د. كارم غنيم الأستاذ بكلية العلوم جامعة الأزهر ورئيس جمعية الإعجاز العلمي للقرآن والسنة لديه الكثير مما يمكن أن يقوله عن توظيف الإعجاز العلمي لخدمة الدعوة، وعن الإعجاز العلمي في الصيام وعبادات رمضان. التقينا به وسألناه عن العديد من القضايا الرمضانية فكان هذا الحوار.
كثير من الناس يقولون: إن السفر الآن أصبح مريحاً، وبالتالي فيجب أن يصوم المسافر، ولا يفطر. كيف تردّ عليهم؟
لعل الكثيرين من الناس يستغربون من أن القرآن الكريم أعطى المسافر رخصة للفطر وعدم الصوم، ويقولون: لو كان هذا مسوّغًًا قبل زمن الحضارة الحديثة - حين كان المسافر يُضطر لركوب الإبل لأيام طويلة وربما لشهور، يتعرض فيها لكثير من الأهوال والصعاب، ويتحمل من الجهد والعنت ما هو معروف - فإن المسافر الآن يركب الطائرات المريحة والبواخر الفاخرة أو حتى السيارات المكيفة، وبالتالي فهو لا يبذل جهدًا، فكيف نطلب منه عدم الصوم؟
ولهؤلاء نقول: إن العلم الحديث أكد أن القلق الذي يصيب المسافر هو أهم أسباب الإصابة بقرحة المعدة، والاثنى عشر، وتصلب الشرايين، وأمراض القلب، ومعروف أن المسافر يكون في قلق مستمر. ولنأخذ مثلاً لذلك ركّاب الطائرات، فسوف نجدهم قلقين متوترين بين الحجز وتأكيد الحجز والخوف من عدم اللحاق بالطائرة، والخوف أثناء الطيران من حدوث أي مكروه، ثم المضايقات والانتظار في المطارات، والخوف على الأمتعة، والانتظار (ترانزيت) لساعات طويلة، والخوف من فقدان جواز السفر أو النقود الخاصة بالمسافر، فكل هذه الأمور تؤدي إلى القلق الذي بدوره يؤدي إلى مرض عضوي معروف كما ذكرنا.
لكنْ هناك أمراض نفسية قد تنتج من القلق والاكتئاب، وقد أُجري بحث علمي في الولايات المتحدة اتضح منه أن النسبة العليا للإصابة بالقرحة وتصلب الشرايين كانت بين فئات معينة مثل رجال المال وأعمال الاستيراد والتصدير ولاعبي القمار ومن على شاكلتهم، وواضح أن السبب في ذلك هو القلق، فهؤلاء مشغولون بالمال والسفر والبورصة، ولا يعرفون الله، ولا الصلاة، ولا الصيام.
وأكد البحث أيضًا أن أقل نسبة للإصابة بالقلق والاكتئاب توجد بين المزارعين وصغار الموظفين والذين يؤمنون بديانة سماوية.
إن أسباب الإصابة بالأمراض الناتجة عن القلق والتوتر والاكتئاب تؤثر على الجهاز العصبي الذاتي فيحدث خلل هرموني، والهرمونات بدورها تؤثر على الأعضاء الداخلية التي تنفعل بذلك، وتفرز حمض الهيدروكلوريك في المعدة فتحدث القرحة أو تزيد إفراز الكوليسترول فيحدث تصلب الشرايين.. وهكذا.
ما هو وجه الإعجاز في أن يقول القرآن الكريم (على سفر) ولم يقل (مسافرًا)؟
هذا هو قمة الإعجاز؛ لأن الكتاب الكريم كله حق وعلم، ولذلك لم يكن غريبًا أن يؤكد على العلاقة والتشابه بين المرض والسفر، فكما أباح الفطر في المرض، الذي يمكننا أن نفهم أسبابه - حيث وهن الجسم وعدم مقدرته على المقاومة، وضرورة تعاطي العلاج، الذي كثير منه يكون عن طريق الفم - أباح أيضًا الفطر في السفر الذي تخفى علته على كثير من الناس، وقد تحدثنا عن العلة في السؤال السابق.
إن الآية الكريمة تقول: (...فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ...) ولم تقل مسافرًا، وتعبير أو على سفر تعبير شديد الأهمية وفيه بيان وإعجاز؛ لأنه يعبر عن حالة الانتظار والقلق وعدم الاستقرار التي يكون المسافر منغمساً فيها، فهو مازال عابر سبيل ومعرضًا للانتظار في (الترانزيت) بالساعات الطويلة يقضيها كلها في توتر وقلق ومعرض لحوادث الإرهاب وخطف الطائرات وتفجيرها. وكل هذه أمور تجعل القلق عنده في أعلى مستوى، ويمكن أن يؤثر عليه داخليًا ويصيبه بأشد الأمراض.
ومن رحمة الله سبحانه بالمسلمين أن القرآن والسنة لم يحددا مسافة الرحلة المرخصة للفطر ولا مدتها، وتركا ذلك لفقهاء كل عصر حسب الأوضاع والعلوم السائدة في عصرهم، وهذا منتهى العلم ومنتهى الإعجاز.
من الناحية العلمية والطبية، كيف يساهم الصوم في الارتقاء بجسد الصائم ونفسيته؟
تحدثنا في إجابة السؤالين الماضيين عن الأمراض البدنية والنفسية التي تصيب الإنسان نتيجة أمراض العصر، التي هي التوتر والقلق والاكتئاب، ومن هذه الأمراض البدنية ارتفاع ضغط الدم وتصلب الشرايين واضطراب ضربات القلب، وقد يحدث ارتفاع في نسبة السكر في الدم، وأيضًا إصابة المعدة بالقرحة؛ نتيجة زيادة إفراز حمض الهيدروكلوريك وكذلك قد تصاب الأمعاء بالقرحة وقد يحدث الصداع المستمر .. الخ.
والصوم يساهم بشكل ملحوظ في السيطرة على مجمل الأمور السابقة، فهو علاج فعّال للاضطرابات النفسية، عن طريق تقوية إرادة الصائم، وتهذيب مشاعره وترقيتها، ويحبّبه بشكل أكبر في بذل الخير، والابتعاد عن الجدل والمشاكسة والميول العدوانية، فيشعر بسمو روحه وأفكاره، فيزداد تحمّله للمشاكل والأعباء، وهذا كله ينعكس بالإيجاب على صحة الإنسان، نفسيًا وبدنيًا.
وهناك اتفاق بين غالبية الأطباء، حتى غير المسلمين منهم، على فائدة الصوم في علاج أمراض الجهاز الهضمي، مثل التهاب المعدة الحاد، وأمراض الكبد، وسوء الهضم، وكذلك في علاج البدانة وتصلب الشرايين، وارتفاع ضغط الدم، وأمراض الصدر والربو وغيرها.
والأطباء العالميون يعترفون بأن فائدة الجوع قد تفوق بمرّات استخدام الأدوية، ومن هؤلاء الأطباء من يمنع مرضاه من الطعام لبضعة أيام، ثم يقدّم لهم بعدها وجبات غذائية خفيفة؛ لأن الصوم يعمل على هدم الأنسجة المتداعية وقت الجوع، ثم إعادة بنائها من جديد عند تناول الطعام، فالصوم يساعد على القيام بعملية الهدم التي يتخلص فيها الإنسان من الخلايا القديمة، والخلايا الزائدة عن حاجته.
كيف يقدم الإعجاز العلمي منهجًا لتفسير القرآن بأسلوب يتناسب مع روح العصر والمكتشفات العلمية الحديثة، ويتغلب على ما في بعض كتب التفسير القديمة من نقاط ضعف؟
على الرغم من أن هناك اتجاهًا لبعض العلماء على تفسير القرآن بمنهج علمي إعجازي، على أساس أن القرآن ليس كتاب تعليم وتسجيل لمكتشفات العصور الحديثة، وهو لا يحتاج إلى أن نحمّل ألفاظه على أسلوب العصر، وأن النظريات العلمية عرضة للتبديل والتغيير، فإذا حمّلنا عليها ألفاظ القرآن كان فهم آياته عرضة للتغيير، مما يبعث على الشك والبلبلة والاضطراب.
على الرغم من ذلك، فإن ذكر الآيات التي تتحدث عن أمور علمية مثل الذرة والكهرباء والميكروبات والصواريخ والطائرات والصعود إلى السماء.. الخ، وربطها بالعلوم العصرية والالتصاق بمقتضيات التحوّلات العلمية، والاكتشافات الكونية التي عرفها العقل البشري في هذا العصر، إنما هو أسلوب مفيد للقارئ الحديث الذي انفتحت أمامه الثقافات العالمية والأفكار والجديد في العلوم، من خلال وسائل الإعلام والاتصالات الحديثة.
ولا تناقض بين العلم الحديث والنص القرآني، ولعلنا نتذكر عنوان كتاب ابن تيمية رحمه الله: "موافقة صحيح المنقول لصريح المعقول".
ومن ناحية أخرى فإن علوم البلاغة ليست هي نهاية علوم القرآن، بل هي علوم لفظه وما نكتبه اليوم علوم معناه.
ويمكن تقسيم أهداف الآيات القرآنية ذات الإشارات العلمية إلى مجموعتين:
المجموعة الأولى هي: الأهداف الرئيسية والعامة، وهي الإيمان بأن للكون إلهًا واحدًا خالقًا مبدعًا قادرًا على كل شيء، تجب عبادته وحده، والرد على حجج وأباطيل المنكرين والملحدين والمشركين، ثم توضيح النظرة الإسلامية للحياة الدنيا، وتوضيح معنى وجود الإنسان في الكون، وأن حياته مرحلة انتقالية لاختباره ثم مجازاته في الآخرة.
والمجموعة الثانية هي: الأهداف الخاصة، وهي التي تركها الوحي للآيات الكونية وتتلخص في تعلم العلوم الكونية والتعمق فيها ومحاولة فهم كون وظواهر ومخلوقات الله... وذلك لأن تلك الإشارات لا تكتفي بدعوة الإنسان إلى التأمل في الكون واستخدام عقله لفهم الظواهر الكونية الواضحة ليستدل على وجود الخالق ووحدانيته وقدرته والإيمان تبعًا لذلك بالرسالة الخاتمة، لكنها دعوة لجذب فئة من المسلمين للتخصص في العلوم الكونية والتعمق فيها؛ ليتمكنوا من حمل لواء الدعوة ونشرها، ثم إظهار الإعجاز العلمي للقرآن الكريم في عصر العلم والتكنولوجيا... وهو هدف لم يكن ظاهرًا عند نزول القرآن، بل هو هدف مستقبلي كامن في القرآن إلى أن يشاء الله أمرًا كان مفعولاً.
وخلاصة القول إن العلماء يجب أن يكونوا خَدَمًا لتبليغ الدعوة من خلال عرض جوانب الإعجاز العلمي للآيات القرآنية، والتي لم ينتبه إليها السابقون... ذلك لأن كل إنسان وليد عصره... وفي عصرنا ثورة علمية... ونحن في هذا العصر نستعمل معطيات عصرنا، ونسخرها لخدمة الآيات القرآنية... وأسلوب العرض يختلف عندما نخاطب المسلمين، عنه عندما نخاطب غير المسلمين... فالكافر المتجرد غير المتحيز حينما نعرض له المسألة العلمية والتي تم اكتشافها حديثًا وبكل تفاصيلها، ثم نعرض له الآية القرآنية التي ذكرت هذه الحقيقة العلمية منذ خمسة عشر قرنًا يسلم فورًا؛ لأن هذا يُثبت أن القرآن من عند خالق الكون. أما هداية المسلمين الموحدين وتذكيرهم ودعوتهم للتدبر والتفكر فهذا يكون من خلال شرح التفسيرات العلمية للآيات القرآنية. وبالتالي فمن يدرس الكون ويطالع آيات القرآن يجد التطابق والانسجام... فالقرآن الكريم كتاب الله المسطور، والكون كتاب الله المنظور.
كيف يمكن أن نستخدم هذا الأسلوب العلمي في خدمة الدعوة؟
نحن نقدم للقارئ خلاصة علمنا وبحثنا، ونربط له هذا العلم بالقرآن، وعليه أن يتدبر الآيات في ضوء هذه المعطيات الجديدة.
والتدبر يفتح مغاليق العقل، وهو عامل أساسي في الإيمان، ولذلك فلم يكن غريبًا أن تُختتم آيات القرآن - التي وردت بها الإشارات العلمية - بهذه الجمل الهادفة (فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ)، وبقوله تعالى (لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ)...الخ. فالمطلوب إذن هو أننا بعد أن نتدبر الآيات القرآنية بعد أن حملناها بجملة كبيرة من المعارف والعلوم والروح العلمية، يأتي الهدف الأكبر وهو أثر ذلك كله، الذي ينبغي أن يصّب في اتجاه واحد هو اتجاه الإيمان بالله ووحدانيته وقدرته.
وعن طريق الثقافة العلمية يدرس الداعية الظواهر التي تدل على وجود الله، ويتعرف على الجوانب العلمية فيها؛ لمواجهة خصوم الإسلام، فيقيم الأدلة ويدحض الشبهات بواسطة فروع العلم المتنوعة. وعن طريق العلم يستطيع الداعية أن يؤيد كثيرًا من الأحكام الشرعية ببيان ما اشتملت عليه من جلب المصالح للناس ودرء المفاسد عنهم، وبذلك يزداد الذين آمنوا إيمانًا، ويثبت المرتابون إن حصل لهم شك في كمال الشريعة... ولعل تحريم الخمور وأكل لحم الخنزير والزنا واللواط من الأحكام الشرعية التي يشهد لها الطب الحديث بالعظمة والكمال.
وعن طريق الثقافة العلمية يستطيع الداعية تعميق مدلولات النصوص، وتوسيع نطاق مفهومها، وزيادة توضيحها كآيات النحل، والنمل، والعنكبوت، والجراد، والدواب، والفلك، والأرصاد، والجيولوجيا، والبحار...الخ. ويمكن أيضًا إظهار وبيان سبْق القرآن الكريم في إثبات كثير من الحقائق التي كشف عنها العلم الحديث.
ما هي الثمرة المرجوّة لمنهج الإعجاز العلمي في التفسير والدعوة؟
الداعية المسلم حينما يتسلح بحقائق العلم الحديث ومنجزاته يتيقن من التطابق بين القرآن الكريم والحقائق التي أكدها العلم الحديث، ومن المقرر أن القرآن الكريم قد أشار مجملاً أو مفصلاً إلى مجموعة من الحقائق العلمية التي لا تقبل الجدل. ثم يقوم الداعية بعد ذلك بإشاعة ذلك ونشره بين الناس، فتستفيد الدعوة بذلك بشكل ملحوظ، سواء الموجّهة للمسلمين أو الموجّهة لغيرهم.
كما أن ذلك سيساهم في نمو حركة التفسير العلمي.
كيف نستفيد من منهج الإعجاز العلمي في دعوة غير المسلمين؟
قادة وأبناء الديانات الأخرى يعلمون تمامًا أن محمدًا -صلى الله عليه وسلم- رجل أمي نشأ وتربى في بيئة جاهلة غير علمية، يرعى قومُه الغنم والإبل، وأنه لم يسبق له أن تلقى علمًا من أي نوع، فهو لا يعرف القراءة والكتابة ابتداءً، فكيف لرجل مثله أن يأتي بما في القرآن من إشارات علمية على درجة كبيرة من الخبرة والتخصص والقيمة؟ لا مجال إذًا إلاّ الاعتراف بأن القرآن الذي أُنزل على هذا الرجل هو من عند خالق السماوات والأرض، العليم الحكيم الخبير.
ولو أن المؤسسات الغربية تترك الإنسان الغربي لكي يقرأ عن الإسلام بحرية، ويناقش، ويقتنع لتحولت أوروبا كلها إلى الإسلام، ولكن مؤسسات الغرب تقف حائلاً دون ذلك، وتشن أعنف الحملات السياسية والإعلامية والفكرية لتشويه صورة الإسلام والمسلمين.
إننا نشير هنا إلى التجربة الذاتية التي خاضها العالم والطبيب الفرنسي (موريس بوكاي) والتي أدت في النهاية إلى اعتناقه الإسلام. فقد ظل هذا العالم يقرأ القرآن ويدرسه دراسة متعمقة لمدة عشرة أعوام متواصلة، وبمنهجية العالم، ولكي يصل إلى نتائج محددة، تعلم اللغة العربية؛ ليقف بنفسه على خفايا وظلال وأغوار النص القرآني.
وفي نهاية هذه التجربة الخصبة من البحث خرج بنتيجة محددة وهي أن القرآن تحدث في عمق شديد عن علم الفلك والخلق والحيوان والنبات والتناسل البشري، وقد دفعه ذلك لأن يتساءل: لو كان القرآن قد كتبه إنسان، فكيف استطاع في القرن السابع الميلادي أن يكتب ما أثبت العلم الحديث في القرنين العشرين والحادي والعشرين أنه يتفق مع المعارف العلمية، ليس هناك أدنى شك إذًا في أن النص القرآني الذي بين أيدينا اليوم هو نفس النص الذي أُنزل على النبي محمد، وعندما وصل بوكاي إلى ذلك عرف الحقيقة، فنطق بالشهادتين!!