لا يزال صدى طرقات "المسامير" التي يغرزها "الكاريكاتور" مالك نجر في نعش المجتمع تتردد على شبكة الانترنت. عشرة ملايين زائر أو أكثر حتى هذه اللحظة، ويتوارى خلف الوقت الكثير من المشاهدين والمَشَاهِد.
يؤمن مالك الذي حاورته شبكة "الإسلام اليوم" بأهمية التعبير بأشكاله المختلفة، حتى بلغة الإشارة، ويثق بقدرته على "إثراء الفكر العربي" ولما كان ذاك إيمانه، وتلك قدرته، فإن مالك نجر ظل يعلق على مساميره هموم الشارع ومشاكله وحتى خيباته، لنطالعها بابتسامة متشكلة بكل الألوان، وبتفاؤل يُزرع فينا مع كل حلقة تفرش بساطها على موقع "اليوتيوب".
- يرسم مالك، ويكتب، ويقول، ويطرق، فلنستمع لصدى طرقاته من خلال هذا الحوار..
بعض الأفكار الفلسفية أو الوجودية التي تتسم بالعمق أحيانا، لا نجدها حاضرة بقوة في أعمالك، وإن وجدت فإنها تكون خاطفة، لماذا؟
أعتقد أن العمق الذي تتحدث عنه لا يصلح لعمل كوميدي كارتوني أظن بأن الأفكار التي يحملها يجب أن تكون خفيفة وسهلة على المتلقي، ربما هذا السبب يجعلني أبتعد عن التعقيد الذي تتسم به بعض الرؤى الفلسفية؛ لكن المتابع لو فكك ما أقدمه من أعمال ورجع إلى أصلها سيجدها أعمال تحمل بعض الأفكار التي تتسم بالعمق.
إذن: تعتقد أنك جورج أورويل بنسخته السعودية؟
لا، لا أريد أن أشبه نفسي بجورج أورويل، أنا أتمنى تقديم عمل يحفظ اسمي بشكل جيد، وحتى هذه اللحظة لا أشعر بأني قدمت ما يشفع لك بتشبيهي بجورج أورويل.

وما الذي تحلم بتقديمه؟
ما أحلم به هو إنتاج عمل يكون الهدف منه إصلاح المجتمع بشكل كبير؛ لأنني أرى أن الأعمال الفنية التي تقدم في أماكن أخرى من العالم يغلب عليها طابع الترف الذي أعتقد أننا لا نستحقه، على الأقل في هذه المرحلة، نحن بحاجة لأعمال تقويمية لمشاكلنا الاجتماعية والفكرية التي أشعر بأنها من أهداف أعمالي التي أقدمها.
فلسفة خاصة
كافكا يقول: "عندما نكتب، يعني أن نهجر معسكر القتلة" عندما ترسم، أي المعسكرات التي تهجرها؟
فلسفتي في الرسم تقوم على تبسيط الأمور، فالرسم لدي ما هو إلا ترجمة لأفكاري الخاصة، ليس لي نظرة أعمق من هذه النظرة تجاه موضوع الرسم، الذي أعتبره وسيلة للمخاطبة مثله مثل أي وسيلة أخرى، مثل لغة الإشارة باليدين أو أي وسيلة أخرى، في ظني الأهمية تكمن في الفكرة بغض النظر عن طريقة إيصالها، لكن بالنسبة لي لطالما كان الرسم هو الوسيلة التي أستمتع بها كثيرا وأستمتع بإيصال فكرتي عن طريقه.
في أعمالك: تكتب، ترسم، تتكلم، ما الذي يستمتع به مالك بين هذه الوسائل الثلاثة؟
كما أسلفت، ما أستمتع به أكثر هو الرسم، أعمالي أساهم في جزء من كتابتها، وحتى هذه المساهمة تكاد تنعدم خاصة بعد حلقات "مسامير" التي يقوم بكتابتها "فيصل العامر" الذي تكفل بحل مشكلة من يستحق كتابة أعمالي، فأنا انتقائي جدا في هذه المسألة وعثوري على فيصل كان شيء جميل جدا، أن تعثر على شخص يقوم بذات الشيء الذي كنت تتمنى القيام به.
وأين عثرت على "فيصل العامر" وكيف؟
عثرت على فيصل العامر في " الفيس بوك" حيث قام بمراسلتي معبرا عن إعجابه بما أقدمه من أعمال، وعارضا عليّ التعاون، لا أخفيك أني لم أبد حماسة في بداية الأمر بحكم أنه مر عليّ آلاف الأشخاص كل يدعي صلاح كتاباته لأعمالي، التي أكتشف في النهاية أنها لا تدهشني، لكن مع فيصل منذ النص الأول الذي اطلعت عليه قررت مقابلته بشكل سريع جدا وما تحسون به من وخز "مسامير" هو نتاج للتعاون الذي تم الاتفاق عليه في تلك المقابلة.
مهمة شاقة
كيف هي خطوات العمل؟
يبدأ العمل بالفكرة التي لا نقيم من أجلها طقوسا خاصة، بعض الأحيان مجرد محادثة عابرة بيني وبين كاتب العمل فيصل العامر ينتج من ورائها عملا فنيا، بعد ذلك نأخذ الفكرة ونطورها ضمن ورشة عمل بحيث تكتب على شكلها النهائي لنقوم بعدها بتسجيل النص صوتيا ثم بعد ذلك يتم رسم الكادر الذي تقف عليه الشخصيات ويقوم بهذا العمل رسام آخر، ثم بعد ذلك نضع الشخصيات المتحركة التي أقوم برسمها فوق الكادر ونحرك الشخصيات بناء على النص الموجود أو الحوار المدار، ثم نجمع المشاهد المنفصلة ونقوم بإنتاجها ضمن عمل واحد مضيفين عليها المؤثرات الصوتية وبعد ذلك نقوم برفعها على الانترنت.

وتجربة "مسامير" كيف تقيمها؟
تجربة "مسامير" ليست فقط تجربة فنية، بل هي خليط من التجربة الفنية والتجارية والإثرائية للمحتوى والفكر العربي، من هذا التداخل أراها وحتى الآن تجربة جدا ممتازة، خاصة من ردود الأعمال المشيدة بها، ومن حجم المتابعة المسجلة، سابقا كان هناك متابعة غير منتظمة نظرا لأن ما يعرض على الانترنت لك يكن منتظما، المختلف هنا هو أنك أمام مسلسل بحلقات منتظمة بمشتركين متسائلين عن موعد الحلقة التالية، هؤلاء المشتركين بلغوا مائة ألف مشترك في غضون عدة أشهر، مثل هذه التجربة أعتقد أنه يجب القلق منها وهذا القلق لا بد أن تبديه وسائط الإعلام التقليدي والقنوات الفضائية؛ لأن الناس بدؤوا يتجهون إلى هذا المحتوى الذي يجدون فيه الإثارة والمتعة للدرجة التي أصبح الشخص فينا يتساءل عن المرة الأخيرة التي جلس فيها أمام التلفزيون، من الناحية التجارية هو تجربة ممتازة جدا لأن عمل مثل هذا هو بحاجة أن يكون عملا تجاريا لضمان استمراريته، أي نعم كان هناك تحديا في تحويله إلى تجربة تجارية لأننا لا نبيع العمل إلى قناة فضائية تقوم بحل هذه المسألة، لا، نحن نتكفل بأمرنا بأنفسنا، فكيف نستطيع الخروج من هذا العمل بمكسب مادي يمكننا من استمرارية العمل، لا سيما وأن بيننا متفرغين له، هذه كلها تحديات واجهتنا وأعتقد أننا تعاملنا معها بشكل جيد.
بين ثنايا إجابتك الأخيرة صرحت بمحاولتك "لإثراء الفكر العربي" هذه المهمة الكبيرة والشاقة، هل يؤمن مالك نجر بقدرته على أدائها؟
أعتقد أن أي شخص منا هو مثرٍ للفكر العربي، سواء قام هذا الشخص بكتابة نكتة في استراحة أو بكتابة مجلد علمي، الإثراء يستطيع أي منا القيام به، لكن المختلف عليه هو في نوعية الإثراء، يا أخي الكريم نحن نعيش في بيئة تجعلك تثري الفكر العربي بسهولة لأننا نعاني جفافا فكريا عظيما، ما ننتجه ونصدره من علم ومعرفة لا يقارن حتى بدول صغيرة مثل إسبانيا، لو شاهدت مقطع فيديو يتحدث عن محتوى الموسوعة العلمية الإلكترونية الشهيرة "ويكيبيديا" باللغة العربية مقارنة باللغة الآيسلندية ستتفاجأ بأن محتوى الويكيبيديا باللغة الآيسلندية التي لا يتكلمها سوى بضعة مئات الآلاف من الناس أكثر من محتواها باللغة العربية، هذا دليل على أن هناك فضاء رحب من الممكن أن يحلق فيه أي شخص منا، وهذه هي رغبتنا في طاقم "مسامير" لا نريد من يشاهدنا في مسامير أن يكتفي بالضحك فقط، بل نريده مع الضحك أن يندفع إلى التفكير ومشاهدة ذاته من خلال هذا العمل.
مائة ألف أو يزيدون يتبعونك في مختلف وسائط الإعلام الجديد، ما الرسالة التي يحملها مالك لهم؟
رسالتي هي النهوض بالمجتمع، المساهمة في إطلاق الشرارة الأولى التي من خلالها بعد فترة قصيرة أو طويلة من الزمن يكون الحال أفضل من سابقه، هدفي هو تحسين جودة حياة الإنسان بشكل أو بآخر.
لكن ألا ترى أنه في إعلائك للهم الاجتماعي تجن على بقية الهموم التي منها تتركب الهموم الاجتماعية مثل الهم السياسي والثقافي وما إلى ذلك؟
ما تقوله صحيح؛ لكني أؤمن أنني من خلال تركيزي على الهم الاجتماعي أتطرق لبنية المجتمع الثقافية التي يتأتى من خلالها معظم مشاكلنا الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، على سبيل المثال: الموظف الفاسد عندما يسطو على الحق العام سطوته تنبع من تساهل ثقافة مجتمعه مع مثل هذه الأمور، مثال آخر: الواسطة التي تراها بنية المجتمع الثقافية أمرا جيدا، أنا هنا لا أؤمن بجلد الذات لكني أؤمن بأن بنية مجتمعاتنا الثقافية في البيئات العربية هي من تخلق مثل هذه المشاكل. ليس من الصدفة أن تتشابه كل هذه البيئات في مشاكلها ما أن يختفي حاكم ديكتاتور حتى يحل محله ديكتاتور آخر، هذه دلالة أخرى على أن المشكلة ليست في الأشخاص؛ لكن المشكلة في الثقافة التي تقوم بإنتاجهم.

إذن أنت لا تتفاءل بالربيع العربي؟
لا، هنا أنا متفائل بالربيع العربي لأنه كسر القاعدة السابقة لأنه في السابق كان الحاكم الجديد يحمل نفس سمات خلفه، من الممكن تاريخيا أنها المرة الأولى التي يخرج فيها الناس مطالبين بإسقاط النظام.
شهرة بالواسطة
عرجت في كلامك على "الواسطة" يبدو أن مالك يشعر بامتنان كبير تجاهها, خاصة بعد مقطعك الشهير عنها والذي عرض في مسلسل كوميدو على قناة إم بي سي الفضائية !
فعلا، الواسطة نوع من أنواع الفساد، لكني لا أرى أنها القضية التي من الممكن أن تشغلني الآن، هي حلقة ضمن سلسلة من الأمور غير الإيجابية التي تحدث، لكني لا أرى أنها تستأثر بمحور اهتمامي كله، تحدثت عنها مرة واكتفيت بذلك.
وبماذا تفسر الانتشار الكبير لمقطع الواسطة؟
لأن أي منا يرى نفسه من خلالها، كلنا سمعنا بقضية الواسطة، كلنا رأينا شخصا يتجاوز الطابور وينهي إجراءاته قبل الجميع رغم أنه جاء بعدهم، كلنا رأى أشخاصا يحصلون على "أرض على أربع في شمال الرياض" رغم أنهم لا يستحقون ذلك. هذا هو سبب انتشارها في رأيي؛ لأنها قضية الكل يشعر بها والكل يتألم منها، ومن الممكن أيضا الطريقة غير الاعتيادية التي قدمت بها والتي ساهمت في انتشارها.
وهل يؤمن مالك نجر بارتهان الفن لردة الفعل؟
نعم، أؤمن بذلك فالإنسان عندما يكتب وعندما يرسم فإنه يستجيب لمحفزات، أعتقد أن الموضوع بهذه البساطة، خاصة وأن وسائط الإعلام الجديد تتيح لنا السرعة في هذه الردة.
وإلام يعزو مالك هذا القبول والانتشار بين الناس؟
إلى شبكة الانترنت، تفاعلت مع كارثة سيول جدة وأنتجت عملا فنيا من خلاله تواصلت معي قناة الإم بي سي معبرة عن رغبتها في التعاون معي من خلال برنامج كوميدي، ووافقت على ذلك، لكني بعد فترة من العمل مع قناة الإم بي سي اكتشفت أن ردة الفعل لا تأتيني إلا بعد أن تنتشر أعمالي على شبكة الانترنت، استمريت مع قناة الإم بي سي حتى وصلت إلى قناعة بأن شبكة الانترنت بيئة خصبة للعمل والانتشار، عدت للشبكة مرة أخرى التي أرى أنها السبب الأول في انتشاري، كانت لدي شكوكي في البداية، لكني عندما شاهدت فهد البتيري وعمر حسين وغيرهما وتجربة انتشارهما عن طريق الانترنت وصلت إلى قناعة بأن شبكة الانترنت بوسائطها المتعددة هي المكان الأنسب لأعمالي.
