آخر تحديث الساعة 06:03 (بتوقيت مكة المكرمة)

قبل شهور من وفاته

الشكعة: مصر تجتاز مرحلة تاريخية وستعاود مكانتها غيرَ بائسة

الاحد 20 جمادى الأولى 1432 الموافق 24 إبريل 2011
الشكعة: مصر تجتاز مرحلة تاريخية وستعاود مكانتها غيرَ بائسة
 

الأستاذ الدكتور مصطفى الشكعة.. أحد العلماء البارزين، وعضو مجمع البحوث الإسلامية، والعميد الأسبق لكلية الآداب بجامعة عين شمس، ورئيس لجنة التعريف بالإسلام بالمجلس الأعلى للشئون الإسلامية، وواحد من أهم المدافعين عن الإسلام ضد الهجمات الشرسة التي يتعرض لها.. والدكتور مصطفى الشكعة قامةٌ فكريةٌ وأدبيةٌ، نُشر له 40 كتابًا، طبع بعضها 20 مرة، وبعضها الآخر عدة مرات.. من أشهرها كتاب "إسلام بلا مذاهب"، و"معالم الحضارة", و"الأدب الأندلسي", و"الحضارة الإسلامية جوهرة وإضاءة", و"الأدب في موكب الحضارة الإسلامية", وغيرها من الكتب ... التقته "الإسلام اليوم" قبل شهور من وفاته، وأجرت معه هذا الحوار والذي ننشره اليوم، سائلين الله رب العالمين أن يتغمده برحمته، ويسكنه فسيح جناته.. وهذا نص الحوار:

 

النشأة والدراسة كانت في طنطا، ما أهم ما تذكر منها وبقي في حياتك ؟

لقد نشأت في قرية اسمها "محلة مرحوم"، وهي من قرى مدينة طنطا, حيث بدأت حياتي العلمية في "كُتَّاب" القرية، وقضيت منذ طفولتي الباكرة في هذا الكتّاب نحو عامين, حفظت فيهما قدرًا من سور القرآن الكريم، كما تعلمت الخط والإملاء ومبادئ الحساب, ثم ألحقني والدي بمدرسة طنطا الأميرية، كما كانت تسمَّى آنذاك، ومنها حصلت على الشهادة الابتدائية، ثم التحقت بمدرسة طنطا الثانوية، ومنها حصلت على الثانوية العامة, ثم جئت إلى القاهرة في صحبة أخي الكبير، والتحقت بكلية الآداب بجامعة فؤاد الأول (القاهرة حاليًا)، وتخرجت منها واشتغلت في التعليم الثانوي نحو 3 سنوات، ثم بمؤسسة اليونسكو التي كان مقرها قرية من قرى محافظة المنوفية، وهي قرية "سرس الليان"، واشتغلت بها نحو3 سنوات، حيث حصلت خلال هذه السنوات السابقة على درجة الماجستير ثم الدكتوراه، وفي ذلك الوقت، أعلنت جامعة عين شمس عن وظيفة "مدرس أدب"، وكنت ذلك الشخص الذي حصل على هذه الوظيفة، حيث كان مقر كلية الآداب في حي شبرا بالقاهرة.

ملحق ثقافي

ثم اختِرت لكي أكون ملحقًا ثقافيًّا في أمريكا، ومكثت في هذا العمل نحو 6 سنوات موصولة، عشتها جميعًا في واشنطن، مع شغل الوظيفة في كندا، حيث كانت سنوات مثمرة على الصعيدين؛ العربي والإسلامي، حيث أنشأنا لجنة اتحاد الملحقين الثقافيين العرب، وأسهمنا في التعريف بالثقافة العربية في عدد غير قليل من الجامعات الأمريكية, كما قمنا بإلقاء بعض المحاضرات في تلك الجامعات عن الثقافة الإسلامية, فضلًا عن إرسال بعض الطلاب في شكل بعثات إلى الأزهر، وكان من بين الطلاب اثنان من أبناء "اليجا محمد"، الذي كان يدَّعي أنه رسول لجماعة "الإسلام السود"، الذين لا يمتون إلى الإسلام بأية صلة، وحينما عاد هذان الطالبان إلى أمريكا حاولا تبصير أبيهما بحقيقة الدين الإسلامي، ولكنه لم يمتثل لهما، وبمجرد وفاته تحول مليونان ونصف مليون من السود إلى الإسلام، الذي يمثل العقيدة الإلهية السليمة. هذا فضلًا عن أشياء أخرى كثيرة.

عميدًا لكلية الآداب

ثم عدت إلى مكاني في جامعة عين شمس، وبعد فترة وجيزة انتُدبت أستاذًا بجامعة بيروت العربية، التي كانت تعدُّ فرعًا لجامعة الإسكندرية، ومن خلالها درَّسنا لعشرات الآلاف من طلاب العالم العربي, وآلاف من الطلاب اللبنانيين في الجامعة اللبنانية، بعدها عدت مرة أخرى إلى كلية الآداب بجامعة عين شمس أستاذًا، ثم رئيسًا لقسم اللغة العربية، ثم عميدًا للكلية، وكان ذلك في المراحل المتقدمة واللاحقة سببًا من أسباب إصدار كتبي التي يعرفها الخاصة في جامعات مصر والبلاد العربية والجامعات الإسلامية، ولا أزال حتى الآن أستاذًا متفرغًا بالكلية نفسها، هذا بالإضافة إلى انتخابي عضوًا بمجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الشريف؛ هذا المجمع الذي كان يسمى في العهد الملكي "هيئة كبار علماء المسلمين"، حيث لا تزال هذه المؤسسة الكبيرة تؤدي دورها الجليل في خدمة الإسلام والمسلمين دون تقصير.

ذاكرة الطفولة

ـ أما فيما يتعلق بما بقي من ذاكرة الطفولة: فهما والداي؛ أبي وأمي، حيث كان أبي من علماء المسلمين، كما كانت أمي من بيتٍ عُرف بالعلم والمعرفة، وكان خالي الشيخ أحمد صلاح نائبًا للمحكمة الشرعية العليا، وهو والد السفير الشهيد جمال الدين صلاح، الذي اغتيل في الصومال.

أما عن التعليم في قريتي، فيمكن القول: إن العلم المدني لم يكن معروفًا بها، وكان متعلموها أكثرُهم أزهريين أو خريجي مدارس المعلمين الأولية، وكنت أول من تخرج في كلية الآداب من أبناء قريتي، وقد أسهمت مع متعشِّقي المعرفة من أبناء القرية في تشجيع العلم بها, وهي الآن قرية كبيرة حافلة بأبناء الثقافات المتناثرة؛ من طب وهندسة وقانون وأدب، إلى غير ذلك من ألوان المعرفة.

علاقتي بـ"طه حسين"

أنت ممن التقى بطه حسين في أول سنة دراسية في الجامعة، حدثنا عن هذا اللقاء ؟

في أثناء تلمذتي بكلية الآداب، جلست إلى كثير من الأساتذة الكبار ذوي الشهرة في عالمنا العربي، وفي مقدمتهم الدكتور عبد الوهاب عزام، الذي أعتبره شيخي، ومنهم بطبيعة الحال الدكتور طه حسين، الذي درَّس لدفعتي أربع سنوات متواصلة، ومنهم الأستاذ أحمد أمين، صاحب "فجر الإسلام"، و"ضحى الإسلام"، والأستاذ أمين الخولي، الذي كان يدرِّس لنا علوم القرآن، وكان الأستاذ الوحيد الذي يتزيَّا بالزي الأزهري، والأستاذ مصطفى السقا، والأستاذ الدكتور شوقي ضيف، وأستاذ التاريخ الإسلامي الكبير عبد الحميد العبادي، الذي صار أول عميد لكلية الآداب بجامعة الإسكندرية منذ بَدْء نشأتها، وكوكبة من الأساتذة، خرَّجت عددًا كبيرًا من أساتذة الجامعات، بخاصة كليات الآداب المعاصرين.

أما عن لقائي بالدكتور طه حسين، فقد فوجئت أنا وزملائي من طلاب السنة الأولى بالدكتور طه حسين يقوم بتدريس الأدب العربي لنا, وكان معروفًا عنه أنه لا يدرِّس إلا لطلاب السنتين الثالثة والرابعة، وقد جرى تحوُّلُه إلى طلاب السنتين الأولى والثانية مع دفعتي. وكان طه حسين يدرّس لنا الأدب العربي الحديث والنقد الأدبي.

وأتذكر أنه عندما تحدث طه حسين عن مصطفى صادق الرافعي، وكان قد مضى على وفاة الرافعي سنواتٌ ثلاث، شعرنا -نحن التلامذةَ- أنه لم يقدِّم الرافعيَّ بالحجم الذي كان يمثِّله في عصره، فانتظرنا حتى انتهى درس الرافعي، حيث قال الدكتور طه حسين: "وإلى اللقاء في الأسبوع القادم مع أديب آخر"، وانصرف إلى غرفته، حيث تهامَسْنَا جميعًا بأن طه حسين لم يعطِ الرافعي حقَّه بما يتمشَّى مع خدمته للأدبيْن؛ العربي والإسلامي، في عهده.

واتفقنا ـ وكنَّا نحوَ 13 طالبًا ـ أن نذهب إلى طه حُسين في غرفته، فقمنا بذلك بالفعل، وسمح لنا بالدخول، وبادرَنا بالسؤال: لماذا جئتم؟ وماذا تطلبون؟ قلت له: أنَابَنِي إخواني في أن أقول: إننا نعرف الكثير عن الرافعي في نشأتنا في بيوتنا، لأننا من أبناء المشايخ, ولقد كنا نتوقع أن نسمع أكثر مما سمعناه في تناولك للرافعي، فكان ردُّه: إنكم شباب متسرعون, ولو انتظرتم إلى الأسبوع القادم لسمعتم بقية حديثي عن الرافعي, فانصرفنا وقد انتصرنا، لأنه سوف يعاود الحديث عن الرافعي بعد أن كان قد قرر أنه أنهى حديثه عنه. وظلت لي مواقفُ متعددةٌ في تلك السنة, والسنوات التالية مع طه حسين، وكان لا يقاطعه أحد إلا الشخص الضعيف، لأنها مقاطعة مهذبة تعرّف الرجل قدره.

أنت ممن استمرت صلتهم بطه حسين إلى آخر حياته، نرجو أن تحدثنا عن طه حسين من زاوية علاقتك به ؟

لقد استمرت صلتي بالدكتور طه حسين حتى بعد تخرجي والتحاقي بعضوية هيئة التدريس بالجامعة، حيث كان يُحسن استقبالي في بيته في شارع الهرم, كما كنت أشعر بعطفٍ وأبوَّةٍ صادقة, كما لمست في أحاديثي معه أنه قد عاد إلى رحاب العقيدة الإسلامية السمحة؛ حيث كان بين الحين والحين يقول: "ومن فضل الله عليَّ كذا وكذا "، بل إنه كان يُكثر من هذه العبارة، ولذلك فإنني أعتقد أنه قد توفي على قدر سليم من العقيدة، التي تمرد عليها في فترة من شبابه، حينما كتب كتابه الذي صودر بعنوان: "في الشعر الجاهلي"، والذي أعاد كتابته بعد حذف المآخذ التي تضمنها، وأسماه اسمًا آخر، وهو "الأدب الجاهلي".

في صحبة أساتذتي

درستَ في جامعة القاهرة، عندما كان فيها ثلةٌ من الكواكب، كـ د. عبد الوهاب عزام، وأمين الخولي، وطه حسين، وأحمد أمين، وغيرهم.. حدثنا عن تلك المرحلة، وأثر هؤلاء الأساتذة على الطلاب..

كان أساتذتي على قدر كبير من العلم, ولقد كان لكل طالب منا أستاذ مفضل، وقد كان لجميع أساتذتي أفضالٌ عليّ، ولكن أستاذي الذي نال القدر الأكبر من احترامي وتقديري هو الأستاذ الدكتور عبد الوهاب عزام (أستاذ أساتذة الآداب العربية والإسلامية)، من فارسية وتركية وأردية, والذي كانت علاقتي به علاقة حميمة، حيث كنت أذهب في نهاية كل أسبوع لأقضي في بيته الأمسية الأخيرة من كل أسبوع، وأتلقَّى علمه وعطفه ومحبة شباب أسرة عزام، وقد كتبت عنهم في مقدمة كتاب ظهر مرتين أخيرًا فيما يسمى بمكتبة الأسرة، جاء تحت عنوان: "عبد الوهاب عزام.. أديبًا وأستاذًا".

كما أنه من مشروعاتي التي أرجو أن يساعدني الله على تحقيقها، تأليف كتاب بعنوان: "في صحبة أساتذتي طالبًا بجامعة فؤاد الأول"، حيث آمُل أن أتناول فيه هذه الكوكبة من الأساتذة بقدرٍ يشفي غُلَّةَ القارئ, وفي مقدمتهم "عبد الوهاب عزام، وأحمد أمين, وطه حسين، وأمين الخولي, ومصطفى السقا، وإبراهيم سلامه، وشوقي ضيف".

مع الرافعيّ

لك رؤيةٌ للرافعيّ في بلدك طنطا في طفولتك، ولك كتاب عن الرافعي هو من أهم ما كُتب عنه، بين كتابة رؤية الطفل وكتابة الباحث، حدثنا عن هذا اللقاء ؟

لقد كان الرافعي من المدينة التي أنتمي إليها، وهي مدينة "طنطا"، ولقد عاش الرافعي حياته في طنطا موظفًا في المحاكم، حيث نال شهرةً كبيرةً، وقد شاهدته وأنا طفل أخرج من المدرسة بعد الظهر، حيث كان يجلس على مقهًى في شارع "التُّرعة" في مدينة طنطا، وكان زملائي الكبار حينما نمرُّ أمامه، يشيرون إليه, ويقولون، الرافعي الكاتب, وكنت أفهم من هذه أنه الكاتب في المحكمة، إلى أن عرفت قيمة الرافعي، حيث كنت أقرأ على أبي وأصدقائي بعضًا من القيم الموجودة في كتب الرافعي.

وحينما شبَّ التوق عندي، وبدأت مؤلفاتي، كان الرافعي من بواكيرها، وظهر باسم: "مصطفي صادق الرافعي كاتبًا عربيًّا ومفكرًا إسلاميًّا"، حيث طُبع الكتاب مراتٍ عديدةً، كما أن المجلس الأعلى للشئون الإسلامية حينما أراد أن يُصدِر بين إصداراته الكثيرة كتاب "إعجاز القرآن" للرافعي، عهد إليَّ أن أكتب مقدمة لهذا الكتاب، لكي تكون مدخلًا يسهِّل على القارئ فهم لغة الرافعي وعمق فكره، لأن هذا الكتاب يتسم بالعمق، ولقد كتبت المقدمة بالفعل، وهي في حوالي 80 صفحة، حيث فوجئت بالمقدمة وحدها يُصدرِها المجلس الأعلى للشئون الإسلامية ككتاب مستقل في إحدى سلسلاته، وقد نفدَت الطبعة الأولى من هذا الكتاب قبل صدوره، ولعلهم يُصدِرون طبعة أخرى منه.

عَلاقتي بـ"حسن البنا"

عرفتَ حسن البنا قبل أن يعرفه كثير من الناس، ما الذي تشعر أنه يجذب في شخصيته؟ وهل يمكن من خلال معرفتك به تحديد سبب قوة التأثير في هذا الرجل؟

لقد عرفت الأستاذ البنا عندما كنت طالبًا، ومهما تكاثرت الآراء فيه، فإنه يظل مَعْلمًا من معالم الشخصيات الإسلامية التي أدت إلى الإسلام خدماتٍ جليلةً منفردةً في النصف الأول من القرن العشرين. ولقد كنت من أصغر الأعضاء سنًّا، كما كنت وصديقي المرحوم، سعيد رمضان، أقرب الشبان إلى قلب البنا.

- أما عن جوانب التأثير في شخصية الأستاذ حسن البنا: فقد تمثَّلت في كون البنا رجلًا سمحًا، دَمِث الأخلاق، يأسرك من أول لقاء، وكان مخلصًا في دعوته، كما كان خطيبًا مفوَّهًا، ومحاضرًا من طراز فريد. ولقد قتل الأستاذ البنا ظلمًا، رغم أنه أصدر بيانًا عن قتلة النقراشي باشا، تحت عنوان: "ليسوا إخوانًا وليسو مسلمين"، فإنه قد وقع المحظور، وقتلوه على باب جمعية الشبان المسلمين.

هل بقي في ذاكرتك مواقفُ لا تزال حيةً في نفسك مع علاقتك بحسن البنا ؟

نعم بالطبع.. حينما التحقت بالإخوان كانت تتخذ مقرًّا في غرفة في بيت في حارة عبد الله بيه في حي "الياكانيه" ـ قريب من القلعة ـ وذات يوم قال لي الأستاذ البنا: نريد أن تبحث لنا عن مقرٍّ مناسب في حي مناسب بإيجار مناسب، وكان لي زملاءُ طلابٌّ في الأزهر من قريتنا، يسكنون في الطرف الشمالي من حي السيدة زينب في شارع "الناصرية"، حيث وجدت بيتًا فيه حديقة، وكان إيجاره جنيهًا وخمسة وعشرين قرشًا، لكن صاحب المنزل لم يوافق على أن أقوم بتحرير العقد؛ نظرًا لسني الصغير في ذلك الوقت، فرجعت إلى الأستاذ البنا غاضبًا، فأرسل معي أحد الإخوان لتحرير العقد. وانتقلت الإخوان من غرفة إلى شقة جميلة من حي السيدة زينب-شارع الناصرية.

كما أنني كنت أقدم المحاضرين الذين يحاضرون في حديقة المنزل الذي أصبح مقرًّا للإخوان، ولفت نظر الشيخ مصطفي عبد الرازق ذلك في ذات مرة، فقال لأخي الكبير: يا محمد، أخوك يدخل الحقوق، وقد كانت هذه أمنية أبي، وقد تقدمت بالفعل للالتحاق بكلية الحقوق، ولكن عندما ذهبت إلى الجامعة قالوا: إن التقديم في كلية الحقوق قد انتهى، فكانت كلية الآداب هي وجهتي.

مغامراتي في مجاهل اليمن

أنت ممن ذهب إلى اليمن قديمًا، يوم كانت اليمن لا تزال مُتحفًا تاريخيًّا، وكتبت عن أيامك في اليمن كتابًا.. هل يمكن أن تلخص لنا حال اليمن في تلك الفترة؟ وما أكثر ما علِق بذاكرتك منها ؟

لقد ظللت في الإخوان إلى أن كنت مدرّسًا منتدَبًا في صنعاءَ باليمن، وقد كنت قريبًا إلى قلب الإمام يحيى، ولكن حالة القطر اليمني كانت تدعو إلى الشفقة، فقرًا وجهلًا وتمزقًا، وفي تلك السنة حدثت الثورة اليمنية الأولى، حيث عينني الثوار مديرًا للإذاعة، كما طلبوا من الأستاذ البنا أن يجيء إلى اليمن يبارُك عملهم, ولكنه اعتذر، وأرسل اثنين؛ أحدهما يمثِّل مكانًا رفيعًا في الجمعية، وآخر يرأس تحرير مجلة الإخوان، ولكن الرجل الذي كان ذا مكانة، ظهرت منه انحرافات شديدة، وعندما عُدت إلى مصر بعد أن فشلت الثورة وتم إلقاء القبض علينا وسجنَّا، كتبت خطابًا مفصلًا إلى الأستاذ البنا، وطالبت بفصل هذا الرجل، لأن وجوده في الجماعة يسيء إليها، وبعد أسبوعين أو ثلاثة حُلَّت الجماعة، وتم إلقاء القبض على الإخوان، غير أنني لم يتم القبض عليَّ؛ لأني كنت استقلت من الجماعة، احتجاجًا على عدم الاستجابة لطلبي بفصل العضو البارز، الذي ظهرت منه بعض الانحرافات في اليمن. ولقد ألّفت كتابًا عن رحلتي إلى اليمن، وتجربتي هناك، وذلك تحت عنوان: "مغامرات مصري في مجاهل اليمن".

عصر العمالقة

أدركتَ مرحلة العمالقة الكبار في الأدب؛ الزيات، وطه حسين، والعقاد، وغيرهم، ونراك امتدادًا لهذا النمط المتميز..حدثنا عن تلك المرحلة التي كانت مزدحمة بالعمالقة، وما هي الأسباب التي هيأت لهذا الاحتشاد لكل هؤلاء العلماء؟

إن الحياة مراحل، حتى حياة الأمم مراحل، والمرحلة التي جمعت أسماء العمالقة الكثيرة هي مرحلة "إحياء"، وكل شخص من هؤلاء ينبغي أن تؤلف عنه الكتب, وقد ألفتُ كتبًا عن طه حسين، وأحمد أمين, وعبد الوهاب عزام، وأمين الخوالي, والزيات، والعقاد.

- أما عن أسباب وجود هؤلاء العمالقة في وقت واحد: فإن ذلك يرجع إلى أن الأمة كانت تعيش في مرحلة النمو، وذلك بعد خطوات الإصلاح التي اتخذها محمد علي من إرسال بعثات إلى الخارج، والاهتمام بالتعليم، أما الآن فنحن نعيش في مرحلة تقهقر، أسبابها تاريخية، والنبي صلى الله عليه وسلم أوصى بمصر، ولذلك فإنه إذا كانت مصر تجتاز مرحلةً تاريخيًّة فإنها ستعاود مكانتها غيرَ بائسة، إن شاء الله تعالى.

العقاد..شخصية موسوعيَّة

ماذا عن عَلاقتك بالعقاد؟

لقد عرفت العقاد؛ تلك الشخصية الخصبة المعطاءة الموسوعية، وكنت ألتقي به في مكتبة الأنجلو، حيث كنا نجلس سويًّا نتسامر، وكنت أجلس منه مجلسَ التلميذ من الأستاذ. فالعقاد، على خلاف ما يرى كثيرٌ من الناس، كان شخصيةً مهذبةً مؤنِسة.. أيُّ حديث معه يمكن أن يُكتب مقالًا، لذلك كان العقاد مكثرًا في مقالاته إكثارَه في كتبه.

كما أن العقاد يُعَدُّ من القلائل الذين هضمت الدولة حقهم. وإن كان تمثاله، والميدان الذي يحمل اسمه في أسوان، يمثِّل نوعًا أو جزءًا من العزاء. وستعرف الأجيال القادمة الأكثر عن العقاد مما يعرفه أبناء العهد الذي نعاصره.

يتشوق محبّوك إلى مقالات تتحدث عن مسيرتكم العريقة الحافلة المباركة، ومن جمعك بهم طريق الحياة..فهل نطمع ببداية سلسلة من هذه المقالات، لعلها تكون إضافة إلى أيام صاحب الأيام ؟

لي مقالاتٌ كثيرةٌ نُشرت في دوريات عدة، في الأدب والنقد والإسلاميات، وأواصل الكتابة حينما تتاح الفرصة.

تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.

التعليقات

  1. 1 - مصري مساءً 03:01:00 2011/04/24

    ايها العالم الجليل الى جنةالله ورحمته اللهم ابدله دارا خيرا من داره واهلا خير من اهله واسكنه فسيح جناتك مصطفى الشكعة باحث جليل ومفكر عبقرى لا نظير له بالمكتبة الاسلامية الكثير من الاعمال كان مفكر من نوع خاص لا نستطيع ان نوفى حقه فالى جنة الله ايها العالم الجليل والسلام على من اتبع الهدى

  2. 2 - العلماء ورثة الانبياء مساءً 03:04:00 2011/04/24

    قم للمعلم وفية التبجيلا كاد المعلم ان يكون رسول

  3. 3 - صاحب كتاب "اسلام بلا مذاهب" مساءً 03:16:00 2011/04/24

    على كل من يرغب فى معرفة المزيد عن الفرق المختلفة فى الاسلام غير أهل السنة ان يقرأ هذا الكتاب الذى يتناول الموضوع باسلوب محترم و بمنتهى الاعتدال و الانصاف رحمة الله عليك يا دكتور شكعة و جعل مثواك الجنة

  4. 4 - متابع مساءً 05:03:00 2011/04/24

    رحمك الله ايها العالم الجليل واسكنك فسيح جناته ، لقد التقيت هذا العالم فوجدته في قمة التواضع .

  5. 5 - منى مساءً 06:01:00 2011/04/24

    رحم الله هذا العالم الجليل وجزاكم الله خيرا على هذا الحوار مع هذا النابغة الذى لانستطيع ان نوفيه حقه رحمه الله وادخله فسيح جناته

  6. 6 - اللهم ارحمه مساءً 07:40:00 2011/04/25

    رحمك الله رحمه واسعه .

  7. 7 - رامي ًصباحا 09:30:00 2011/04/26

    رحمك الله اسأل الله ان يخلفنا علماء أجلاء غيورين على الامة من امثالك

  8. 8 - أحمد المصري ًصباحا 01:36:00 2011/04/28

    رحمك الله أيها العالم الجليل .

تعليقات الإسلام اليوم

 

تبقى لديك حرف