منذ ساعات الصباح الباكر تتوجه أم سعيد الوادي إلى مسجد قبة الصخرة في المسجد الأقصى المبارك، وقد دأبت على هذه العادة منذ أول يوم من شهر رمضان المبارك؛ فهي تستثمر كل الأوقات في الدعاء والصلاة والدعوة للإيمان. في إحدى زوايا المسجد تجلس ويلتف حولها العديد من النسوة الحاضرات؛ إذ إن مسجد قبة الصخرة وصحن القبة -الساحة المرتفعة المحيطة بمسجد قبة الصخرة تسمى صحن القبة- هو المكان المخصص لصلاة النساء.
وتقول أم سعيد المقدسية الأصل في حديث لـ(الإسلام اليوم): يعتبر شهر رمضان المبارك شهر الطاعات والخيرات، وعلينا أن نستثمر هذا الشهر؛ فالرزق وفير و الثواب والأجر كبير.
وتضيف: أقوم كل يوم بإعطاء المواعظ والدروس الإيمانية، وأحاديث من السيرة النبوية للصحابيات، ونساء الرسول صلى الله علية وسلم، مع طرح مواقف تتشابه مع واقع المسلمة في الوقت الحاضر؛ لكي تأخذ النسوة العظات والعبر منها.
وتقول أم سعيد: إن ازدياد المصليات بالمسجد الأقصى خلال شهر رمضان يجعل من توجيه المواعظ لعدد كبير من المسلمات أمرًا يسيرًا؛ لاسيما وأنه يوجد العديد من النساء، وخاصة المعمرات وكبيرات السن، ممن يجهلن أمورًا كثيرة في الدين، مما يجعل الأسئلة كثيرة، والفائدة متنوعة.
وعن ممارستها للدعوة تقول "أم سعيد": أعمل في مجال الدعوة النسائية منذ (15) عاماً متطوعة، ويزداد العمل في شهر رمضان المبارك، لا سيما يوم الجمعة؛ إذ الحضور مكثف للنساء.
وفي الجانب الآخر من المسجد تقول "أم رائد" الواعظة من مدينة رام الله، وسط الضفة الغربية: تعتبر الحلقات الإيمانية بالمسجد الأقصى المبارك من أبرز سمات الشهر الكريم؛ حيث الجموع الكبيرة من المصليات، لذلك تشهد هذه الأيام تنافساً حميدًا بين الداعيات في صفوف النساء بالمسجد الأقصى.
وتضيف: أنا من مدينة رام الله، وآتي إلى الأقصى كل أسبوع مرتين؛ للصلاة والتعبد في الدرجة الأولى، ومن ثَمَّ الدعوة وإعطاء الدروس الإيمانية للمصليات.
وهنالك في ركن قصي تجلس "أم جهاد" وحولها بعض الفتيات صغيرات السن، وتقول: أقوم بتدريس القرآن الكريم للفتيات، حفظًا وتلاوةً وتجويدًا.. مشيرة إلى وجود جمعية أهل القرآن بالمدينة المقدسة، وهي جمعية تُعنى بالقرآن الكريم من خلال عقد مسابقة لِحَفَظة القرآن الكريم من طلاب المدارس من المقدسيين.
إحدى الطالبات الجالسات تقول: أنا مريم، وعمري اثنا عشر عامًا، وقد استطعت بفضل الله أن أحفظ في العشر الأوائل من الشهر الكريم سورة البقرة، وأنا الآن أقوم بالتدرب على قراءتها متقنةً أحكام التجويد، مع حسن الصوت والأداء.
وفي صحن قبة الصخرة تكثر الحلقات والتجمعات النسائية بين الصلاة والأخرى؛ حيث الدروس الإيمانية، وتدارس القرآن الكريم والسنة النبوية.
مرشدات
ومع هذا الجهد الدعوي الكبير، إلاّ أن الجهل ما زال فاشياً لدى كثير من المصليات، وتقول إحدى الفتيات: نرى في بعض الأحيان كثيرًا من النساء، ولاسيما الكبيرات في السن يقمن بالصلاة متجهات بشكل دائرة حول قبة الصخرة المشرفة، معتقداتٍ أنها كالصلاة في الكعبة المشرفة؛ ونقوم ساعتئذ بتوجيههن، وشرح الفرق بين قبة الصخرة والكعبة المشرفة.
وتضيف: في كثير من الأحيان يكون من بين المصليات نساء وفتيات أول مرة يأتين إلى المسجد الأقصى المبارك، ويحاولن التعرف على كل ركن فيه، وتعتبر المغارة أسفل الصخرة المشرفة داخل قبة الصخرة من أبرز سمات المسجد الأقصى المبارك؛ و النزول إليها عبر درجات ضيقة، إلاّ أنّ كثيرًا من النساء يأتين إلى الصلاة في هذه المغارة، ولا يخرجن منها طوال اليوم، معتقداتٍ أنّ مكان صلاة النبي محمد -صلى الله عليه وسلم- بالأنبياء، هو المكان الأكثر تقديسًا، والأعظم أجراً وثواباً، مما يجعل مجموعةً من النساء لا يتجاوزن العشرين، مستحوذات على مغارة الصخرة!!
فنجلس معهن، ونرشدهن إلى أن الصلاة في المسجد الأقصى المبارك في أي ركن فيه، لها نفس الأجر والثواب، وأن عليهن أن يعطين مجالًا لمن يريد أن يدخل ويشاهد مكانًا حدثت به معجزة غيّرت الكون.
مصليات من كل حدب وصوب
تقول مها (43 عاماً): أنا من مدينة نابلس شمال الضفة الغربية، وآتي للصلاة في المسجد الأقصى المبارك كل يوم جمعة خلال شهر رمضان المبارك؛ إذ يسمح لمن هم فوق سن الخامسة والثلاثين من النساء بدخول القدس والصلاة بالمسجد الأقصى المبارك.
وتضيف: نحن في مدن الضفة الغربية نتمنى الصلاة يومياً وفي كل الأوقات في المسجد الأقصى المبارك، ولكن غطرسة الاحتلال تحول دون ذلك، وتحرمنا من أن نعيش أجواء رمضان الروحية في المسجد الأقصى.
أما جميلة، فتقول: في كل عام تُنَظِّمُ مؤسسة الأقصى مسيرة البيارق، وهي عبارة عن حافلات تُقِلُّ أهل فلسطين (عام 48)، والنقب، والجليل، إلى الأقصى مجانًا، وهو دور إيماني كبير، يُشكرون عليه؛ لأنه يزيد من إعمار القدس والأقصى.
وتضيف: وأنا أنتهز فرصة هذه المسيرة المباركة، وأركب الحافلة المخصصة للنساء يومياً، من الناصرة إلى القدس، للصلاة والتعبد بالمسجد الأقصى المبارك.
وتعزز أم إبراهيم حديث جميلة قائلةً: إن مؤسسة الأقصى تُشْكَرُ، وعلى الجميع أن يساندها في دعم إعمار الأقصى؛ إذ إنها تُسَيِّر الحافلات للأقصى في رمضان، وفي غير رمضان أيضاً.
أما ماجدة عبيد من مدينة الخليل، فتقول: لقد خرجنا من مدينة الخليل، ومررنا بالعديد من الحواجز العسكرية الإسرائيلية، حتى وصلنا إلى القدس؛ لأن الصلاة في القدس هي أمل كل فلسطيني، الذي يعد القدس مهوى فؤاده وموئل روحه!