آخر تحديث الساعة 06:03 (بتوقيت مكة المكرمة)

د. سيف عبد الفتاح: تطهير مصر من الفاسدين ضرورة ملحَّة وفلول مبارك تروِّج للفوضى

الاثنين 16 ربيع الثاني 1432 الموافق 21 مارس 2011
د. سيف عبد الفتاح: تطهير مصر من الفاسدين ضرورة ملحَّة وفلول مبارك تروِّج للفوضى
 

لا تزال ثورة مصر الشعبيَّة جديرةً بالبحث والدراسة، حيث عهدت عدة فعاليات وأوساط مختلفة على توثيقها، باعتبارها واحدةً من أهم الثورات الشعبيَّة في العصر الحديث.

وللوقوف على فهم مزيدٍ من تفاصيل تداعيات الثورة الشعبيَّة، يتحدث الدكتور سيف عبد الفتاح، أستاذ النظرية السياسيَّة بكلية الاقتصاد في جامعة القاهرة، لشبكة "الإسلام اليوم" محذرًا من التقاعس عن استمرار ما تطالب به الثورة الشعبيَّة بإجراء تطهير شامل في مصر من بقايا النظام السابق وفلول الحزب الوطني.

ويعتبر د. عبد الفتاح أن هذا التطهير من القضايا الملحَّة في التوقيت الراهن، بما قد يفوق غيرها من حيث التوقيت، مما يتطلَّب سرعة إصدار مرسوم بهذا التطهير، ما دامت هذه رغبة الثوار، وأهم مطالب الثورة، بعد إسقاط رأس النظام.

كما تحدث عن جوانب أخرى تتعلَّق بالتناقض الواضح في الخطاب الأمريكي في الأيام الأولى من اندلاع الثورة، وحتى التنحي، مرورًا بما كان يصدر عن الإدارة الأمريكيَّة بين هذه الفترة، وتاليًا تفاصيل ما دار:

 

في تقديرك، هل تعتقد أن ما حدث في مصر أخيرًا كان نتاج يوم 25 يناير أم أنه نتيجة لحراك بدأ في مصر منذ سنوات؟

بالطبع كانت هناك إرهاصات عبر سنوات عديدة، دفع مقابلها شباب وقوى سياسية ويلات عدة من جانب النظام السابق، وعلى الرغم من السعي الحثيث لهذا النظام في تجريف الحياة السياسيَّة وقمع المعارضين، إلا أن كل ذلك لم يَحُلْ دون أن يتحول جمهور "الفيسبوك" إلى "الناس بوك"، وهو ما كان محصلته يوم 25 يناير وما بعده.

ولقد سعدت بأمثال هؤلاء الذين قادوا ثورة مصر الشعبيَّة، وكنت أتابع هذه الثورة في خارج مصر، وظللت يوميًّا مهمومًا بالمظاهرات المليونيَّة، والتي كانت تتزايد يومًا بعد الآخر، حتى وصلت أضخمها في يوم الثلاثاء الأخير، أي قبل ثلاثة أيام من التنحي.

وسعدت أن يكون عنوان هذه المظاهرات التغيير، وهو العنوان الذي تحقَّق بالفعل، بعد تنحي الرئيس، ولكن يبقى العنوان الثاني، والذي لم يتحققْ بعد، وهو التطهير، في أن الثورة تريد تطهير البلاد من الفاسدين.

وبرأيك، لماذا تأخرت الاستجابة عن مثل هذا التطهير؟

لقد ظنَّ البعض أنه بمجرد ترك الرئيس المخلوع السلطة، فإنه يمكن معه أن يسقط بقية رموز النظام، إلا أن ما حدث كان غير ذلك، وهو أن فلول النظام لا تزال قائمةً، لأن مثل هذه الفلول من مصلحتها أن تبقى الفوضى وحالة عدم الاستقرار في البلاد، ولذلك تعمل على البقاء وأن تكون في بؤرة الأحداث، ولذلك تأبى التطهير وتعاديه، خلاف ما تطالب به الثورة الشعبيَّة، حتى ظهر ما يُعرف بالثورة المضادَّة.

وأؤكِّد أن التطهير أصبح تحقيقه من الأهمية بمكان حاليًا، إلا أن فلول النظام البائد ودعاة الحزب الوطني صاروا يتحدثون عن أهمية الغفران، والرئيس الأب، وما شابه.

وقد يكون هذا حاصلا في حالة عدم الفساد، ولكن وقت أن يوجد فساد بلغ الآفاق كما حدث على مدى ثلاثة عقود فأكثر، فإنه لا يمكن أن يكون هناك مجال للتسامح مع الفاسدين، أيًّا كانت مناصبهم أو شخوصهم، حتى لو مسَّ ذلك الأمر رئيس البلاد ذاته، وعليه فقد أصبح الحديث عن الغفران وما شابه لا معنى له.

وما تفسيرك لعدم اتخاذ إجراءات سريعة للتطهير الذي تتحدث عنه، وتطالب به الثورة الشعبيَّة؟

لأن فلول النظام لا تزال باقية، ومن ثم الإجراءات البيروقراطيَّة لا تزال متبعة، كما أن الأنظمة الأمنيَّة التي أثارت احتقانًا مجتمعيًّا لا تزال قائمة، وكلها أجهزة مكبَّلة أيضًا بالفساد، والتي قدَّمها لنا النظام السابق، وكأن هذا النظام لم يكن يرغب في أن تكون هناك أجهزة أو مؤسَّسات صحيَّة، بل متخمة بالفساد والبيروقراطيَّة.

لذلك فلا بد للفاسدين أن ينالوا المصير والجزاء المناسبين لهم، دون تشفٍّ، لأن أمثال هؤلاء الفاسدين كانوا حريصين على ألا يشاركهم أحد فيما كانوا يحصلون عليه، حتى في الفتات منه.

وهنا أسأل المؤسَّسة الحاكمة المعنيَّة حاليًا، ما الذي يمنع من قرار فوري بحلّ الحزب الوطني، الذي عاث فسادًا وجبروتًا داخل مصر، وأفسد الحياة السياسيَّة في البلاد؟ فالتباطؤ في كلِّ ذلك وغيره يدفع مصر إلى فاتورة صعبة للغاية.

وأتصوَّر أن التأخير يرتبط بتصفية حسابات، لأنه لا يعقلُ مثلا الإبقاء على القائمين على هؤلاء وغيرهم من مسئولي الصحف الحكوميَّة (القوميَّة)، وهم الذين كانوا يعادون الثورة الشعبيَّة، ويروِّجون للدعاية للنظام المخلوع على نطاق واسع، والترويج للنظام الفاسد، ولذلك لا بدَّ أن يتوارى أمثال هؤلاء، ويتمّ إخفاؤهم عن المناصب القياديَّة بالمؤسسات الصحفيَّة، فلسنا بحاجة إلى استفزازاتٍ جديدة.

أولويَّات التغيير

ولكن البعض قد يرى أن مثل هذه المطالب مكلِّفة، وأن مصر بحاجة إلى البناء الاقتصادي بالدرجة الأولى؟

هذه كانت مشكلة النظام الفاسد أنه كان يرى أن الإصلاح السياسي لا بدَّ أن يسبقه إصلاح اقتصادي، ولكنه فشل فشلا ذريعًا في إصلاح الغرضين، فلم يقمْ بإصلاح هذا أو ذاك، حتى سقط، وهذه المطالب ليست مكلّفة للغاية، بل هي بداية حقيقيَّة للإصلاح والتغيير، إن كانت هناك رغبة جادَّة في تحقيقه، وتلبية مكاسب الثورة الشعبيَّة.

وبرأيك ماذا لو لم تتحققْ مطالب الثورة الشعبيَّة؟

أعتقد أن الثوار الذين أصرّوا على إرغام الرئيس السابق على التنحي، وظلوا على مطلبهم طوال 18 يومًا، صعَّدوا خلالها أساليب مبتكرة للصمود، مما جعلهم موضع فخار أمام العالم، فإن أمثال هؤلاء بعزيمتهم سيعملون أيضًا على تحقيق كافة مطالبهم الثوريَّة، بالتطهير الكامل من براثن الفساد.

وأتصوَّر أنه يمكن النزول إلى الشوارع في أيام مختلفة من الأسبوع للضغط حتى تتحقق مطالب الجماهير، وحينها سيكون استمرار هذا النزول أمرًا خطيرًا، لذلك فمن الضروري سرعة تفهم هذه المطالب، والتعامل معها على وجه السرعة، خاصةً وأنها ليست مكلِّفة كما ذكرت، ومن الممكن إصدار مرسوم بإنهاء النظام الذي احتكر كل شيء في البلاد.

انتقال السلطة

وكيف يمكن التعامل سياسيًّا مع الانتقال السلمي للسلطة، وأيهما تسبق الأخرى الانتخابات الرئاسيَّة أم البرلمانيَّة؟

المرحلة الانتقاليَّة أصبحت تشغلنا كثيرًا، وهذه المرحلة يمكن أن تتدحرج قليلا، خاصة وأن الأحزاب الجديدة والحقيقية التي أعلن عن تشكيلها لم تتشكلْ بعد، ولا ينبغي أن تحصل الأحزاب الكرتونية القائمة التي كان يستأنسها النظام السابق لتحصل على ثمار الثورة بترشُّحها في أيَّة انتخابات قريبة قادمة.

ونحن لا يلزمنا استمرار حكم العسكر، وهم قالوا ذلك إنه ليست لديهم رغبة في الاستمرار، ولذلك نطالب بتشكيل مجلس رئاسي يتكون من مدنيين وعسكريين، يعمل على تأهيل البلاد لعملية انتخابيَّة، وهي العمليَّة المتعلِّقة بصياغة المستقبل، لتجرى خلال عملية التأهيل إجراء الانتخابات الرئاسيَّة، وبعدها البرلمانيَّة، حتى تكون الأحزاب الجديدة قد تشكَّلت.

وأين تضع قضايا التنمية الاقتصاديَّة في قائمة الأولويات حاليًا، في ظلّ التدهور الذي شهدته مصر طوال العقود الماضية، قياسًا عما هو سياسي؟

القضايا الحالية هنا هي الحديث عن صناعة المستقبل، وهي من الأمور الملِحَّة الآن، وذلك من خلال إجراء الإصلاح السياسي، وهذا لا يعني إغفال قضايا التنمية، ولكننا هنا نتحدث عن أهمية الاستفادة من عنصر التوقيت.

وبرأيك لماذا إصرار البعض على وصف الثورة بأنها شبابية، وإغفال دور كافة الأعمار فيها؟

هذه مغالطة كبيرة، كما أصبح هناك من يصف الثورة بأنها حركة، فلقد تعودنا من الإعلام الرسمي على أكثر من ذلك، ومن صار في فلكه من فلول الحزب الوطني، فالثورة اشترك فيها جميع المصريين بشرائح عمريَّة متفاوتة، وقد يكون الشباب هم رأس الحربة بها، ولكن تفاعل واشترك فيها جميع المصريين على مختلف اتجاهاتهم وأعمارهم، فثورة مصر شعبيَّة حرَّكها الشباب.

وهل تعتبر أن للثورة انعكاسات على ما استتبعها من ثورة للشعب الليبي واحتجاجات في اليمن والأردن والبحرين والعراق؟

نعم.. فمصر هي أرض الجغرافيا والتاريخ، وهذه حقائق ثابتة، ودروها رائد ولا شكّ، وتعمل من منطلق عروبي وإسلامي مع جيرانها، ولكنَّ ما حدث في العقود التاريخيَّة أن تَمَّ تغييب الدور التاريخي لمصر، وعمل النظام الفاسد السابق على القيام بأدوار أخرى، لم يراع فيها سوى ضمان استمرار النظام القائم، برضاء الدول الكبرى عنه.

وكيف تنظر في هذا السياق إلى التناقض الأمريكي في بداية اندلاع الثورة المصريَّة، وخطاب البيت الأبيض بعد تنحِّي الرئيس السابق؟

حقيقة أنا لا يعنيني كثيرًا هذا الخطاب الأمريكي أو غيره القادم من الغرب، لأن هذه الدول تبحث عن مصالحها، وهي في الأساس التي دعَّمت الأنظمة الديكتاتوريَّة في العالم العربي، وجعلتها أنظمة استبداديَّة، صاحبة بأس وشدة على شعوبها، وبالشكل الذي يضمن لها تحقيق مصالحها.

والواقع، فإنه ومنذ أحداث 11 سبتمبر، سعت أمريكا إلى توسيع الفجوة بين الدول العربيَّة وشعوبها، للدرجة التي حاولت من خلالها استمالة بعضها، عندما كانت تقود أمريكا الحرب على ما أسمته الإرهاب حتى أصبحت الأوضاع داخل هذه الدول أقلّ استقرارًا عما كانت عليه قبل أحداث 11 سبتمبر.

وفي المقابل، فإن الإدارة الأمريكيَّة لم تحققْ أهدافها في أفغانستان بالقضاء على تنظيم القاعدة أو القبض على أسامة بن لادن أو قتله، فضلا عن عدم القضاء على حركة "طالبان"، والتي تصعّد من عملياتها ضدّ القوات الأجنبيَّة الموجودة في أفغانستان.

كما أنها لم تنجحْ في العراق، سوى في إسقاط نظام صدام حسين، ولم تصلْ إلى أسلحة الدمار الشامل التي كانت تزعم أنه يمتلكها، واحتلَّت العراق بسببه، فهل يمكن بعد كل هذا الفشل أن تكون أمريكا حريصة على مصالح شعوبنا، سواء في مصر أو الدول العربيَّة، وتخلّصنا من الحكام المستبدين؟

الإجابة التي أراها واضحةً وضوح الشمس، أن الإدارة الأمريكيَّة تسعى دومًا إلى إشعال الأزمات ليس بين الدول العربيَّة بعضها البعض، ولكن في داخل الدولة العربيَّة الواحدة، بتزكية روح الخلاف، سواء بدعم الحكومات ضدّ معارضيها أو العكس، أو قد تساند الطرفين، وتوعز إلى طرف أنها تدعمه على حساب الآخر.

تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.

التعليقات

  1. 1 - المستشار السياسي من أوروبا ًصباحا 11:48:00 2011/03/18

    ثورات الشعب العربى ضد الديكتاتورية تضرُّ بالمصالح الأمريكية. الله الله يحميك أخي سيف عبد الفتاح

تعليقات الإسلام اليوم

 

تبقى لديك حرف