آخر تحديث الساعة 06:03 (بتوقيت مكة المكرمة)

عبد العزيز القاسم: دعوات الإصلاح السياسي في السعودية متعثرة

السبت 12 ربيع الثاني 1428 الموافق 05 مايو 2007
عبد العزيز القاسم: دعوات الإصلاح السياسي في السعودية متعثرة
 

كانت مشاركته في الحركة الإصلاحية بالسعودية مبكرة جداً.. فهو أحد المساهمين في تحرير (خطاب المطالب) الذي وُجّه للملك فهد بن عبد العزيز آنذاك في شوال 1411 هـ (مايو 1991) الذي وقع عليه مجموعة من علماء السعودية، وطالبوا بإنشاء مجلس للشورى، وتحقيق المساواة بين المواطنين، وعدالة توزيع المال العام، وبناء جيش قوي متكامل، وسياسة خارجية بعيدة عن التحالفات المخالفة للشرع، و كان أحد المشاركين في تأسيس لجنة الدفاع عن الحقوق الشرعية في أيار (مايو) 1993، والتي تمثلت أهدافها المعلنة في "رفع الظلم والدفاع عن حقوق الإنسان التي تقررها الشريعة". ونتيجة لذلك ألقت السلطات السعودية القبض عليه، وبقي في السجن فترة قصيرة لم تتجاوز الأربعين يوماً.
ولكن في عام 1995 اعتُقل مرة أخرى، ضمن الاعتقالات الجماعية التي طالت بعض الإسلاميين الذين كان من بينهم الشيخ سلمان العودة، والشيخ سفر الحوالي، والشيخ ناصر العمر، وبقي في المعتقل قرابة ثلاث سنوات ونصف.
كان قاضياً في المنطقة الجنوبية من السعودية إلى أن قدم استقالته من سلك القضاء، وهو الآن يمتلك مكتباً للمحاماة في العاصمة الرياض.
الشيخ عبد العزيز القاسم، بعد 11 سبتمبر، وبعد عاصفة أحداث العنف الداخلي في السعودية، وبعد تولي الملك عبد الله بن عبد العزيز لمقاليد الحكم، يؤكد في حديث مطول لشبكة (الإسلام اليوم) أن دعوات الإصلاح السياسي في السعودية تمر بمرحلة تعثر لعدم وجود رؤية واضحة بين الإصلاحيين أنفسهم، "فلديهم رؤيتان إحداهما متشددة ذات مطالب إصلاحية غير واقعية، و الثانية معتدلة، انتصرت المتشددة فأدت إلى صدام مبكر أجهض نضوج الحركة الإصلاحية".
وفي الوقت الذي يُتّهم فيه القاسم بأنه عصراني، يؤصل لليبرالية إسلامية، يقول القاسم: إن إخضاع الإسلام لقيم العصر و معاييره أمر مرفوض بل هو تحريف للدين، وتراثنا الفقهي كنز نفتخر به و علينا أن نستوعبه"، مشيراً إلى أن الطرح الإسلامي التقليدي قد يتسبب بحسن نية في تعطيل الشريعة، "حين يعجز عن تقديم الشريعة كحلول و أنظمة بناء و إصلاح، و النتيجة الطبيعية لهذا العجز هي تمكين المشاريع الأخرى من العبور لملء الفراغ".
وحول ما أُشيع مؤخراً بأن "القاسم" يمتلك مركزاً للتنوير في بيروت، ويتلقى مساعدات من دول أجنبية، أكد "القاسم" وبشكل قاطع أن حكاية مركز التنوير مختلقة لا أساس لها من الصحة، وأضاف مازحاً: ما رأيك، سوف أعطي المساعدات الخارجية لمن يعثر عليها.
ويرى القاسم أن الصحوة الإسلامية كانت تنتج خطاباً حالماً بعيداً عن الواقع ، "فجاءت الأحداث من 11 أيلول و ما بعدها لتعيد الخطاب الإسلامي إلى مسئولياته الواقعية المحلية و العالمية ، فبدأ يستعيد نفسه من الخطاب العاطفي إلى خطاب سياسي و إصلاحي أكثر مسئولية ."
(الإسلام اليوم) التقت الشيخ عبد العزيز القاسم، وفتحت معه ملفات ساخنة في حوار مطول تناول حركة الإصلاح السياسي في السعودية، ومعالجة ظاهرة العنف والإرهاب، وتقنين القضاء السعودي، وضرورة تنمية الفقه المقاصدي.
فإلى تفاصيل الحوار ...

من دعاة التدرج في الإصلاح

أين اختفى عبد العزيز القاسم (السياسي الإصلاحي، والناقد الفكري)؟ وأين وعوده ومشاريعه الفقهية التي انتظرها الكثير؟ هل تخلى القاسم عن مشاريعه؟ أم أن الواقع استعصى على التغيير؟
طبيعة المطالبة بالإصلاح في المملكة أنها حركات عفوية و فردية و هذه ميزتها، فهي تنشط تارة و تخبو تارة أخرى، من ناحية ثانية فإن دعوات الإصلاح السياسي تمر بمرحلة تعثر بسبب عدم وجود رؤية واضحة بين الإصلاحيين أنفسهم، فلديهم رؤيتان: إحداهما متشددة ذات مطالب إصلاحية غير واقعية وبسقف مرتفع و الثانية معتدلة تؤمن بالتدرج في الإصلاح، انتصرت المتشددة فأدت إلى صدام مبكر أجهض نضوج الحركة الإصلاحية، و لو كُتب للرؤية المعتدلة أن تظهر لأنضجت حركة إصلاحية متدرجة بحيث تطالب بالممكن أو ما يقترب من الممكن، و بذلك يكون للإصلاح جبهة عريضة تدفع بالإصلاح بواقعية، للأسف هذا ما لم يحدث، و أنا من أنصار التدرج في مطالب الإصلاح لتتكون شريحة إصلاحية قادرة على تطوير رؤية للإصلاح و المطالبة به. أما النقد الفكري فهو نشاط يأتي بمناسباته، و أنا لا أمتهن هذا النقد بل أمارسه في مناسبته، أما عملي الفقهي فإني أتابعه بنشاط و دأب، لكنه بطبيعته من الأعمال طويلة المدى، و أخالفك الرأي في أن الواقع مستعص على التغيير، بل قد أفاجئك بالقول إن الواقع يتغير أسرع مما كنت أتوقع، خصوصاً في مسار الفكر الإسلامي، خذ مثلاً تطبيع فكرة الانتخابات، مشاركة الدعاة في قنوات كانت مقاطعة، نوعية الكتب المستهلكة في المملكة أصبحت نقدية، و لم تعد رسالة صوت واحد، كذلك الفتوى تغيرت مصادرها، و صارت أكثر انفتاحاً، هذه متغيرات كبيرة ستترك آثاراً ملموسة في واقع المجتمع.

انغمس القاسم مؤخراً في مشاريع الإصلاح التشريعي، وطرحتم ورقة عن البنية التشريعية، ما الذي يدفعكم للتوجه بقوة نحو هذا المجال، وكيف ترون تعامل الإسلاميين مع قضية الإصلاح التشريعي بصفتها أحد جوانب الإصلاح؟
عنايتي بالإصلاح التشريعي سببها تخصصي المهني، و التشريع وسيلة إصلاح للمصالح اليومية التي تمس حياة ملايين من البشر، و لهذه الأهمية جذبني هذا النشاط بقوة، و قد أهمله كثير من الإسلاميين على الرغم من خطورته من الناحيتين الشرعية و العملية، و للمفارقة فإن أكبر منجزات المسلمين مجالها الفقه لكن الإسلاميين في المملكة أهملوا هذا الجانب بشكل كبير، حتى صارت هشاشة أداء المؤسسات الفقهية الشرعية تثير الفتنة مقارنة بتطور التشريعات الحديثة.

هل يمكننا أن نقول إن انشغال القاسم بالقضايا التشريعية هو نوع من الهروب عن معترك السياسة؟ ألا يُعدّ ذلك تحاشياً لجوهر الأزمة، وهو غياب الحرية وطغيان الاستبداد؟
صحيح أن الاستبداد هو أم كبائر التخلف؛ لأنه يحجب الأخطاء، و يحميها من النقد و التصحيح، لكنني أعتقد أن مستوى الحريات حالياً أكبر من قدرة الإصلاحيين على مواكبته؛ قد يبدو هذا القول غريباً بعض الشيء؛ لكن لنقارن بين مستوى النقد الذي نقرؤه الآن في الصحافة المحلية خصوصاً في صحف الاقتصادية و الحياة و الوطن، و بين ما كان متاحاً قبل سنوات قليلة، و لنقارن بين مستوى النقد في منتديات الاقتصاد بالرياض و جدة، و بين خطاب الإسلاميين، علينا أن نعترف بأن خطاب الإصلاح انتقل من المعارضين السياسيين إلى النقاد التكنوقراطيين، شخصياً لدي قناعة بأن دعوات الإصلاح إن لم تكن واقعية ستوأد في مهدها، و تفوت المصلحة الوطنية.

الدعوة الدستورية بالسعودية كانت سابقة لوقتها

طرحت مجموعة الدستوريين أفكارها ورؤاها لإصلاح الوضع السعودي، لكن طروحاتها لم تحفل بتفاعل من قطاعات الشعب العامة، ألا تعتقد أن جزءاً من مشاريع الإصلاح هي نخبوية وبعيدة عن اهتمامات الشارع البسيط الذي يفكر في الخدمات اليومية البسيطة: كالمسكن، والصحة، والتعليم، والوظيفة، ومستوى الأسعار دون أن تعنيه صياغة الدستور أو المشاركة في صنع القرار؟
بالفعل المجتمع تهمّه التطبيقات، و ماذا تنفعنا دستورية شكلية لا يتغير معها مستوى المعيشة، و ترتقي حقوق الإنسان، الدعوة الدستورية كانت سابقة لوقتها بدرجة مميتة، لهذا ذهبت صيحتها إلى صحف التاريخ، و إن بقي منها وميض الجرأة و شجاعة التعبير، ما يهم الناس هو أداء الحكومة، و هذا لا تصلحه مجرد صيحات الجرأة مهما كانت نبيلة و صادقة، الحياة اليومية لا يصلحها إلاّ شعور بالمسؤولية يحققه تواصل دعوات الصدق و الإصلاح لتتحول إلى حياة يومية يرتقي بها الذوق الأخلاقي للمجتمع ليتحول من خطاب المجاملة و التزلف إلى خطاب المسؤولية و الصدق، بهذا تتكاثر منابر الدعوة الإصلاحية لتكون الأمة حية تأتمر بالمعروف، و تتناهى عن المنكر في حياة العامة فما من خطأ إلاّ و يجد من يستنكره، و ما من خير إلاّ ونجد من يدلنا عليه.

المشاريع الاقتصادية والأنظمة الجديدة على الساحة السعودية.. هل تعتقد أنها أضعفت من قوة مطالب الإصلاح؟
قوة الدفع في الحركة الإصلاحية تأثرت بثلاثة عوامل أساسية:
أولها: ارتفاع سقف المطالبة.
وثانيها: حركة السوق المالية التي لفتت الأنظار إلى مكان آخر يجلب أملاً في الثراء السريع، فأوجد مسرحاً مثيراً اشتغل به الناس مؤقتاً.
و ثالثها: انبعاث نوع من الأمل بسبب مبادرات الدولة الإصلاحية مثل الانتخابات البلدية، و الحوار الوطني، و الحساسية الجديدة تجاه المال العام و غيرها، فالمجتمع يترقب مصير هذه المبادرات.

نهدف إلى تطوير رؤية شرعية لأنظمة بناء الدنيا

تشاكس القاسم مع الصحوة ومع التيار الإسلامي السائد في نجد تحديداً ـ والذي كنت أحد رموزه ـ واتُّهمت بأنك تنويري عصراني وتمهد لأرضية تغريبية .. وشاعت دعوات التحذير من أفكارك .. بكل وضوح .. ما موقفك من مخالفيك؟
المسألة اختلاف في الاجتهاد، و أصدقك القول إنني أرى أفعالهم تخالف أقوالهم، بمعنى أن التيار الإسلامي نفسه يتغير؛ فالقناعات اليوم ليست قناعات الأمس، أتذكر أن الأخ الدكتور محسن العواجي أثناء نقاش بيني و بينه عام 1412هـ لمزني بالليبرالية على الرغم من أن الرأي الذي قلته له كنت أنقله عن ابن تيمية، و كان يتعلق بالموقف من المخالف، الآن لم تعد لدى الإسلاميين مشكلة جدية مع المخالفين، فقد تكاثرت المواقف و المبادرات باتجاه تصحيح الموقف السابق، و رأينا الشيخ سفر الحوالي – شفاه الله – يقف في صورة واحدة إلى جوار الأستاذ محمد سعيد الطيب للتعاون في مشاريع سياسية.. من أجل ذلك فإنني أقرأ موقف الإسلاميين من بعض ما طرحته كجزء من اختلاف مشروع، و بيننا فقه السلف و أدلة الشرع، و من يثبت لي مخالفة واحدة لذلك فإن الرجوع إلى الحق واجب عليّ و على غيري. لقد لاحظت أن بعض مواقف التحذير لا تعدو كونها مزايدة يتبعها تأكيد على الاتفاق في المجالس الخاصة، و أنت تدرك أهمية الجمهور لدى الصحوة.

يتهمك المحافظون من الإسلاميين بأنك تحاول أن تخضع الإسلام لقيم العصر، وتسعى إلى إسقاط مرجعية التراث، وأن أفكارك تؤدي إلى التحلل من سلطة النص من أجل التقدم واللحاق بالحضارة الغربية .. ما هو ردك؟
أنا رجل مؤمن بالوحي، و بأن الإسلام رسالة الله تعالى الخاتمة للبشرية، و لا يمكن أن أقبل التحلل من النصوص، أما الموقف من التراث فلا يوجد تراث واحد كما تعلم، بل توجد اجتهادات متعددة، و لا أحد من الإسلاميين يؤمن بقدسية التراث ككتلة واحدة، و لو كانت صياغة سؤالك عن الاجماع بدل التراث لكان جوابي أنني أعتقد حجية الإجماع بشروطه المعروفة في أصول الفقه، تراثنا الفقهي كنز نفتخر به و أن نستوعبه، لكن يجب علينا أن نتعامل معه وفقاً لواقعنا المعاصر، و هذا الموقف محل إجماع بين الإسلاميين و ينحصر الخلاف في التفاصيل.
والفهم العصري للإسلام مصطلح غير دقيق بل غير علمي؛ إذ قد يحتمل إخضاع الإسلام لقيم العصر و معاييره، و هذا مرفوض بل هو تحريف للدين، أما إذا كان المقصود هو تصحيح الفهم الديني للإسلام بما يتفق مع ما تتطلبه المتغيرات وفق معايير الشريعة و أصول الفقه المقررة في التعامل مع الاجتهاد فهذا أمر مقبول، لكن له تسمية شرعية هي التجديد، فلماذا نتخلى عن المصطلح الشرعي، و نوظف مصطلحاً غامضاً يزيد المسألة تعقيداً بدلاً من ضبطها و إصلاحها، و هذا المصطلح متداول في الفقه و تاريخه و علوم الشريعة، و إذا أردنا إدانة تجديد ما فلماذا لا نبرهن على مخالفته للأصول الشرعية بدلاً من اختراع مصطلحات وضعية لإدانته.

هل يمكنك أن تختصر لنا الرؤية التي تطرحها وتسير وفقها في مشاريعك؟
الرؤية التي نطرحها يمكن اختصارها في جملة واحدة هي: تطوير رؤية شرعية لأنظمة بناء الدنيا، فهي مشاريع بناء و إن تضمنت رؤية نقدية لبعض الجوانب، خذ مثلاً مشروعنا الكبير في تحليل البنية التشريعية و القضائية السعودية، هذا العمل بنائي فقد وضع تصوراً واضحاً لبناء النظامين: التشريعي و القضائي، و إن تضمن نقداً لبعض جوانبهما. لقد أكدنا في هذه الدراسة أن مشاورة كوادر النظامين شرط لنجاح الإصلاح، و قد اقترحنا إصلاح ازدواجية النظام التشريعي بحيث تكون مشاورة المؤسسة الفقهية جزءاً أساسياً من نظام التشريع بدلاً من حالة الاضطراب الحالية، و قد تفرع عن دراستنا الأم مجموعة كبيرة من الدراسات الفرعية لجوانب الإصلاح التشريعي و القضائي، بعضها متعلق بالشفافية التشريعية، و بعضها متعلق بالتدريب التشريعي و القضائي. و هكذا لدينا مشروع في المشاركة الأهلية و تنميتها استغرق منا جهداً و وقتاً أكبر من نقد الصحويات، فالنقد لدينا وسيلة لتطوير الخطاب الإسلامي باتجاه فاعلية دنيوية أعلى و ليس هدفاً نسعى إليه.

يرى بعض مخالفيك بأن منهجيتك الفكرية تؤدي إلى العلمانية. ألا ترى في ذلك قسط من الواقعية؟
لا أرى ذلك بالطبع؛ لكن دعني أناقش هذا، العلمانية بالتعريف الفقهي هي النظرية التي تدعو إلى تعطيل أحكام الشريعة الملزمة فيما يتعلق بأعمال الدولة، منهجيتي التي تتحدث عنها هي أبعد ما تكون عن هذا بل هي عكسه، نحن نعمل بدأب على إعمال أصول الشريعة و قيمها في الحياة العامة، و لهذا تقدمنا بمشاريع عديدة في هذا الاتجاه، تقدمنا مثلاً بورقة عمل في منتدى الرياض الاقتصادي لتحليل البنية التشريعية و القضائية، الورقة قائمة على تفعيل تطبيق الشريعة، و جادلنا عن هذا بأن التجارب الدولية لإصلاح التشريع و القضاء تثبت أن من شروط الإصلاح أن يتلاءم الإصلاح مع ثقافة المجتمع، لم نجد مقاومة تذكر بل كانت اللجنة المنظمة للمؤتمر متحمسة لهذا الطرح، تقدمنا بعدد من المشروعات في الإسكان و التمويل و الأنظمة المصرفية، اقتراحنا فيها يقوم على تفعيل أنظمة شرعية تستثمر التطبيقات الفقهية التراثية بوسائل جديدة، و طرح مقترحات تتعلق بحماية الأخلاق، و مكافحة التحرش الجنسي، و استغلالها، و مثل هذا يمكن أن نقوله في مشاريع الإصلاح السياسي و الاقتصادي، كانت الرؤية المطروحة تعتمد على الشريعة و احترام و تفعيل مبادئها و أحكامها، كل هذا يعني أننا في اتجاه تفعيل الشريعة و ليس تعطيلها، تعطيل الشريعة قد يتسبب فيه بحسن نية الطرح الإسلامي التقليدي الذي كان متمرساً في مواجهة المخالفين، لكنه عاجز عن تقديم الشريعة كحلول و أنظمة بناء و إصلاح، و النتيجة الطبيعية لهذا العجز هي تمكين المشاريع الأخرى من العبور لملء الفراغ، قد يُقال في هذا السياق الحجة التقليدية، و هي أن الإسلاميين لا يُمكّنون من الفرصة لتقديم الحلول، و هذه الحجة في ظني باطلة إلى حد بعيد؛ فالمبادرة يجب أن تكون ممن يملك رؤية ما، فعليه أن يتقدم بشرح لرؤيته و إقناع الناس بها، الإسلاميون ما قاموا بذلك، خذ مثلاً جامعة الإمام هذه المؤسسة تحت تصرف الإسلاميين – بالمصطلح العام – ماذا قدمنا في كلية الشريعة و كلية أصول الدين لمعالجة المعضلات المعاصرة في التنمية، النظام الاقتصادي، عدالة توزيع الثروة، الشورى، دور المجتمع في المشاركة السياسية و الأهلية، العلاقات الدولية، فلسفة المعرفة، قراءة و نقد العلوم الاجتماعية... هذه هي مداخل تفعيل الشريعة في المجتمع بصيغة أخرى هذه هي وسائل طرد العلمانية التطبيقية. أين الإسلاميون من هذا، نعم هناك مبادرات رائدة في المعهد العالي للقضاء، لكن صاحب المبادرة في تدريس الأنظمة في المعهد هي الدولة للأسف بهدف إعطاء شرعية للأنظمة و تدريب القضاة عليها، و ليس المبادر هم الإسلاميون بل هي مبادرة حكومية تشبه الإكراه، و جاءت القناعة الإسلامية تالية، واقع الإسلاميين هذا جاء ثمرة لثقافتهم الاحتجاجية أي المعارضة السلبية، و هذا النوع من المعارضة يعرف ما لا يريد، لكنه لا يعرف ما يريد، و لم تتجه الطاقات لاستطلاع ما نريد بقدر اتجاهها إلى ما لا نريد، و لهذا انغمسنا في علم الكلام و دقائق الفقه و تجاهلنا الواقع، خذ كم في أصول الدين من رسالة تدرس عقيدة فلان و فلان من القدامى، في المقابل كم تجد من رسالة تدرس المبادئ النظرية لخطط التنمية في المملكة. هذا مثال صارخ للعجز و العزوف و تحوّل الإسلاميين الذين كانوا في الأساس مشروع إصلاح تحولوا إلى مباراة و منافسة لإثبات من أكثر تقليدية وفقاً للمعايير الكلامية و التقليدية، و انصبت جهود التربية الإسلامية على المتون الكلامية من جديد، انكب على دراستها حتى علماء الطب و الفيزياء، و لهذا يستحق مشروع الصحوة أن يُسمّى بمشروع الإحياء الكلامي، و قد نجحت في الإحياء الكلامي، لكن هذا الإحياء أبعد ما يكون عن مشروع الصحوة أو النهضة الإسلامية التي هي في النهاية مقاومة للعلمانية ببناء دنيا متوافقة مع الشريعة.

ألا توافقني أن حدة وشدة موقف الإسلاميين منكم قد ساهمت في تعطيل الكثير من مشاريعكم؟
مواقف المخالفين في نظري طاقة دفع للعمل و تسويقه كما تعلم و ليست مثبطة، و أختلف معك في كونها سبب تأخري، فالتعطيل سببه انشغالي بعملي المهني، الذي وجدت فيه وسيلة فعّالة و ممتعة للتطوير و الإصلاح، و أطمح أن أتخفف من مسؤوليات عملي المهني بعد هذه السنوات من العمل لألتفت إلى اهتماماتي الفكرية و الفقهية، و أسأل الله تعالى أن يسهل ذلك.

طرأت متغيرات جديدة على ساحة الإسلاميين في السعودية، وبدأت تظهر أصوات معتدلة من داخل التيار الإسلامي، كيف تنظر لهذه التغيرات؟
الصحوة الإسلامية كانت تنتج خطاباً حالماً بعيداً عن الواقع، و جاءت الأزمات لتعيد الاعتبار إلى معطيات الواقع، و أنت تعلم أن الخطاب العاطفي يتحلل من الواقعية ليلامس الأوتار الحساسة لدى الجمهور، فجاءت الأحداث من 11 أيلول، و ما بعدها لتعيد الخطاب الإسلامي إلى مسؤولياته الواقعية المحلية و العالمية، فبدأ يستعيد نفسه من الخطاب العاطفي إلى خطاب سياسي و إصلاحي أكثر مسؤولية.

المظالم السياسية أوجدت العنف

دعني انتقل إلى شق آخر من الموضوع، إلى قضية العنف والإرهاب ولكم نشاط ملحوظ في معالجة هذه الظاهرة .. لكن دعني أسألك .. هل صحيح أنك تحرض الأمراء السعوديين ـ كما أشيع عنك ـ على تراث الإمام أحمد بن حنبل، وابن تيمية، والشيخ محمد بن عبد الوهاب، باعتبار أن تراثهم نواة للعنف والإرهاب؟
لقد دعوت إلى تصحيح الخطاب الديني، و تنقيته من آثار المعارك الكلامية و السياسية التي أوجدتها فتنة تعامل المأمون مع القول بخلق القرآن الكريم، و المحن التي تعرض لها ابن تيمية، و صراعات محمد بن عبد الوهاب مع خصومه، سواء في دراستنا للمناهج التعليمية أو غيرها من المقالات المنشورة، لكني لا أربط بين العنف و هذا التراث، العنف سببه سياسي، الدولة أخفقت في إنجاز مشروع وطني يتلاءم مع طموحات المجتمع، و شدة قبضة الدولة الأمنية و السياسية على المجتمع السعودي أدت إلى تصدير آثار هذا الضغط إلى الخارج في أفغانستان و غيرها، و قد أدى ذلك إلى استيراد ثقافة السلاح و التنظيم الجهادي، أما قصة الأمراء المشار لها في سؤالك فهي غير صحيحة بالطريقة التي وردت في السؤال؛ ذلك أنها بدأت مع اعتراض سماحة المفتي على نشر مقابلتي مع عبدالعزيز قاسم في مكاشفاته بجريدة المدينة، و حجته أنني تعرضت للشيخ محمد بن عبدالوهاب في المقابلة، فاتصل بي سماحته طالباً وقف نشرها، فذكرت له أن معظم كتب التيار الجهادي تستشهد بكتب أئمة الدعوة، و أبناؤنا الذين انخرطوا في التيار الجهادي يقرؤونها، فما موقفك من استشهادهم بكتب الدعوة النجدية إن كنت توافق على ذلك فعليك أن تدافع عن هؤلاء الشباب أمام الدولة، و إن كنت تعترض على هذه الاستشهادات فعليك أن تنتقدها، ثم تحدث معي بعض الأمراء مستفسراً عن المقابلة فأجبته بالإجابة نفسها، و الذي أعتقده أن لدينا تناقضاً كبيراً في مواجهة الشبان الجهاديين حين ندين توجهاتهم التكفيرية، و نسكت عن مصادرهم، و نتستر على ما فيها من تكفير، و لا أستثني من هذا إلاّ محاولات خجولة بدأها الشيخ عايض القرني في مؤتمر الحوار في مكة حين انتقد الدرر السنية و ما فيها من محتوى تكفيري، و كذلك الشيخ عوض القرني في جريدة الوطن .


المحرر يتحدث مع الشيخ عبد العزيز القاسم


في سبيل معالجتكم لظاهرة العنف، هل صحيح أن لديكم (مركز التنوير) في بيروت، وتتلقون (مساعدات خارجية)؟
ليس لي اهتمام بمعالجة ظاهرة العنف إلاّ من خلال سياقها السياسي، أما فكرياً فإنني مهتم بظاهرة التشدد و ليس العنف؛ لأنني مقتنع أن العنف أساسه سياسي، و إن كان يؤصل لنفسه بتراث تكفيري ينبش من المصادر السلفية هنا أو هناك، و العلاج الحقيقي للعنف هو فتح آفاق المشاركة السياسية و الرقابة الشعبية و تطوير الدولة لرؤية وطنية للتنمية تفتح آمال الإصلاح أمام الموطنين و تنتظمهم في مشروع وطني يعيد لحمة ولاء المواطن لدولته و مشروعها، أما الحديث عن مركز للتنوير في بيروت فهو محض اختلاق ليس له أي أساس، و الذي يؤسفني في اختلاق هذا الخبر أنه يوحي بمستوى أخلاقي في الاختلاف، لا يليق بمن يؤمن أن المؤمن لا يكذب، و لا يختلق كذبة، و يسعى لتطييرها في الآفاق، و هو يعلم حكم هذا العمل.

طيب .. ماذا عن مركز (مسبار) للبحوث والدراسات؟ هل لكم علاقة به؟
مركز مسبار يملكه الأخوان تركي الدخيل و عبد الله بن بجاد العتيبي، و لا تربطني به أي علاقة.

أنت تقول إن الجماعات الجهادية تستشهد كثيراً بنصوص الوهابية، وخصوصاً ما يرد في الدرر السنية، وتطالب بمراجعة التراث الوهابي، لكن ماذا تقول عن النصوص القرآنية والنبوية التي يمتلئ بها خطاب القاعدة وجماعات العنف؟
الإسلام ليس دين ضعف و استسلام، و لا يقبل الدنية مع محاربيه، و من حق المسلمين أن تكون لهم ثقافة عسكرية، و نصوص الكتاب و السنة هي أساس هذه الثقافة، و لا يعترض عليها مسلم، بل هي دعامة أمنه و حمايته، الخلاف ليس في هذا، بل في تسخير نصوص التراث التي ذهبت إلى تكفير المسلم و مقاتلته، و هذه مسألة أخطأت فيها مصادر تراثية، و هي محل الاعتراض، و لذلك كلنا نمجد العمل الجهادي في فلسطين مثلاً، و هو مستند إلى فقه الجهاد في الكتاب و السنة، لكن قتل المسلمين بذرائع تكفيرية مردود بأدلة عصمة دماء المسلمين.

ظهرت ظاهرة جديدة في الداخل الإسلامي معنية بالاحتساب على "المخالفين وتعريتهم وفضحهم وإسقاطهم" كما يعبرون في أدبياتهم، وربما كنت أحد ضحايا هذا الاحتساب، ألا توافق أن انتهاء الجهاد كأداة فعلية على الأرض، وبقاء بذور التطرف، أنتج مثل هذه الظواهر التي وجدت في هذه الوسيلة الجديدة متنفساً لها؟
هذه الظاهرة قديمة، و هي ثمرة لفقه التشدد، المستغرق في جزئيات الشريعة و دقائقها الخلافية، و لهذا لا تجد في هذه الأدبيات التزام بآداب الاختلاف و الجدل الفقهي أو الشرعي، و لهذا السبب انجرفت نحو التجريح، و أنت تعلم أن المجتمع اليوم لا تنطلي عليه هذه الأدبيات، فهو يقرأ و يقارن و يكتشف الحقائق ، و ستبقى هذه الممارسات كجزء من أي مجتمع، و الأهم ألاّ نلتفت إليها، و نتوقف عن أعمالنا إلى التشاغل بها، خصوصاً أنها تشبه فرقعات الصحافة الصفراء، آثارها وقتيه ثم يطويها النسيان.

القضاء السعودي بحاجة إلى أن يدون الفقه من جديد

ما حقيقة دعوتكم إلى تقنين الفقه؟ وما تأثيراتها على سلك القضاء في السعودية؟
الذي أدعو إليه تدوين الفقه، و الفرق بينه و بين التقنين في رأيي أن التدوين يقوم به جهاز القضاء بنفسه، و له حق تعديله بناء على إجراءات داخلية، مثل أن يتولى القاضي تقرير مبدأ يخالف المدونة بشرط أن يقنع المحكمة الأعلى منه بحجته و دليله، ثم يستقر القضاء على المبدأ الجديد، و الغرض من ذلك ألاّ يكون للقضاء في قاعدة واحدة رأيان؛ لأن وجود هذا الاختلاف يؤدي إلى إرباكٍ لحقوق الناس خصوصاً في اقتصاد ضخم مثل اقتصاد المملكة؛ ذلك أن مستثمراً ما لا يستطيع أن يقوم بمشروع ما إذا كانت حقوقه فيها قولان للقضاء أو أكثر، فالمشاريع الآن تقوم على حسابات دقيقة للجدوى و المخاطر، و لا تحتمل فوضى الأحكام، و ليس هذا النوع من التدوين بجديد على الفقه الإسلامي، فقد قنن الخلفاء الراشدون عشرات المبادئ إن لم نقل المئات، و ذلك لتحصيل مصالح أدنى من مصالح التقنين الآن.

ألا تعتقد أن المؤسسة الدينية السعودية قد مثلت نقطة توازن في كثير من الأزمات المحلية؟
التوازن في الأزمات لا يحققه إلاّ قناعة المجتمع بشرعية الدولة و قيامها بحقوقهم، أما سيطرة الدولة على المؤسسة الدينية فإنه يؤدي إلى انهيار صدقيتها أمام المجتمع، و هو ما تعاني منه الآن.

الفقه المقاصدي ضرورة لنشر رسالة الدين

برأيكم ما أسباب غياب الفقه المقاصدي وبروز العقل النصوصي المعتمد على وسيط الذاكرة في الاستدلال والاستشهاد؟
غياب الفكر المقاصدي و بروز الفقه الظاهري ظاهرة قديمة بدأت منذ معارك أهل الرأي مع أهل الحديث، و جاءت جاذبية القياس الشافعي لتدفع بفقه المقاصد إلى زوايا ساحة الفقه، لكن المقاصد عادت مع الباقلاني و الجويني و ابن عبد السلام، و أكبر مستثمر لفقه المقاصد ابن تيمية فهو الذي نقل هذا الفقه من التنظير إلى الاستثمار، لكنه لم يُقرأ قراءة عميقة من هذه الزاوية، نحن اليوم في أمس الحاجة إلى فقه المقاصد؛ لأننا أمام نظم منافسة، و لسنا أمام جزئيات فقهية، لن نتمكن من بيان الدين للناس إلاّ من خلال قراءة كلية للفقه، و وسيلة هذه القراءة هي الفقه المقاصدي، أما ما يمكننا فعله لتنشيط الفقه المقاصدي فهو مجموعة وسائل منها تنشيط التطبيقات المقاصدية بحيث نجد بحوثاً في مقاصد الشريعة في الاقتصاد، و التنمية، و الترفيه.. هذه الدراسات ستقدم الرؤية الكلية بدلاً من النظرات الجزئية التي يغيب معها المعنى الكلي للشريعة، و من وسائل التنشيط إعادة قراءة نشوء المذاهب الفقهية و استكشاف الظروف التي أثرت في نشأتها بحيث نتمكن من فرز تأثير النص الشرعي و تأثيرات البيئة السياسية و الاجتماعية و غيرها في نشوء هذا الفقه أو ذاك، و من الوسائل تنشيط دراسة القواعد الفقهية، و تنظير الفقه فهذه تستكشف كليات الشرع و تتجاوز المعاني الفرعية التي قد تُستغل لتبرير كل اتجاه تقريباً، و من وسائل تنشيط فقه المقاصد توجيه العناية بتغيير المجتمع بروح إيجابية، بعبارة أخرى حين نعمل لنقدم ما نريده، نحن سنضطر إلى تقديم فقه مقاصدي كلي باعتبار الواقع يتضمن مناطات كلية، و ليست مناطات جزئية أكاديمية، أما حين نعمل عملاً سلبياً أي حين نقدم نقداً للموجود دون قراءة للبديل فإن هذا لا يطرح تحديات كلية لنتأمل كيف ننقد الواقع؛ ذلك أننا حين نعترض سنستشهد بأقرب النصوص دلالة ضد محل النقد، فإن تعذر استعنا بالفتاوى، و إذا ضاق الأمر لجأنا إلى سد الذرائع، هذه الأعمال جزئية لا تضطرنا إلى تكوين منظور كلي، و قد اعتدنا في الصحوة على هذه المنهجية فأضعف ذلك فقهنا الكلي المقاصدي. المشاريع التي قُدّمت حتى الآن في فقه المقاصد كبيرة، منها تنظير لفكرة المقاصد، و منها قراءة لفقه المقاصد لدى بعض الفقهاء، و منها قراءة لفقه المقاصد في موضوعات معينة، هذه جهود كبيرة قفزت في العشرين سنة الماضية بفقه المقاصد بكمية كتابة لم يبلغها التراث، و ربما تنافس في جودتها كثيراً مما كُتب في التراث، و في السنوات الأخيرة بدأت تنشط دراسات في الفقه المقاصدي الموضوعي خصوصاً في الجزائر حيث تناول الباحثون وحدات موضوعية مقاصدية، مثل مقاصد الشريعة في الاقتصاد و الترفيه .. بيد أن المسيرة لا تزال في البداية، ستكون أبحاث المقاصد فعّالة حين تقترب مما يُسمّى الآن بالسياسات بحيث تقدم دراسات المقاصد منظورات كلية لقطاعات محددة تتفاعل فيها الرؤية الشرعية مع المعارف الدنيوية، مثلاً مقاصد الشريعة في القطاع النقدي، هل يكفي أن نبتكر عقوداً مبنية على المخارج الفقهية أم أن علينا العمل على وضع عقود تؤسس لتداول المال و توزيع الربح بعدل، وضع رؤية في هذا المجال يتوقف على علم مقاصد الاقتصاد في الشريعة، إضافة إلى علم سياسات النقد بحيث تمتزج الخبرة الدنيوية بالهدي الشرعي لتقدم رؤية قابلة للتطبيق عبر منظور شرعي و واقعي، هنا تصبح مقاصد الشريعة مثمرة ميدانياً، و لا يمكن أن نصف إنتاجاً فكرياً بأنه نموذج صحيح؛ لأن الحق لا يمكن أن يتمحض لدى جهة ما بل الفقه تراكم يعتريه الخطأ و الصواب، المهم صدق النية و بذل الجهد و احترام نصوص الشريعة و إجماع الأمة، و تحري مصالحها بتوازن و دأب، من الطبيعي أن تقع أخطاء، إلاّ أن النقد البناء كفيل بالتصحيح، و هذا شأن الفقهاء لننظر مثلاً إلى مدونات الفقه المقارن و أدوات الجدل و البحث كانت جميعا موجهة لتصحيح الأخطاء أو نصر المذاهب المهم أنها أدوات حوار فقهي ينتهي إلى فقه أكثر نضجاً و تماسكاً نتعبد الله به، و نقيم به دنيانا.

اتفقت مؤخراً الدعوات السياسية والعلمية في التحذير من الاختراق الشيعي للمدى السني، ماذا تقرأ في هذه التحذيرات؟ وكيف تقيمون جهود التقارب بين السنة والشيعة في ظل ما يفعله التيار الإيراني في سنة العراق؟
بكل أسف إن الدول العربية تعيش أحد أسوأ فترات وجودها، و هي عاجزة عن حماية مصالحها، هذه هي المشكلة. إيران ستبقى دولة محدودة القدرات، و لا تشكل تهديداً حقيقياً للدول العربية، بشرط أن تعالج هذه الدول مظالم الأقليات الشيعية فيها، و هذه المظالم يجب أن تُعالج شرعاً بغض النظر عن المصلحة السياسية التي تستدعيها، و لا أظن أن شيعة الخليج لهم طموح في أن يكونوا إيرانيين، و الذي يحاول تضخيم هذا الخطر هم بعض الحكام ليوجدوا لأنفسهم دوراً إقليمياً أمام أمريكا، و إيران جربت تصدير الثورة و أخفقت، و الحل يكمن في تعزيز الدولة السنية و تقويتها بقليل من التنازلات السياسية من الحكام لمصلحة شعوبهم لتعزيز المساءلة و المشاركة؛ لتستطيع الحكومات إدارة شؤون شعوبها بقدر أقل من الأخطاء.

ما رأيكم في النقد الذي يمارسه (التيار الليبرالي الحكومي) في الصحافة السعودية للفكر الديني وللتيار الإسلامي بشكل عام؟ هل تشعر بأنها ظاهرة نقد صحية ومهمة؟
للأسف التيار الليبرالي الحكومي وضع نفسه في زاوية ضيقة حين ينتقد الإسلاميين بفم مليان، و يتدثر بصمت مظلم عن أسباب أخطاء الإسلاميين المتعلقة بأداء الحكومة أو حتى بالأفكار التي روّجتها الحكومة بنفسها، و الأخطر من ذلك هو التناقض الأخلاقي في الجرأة على الإسلاميين و التجابن عن أخطاء الدولة و مؤسساتها، لذلك لا أعتقد أن هذا النقد يتمتع بمصداقية معتبرة.

ما مدى رضاك عن التغييرات الجديدة التي طالت المناهج الدينية المحلية، خصوصاً وأنكم قدمتم ورقة سابقة في نقد المناهج؟
التعديلات الحالية في المقررات مجرد تنقيحات جزئية، و التصحيح يبدأ من كتابة المناهج على أساس ما يُعرف في الفقه الإسلامي بفكرة كليات الشريعة و مقاصدها لتؤسس لمكارم الأخلاق، بحيث يخرج الطالب برؤية عامة واضحة، بدلاً من إقحامه في جزئيات الخلافات الكلامية و تفريعات الشريعة، ثم يُقدّم للطالب قدر من التفصيل لا يتعارض مع ما يحتاجه من وقت و طاقة لمعرفة العلوم و المهارات و الصناعات التي يحتاجها في حياته العامة، أما الموضوعات الحساسة مثل الجهاد و الموقف من الكفار و غيرهم فيجب أن توضع في إطارها العام الصحيح، بحيث تتضح الصورة العامة لأحكامها، بدلا من تركها مجملة، حمّالة أوجه، فيؤدي ذلك إلى إنزال أحكامها في غير مواضعها، كما هو شائع اليوم .

هناك شعور متنامٍ بأن المصرفية الإسلامية هي مجرد ظاهرة شكلية، ما رأيك؟
المصرفية الإسلامية تدخل حالياً أزمة تشغيلية؛ لأن جوهر عملياتها قائم على النموذج الربوي، و تلتمس البنوك أقرب الصيغ للنموذج الربوي، مثل المرابحة و التورق، و نقل المخاطر إلى طالب التمويل، هذا النموذج بعيد عن تحقيق مقاصد الشريعة في تحريم الربا بألاّ تؤدي المعاملة إلى ظلم بين المتعاملين، و قد تجنبت الممارسة المصرفية الطريق الصحيح إلى عدالة المعاملات، و تجنب نموذج الربا، و هي العدالة التي تتحقق من خلال توزيع المخاطر بعدالة إما من خلال المشاركة أو غيرها من وسائل تجنب نموذج الربا، و أظن أن هذه المشكلة قد تجد محاولات جادة لتجاوز النموذج الربوي من خلال مبادرات شركات الاستثمار أو إدارة الأصول.

كثير من دعاة الإصلاح في السعودية يشعرون باليأس والإحباط والتشاؤم من المستقبل .. هل ترى نفسك منهم؟
بالعكس تماماً أنا شديد التفاؤل بتحقق انفراجات متوالية باتجاه الإصلاح السياسي و الديني؛ فالظروف التي أوجدت الخلل في هذين المجالين قد تغيرت إلى غير رجعة، قد يستغرق الإصلاح بعض الوقت، و قد تتعرض مسيرته لعثرات لكن النهاية لا بد أن تكون التقدم المستمر، يتضح هذا الاستشراف من خلال العودة إلى الوراء للظروف التي أوجدت البيئة السياسية و الدينية الراهنة، فقد تحولت تلك الظروف إلى عكس ما كانت عليه في كثير من جوانبها، انظر إلى الإرهاب تحول إلى حمى عالمية، و البطالة تمثل تحدياً مثيراً للحكومات الهشة، و النمو السكاني الهائل يدفع باتجاه تذويب خصائص الاقتصاد الريعي المفسد للمجتمعات، و الحرب الباردة صارت جزءاً من الماضي، و الغرب يكتوي بنيران تحالفاته البشعة مع أنظمة المنطقة.

تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.

التعليقات

  1. 1 - ابواحمد ًصباحا 04:54:00 2011/07/25

    اما بنسبةالى الاقلية الشيعية فقد اخذت اكثر من حقهااذهب الىجميع الداوئرالحكوميةوتجدهم في وظائف في جميع الاعمال والمواسسات انااتوقع انك انت البعيد عن الواقع مذاجرى في البحرين الم يعطواحققهم تتكلم من فراق

  2. 2 - خالد عبدالعزيز ًصباحا 10:29:00 2011/09/20

    شكرا لهذه الإطلالة المباركة ، ندعوا الله أن يوفقكم ويثبتكم على مسار الإصلاح المستنير بمقاصد الشريعة ودسترتها ، فهي مدخل كبير لتجذير أفق بناء دولة المجتمع المدني المستنيرة بمراد الله سبحانه وتعالى لعباده .

تعليقات الإسلام اليوم

 

تبقى لديك حرف