليها الآية القرآنية المحورية في هذا الموضوع فوائد جمة منها:

أ- تحديد مواعيد الصلاة في الإسلام، لأن الظل أثناء النهار، وأوقات الصلوات مرتبطة بارتفاع الشمس وانخفاضها تحت الأفق.

ب- وقت الفجر، يدخل مع بداية الشفق الصباحي الذي يحدث حين تكون الشمس تحت الأفق الشرقي بمقدار معلوم.

جـ- وقت الظهر: يدخل عندما تكون الشمس ناحية الجنوب، أو في أقصى ارتفاع لها خلال النهار، وهو الوقت الذي يكون فيه ظل الشيء أقصر ما يمكن.

ح- وقت العصر: يدخل عندما يبلغ ظل الشيء مثله أو مثليه "في المذهب الحنفي" مضافاً إليه طول ظله عند الظهر.

خ- وقت المغرب: يدخل عند اختفاء قرص الشمس تماماً تحت الأفق الغربي، وبزوال ظل الشيء نتيجة لاختفاء أشعة الشمس.

س- وقت العشاء: يدخل عند اختفاء الشفق المسائي حين تكون الشمس تحت الأفق الغربي بمقدار ملوم.

ش- رحمة الله بالكائنات والمخلوقات الحية من شدة الحرارة والضوء اللذان يضران بها أو من انعدامهما إذا استمر الظل ولم تنشأ القدرة الإلهية بانقباضهن، فكيف بحياة الأحياء تستمر مع ظل ثابت، ممتداً كان أو مقبوضاً، ولكن بتغيره وتبدله بين المد والانقباض تنال هذه الأحياء قسطاً من الدفء والضوء وقت المد وقسطاً من الراحة وتلطيف حرارتها، وقت الانقباض، ويتفضل المولى علينا بهذا التقدير العظيم لمصلحة الأحياء، ويشير إلى هذه النعمة العظيمة في قوله تعالى: "قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِضِيَاء أَفَلَا تَسْمَعُونَ" (القصص، آية: 72).

ع - هناك متعة في مشاهدة ظاهرة ظاهرتي الكسوف للشمس والخسوف للقمر، ويصاحبهما تكون ظلال ممتدة، وتسجل هاتين الظاهرتين يفيد كثيراً في دراسة سطح القمر وأغلفة الشمس، والغلاف الجوي للكرة الأرضية والحركة في الكون عامة.

غ - الظل نبه العلماء إلى ضرورة حركة الأرض وحتمية دورانها حول محورها.

تدعو الآية الكريمة أن نرى صنع الله الذي أتقن كل شيء صنعه، فيما نرى، في الظل، فهو الذي خلقه وخلق أسبابه، ومده، ولو شاء سبحانه لغير في أسبابه فجعله ساكناً لا يتحول ولا يزول، كما يحدث في بعض الكواكب كعطارد مثلاً ذلك الكوكب القريب من الشمس والذي يقابلها بوجه واحد فقط، فنهاره نهار أبدي وليله ليل أبدي والظل فيه ساكن(418).

2- السراب:

قال الله تعالى: " وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاء حَتَّى إِذَا جَاءهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ" (النور، آية: 29).

يبين سبحانه وتعالى أن مثل أعمال الذين كفروا بالله مثل سراب بأرض منبسطة يرى وسط النهار وحين اشتداد الحرب، فيظنه العطشان ماء، فإذا أتاه ملتمساً الشراب لإزالة عطشه لم يجد السراب شيئاً، فكذلك الكافرون في غرور من أعمالهم التي عملوها وهم يحسبون أنها تنجيهم عند الله من الهلاك كما حسب العطشان السراب ماء، فإذا صار الكافر إلى الله واحتاج لعمله لم ينفعه وجازاه الله الجزاء الذي يستحقه(419).

وتلاحظ خلال المثل صورة السّراب، ثم صورة الظامي الذي يظنه ماء، ثم خيبته عند وصوله إليه، وحذف ما عدا ذلك لأن الخيال يتمُّ رسمها وفي الممثل له لم يُذكر إلا عمل الذين كفروا وطُوي ما عدا ذلك لأن الفكر قادر على أن يستدعيه وهذا من بلاغة القرآن(420).

* وجه الإعجاز:

عبر القرآن الكريم عن ظاهرة السراب تعبيراً رائعاً ووصفاً عملياً دقيقاً يضاهي تعريف العلماء وأصحاب الاختصاص.

أما في قوله " كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ" فهذا يعني أن السراب لا يحدث إلا في الأرض القيعة والتي تعني الأرض المستوية أو ما أبسط من الأرض ولا يتكون السراب إلا بوجود هذا المكان الخاص.

وفي قوله عزَّ من قائل: " يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاء" و" يَحْسَبُهُ" تدل على أن الماء غير موجود، وبالتالي فالسراب خدعة بصرية، وأما الظمآن فهو ما اشتد عطشه ويصبح كذلك تحت ظروف الجو الحار.

والإعجاز المبهر والذي لا جدال فيه عند أصحاب الاختصاص، تشبيه السراب بالماء وليس بالمرآة، مثلما قال العلماء الغربيون فشتان ما بين الانعكاس عن سطح الماء وسطح المرآة لأن حادثة السراب لا تحدث إلا بوجود الهواء المتحرك، فتظهر طبقات الهواء متموجة مثل الماء.

والمعادلة الفيزيائية لظاهرة السراب تكمن بقوله تعالى: " حَتَّى إِذَا جَاءهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا".

نستنبط من هذه الكلمات الربانية أنه كلما اقتربنا من السراب ابتعد عنا، وبالتالي فإن المسافة بين عين الناظر والسراب ثابتة.

ومن التجارب التي خاضها البشر أمام السراب تجربة السيدة هاجز زوجة نبي الله إبراهيم عليه السلام في سعيها بين جبلي الصفا والمروة للحصول على غذاء وماء لطفلها النبي إسماعيل عليه السلام معتقدة أن السراب ماء يمكنها الحصول عليه(421).

الحادي عشر الإنسان:

قال تعالى: " إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِن طِينٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ" ( ص، الآية: 71 ـ 72).

حقاً لقد خلق الله الإنسان خلقاً جمع بين المادة والروح، ولقد أثبتت بحوث العلماء التي تم إجراؤها على هذا المخلوق أنه مكون من جسم مادي وروح شفافة، جسم مشدود إلى الأرض وروح تتطلع إلى السماء، جسم له دوافعه وشهواته وروح تسمو به نحو الله، جسم له مطالب الحيوان، وروح لها أشواق الملائكة، ونفس لها طبيعة مزدوجة تحتوي على معنويات الخير والشر، والتقوى والفجور، وبذلك تطابقت بحوث العلماء مع ما جاء من آيات الله بالنسبة للخلق والتكوين (422).

1- الرحم ((القرار المكين)):

قال تعالى: " وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ" (المؤمنون، آية: 12 ـ 13).

ويقول تعالى " أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَّاء مَّهِينٍ * فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ * إِلَى قَدَرٍ مَّعْلُومٍ * فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ" (المرسلات، آية: 20 ـ 23).

وقال تعالى: " يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِن بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ" (الزمر، آية: 6).

الآيات الكريمة تشير إلى أصل الخلقة من الماء المهين ـ النطفة التي تودع في القرار المكين الرحم ـ وتسمية الرحم بالقرار المكين الذي يستقر فيه الجنين إلى قدر معلوم حدده الله سبحانه وتعالى تسمية ذات دلالة، وقد وفر له وسائل الراحة والاستقرار والعناية الربانية التي تفوق التصور وتبرز هذه الوسائل ودقتها في الأمور التالية:

أ - الحوض وشكله: يتكون من مجموعة من العظام متصلة ببعضها اتصالاً دقيقاً، فتكون مثل الصندوق الخشبي، ونظراً لاختلاق وظيفة حوض المرأة عن وظيفة حوض الرجل في قضية المحافظة على وضع الرحم المتنامي الذي يبلغ آلاف المرات في نهاية الحمل عن حجمه قبل الحمل، حيث لا تتجاوز سعة الرحم قبل الحمل لأكثر من (2،5) ميليلتر عند الأنثى البالغة، أما في نهاية الحمل فيتسع لسعة آلاف ميليلتر، لذا كان تجويف الحوض عند الأنثى أوسع وأقصر، وعظام الحوض أرق وأقل لخشونة وأبسط تضاريساً، كل ذلك ليكون حصناً ودرعاً للرحم الذي يشتمل على هذه الدرة الثمينة التي تتجلى عظمة الخالق في تكوينها.

وتكوين عظام الحوض يتناسب تماماً مع ما يتطلب منها من القيام بعمل تنفرد به دون غيرها من عظام الهيكل، وهكذا يحفظ الحوض العظمي الرحم بداخله بحيث لا يصله شيء من الكدمات والهزات التي تتعرض لها المرأة، بل لو أصيبت المرأة في حادث أو سقطت من شاهق وتكسرت عظامها، فإننا نجد الرحم في أغلب الأحوال سليماً لم يمسه سوء.

والحوض على متانته له مفاصل أربعة يمكن من خلالها أن يتحرك قليلاً حتى يزداد اتساعه وخاصة عند الحمل والولادة بينما حوض الرجل لا يكاد يتزحزح(423).

ب- العضلات والأربطة:

تكاد العضلات تحيط بالرحم من جميع جوانبه لتحفظ توازنه وبقاءه معلقاً في منتصف الحوض، فمنها العضلات التي تمسكه من أعلى، ومنها ما تشده إلى أسفل، ومنها ما تجره يمنة ويسرة ومنها التي تشده إلى عظام الحوض، وإلى جهات أخرى من الإحشاء تعرف بالصفاقات الحشوية والصفاقات الجدارية.

وهذه الأربطة تتفاوت جميعاً في حفظ الرحم في موضعه الطبيعي، وفي نفس الوقت تسمح له بالحركة الحقيقية والنمو الهائل في فترة الحمل، ولكأنما الرحم جسر معلق تربطه مجموعة محكمة من الأربطة والأعمدة المتينة المحكمة، بل أنه أعظم من ذلك بكثير، إذ لا يمكن للجسر المعلق أن ينمو أو يغير وضعه وهو متصل بمكانه لا يبرحه، كما أن وجود وفرة من الأحشاء الطرية اللينة وامتلاء الحوض بها يهيء فراشاً وثيراً للرحم عند امتلائه بالجنين وتعاظمه خلال الأشهر الأخيرة من الحمل(424).

جـ ـ هرمون الحمل ((البروجسترون)):

ويؤثر هذا الهرمون على تقلصات عضلات الرحمن فيجعلها متئدة وقورة بدلاً من تلك الحركات النزقة الطائشة التي يسببها هرمون الأنوثة "الأوستروجين"، ولهرمون الحمل تأثير هام في استقرار الرحم في فترة الحمل، حتى يقذف الجنين وخاصة في أشهره الأولى.

وهكذا تتضافر هذه العوامل لجعل الرحم القرار المكين وهو هناك وصف أعظم من هذا الوصف، وتحديد أدق للوظيفة من التحديد الرباني لطبيعة تكوين الرحم ومهمته، إنه وصف الخالق لمخلوقه: " أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ" (الملك، آية: 14).

إنها العناية الإلهية بهذا المخلوق المعزز المكرم. إنه الله سبحانه وتعالى الذي قدر وأحكم وإنه الإعجاز الباهر الذي جاء على لسان النبي الأمي " أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَّاء مَّهِينٍ * فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ * إِلَى قَدَرٍ مَّعْلُومٍ * فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ" (المرسلات، آية: 20 ـ 23).

س - الظلمات الثلاث:

يقول الطب الحديث عن الظلمات الثلاث ما يلي:

إنها ثلاثة أغشية تحيط بالجنين داخل الرحم وتسمى:

- غشاء السلى أو ((الأمنيون)) ويحيط بالجنين مباشرة.

- غشاء الكوريون ((الغشاء المشيمي)).

- الغشاء الساقط.

- غشاء السلى ((الأمنيون)):

هو عبارة عن كيس غشائي رقيق ومقفل يحيط بالجنين إحاطة تامة وبه وسائل يزداد مع نمو الجنين.. والجنين يلعب وسط هذا السائل ويتقلب يمنة ويسرة، ويتشقلب رأساً على عقب، ويمسك بالحبل السري وهو أمان تام، وللسائل الأمنيوني فوائد جمة من أهمها:

- تغذية الجنين: حيث يحتوي السائل على مواد زلالية وسكرية وأملاح يمتصها الجنين مما يساعد على تغذيته ونموه.

- حماية الجنين ووقايته من الصدمات المفاجئة والحركات الخفيفة والسقطات التي تتعرض لها الأم.

- يحتفظ الجنين بحرارة ثابتة تقريباً فهو مكيف جيد بحيث لا تزيد الحرارة ولا تقل في حدود ضئيلة جداً.

- يمنع السائل الأمنيوني غشاء الأمنيوني من الالتصاق بالجنين، وذلك لأن التصاق الغشاء بالجنين من العوامل الهامة في حدوث التشوهات الخلقية، فوجود السائل عامل مهم في تجنب هذه التشوهات الخلقية.

* غشاء الكوريون (الغشاء المشيمي): وهو الغشاء الثاني من الأغشية التي تحيط بالجنين، والزغابات الكثيرة الموجودة في هذا الغشاء، ينتقل الغذاء والأوكسجين بواسطتها من الأم إلى الجنين، كما ينتقل غاز ثاني أكسيد الكربون والبولينا من الجنين إلى دم الأم.

وبداية تكوين هذا الغشاء عند تكون النطفة الأمشاج بعد تلقيح البويضة بالحيوان المنوي، وتنقسم البويضة الملقحة وتصبح مثل الكرة أو مثل ثمرة التوت وتسمى "التوتة" وتتكون من طبقات، فالطبقة الداخلية يتكون منها الجنين، أما الطبقة الخارجية فيتكون منها هذا الغشاء المشيمي وإليه الإشارة بقوله تعالى: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاء" (الحج، آية: 5).

فهل المضغة غير المخلقة التي تقوم بمهمة مصنع كامل لتهيئة الغذاء المبسط المناسب للجنين، وإبعاد الفضلات التي يطرحها إلى الدورة الدموية للأم حيث تفرزها بواسطة الكلى عن طريق البول.

* الغشاء الساقط:

وهو الغشاء الثالث الذي يحيط بالجنين من جميع جوانبه، وهو مكوّن من الغشاء المخاطي المبطن للرحم، وسمي الساقط لأنه يسقط ويخرج مع دم النفاس.

فسبحان من خلق فسوى، وقدر فهدى وجلّ جلاله وعظمت حكمته(425).

2- النشأة الجنينية:

- قال تعالى: " وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ" (المؤمنون، آية: 12 ـ 14).

تشير الآيات الكريمة إلى أطوار التكوين التي يمر فيها الإنسان حتى يصبح بشراً سوياً، ولقد أصبحت هذه الأطوار من أهم دراسات العلوم الطبية الحديثة، وكشفت هذه العلوم أسرار التعبير بهذه الألفاظ المخصوصة في هذه الأطوار(426).

من هذه الآيات الكريمة نستطيع أن نحدد معالم أطوار الجنين الإنساني وهي: نطفة، علقة، مضغة مخلقة وغير مخلقة، عظام، لحم يكسو العظام، التسوية والتصوير والتعديل، فتخ الروح(427).

أ- مرلحة النطفة:

النطفة تطلق على عدة معان منها: القليل من الماء والذي يعدل قطرة ويبدأ  مصطلح النطفة من الحيوان المنوي والبيضة وينتهي بطور الحرث "الانغراس"، وتمر النطفة خلال تكونها بالأطوار التالية:

أولاً: الماء الدافق:

يخرج ماء الرجل متدفقاً ويشير إلى هذا التدفق قوله تعالى: " فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ * خُلِقَ مِن مَّاء دَافِقٍ" (الطارق، آية: 5 ـ 6).

مما يلفت النظر إلى أن القرآن يسند التدفق للماء نفسه، مما يشير إلى أن للماء قوة دفق ذاتية، وقد أثبت العلم في العصر الحديث أن المنويات التي يحتويها ماء الرجل لا بد أن تكون حيوية متدفقة متحركة وهذا شرط للإخصاب.

وقد أثبت العلم أيضاً أن ماء المرأة الذي يحمل البيضة يخرج متدفقاً إلى قناة الرحم "فالوب"، وأن البيضة لا بد أن تكون حيوية متدفقة متحركة حتى يتم الإخصاب.

ثانيا: السلالة:

سلالة في اللغة بمعان منها انتزاع الشيء وإخراجه في رفق، كما تعني أيضاً السمكة الطويلة، أما الماء المهين فالمراد هنا (أي: في طور السلالة)، ويشير القرآن الكريم إلى ذلك كله في قوله تعالى: " ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلَالَةٍ مِّن مَّاء مَّهِينٍ" (السجدة، آية: 8).

وخلال عملية الإخصاب يرحل ماء الرجل من المهبل ليقابل البيضة القليل ويخترق منوي واحد البيضة ويحدث عقب ذلك مباشرة تغير سريع في غشائها يمنع دخول بقية المنويات، وبدخول المنوي إلى البيضة تتكون النطفة ويشير الحديث النبوي الشريف إلى أن الإخصاب لا يحدث من كل ماء الذكر، وفي ذلك يقول رسول الله: "ما من كل الماء يكون الولد"(428).

وهكذا فإن الخلق من الماء يتم من خلال اختيار خاص، والوصف النبوي يحدد بكل دقة كل هذه المعاني التي كشف عنها العلم اليوم.

ثالثاً: النطفة الأمشاج:

تأخذ البيضة الملقحة شطر قطرة، وهذا يتفق تماماً مع المعنى الأول للفظ نطفة أي: قطرة ومعنى "نطفة الأمشاج" أي: قطر مختلطة من ماءين. وهذه النطفة الأمشاج بقوله تعالى: " إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ" (الدهر، آية: 2).

هناك نقطة هامة تتصل بهذا النص وهي كلمة "نطفة" اسم مفرد وأما كلمة أمشاج فهي صفة من صيغة جمع، وقواعد اللغة تجعل الصفة تابعة للموصوف في الإفراد والتثنية والجمع.

كان مصطلح "نطفة الأمشاج" واضحاً عند مفسري القرآن الكريم الأوائل مما جعلهم يقولون: النطفة مفردة لكنها في معنى الجمع.

يمكن للعلم اليوم أن يوضح ذلك المعنى الذي استدل عليه المفسرون من النص القرآني، فكلمة أمشاج من الناحية العلمية دقيقة تماماً، وهي صفة جمع تصف كلمة نطفة المفردة التي هي عبارة عن كائن واحد يتكون من أخلاط متعددة تحمل صفات الأسلاف والأحفاد لكل جنين وتواصل هذه المرحلة نموها وتحتفظ بشكل النطفة، ولكنها تنقسم إلى خلايا أصغر تدعى قسيمات جرثومية بعد أربعة أيام تتكون كتلة كروية من الخلايا تعرف التوتية بعد خمسة أيام من الإخصاب، تسمى النطفة كيس الجرثومة مع إنتشار خلايا التوتية إلى جزءين:

بالرغم من انقسام النطفة في الداخل إلى خلايا فإن طبيعتها ومظهرها لا يتغيران عن النطفة لأنها تملك غشاءً سميكاً يحفظا ويحفظ مظهر النطفة فيها.

خلال هذه الفترة ينطبق مصطلح "نطفة أمشاج" بشكل مناسب تماماً على النطفة في كافة تطوراتها، إذ أنها تظل كياناً متعدداً، فهي إلى هذا الوقت جزء من ماء الرجل والمرأة، وتأخذ شكل الفطرة، فهي نطفة، وتحمل أخلاطاً كثيرة فهي أمشاج وهذا الإسم للجنين في هذه المرحلة يغطي الشكل الخارجي وحقيقة التركيب الداخلي(429).

* نتائج تكوين النطفة الأمشاج:

- الخلق:

- وهو البداية الحقيقية لوجود الكائن الإنساني، فالمنوي يوجد فيه (23) حاملاً وراثياً، كما يوجد في البيضة (23) حاملاً وراثياً أيضاً، ويمثل هذا نصف عدد حاملات الوراثة في أي خلية إنسانية ويندمج المنوي في البيضة لتكوين الخلية الجديدة التي تحتوي عدداً من الصبغيات (الكروموسومات) مساوياً للخلية الإنسانية (46).

- بوجود الخلية التي تحمل هذا العدد من الصبغيات يتحقق الوجود الإنساني ويتقرر به خلق إنسان جديد لأن جميع الخطوات التالية تتركز على هذه الخطوة وتثبت منها، فهذه الخطوة الأولى لوجود المخلوق الجديد.

- التقدير ((البرمجة الجينية)):

بعد ساعات من تخلق إنسان جديد في خلية إنسانية كاملة تبدأ عملية أخرى، تتحدد فيها الصفات التي ستظهر على الجنين في المستقبل "الصفات السائدة"، كما تحدد فيها الصفات المتنحية التي قد تظهر في الأجيال القادمة، وهكذا يتم تقدير أوصاف الجنين وتحديدها.

وقد أشار القرآن إلى هاتين العمليتين المتعاقبتين ((الخلق والتقدير)) في أول مراحل النطفة الأمشاج في قوله تعالى: " قُتِلَ الْإِنسَانُ مَا أَكْفَرَهُ * مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ * مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ" (عبس، آية: 17 ـ 19).

- تحديد الجنس:

يتضمن التقدير الذي يحدث في النطفة الأمشاج تحديد الذكورة والأنوثة، وإلى هذا تشير الآية الكريمة: " وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنثَى * مِن نُّطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى" (النجم، آية: 45 ـ 46).

فإذا كان المنوي الذي نجح في تلقيح البيضة يحمل الكروموسوم Y كانت النتيجة ذكراً، وإذا كان ذلك المنوي يحمل الكروموسوم X   كانت النتيجة أنثى.

رابعاً: الحرث:

تبقى النطفة إلى ما قبل طور الحرث (الانغراس) متحركة وتظل كذلك حين تصير أمشاجاً وبعد ذلك، وبالتصاقها بالرحم تبدأ مرحلة الاستقرار التي أشار إليها الحديث النبوي: "يدخل الملك على النطفة بعدما تستقر في الرحم بأربعين أو خسة وأربعين يوما"(430).

وفي نهاية مرحلة النطفة الأمشاج ينغرس كيس الجرثومة في بطانة الرحم بما يشبه انغراس البذرة في التربة في عملية حرث الأرض وإلى هذه العملية تشير الآية الكريمة: " نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ" (البقرة، آية: 222)، وبهذا الانغراس يبدأ طور الحرث ويكون عمر النطفة حينئذ ستة ايام(431).

وفي مسند أحمد: أن يهودياً مر بالنبي وهو يحدث أصحابه فقالت قريش: يا يهودي، إن هذا يزعم أنه نبي فقال: لا سألته عن شيء لا يعلمه إلا نبي فقال: يا محمد مم يخلق الإنسان؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا يهودي من كل يخلق: من نطفة الرجل ومن نطفة المرأة؟ فقال اليهودي هكذا كان يقول من قبلك(432).

يقول ابن القيم: ومني الرجل وحده لا يتولد منه الولد ما لم يمازجه مادة أخرى من الأنثى، وقال: أن الأعضاء والأجزاء والصورة تكونت من مجموع الماءين وهذا هو الصواب(433).

وتنغرس النطة "كيس الجرثومة" في بطانة الرحم بواسطة خلايا تنشأ منها تتعلق بها في جدار الرحم، والتي ستكون في النهاية المشيمة، كما تنغرس البذرة في التربة.

- ويستخدم علماء الأجنة الآن مصطلح (انغراس) في وصف هذا الحدث، وهو يشبه كثيراً في معناه كلمة الحرث في العربية.

- طور الحرث هو آخر طور في مرحلة النطفة، وبنهايته ينتقل الحمل من شكل النطفة ويتعلق بجدار الرحم ليبدأ مرحلة جديدة وذلك في اليوم الخامس عشر.

ومما تقدم يتبين لنا بجلاء.

- إن القرآن الكريم وقد وصف كل جوانب مرحلة النطفة من البداية إلى النهاية، مستعملاً مصطلحات وصفية علمية دقيقة لكل طور من أطوارها ويستحيل عملياً كشف التطورات وعمليات التغيير التي تحدث خلال مرحلة النطفة من غير استخدام المجاهر الضخمة نظراً لصغر حجم النطفة.

لقد حدد القرآن الكريم أول مراحل النطفة بالماء الدافق فقال تعالى: " فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ * خُلِقَ مِن مَّاء دَافِقٍ" (الطارق، آية: 5 ـ 6)..

وحدد آخرها يحرث النطفة أي: غرسها في القرار المكين.

وفي العصر الذي ذكر فيه القرآن هذه المعلومات عن المرحلة الأولى للتخلق البشري، كان علماء التشريح من غير المسلمين يعتقدون أن الإنسان يتخلق من دم المحيض وظل هذا الاعتقاد رائجاً حتى اختراع المجهر في القرن السابع عشر وما تلاه من الاكتشافات للحيوان المنوي والبيضة، كما ظلت أفطار خاطئة أخرى سائدة حتى القرن الثامن عشر، حيث عرف أن كلاً من الحيوان المنوي والبيضة ضروريات للحمل، وهكذا فإنه بعد قرون عديدة تمكن العلم البشري من الوصول إلى ما ورد في القرآن الكريم والسنة النبوية قبل 1400 عام(434).

ب- مرحلة العلقة:

وهي الطور الثاني الذي تنتقل