آخر تحديث الساعة 06:03 (بتوقيت مكة المكرمة)

حوار في الحياة والدعوة والكتاب.. نعمان السامرائي..مع المحبرة إلى المقبرة

السبت 06 جمادى الآخرة 1430 الموافق 30 مايو 2009
حوار في الحياة والدعوة والكتاب.. نعمان السامرائي..مع المحبرة إلى المقبرة
 

تصوير/ شادي باملهس

لم أتعرف على فكر الحركة الإسلامية جيداً إلاّ  عندما شتم أحد الماركسيين حسن البنا

لو ظللت باقياً في العراق لكنت إما مسجوناً أو ميتاً

صحبت الكتاب عمراً فأعطاني أعماراً إضافية

مكتبة الصاحب بن عباد كانت تحوي من الكتب والمراجع أكثر مما تحويه مكتبات أوروبا عامة، وحينها كان ابن باريس ينام مع دوابه في مكان واحد

أنصح كل طالب علم بألاّ يقرأ إلاّ والقلم في يده

عايشت أياماً سوداً في العراق رأيت فيها الناس يُقتلون في الشوارع دونما سبب

تسجيل المذكرات أمر مهم لكل داعية وصاحب تجربة في هذه الحياة

ما يعيش فيه العراقيون اليوم هو من مفرزات أخطاء الشيوعيين ومن بعدهم البعثيون

الحضارة يصنعها الإنسان ولا تصنعها الموارد والثروات

لا يمكن أن تحصي الفوائد التي تجنيها من مجالسة العلماء والمفكرين الكبار الذين أمضوا جل أعمارهم في البحث والاستقصاء ومصاحبة الكتب قارئين ومؤلفين، وعندما جلسنا للشيخ الدكتور نعمان السامرائي ذلك العالم الجليل وجدنا أنفسنا في بحر متلاطم من المعرفة الدفاقة التي لا يمكن أن تمسك بها إلاّ والقلم في يمينك وجهاز التسجيل على يسارك يلتقط ما استعصى على قلمك تقييده..

قرابة الأربع ساعات قضتها (الإسلام اليوم) مع الشيخ السامرائي طرحت عليه أن يتحدث بحرية عن ذكرياته في بغداد، وكيف غادرها ومحطات طلب العلم المختلفة، فسرد الكثير من المعلومات الثرة التي نتوقع أن يكون لها أكبر الأثر في رفع معنويات الشباب من الجيل الحالي الذي يجد نفسه محاطاً بالكثير من المشكلات والمصاعب، فما لاقاه الدكتور السامرائي في محطات حياته المختلفة فيه العديد من الدروس المفيدة عن الصبر والاحتساب والاحتمال.

في هذا اللقاء كانت المحاور مفتوحة إلى حد كبير مع الدكتور السامرائي، ولولا ضوابط المهنية في المجلات لملأ هذا الحوار أكثر من ثلاثة أرباع صفحات المجلة، ومع كل احترازنا في الاختصار المفيد جاء هذا الحوار موسعاً شاملاً، فعسى أن تكون متعة السرد فيه داعياً للقارئ لكي يتنقل بين صفحاته المختلفة.

ماذا في ذاكرة الشيخ نعمان السامرائي الآن من ذكريات الطفولة والشباب؟

ابتدأت طفولتي (بالكُتاب) فتعلمت القرآن الكريم، ولن أنسى ما عشت تلك الحفلة المتواضعة حين خرج كل أطفال (الكُتاب) ينشدون جماعياً والطواف على الأهل والأقارب، وكانوا يعطوننا الحلويات والنقود لينتهي الطواف عند صلاة الظهر، ولأقدم –بطيب خاطر- المحصلة لمعلم الكُتاب..

وتكون الرحلة الثانية التوجه للمدرسة (الابتدائية)، وما زلت حتى اليوم أتذكر الأيام الأولى، وتكر السنون، وتُطوى المرحلة بعد الأخرى، ثم يأتي دور (الكلية) وأحسب أن الله تعالى اختار لي دراسة الشريعة، وكنت من الدفعة الأولى بـ(كلية الشريعة) والبداية مع العام الدراسي (1947)، وفوجئ العالم العربي والإسلامي بقضية (فلسطين)، وكان الشيخ (الصواف) -رحمه اله - قد عاد لتوه من الأزهر وعين أستاذاً في (الكلية)، الشيخ كان يشتعل حمساً فتحولت كلية الشريعة إلى محرض وقائد للمظاهرات، وانفعل طلبة الجامعات وتفاعلوا أكبر تفاعل، وفوجئت الحكومات العربية بثورة لا مثيل لها حتى تعطلت الدراسة، وكانت المرة الأولى التي يرى فيها العراقيون شيخاً بعمامته وجبته يقود المظاهرات ويخطب يومياً، ويجمع التبرعات بل يجمع المتطوعين للذهاب إلى فلسطين، وكان يرى البعض ومنهم (الشيخ حسن البنا) -رحمه الله- أن اليهود في فلسطين قد كوّنوا (عصابات)، وهم يخوضون (حرب عصابات)، وفي مثل هذه الحالة على الطرف الآخر أن يقابلهم (بحرب عصابات) وليس بجيش نظامي..

عشت المظاهرات الكبرى والصراع بين الأحزاب، وانتشار الحزب الشيوعي، بحيث صار مصدراً للقلق الشعبي والحكومي، وجاءت ثورة 1958 أو انقلاب 1958، وانقسم القائمون عليها بسرعة مخيفة، وأبرز الحزب الشيوعي (عضلاته)، وقام بحملات دموية في كركوك والموصل، وشن حملة إرهاب لا مثيل لها ولا سابق، وشهدت المدن العراقية اعتقالات لعشرات الألوف لتخويف الناس وإسكاتهم، وقد اعتقلت –وكنت مديراً لثانوية سامراء- ومعي طالب أعمى ومدير لمدرسة ابتدائية ومعه بعض طلبته، وشرطي بملابسه الرسمية ورجال أميون ومحام، شبهت العملية –وقتها- ببعض من يصيد السمك، فتجمع شباكه بين كل أنواع السمك..

لقد كانت حملة لا مثيل لها والحزب الشيوعي لم يصل للحكم، ولو وصل لسالت بالدم شوارع وأزقة العراق..

لقد عشت الأيام السود والخوف الذي يصل إلى درجة الذعر، وقتل الناس دون أساس، وقد كنت سجلت للحصول على الدكتوراه في جامعة القاهرة، فقررت أن أجد عملاً خارج العراق يسهل لي الوصول للقاهرة متى أردت، كان ذلك عام 1388هـ، وقد كنت في القاهرة، ورجعت عن طريق بيروت، وبينما كنت في الطريق من بيروت لدمشق سمعت من السيارة انقلاباً قد وقع في بغداد، وأن حزب البعث كان وراءه، فقلت في نفسي: عليك العودة فوراً والحصول على عمل خارج العراق بأي ثمن؛ إذ لا مستقبل في العراق، وما أن وصلت إلى بغداد حتى رحت أعمل بسرعة وحصلت على فرصة عمل في الرياض، وبأقصى سرعة أنجزت (الانتداب) وسافرت مسرعاً، وبعد وصولي إلى الرياض في أواخر عام 1388هـ وصلت لي رسالة مع مسافر من أهلي تقول: قد وضع اسمك في القائمة (السوداء)، وأنت ممنوع من السفر فانتبه لذلك، ومع نهاية العام طلبت وزارة التعليم العراقية إنهاء عقدي وعودتي بسرعة لكلية الشريعة، حيث كنت (معيداً) وقررت ألاّ أستجيب وأبقى في عملي في الرياض، وليكن ما يكون...

صحبت القلم والكتاب فأعطياك فرصة التأليف والكتابة على نطاق واسع.. كيف بدأت هذه الصحبة؟ وكيف كانت؟ وبمَ كافأتهما؟

لكل صاحب فن وعلم أدواته الخاصة، فأدوات المثقف ليست إلاّ قلماً وورقة وربما عوداً من خشب أضعه في حجري لأستكمل هذه الأدوات. وقد بدأت بواكير صحبتي لها منذ أيام المرحلة الابتدائية عندما قام أستاذ اللغة العربية –غنام- ليقرأ ما كتبت في مادة الإنشاء على زملائي، ويثني عليه، ويشكر لي جهدي، وتميز كتابتي. فأكسبني ثقة وغمر نفسي بموهبة الكتابة. فباشرت لاحقاً الكتابة عن بعض ما يقع في الحياة، وأعلق عليه، مما حدا بي إلى أن أنسخ فأقرأ ما يعجبني ويستهويني، وقد ألجأ إلى تلخيصه عندما يكون طويلاً، ثم أوثق ذلك كله توثيقاً كاملاً بعنوان الكتاب واسم المؤلف ورقم الصفحة... وهكذا. وقد تجمع عندي من هذه الطريقة ثروة معرفية ومعلوماتية كبيرة لا تُقدَّر بثمن، وهي تعينني اليوم على الكتابة والتأليف في موضوعات شتى، وهذه تجربة عمرها قرابة (40) عاماً، وما زلت على ذلك حتى اليوم. وأنصح كل قارئ بها؛ فهي لا تكلف جهداً مضنياً، أو وقتاً كبيراً، وتثمر معرفة واسعة جداً، فما نسخت أجده استقر في ذهني، وأفادني أكثر مما صورت أو طبعت، فقلمي لا يفارقني، فكم من مرة تخطر لي فكرة، وأنا على فراش النوم أجد نفسي قائماً أدونها حتى لا تنسل من فكري عند النوم. وربما دونت وكتبت وأنا مع الطلاب في قاعة الدراسة، فكم تسلل من ذهني من أفكار وموضوعات جوهرية إذا لم أدونها، فذهبت بلا رجعة، وليتها تعود يوماً ما. وكم دونت من أفكار مع علمي أنها لن تأخذ طريقها للنشر فإذا انتهيت مزقتها وأتلفتها وكأنها رغبة جامحة لكتابة ما ازدحم في الذهن من معرفة يمانع المحيط من حولي في إظهارها، فأودعها العالم المجهول بلا رجعة.

ولعل الناظر إلى الكتب التي أقرؤها يظن أني قد أفسدتها لكثرة ما أعلق عليها، لكن ذلك يسهل علي الوصول إلى المعلومات والفوائد التي أريد. أما خبري مع القراءة فقد أدمنتها وعشقتها إلى درجة الولاء؛ فالكتاب رفيق سفري، وأقرأ في أي زمان، أو مكان، وكم ترددت بين العراق وتركيا لأقرأ على شاطئ البحر؛ لأني لا أفهم التركية، فلا يسرق ذهني حديثهم أو همساتهم، لأبقى محاطاً بفكرة الكاتب وموضوع الكتاب. وإذا أصابني الملل شردت من كتاب لآخر لأجد النشاط والسعادة تتجدد، وبهذا أقضي وقتاً طويلاً قارئاً وكاتباً، لكنها من أمتع وأبرك ساعات يومي، فقد أصاب بالصداع، فأجد علاجه في كتابة أسطر ليذهب عني على استحياء بلا رجعة، ولعل أم أولادي تشفق عليّ فتقول: إلى متى هذا النسخ؟! فلا أجد جواباً إلاّ قول الإمام أحمد: (مع المحبرة إلى المقبرة)، فهكذا كافأت القلم والكتاب بصحبتهما ما بقي لي عمر، وما جرى لي نَفَس.

مرحلة تعليمية طويلة وجدت نفسك فيها.. فمن مدينة الفيصلية بالعراق وما تلاها من أماكن إلى الرياض أستاذاً بجامعة الملك سعود. ماذا تركت في نفسك من دروس وفوائد؟

مرحلة التعليم والتعلم من أمتع ما يجد المرء في حياته ولو بعد حين؛ فهي فرصة للمرء أن يتعرف على ثقافات الناس وطباعهم وعاداتهم، مما يكسبه بُعداً ثقافياً واسعاً، ويزيد هذه الرحلة متعة وجمالاً شعور الإنسان أنه يحمل رسالة العلم التي يبلغها لأجيال الأمة. فعندما توجهت لكلية الشريعة بجامعة بغداد، وكنت من بين الدفعة الأولى دخولاً لها لأتخرج وأعمل في منطقة تكاد تكون نائية لا أعرف عنها شيئاً، وليس بها كثير من مستلزمات الحياة، ومكثت بها مدة سنة أعدها صعبة جداً، مما حدا بي أن أقرر عدم العودة لها مطلقاً، وبقيت في بغداد حتى نُقلت للفلوجة، وقد درست فيها طلاباً أحسب أنهم في أعمارهم قريباً من جيلي ذلك الوقت. وسنحت لي فرصة الدراسة العليا، فكنت أول من كتب وناقش رسالة الماجستير في كلية الشريعة لأنطلق منها لأزاول التدريس الجامعي. وأخيراً تكون لدي قناعة شخصية بجدوى مغادرة العراق لكون العمل بات صعباً جداً. توجهت إلى الرياض عام 1388هـ، وما زلت قاطناً بها، هذه مرحلة من عمري أحسب أني أفدت منها كثيراً معلماً ومتعلماً وحاملاً لرسالة العلم، والحمد لله على كل حال.

كيف تعرفت على أفكار الحركة الإسلامية في بداياتك؟

عرفت الدعوة في الكلية، وكانت البداية فيها غرابة، فالإنسان يبدو محباً لجماعة، وقد يتحول الحب إلى انتماء، أو يقف عند حد الحب والتعاطف، وأذكر أني كنت أجلس في مكتبة وفيها صورة لـ(حسن البنا) قبل اغتياله، ولي قريب ماركسي اسمه (مجيد حسن) قال وهو يشير بإصبعه إلى صورة البنا في الجريدة: هل هذا يعتقد أنه سيحرر مصر من الإنجليز بفضل لحيته؟! حتى هذا الوقت كنت مجرد محب معجب بالحركة الإسلامية، وبهدوء ودون أي انفعال قلت: فلان – وذكرت رجلاً يسارياً ورئيس حزب عراقي- حلق لحيته وشاربه فهل تحرر العراق؟!

يبدو أن الجواب كان مفاجأة فانصرف القريب، ولم أسمع منه بعدها هجوماً، وشعرت كأن الرجل دفع بي للتعرف على هذه الحركة، ويمكن القول بأن جيل الشباب الإسلامي في العراق من الشيعة والسنة كان يتعاطف مع الدعوة الإسلامية، بل لا يجد في الساحة مادة ثقافية تناسبه إلاّ ما كان يأتي من مصر، ومن البلدان العربية الأخرى.

كيف وجدت الرياض أول قدومك إليها؟

في الرياض وجدت الكثير من الرموز الإسلامية، كما وجدت جالية عربية واسعة، وسنحت لي فرص جيدة، فقمت بزيارات ما بين إنكلترا وهولندا غرباً إلى ماليزيا شرقاً، ومن تركيا شمالاً حتى جنوب إفريقية جنوباً، فاطلعت على بلاد لو بقيت في العراق لكنت من المسجونين، وربما كنت ممن مات تحت التعذيب، أو ممن يضعف للطاغية اعتقاداً أو نفاقاً، وهذا موت للإنسان ولو لم يُقبر.

دونت مذكرات تضمنت تجارب وأحداث خلال سبعة عقود من الزمن ما السبب الدافع لك؟ وهل واجهت مصاعب؟

خلال أحاديث ولقاءات مع شباب لم يدركوا فترة (1960-1950) ميلادية، فكنت كلما ذكرت واقعة أو حدثاً تمنوا لو كانت مكتوبة. فعزمت وتشجعت على كتابة تلك المذكرات، مع معرفتي لحاجتها إلى أسلوب معين في كتابتها. وقد لازمتني مصاعب كثيرة، فمرة يغيب عن ذهني أسماء شخصيات مهمة، وعند عدم توفر معلومات لدي أبحث عمن يعرف الحدث معرفة جيدة لأدونها منه. وقد كتبت كثيراً منها بعد سنوات من زمانها إلاّ أنني متيقن أن بين ثناياها ما يفيد القارئ، ويأخذ منه العظة والعبرة وربما تصيد فيها الحكمة والفائدة، ويظل باقياً (أن من رأى وشاهد ليس كمن قرأ أو سمع).

في مذكراتك تحدثت عن زيارة قمت بها قبل ثلاثة عقود من إفريقية إلى هولندا.. ما آثار تلك الزيارة؟ وما الأفق الثقافي الذي منحتك إياه؟

كان الجامعات السعودية ترسل الأساتذة إلى مختلف أقطار العالم، وقد رشحت إلى أمريكا.. فكرت وقلت: أمريكا تستهوي كل أحد أما إفريقية فقد لا يفكر بها أحد، فلتكن الرحلة إلى إفريقية، وخضنا غمارها من الشرق إلى الغرب، ومن الشمال إلى الجنوب وعلى ما شاهدنا من مواقف قد لا يسعفني ما بين يديك من أوراق لذكرها لكن أجملها:

* طلاب يدرسون في المدارس من السابعة صباحاً إلى الرابعة مساءً، وبعدها يتعلمون القرآن والثقافة الإسلامية بلا كلل أو ملل. وغير المسلمين يعلمون أولادهم أيضاً في هذه المدارس، فيسلم هؤلاء الصبيان، ثم يسلم أهلوهم؛ لأن الرجل الإفريقي ليس عنده عقدة الاستعلاء على الناس.

* في المساجد يجمع المسلمون الزكاة ويوزعونها بشكل منظم ورائع جداً.

* عنصرية مقيتة في جنوب أفريقية-آنذاك- بشكل لم يكن له مثيل؛ فما يخص الأبيض لا يحق للأسود أن يشاركه فيه والعكس غير صحيح. ولا يجمعهم إلاّ الشارع.

* (نوره) مهندس كهربائي يعشق اللغة العربية، لذا أخذ يعلمها ويدرسها للطلاب بعد أن جاهد اثنتي عشرة سنة ليفتح فصلاً دراسياً فيقول: كان اليهود يحاربون فكرتي، ويقولون: أتريد أن تعمل مستعمرة مسلمة؟ وبعد أن نجحت في تطبيق فكرتي جاءني خطاب من (بيفن) رئيس الوزراء –آنذاك- يهنئني ويتعهد بإرسال مستشرق يهودي يساعدني في التدريس، مدفوعة له التكاليف.

* في نيجريا ظاهرة تعدد الزوجات أمر مسلم به، فمن كان غنياً، ولم يعدد عيب عليه، وذلك يتم بطلب من الزوجة وإلحاح منها.

* ومما خلصت إليه أنه لكي تحصل على ولاءِ شخصٍ ما عليك أن تقوم بتعليمه، وهذا مما شوهد فمن درس وتعلم في بلاد عربية من أولئك القوم تجد عنده ولاء وحباً لها، ومن درس في الهند أو باكستان فعنده الولاء والحب لها.

* فكرة كتاب جامع لكل ما جاء به الإسلام من عقيدة وعبادات ومعاملات عرضت علي في إفريقية وهولندا وتركيا في نفس هذه الرحلة، مما حدا بي إلى تبني هذه الفكرة وعرضها على زملاء المهنة، لكن لم أجد جواباً أو تعاوناً، فكتبت ما يقارب خمسمائة صفحة بعنوان: "الإسلام عبادة وعقيدة ومعاملة وتشريع"، مع عدم يأسي من وجود من يتبنى نشره وتوزيعه.

عايشت أحداثاً سياسية في العراق لعلها استولت على الأحداث المدونة في مذكراتك. كيف كانت تلك الفترة؟ وبما خلصت منها من عبرة؟ وماذا تركت في نفسك ووجدانك؟

ماذا عسى أن تترك في النفس والوجدان أحداث (1940-1960) ميلادية، فكل من عايش تلك الفترة يدرك أن العراق كان يمر باضطرابات وتحريضات وفوضى، مما أدى إلى حدوث انقلابات سياسية، ليطغى الشيوعيون ويعبثون في الأرض الفساد قتلاً واعتقالاً وتعذيباً وسحلاً للناس أحياء في الشوارع، وتمثيلاً بالمرأة (العمرية) على عمود الكهرباء في سابقة لم يحدث لها مثيل في التاريخ. وأعتقد أنه تحقق حينها ما ورد في السنة من أن القاتل لا يدري لِمَ قَتل، والمقتول فيمَ قُتل. وعندما سقط عبد الكريم قاسم عام 1963م. أخذ إرهاب جديد في الظهور واستن قتل الشيوعيين وتعذيبهم، ومنذ ذلك اليوم وسيل الدماء الجارف والقتل والتهجير على أساس الهوية لم يتوقف، ولا يعلم أحد متى ستنتهي هذه المأساة في وجود أحزاب متطرفة قومية وماركسية ونازية وتدخلات خارجية، فأصبح العراق ملجأ للمجرمين والسُّراق، لتصبح هذه الفترة مسجلاً عليها أنها أهدرت كل القيم؛ فصار الإنسان بلا قيمة ولا حقوق، وتذكّر بقول ابن كثير (واجتمع على بغداد الطعن والطاعون والغلاء)، فهذه أحداث لن تنسى أو تمحي من التاريخ قط.

وأقول: إن السياسية خصوصاً في مناطقنا فيها الشيء الظاهر، وفيها الخفايا الكثيرة والغامضة، ومن لا يحسن معرفة الأساليب والنظم والبيئة التي تؤدي إلى نجاح مغامراته فسيجد نفسه يدفع ثمن هذه المغامرة ولو كانت حياته. فلكل فن أساليبه وطرقه، أما الإخلاص بمفرده خصوصاً في السياسة فلن يجدي الكثير، لذا رأينا أحزاباً صغيرة بل وهزيلة تصل إلى الحكم وتمسك بزمامه مرة وثانية وثالثة بإدارة صبية ليس فيهم من بلغ (25) عاماً. فكيف حصل ذلك كله... وهنا أتذكر قول الشيخ محمد عبده: (إن السياسة أفسدت حياتنا فساداً واضحاً).

كتبت في مذكراتك كثيراً عن البعث والحزب الشيوعي؟ ألا يُفهم بأن هذا نبش لماضٍ غابر؟

حين يعاني المرء وبلاده من بعده من ويلات تصرفات حزب أو جماعة فليس سهلاً أن يتناسى كل ذلك، بل سيجد له حضوراً في قلبه وعقله كلما أراد أن يتحدث أو يخط بقلمه، ولو عبارة صغيرة، فمن يتحدث عن العراق ما بعد ثورة تموز سيجد نفسه مضطراً أن يتطرق لكلا الحزبين وللإرهاب الفكري والدموي الذي جاب البلاد على أيديهم وأيدي من ساندهم، فما يعيش فيه العراقيون اليوم هو من مفرزات تلك التصرفات الهوجاء العمياء، فها هي ذا أربعة ملايين نسمة تهجر العراق، وخمسة ملايين يتيم، ومليون قتيل وأرملة. فهل الحديث نبش لماضٍ غابر أم حديث لحبل من الظلم والفساد جعل العراق قابلاً للدمار، وامتد ليومنا هذا؟! فلعله ينقطع في المستقبل القريب بحول الله وقدرته.

ساهمت في مجال الإعلام المقروء منه والمسموع.. كيف وجدت أثر الإعلام على الفرد كمساهم فيه، وعلى المجتمع كمتلقٍّ له؟

قبل مجيئي إلى الرياض كنت قد باشرت الكتابة في بعض المجلات والصحف العراقية، كما قمت بنشاط في إذاعة بغداد، كما كنت من مؤسسي هيئة الكتاب والمؤلفين، ولعل مما زاد الثقة والقدرة على المشاركة الإيجابية موافقة جامعة بغداد على طبع ونشر رسالة الماجستير بعنوان (أحكام المرتد) وتبنت الدعم المالي لذلك.

وعند وصولي للرياض عام 1388 هـ لم أجد حاجزاً يمنعني من المشاركة الفاعلة، ولعل من ذلك برنامج (يا أخي المسلم) الذي نظمته الإذاعة، وتميز هذا البرنامج بقصر وقته وقوة السبك. وعندما أُنشئت إذاعة القرآن الكريم كنت من أوائل من سجل برامج وأذاعها. فوسائل الإعلام إذا منحت الإنسان فرصة للمشاركة ساعدته على بناء ثقافة جيدة ومؤهلة لكي يقدم الجيد والنافع والجديد، مع بقاء الظهور في وسائل الإعلام مسؤولية ومسؤولية كبيرة؛ لأن الإنسان سيُسأل غداً عما قال و عمل، فمراعاة هذه المسؤولية مهم جداً؛ فهي إما للإنسان أو عليه.

وقد أصبح الإعلام اليوم بتقدمه وتطوره يصنع كثيراً من المشاهير والقدوات (من دون شهرة أو عمل يقتدى به)، وهو وسيلة جبارة يصنع ثقافة المجتمع، ويسك فكره، ويصبغ قناعاته سواء سلباً أو إيجاباً.

الحضارة وتفسير التاريخ موضوعان أقبلت عليهما كاتباً ومعلماً ومتحدثاً مع كونك متخصصاً في علم الفقه.. ما هو سر هذا التحول والاهتمام الشديد بهذين الموضوعين؟

عندما درست تاريخ العراق القديم في المرحلة المتوسطة كنت أحضر الموضوع الجديد قبل دراسته، فأسأل وأناقش وأجيب مع أستاذ المادة، وحصلت على علامة (100)، فشعرت بحب يساور نفسي لهذه المادة. وعندما كنت أسمع محاضرة حول التاريخ أجد القدرة على إعادتها حتى لو احتوت على أرقام كثيرة. وكم كنت أتساءل عندما يقال: (هذه دولة متقدمة) فأقول: كيف وُصِفت بهذا؟ ولماذا؟ ما هو سر تقدمها؟ لأجد عزوفاً من بعض زملائي الطلاب بل حتى من الأساتذة بقولهم (لا تضيع الوقت بهذه التساؤلات)، ولاعتقادي أن دراسة تفسير التاريخ تساعدني على تفسير ومعرفة مثل هذه الظواهر والحوادث وجدت نفسي تلحّ عليّ أن أتجه إلى دراسة تفسير التاريخ، والذي كان يُعرف بفلسفة التاريخ، فباشرت الكتابة والقراءة عن الحضارة ومقوماتها وأمراضها، وأسهبت في ذلك كثيراً.

وما زلت متابعاً لهذا الموضوع الشائق، ومحباً له، وأكتب فيه هاوياً، ومتلذّذاً، عله أن يوصلني إلى إجابات شافية لأسئلة عديدة ترد على الذهن، مزدحمة بحوادث متنوعة في حياتنا اليومية

الموروث الإسلامي قضية يقوم عليها الخلاف ما بين جافٍ ومغالٍ.. ما موقفك منها بحكم رصيدك المعرفي الوافر تجاه الحضارة والتاريخ؟

أي أمة من الأمم لها ثقافة خاصة بها، سواء كانت متقدمة أو متخلفة كان لها حضارة أو لم يكن، ولم نجد أي أمة من الأمم تخلت كلياً عن ثقافتها وقيمها واستبدلتها بغيرها كما يغير الإنسان زيه ولباسه.

ونحن أمة دخلت التاريخ تحمل الإسلام، وبه عُرفت، وبه أقامت حضارتها التي استمرت قروناً طويلة، حتى صار المسلم هو المواطن الأول في العالم.

ففي الأندلس كانت الحضارة على أوجها؛ فالمدارس منتشرة والمكتبات وافرة، والشوارع مضاءة، ويتحدث (ول ديورانت) في "قصة الحضارة" فيقول: "إن مكتبة الصاحب بن عباد كانت تحوي من الكتب والمراجع أكثر مما تحويه مكتبات أوروبا عامة"، وحينها كان ابن باريس ينام مع دوابه في مكان واحد!!

فموروثاتنا عقدية وقيم وتشريع، ولسنا على استعداد لنبذها واستبدالها بـ"حداثة رثة" كما يصفها برهان غليون، ولا بعلمانية بائسة. لكننا نعترف بأن من أخذ وعمل بأسباب وسنن التقدم يتقدم، ومن يأخذ بأسباب التخلف يتخلف، ولو كان مؤمناً تقياً، وأحسب أن لا أحد يجادل في أن حركة التاريخ وتقدم الحضارة رهن بازدهار علوم الحياة، فمن يملك قدراً علمياً أكبر فإن التقدم والتطور سيكون من نصيبه. وما يمنعنا اليوم من أن نفيد ونستفيد من حضارة الغرب مما لا يتعارض مع ثوابتنا، وما ينفعنا ويمنحنا فرصة للنجاح.

ويبقى القول أن الدولة العادلة تبقى وتُنصر، والفاجرة الظالمة تذهب وتزول، وللتاريخ شواهد على ذلك.

وإن من يطالبنا بالانسلاخ عن ثقافتنا وقيمنا فما يطلب إلاّ المحال، وإن رضي بذلك قلة من المجتمع، وعند الصبح يحمد الناس السرى.

أحب اليابان وأعشقها عنوان مقالة دونتها في مذكراتك.. ما سر هذا الحب ومكنون هذا العشق؟

أنا إنسان شرقي المولد، شرقي الهوى، ونظراً لما نعانيه من ضغط الغرب ووكلائه من أبنائنا والحملة الظالمة علينا.. تحت كل هذا تشعر بالسعادة عندما يقوم شعب كاليابان لينهض خصوصاً وتاريخهم يشهد بأنهم بلد لم يعرف الاستعمار ونهب الخيرات والاعتداء على الشعوب إلاّ متأخراً جداً، وبعد أخذها بعض نظم الغرب وأمراض حضارته فذهب يتوسع خارج البلاد، لكن بعد أن ألحقت بها الهزيمة وضُربت بالقنابل الذرية أحسب أن اليابان لن يعود لغلطة العمر، فيستعمر بلداً آخر.

وقد طلبت مني إحدى دول الخليج ذات مرة أن أكتب عن اليابان؛ لأني من عشاق الحضارة والتحضر، وبعد إصرارها كتبت كتاباً بعنوان (في أعماق التجربة اليابانية) حاولت أن أبرز فيه سياسة اليابان التي مكنتها أن تكون على ما هي عليه اليوم؛ فهي أرض أصغر من العراق مساحة، وثلاثة أرباعها جبال وقليلة الموارد شحيحة الخيرات. لكن رأس مالها الأول هو(الإنسان الياباني المبدع المنتج)، وهي مدينة في نهضتها للتعليم وجودته، كما أنها احتفظت بنظامها الاجتماعي؛ فطوكيو عدد سكانها يعادل سكان العراق كله، وهي هي اليوم من أنظف مدن العالم، وقد أُجري استفتاء عن مهمة المرأة الأولى، فكان جواب 96% أن مهمة المرأة اليابانية الأولى هي العمل في المنزل وتربية الأبناء. فالمرأة تعمل وعندما تتزوج وتنجب تتفرغ كلياً لشؤون البيت والتربية... فهل في العالم من يملك هذا التصور؟!

وقد وضعت الصين نظاماً للضرائب فكان الفشل هو النتيجة، فأخذت به اليابان، وطبقته تطبيقاً جيداً فنجح نجاحاً كبيراً. ومن هنا ربما كان حبي لليابان حتى تمنيت زيارتها لكن لم أستطع وأستدرك قائلاً: "إن الحضارة يصنعها الإنسان ولا تصنعها الموارد والثروات، فكم من بلد يشكو الجوع، ويعاني الفقر والتخلف وهو على نهر جارٍ من الثروات والخيرات".

تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.

التعليقات

  1. 1 - جلال الحميدي مساءً 08:16:00 2009/05/30

    السلام عليكم ورحمة الله شيخي الفاضل الدكتور نعمان السامرائي حفظكم الله ورعاكم وسدد خطاكم والله اني احبك في الله ودائما اتابع برامج التلفزيونية فانت عظيم بحق وانت احد رجال الحركة المباركة ...نسال من الله الايحرمن من خيرك وعلمك والسلام عليكم ورحمة الله

  2. 2 - بن كليب مساءً 09:22:00 2009/05/31

    نريد خطه لصناعة الانسان لاجل يصنع الحظاره الاسلاميه. اتمنى يكون لك كتاب في هذا الموضوع .

  3. 3 - هل من أخ يعرفنا بهذا الشيخ؟ ًصباحا 08:41:00 2009/06/04

    رغم أنني لا أعرف عقيدة الشيخ ولكن قرأت بعض كلامه فوجدته كلام إنسان أوتي الحكمة!!

  4. 4 - إن الحضارة يصنعها الإنسان ولا تصنعها الموارد والثر ًصباحا 04:06:00 2009/06/05

    كنت أرى صورة الشيخ نعمان السامرائي فأقول في نفسي ماذا عسى أن يقول شيخ في سنه؟ كنت أقول أكيد موضوع تافه! ولكن دفعني الفضول لأقترب من حواره فوجدت نفسي كما قال مقدمه "وجدنا أنفسنا في بحر متلاطم من المعرفة الدفاقة"

  5. 5 - عبد القادر مساءً 10:24:00 2009/06/06

    سلام الله عليك يا شيخ المعرفة متى يصغون حكامنا الى عامائها و مثقفيها ليفض الغبار عن هذه الأمه و الحديث قياس كما يقال عندنا في الجزائر

  6. 6 - بن فورك مساءً 11:34:00 2009/06/07

    هل الشيخ على العقيدة الأشعرية عقيدة أهل السنة والجماعة حقاا!! والله إنه لتقدم لجامعات السعودية حرسها الله إلى الأمام يا أيها الأئمة

  7. 7 - الموصلي مساءً 04:39:00 2009/09/28

    جماكم الله وبارك في علمكم ونصر جماعتكم ووفقكم لقول الخير وجزاكم الله خيرا...

تعليقات الإسلام اليوم

 

تبقى لديك حرف