بات التطوع أحد المعايير التي على أساسها يُقاس تطوّر المجتمعات ورقيّها؛ فكلما امتلك المجتمع آليات وبنية تطوعية متطورة ارتقى في سلم العمران البشري، وهنا لا بد من الاعتراف أن الغرب نجح في تحقيق السبق في هذا المجال، بينما مازال مجتمعنا العربي يحتاج لبذل المزيد من الجهد من أجل نشر ثقافة التطوع بين الجماهير وتحويلها إلى نمط حياة دائم، بدلاً من العمل التطوعي الذي يعتمد على النشاط الموسمي.
وفي هذا السياق تُعدّ تجربة موقع (عالم التطوع العربي) الإلكتروني من التجارب الرائدة في العالم العربي؛ إذ يشير خالد محمد الحجاج المشرف على الموقع إلى أن ثقافتنا تزخر بقيم ومثل ومبادئ تكاد توجب العمل التطوعي, لكننا في المقابل نشاهد عزوفاً كبيراً عن المساهمة في هذا العمل.
وأرجع الحجاج، في مقابلة مع شبكة (الإسلام اليوم)، هذا العزوف إلى قلة الوعي بأهمية العمل التطوعي, سواء على مستوى الأفراد أو الحكومات؛ إذ لا تدرك الكثير من الدول أن التطوع يُعدّ الذراع الثالث في العمل التنموي. هذه النقاط وغيرها، نطالعها في نص الحوار مع خالد محمد الحجاج المشرف العام على موقع (عالم التطوع العربي).
بداية.. ما هو مفهومك للعمل التطوعي؟
العمل التطوعي هو أنبل وأسمى الأعمال الإنسانية والتي تتجلى فيها أروع صور التلاحم والتكافل في المجتمع, حيث تسود المحبة والإخاء أفراد المجتمع، وهي الأصل في أي تجمّع بشري؛ إذ إن وظيفة الإنسان هي عمارة الأرض, ويتخذ ذلك صوراً وأشكالاً ومجالات مختلفة ومتنوعة في كل شؤون حياتنا, وبلا شك أن كل فرد في المجتمع لديه ما يقدمه، وما يتطوع به لمجتمعه من وقت, خبرة, علم, مال, وجهد, وهو عملية تبادل منافع تنعكس على كل فرد من أفراد المجتمع، وفي مقدمتهم المتطوعون من حيث الشعور بالرضا والإحساس بأنه عضو مفيد وجزء لا يتجزأ من المجتمع.

من أين أتت فكرة إنشاء موقع يختص بنشر ثقافة العمل التطوعي؟
فكرة الموقع تعود لسنوات سبقت عملية التدشين الفعلي, وهي نتاج متابعة واهتمام ورصد لمتغيرات كثيرة ساهمت في بلورة الفكرة الأساس لهذا الموقع, والذي نهدف إلى أن يمتد تأثيره إلى كل المجتمعات العربية، وليس فقط على مستوى محيط ضيق ومحدود. وبلا شك أن ثقافتنا تزخر بقيم ومثل ومبادئ تكاد توجب العمل التطوعي, في مقابل عزوف أفراد المجتمعات العربية وتزايد كبير في الاحتياجات التطوعية ناتجة عن العديد من الأسباب والمسببات التي من أهمها الكوارث, والحروب, والمجاعات, والتغيرات البيئية والمناخية, وازدياد معدلات الفقر, والأمية والجهل وغيرها, في حين لا تجد الاستجابة التي تستحقها نتيجة إما قصور أو غياب الوعي المجتمعي في ثقافة العمل التطوعي، وكل ما سبق مهّد لظهور "عالم التطوع العربي" كعمل ريادي ليحمل رسالة نشر ودعم ثقافة العمل التطوعي في العالم العربي.
هموم كثيرة
ما هدف موقع (ملتقى التطوع العربي)، وماذا يقدم للمتطوعين؟
يهدف (عالم التطوع العربي) إلى نشر ثقافة العمل التطوعي وإبراز دورها في التنمية الشاملة للمجتمعات العربية، عبر الإسهام في تطوير الأعمال التطوعية، وتنظيمها، وتوجيهها، والتفاعل مع الاحتياجات التطوعية، والأحداث، والطوارئ، والكوارث الإنسانية، كما أنه يقدم العديد من الخدمات للمتطوعين، ومنها التدريب والتوجيه وتعريفهم في مجالات العمل التطوعي، والفرص التطوعية، وتنمية قدراتهم وإبداعاتهم لخدمة مجتمعاتهم, وكذلك يقدم خدمات كبيرة للمنظمات والهيئات والجمعيات التطوعية؛ إذ يتم توجيه المتطوعين للانخراط في برامجهم وأنشطتهم لدعم أهدافها ورسالتها.
عدد المتطوعين في العالم الإسلامي أقل بكثير من عدد المتطوعين في العالم الغربي، على الرغم من أن ديننا الإسلامي يحثنا على مساعدة الآخرين.. باعتقادك ما هو السبب في ذلك؟ وما هي المعوقات التي قد تسبب في عزوف بعض الأشخاص عن العمل التطوعي؟
العالم الإسلامي يحمل هموماً كبيرة، وتُمارس عليه ضغوط كبيرة جداً، خصوصاً في بعض مجالات العمل التطوعي مؤخّراً, بالإضافة إلى أن المجتمعات الإسلامية هي مجتمعات يغلب عليها الفقر والجهل، وهي تُصنّف في قائمة الدول الأكثر احتياجاً للأعمال التطوعية، على الرغم مما تملك من مقومات بشرية ومادية, ولعل حصر مفهوم العمل التطوعي في العمل الخيري (التبرعات النقدية)، وما حدث من تضييق على العمل الخيري ساهم إما بغياب أو تغييب للعمل التطوعي بمفهومه الشامل.
أما المعوقات فهي كثيرة إن أردنا البحث والتركيز عليها, وباختصار شديد هي تنبع من مصدر وحيد وهو قلة الوعي بأهمية العمل التطوعي, وذلك ليس فقط على المستوى الفردي بل على مستوى بعض الدول والحكومات؛ إذ إن الكثير من الدول لا تدرك أهمية العمل التطوعي الذي يعتبر الذراع الثالث في العمل التنموي.
تطوّر ونماء
هل تعتقد أن ثقافة العمل التطوعي منتشرة لدى الشباب السعودي؟ و هل تلاحظ تفاعلاً وتجاوباً لديهم تجاه هذا العمل؟
ثقافة العمل التطوعي هي في نماء وتطور ولله الحمد, ولعلنا نشهد الآن بوادر لظاهرة جميلة هي ظاهرة عودة العمل التطوعي بمفهومة الواسع في المملكة العربية السعودية, وبلا شك أن هناك دعماً وتوجّهاً نلمسه بشكل كبير وواضح في أكثر من مناسبة.
والعمل التطوعي في السعودية ليس بحديث عهد، ويخطئ من يعتقد بذلك, وتأثيره كبير جداً, ليس فقط في جانب العدد بل الكم والكيف, وإسهامات السعوديين كبيرة جداً وضخمة ومؤثرة في العمل التطوعي منذ وقت طويل، والمبادرات الإنسانية يتم تبنيها ودعمها من السعودية شعباً وحكومة, والمجتمع ككل يتمتع بعاطفة كبيرة قلّما توجد في مجتمعات أخرى, وما ألمسه شخصياً, أن هناك رغبة ملحة للإسهام في خدمة المجتمع من قبل كل شرائح المجتمع وفئاته، والشباب -كما نعلم- هم أكبر فئة في المجتمع, وهذا أمر في غاية الإيجابية, فقط نحتاج أن نرى اتساع أكبر في قنوات العمل التطوعي وتنظيماته وتشريعاته التي ننتظر أن تصدر قريباً بإذن الله.
وإحصائيات الموقع تشير إلى أن الأعضاء من السعودية يمثلون أكثر من 50% من إجمالي الأعضاء, علماً أن الموقع هو موجّه لكل العرب، ويبعد نفس المسافة عن كل عربي, وكما هو واضح الموقع يخدم كل المجتمعات العربية بلا استثناء, وهذا دلالة كبيرة على حب الشباب السعودي للعمل التطوعي.
هل نسبة انتشار العمل التطوعي أكثر لدى الشباب أم الفتيات؟ ولماذا؟ وما هي الفئة العمرية الأكثر تفاعلاً مع الأعمال التطوعية؟
بشكل عام, الشباب هم الأكثر عدداً وتأثيراً وتفاعلاً مع الأعمال التطوعية الميدانية المختلفة, وإن كان تطوع من هم أكبر سناً هو أكبر قيمة ونفعاً وأكثر التزاماً, وما نلمسه من خلال متابعتنا لإحصائيات أندية عالم التطوع العربي هو أن نسبة مشاركة الفتيات في الأعمال التطوعية التي يتبناها الموقع من أنشطة ميدانية وحملات ومشاريع مختلفة، هي بلا شك أكبر بكثير من نسبة مشاركة الشباب, ولعل هذا يُعزى لعدد من الأسباب، ومنها طبيعة المرأة التي تجعلها أكثر تعاطفاً وتفاعلاً مع الأمور الإنسانية, ولعل الفئة الأكثر تفاعلاً هي فئة الطالبات في المراحل الجامعية.
الاحتراف هدفاً
هل تلاحظ تفاعلاً من الإعلام في نشر ثقافة العمل التطوعي؟
نلمس مؤخراً مؤشرات إيجابية تدل على اهتمام الإعلام بالعمل التطوعي, فمثلاً حين نقارن ما نُشر في السنتين الأخيرتين من أخبار وتغطيات تخص العمل التطوعي على سبيل المثال، مقارنة بالسنوات السابقة، سنجد أن هناك زيادة كبيرة جداً, وهذا دلالة على زيادة اهتمام الإعلام, وهو يعكس بصورة واضحة زيادة اهتمام المجتمع, وبلا شك نطمع بالمزيد؛ إذ إنه لن تنجح أي محاولات لنشر ثقافة العمل التطوعي ما لم يكن الإعلام طرفاً أساساً وفاعلاً فيها.
كيف يمكن أن نجعل من العمل التطوعي عملاً محترفاً؟
العمل التطوعي المؤسسي يجب أن يكون محترفاً - وهو ليس خياراً -, وذلك عبر سن قوانين تؤطر العمل التطوعي وتنظمه، وتحدد بوضوح حقوق وواجبات المتطوعين هذا من جانب, ومن جانب آخر يجب أن يكون هناك وعي تام بماهيّة العمل التطوعي في المجتمع, وحقيقة لن ينجح أي عمل تطوّعي ما لم يكن هناك احتراف ومهنية كبيرة في إدارته.
مواقع الإنترنت التي تهتم بالمتطوعين كثيرة، ألا يمكن أن يكون هناك تخصص و تكامل فيما بينها لتتمكن من أداء رسالتها بشكل أفضل؟
المواقع التي تهتم بالمتطوعين حالياً هي بازدياد ولله الحمد, وهذا أمر إيجابي سواء أكانت مواقع أو جمعيات أو غيرها. إننا نحتاج إلى عشرات الآلاف من الجمعيات التطوعية في كافة المجالات, والتكامل هو مطلب وضرورة لكل من يعمل في مجال تتقاطع أهدافه مع أهداف من يعمل في ذات المجال, وفي اتحاد المجموعات التطوعية إضافة كبيرة وقوية لأهدافها مجتمعة, ولهذا وُجد (عالم التطوع العربي) لكي يحمل رسالة نشر ثقافة العمل التطوعي، ولكي يساهم في تمهيد الطريق لخروج مجموعات ومواقع وجمعيات تساهم مجتمعة في خدمة المجتمع في كافة المجالات.
ضع بصمتك
هل تقترح على الجهات الرسمية مشروع متكامل لدعم المتطوعين والعمل التطوعي و تطويره بشكل أوسع؟
إن أهم ما ينتظره كافة المتطوعين في السعودية هو صدور نظام العمل التطوعي في المملكة, والذي نأمل أن يُبنى على خلاصات التجارب العالمية، وأن يشمل كافة جوانب العمل التطوعي ومجالاته؛ فبدون هذا النظام لن يكون هناك عمل تطوعي ناجح ومنظم ومستمر, ومن الأمور الإيجابية في هذا المجال هو تبني مجلس الشورى لمشروع إصدار هذا النظام, بالإضافة إلى أن هناك مشروع نظام آخر يتعلق بالعمل التطوعي الحكومي (وزارت ومؤسسات حكومية) يشرف عليه الدفاع المدني, وقد شاركنا بشكل مباشر وغير مباشر في بعض الأنظمة التي من شأنها أن تحدث نقلة نوعية في العمل التطوعي في المملكة. كما أنني أتمنى أن يتم تفعيل مقترحات وتوصيات مجلس الشورى في إنشاء هيئة عليا للعمل التطوعي لتنظيمه وتأطيره والإشراف عليه, وكذلك تفعيل أنظمة مؤسسات المجتمع المدني, والسماح بإنشاء جمعيات تطوعية تُعنى بالعمل التطوعي والمتطوعين, ويعتبر مشروع (عالم التطوع العربي) نموذجاً لما يجب أن تكون عليه الجمعيات التطوعية المتخصصة في العمل التطوعي من تكامل في النظم والأهداف, وهو نواة حقيقية جاهزة لأن تكون أول جمعية تطوعية رسمية في المملكة.
ما هي الرسالة التي ترغبون بإيصالها للآخرين؟
مجتمعك بحاجة إليك, إلى علمك, خبراتك, جهودك, وقتك, ومالك, هذا المجتمع يدور حولك أنت, وأنت العنصر الأهم فيه, جميعنا نتوق إلى أن نعيش في مجتمعات متحابة راقية, فبادر لأنك قادر, وجميعنا قادرون على أن نساهم ولو بكلمة طيبة، والكلمة الطيبة صدقة. ليكن العمل التطوعي أسلوب حياة، ونمطاً نعيشه ونتعايش من خلاله. إن آثار ونتائج العمل التطوعي نلمسها نحن كمتطوعين قبل أن تصل للغير, فلنبحث عن الخير ولنحيِ في أنفسنا حب الغير لكي نحب ونُحَبّ. حينما تفكر في غيرك وتتعاطف معه وتقدم -ولو عملاً بسيطاً- فأنت بذلك تجسد إنسانيتك التي تسمو بها, تطوع في نفسك ولنفسك, ليكن لديك ما تخلص به لنفسك ولربك, عمل الخير أمامك في كل لحظة وفي كل مكان, في بيتك, عملك, تجارتك, مسجدك, مدرستك, مصنعك, مكتبك, ورشتك, وأول المستحقين لهذا العمل هو نفسك. فقط عوّد نفسك أن ترى حجم ما يعانيه, المرضى, الفقراء والمساكين, المعاقون, الأيتام, وغيرهم.
انظر كم لديك من الأمور التي تستطيع أن تتطوع بها دون أن تؤثر أو تتأثر إلاّ إيجاباً.. ابدأ اليوم قبل الغد.
ضع بصمة جميلة لك ولمن حولك ومن بعدك في حياتك...
تطوّعْ.