حذر مدير منظمة العمل العربية أحمد لقمان، من خطورة تدهور أوضاع العمالة الفلسطينية، في ظل الانتهاكات والممارسات التي يمارسها الاحتلال الإسرائيلي, بحق الشعب الفلسطيني, ومنه عُمَّالُه.
وقال لقمان في حديثه لشبكة"الإسلام اليوم": إنّ أوضاع العمالة الفلسطينية ستظل متفاقمة، مادام الاحتلال واقعًا على الأرض, ومادام الاحتلال لم يستجب للسلام العادل والشامل. مشيرًا إلى أن دور المنظمة هو تحريك المجتمع الدولي لإبراز خطورة ما يتعرض له العمال بالأراضي الفلسطينية.
وتعرض لقمان إلى حالة العمالة العراقية، وما يعانيه العراق من طَرْدٍ لأبنائه, حتى أصبح طاردًا لنحو 4 ملايين عراقي، كان يستقبل أمثالهم في أرضه من غير العراقيين سابقًا!
وتناول مدير منظمة العمل العربية دَوْرَ المنظمة في مواجهة البطالة والفقر بالعالم العربي, بعد تفاقمهما، والجهود المبذولة منها للحَدِّ من الهجرات غير الشرعية للعرب إلى الخارج الأجنبي, إلى غيرها من القضايا, التي جاءت في الحديث التالي:
في ظل تدهور أوضاع العمالة الفلسطينية، وهى ترزح تحت نِير الاحتلال, ما هي جهود المنظمة في معالجة المشاكل التي تواجهها؟
هذه العمالة في حالة "مزرية" بالفعل, أمام مرأى ومسمع من المجتمع الدولي, وتزداد تدهورًا في ظل استمرار الاحتلال, على الرغم من وجود وَعْيٍ وتعاطُفٍ من جانب بعض الأطراف الدولية, إلا أن ذلك لم يتطور على الأرض, بدعمٍ حقيقي للعمالة الفلسطينية.
وأؤكد أن هذه القضية في مقدمة أولوياتنا، وأن نشاطنا انتقل من النشاط العربي إلى المحافل الدولية، وسبَقَ أن نَظَّمْنَا العديد من الفعاليات بهذا الشأن، وكان هناك تعاطفٌ من جانب المجتمع الدولي, إلا أن المشكلة لا تزال قائمة، مادام الاحتلال قائما، ولذلك لن تُحَلَّ الأمور إلا من خلال السلام العادل والشامل، وعودة الأراضي الفلسطينية, وإقامة الدولة المستقلة للشعب الفلسطيني.
ودورنا في المنظمة هو فضح الممارسات والانتهاكات التي تُوَاجِهُ العمالة الفلسطينية من جانب الاحتلال, وقد سبق وقامت لجنة تقصي الحقائق الدولية، التي شكلتها منظمة العمل الدولية، بزيارة الأراضي الفلسطينية والسورية واللبنانية، وقبل القيام بذلك زارت اللجنة منظمة العمل العربية لأول مرة, ما يعكس تَحَرُّكًا إيجابيًّا من الجهات الدولية الْمَعْنِيَّة.
ولم تكن تأتي هذه اللجنة من قبل للقاهرة للاستماع إلى وجهة نظر المنظمة, ما يعكس الدور الذي بدأت تلعبه المجموعة العربية، من خلال تعاونها في المحافل الدولية, وهذا ما عكسته اجتماعات المجموعة العربية لوزراء الخارجية بمقر منظمة الأمم المتحدة في نيويورك.
إذا انتقلنا بالحديث إلى سياق آخر وسألنا: ما هو دور المنظمة لحل المشاكل التي تواجهها العمالة العراقية, وما يواجهها من عوامل الطرد خارج بلادها, جراء ظروف الاحتلال؟
لاشك أن ظروف العراق حاليا تختلف عما هو قائم في الحالة الفلسطينية, فالعراق كان في الماضي عنصرًا جاذبًا للعمالة العربية، حتى كان يعمل به قرابة 4 ملايين شخص, أما اليوم فقد أصبح طاردًا لأمثال هذا العدد من مواطنيه أنفسهم!!
وقد بدأ العراق اليوم في العودة إلى أسرته العالمية، والعمل في إطار المنظومة العربية، وإن كان واقعًا تحت الاحتلال، ما يتطلَّبُ دعم العراق ومؤازرته.
وأعتقد أن هناك اتجاهًا لعقد القمة العربية العادية في العراق، بعد عَقْدِهَا في قطر, ما يعني أنّ هناك رغبةً قويةً في إعادته إلى أسرته العربية, ليكون فاعلًا دائمًا في الساحة العربية.
تحديات المنظمة
ما تعليقكم على التحدي المادي الذي يُوَاجِهُ المنظمة, وما يتردد عن عدم التزام الدول العربية بتسديد التزاماتها تجاه المنظمة؟
لكي نكون صرحاء, فهذا الموضوع محدودٌ للغاية، لأنّ هناك التزامًا في الغالب من الأعضاء بتعهداتهم المالية, وهو ما انعكس على أنشطة المنظمة التي بدأتْ تتوسع فيها, من خلال التعاون مع بعض الدول.
وهناك دعْمٌ من قِبَلِ كثير من الدول العربية؛ مثل: السعودية, وقطر, وليبيا، والمغرب, لإقامةِ مؤتمرات المنظمة، التي بدأتْ تقتحم قضايا مهمة، ربما كانت مطروحةً من قبل, ولكننا بدأنا نجلس على طاولة الحوار والاجتماع، للبحث فيها ومناقشتها, ما يضع على المنظمة عِبْئًا كبيرًا, ينبغي التعاطي معه لصالح العمالة العربية.
ولكن ما هو دور المنظمة في ظل الأزمة المالية التي يشهدها العالم حاليا، لحماية العمالة العربية المنتشرة بالخارج الأجنبي, لاسيما وهم معرضون للأزمات، ولو بصورة غير مباشرة؟
الواقع، أن ملامح هذه الأزمة وانعكاساتها، ترتبط بزمن توقفها وذهابها؛ لأن الكثير من رءوس الأموال العربية الرسمية وغير الرسمية، ستتأثر بشكل مباشر، أو غير مباشر, وهذا يتطلب حِكْمَةَ التعامل مع هذه الأزمة، والدَّفْعَ إلى إيجاد تعاون عربي حقيقي؛ لكي تنْصَبَّ الاستثمارات في الوطن العربي ذاتِهِ, ويكون ذلك دافعًا لإزالة عوامل طرد الاستثمار بالعالم العربي, وتوفير عوامل جذب له.
وأعتقد أن المجتمعات العربية بحاجة إلى أموال كبيرة للاستثمار, بِمَا يحقق الأمن والاستقرار, وهو ما يَتِمُّ الحرص على تحقيقه, لتوفير فرص عمل وتشغيل للشباب بالعالم العربي.
وهل يمكن أن تنعكس الأزمة على الهجرات العمالية وأصحاب الكفاءات من العالم العربي إلى خارجه؟
الواضح أن الهجرات العربية -منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر- تراجعت الهجرات العربية إلى الدول الغربية بشكل ملحوظ، ويجب أن نسأل أنفسنا: لماذا تُفَضِّلُ الكفاءات العربية الهجرة ؟ والإجابة على ذلك بأنها لم تجد فُرَصَ عَمَلٍ في بلادها, عَكْسَ ما وجدته في بلاد الغرب.
لهذا السبب بدأت تتعالى أصواتٌ تنادي بضرورة خَلْقِ فرص عمل لهذه الكفاءات، وبدأت تنطلق دعواتٌ عربِيَّةٌ للحَدِّ من هجرة الكفاءات إلى الخارج .
لذلك لابد أن تكون هناك وقفةٌ لتوفير فرص عمل لأصحاب هذه الخبرات والكفاءات، لأنه لا ينبغي أن يوجه إليها اللوم لهجرتها؛ فليس ذنبها أنها لم تجد فرصة عمل مناسبة في بلادها, مما دفعها إلى الهجرة إلى الخارج.
حجم البطالة
ما هي أبرز الدراسات التي قامت بها المنظمة لرصد وإحصاء البطالة والفقر بالعالم العربي؟
نحن في المنظمة أجرينا دراستين: الأولى قَدَّمَتْهَا إلى المؤتمر العام الأخير للمنظمة بشرم الشيخ، والثانية تَمَثَّلَتْ في تقريرٍ قدَّمَتْهُ إلى عمرو موسى، الأمين العام للجامعة العربية, بحضوره وإشرافه.
والإحصاءات التي وصلنا إليها في الحقيقة مُفْزِعَة، فحجم البطالة بالعالم العربي تعدى 14%, وكانت النسبة الغالبة فيها بين الشباب المتعلم، بينما حجمها بين الإناث وصل إلى 25%, لعدم انخراطهن في سوق العمل .
أما عدد العاطلين بالعالم العربي فيصل إلى 17 مليون عاطلٍ عن العمل, وتشير إحصاءات البنك الدولي والمنظمة إلى ضرورة توفير فرص عمل من 80 إلى 100 مليون فرصة، حتى العام 2025! بما يعني ضرورة توفير 6 ملايين فرصة عمل سنويًّا، فيما كان يوفر العالم العربي قبل ذلك من مليوني إلى 3 ملايين فرصة عمل سنويا, وهو ما يُشَكِّلُ عبئًا كبيرًا على العالم العربي.
كما أننا تعرضنا للنهوض بالاستثمار وتطويره، بحيث يدخل في مشاريع إنتاجية لتوفيرِ فُرَصِ العمل, وترتيب أسواق العمل وتنظيمها لضمان الانسيابية بين العاملين، ودراسة التنقل المؤقت للعمالة، وبحث كيفية ترتيبه.
المشاركة السياسية للعمال
في إطار الإحصاءات التي ذكرتها, ووصفتها بأنها "مفزعة", ما هي انعكاسات هذه الأوضاع وتدهورها على المشاركة السياسية بالعالم العربي؟
انعكاسات هذا الوضع خطيرة، منها: تعثر الحصول على وظيفة ومصدر رزق, مما يترتب عليه الشعور بالإحباط, وعندها تصبح المواطنة أمام محك رئيس!
بالإضافة إلى إهدار الفرص أمام الكفاءات, مما يؤثر على الانتماء والأمن والسِّلْمِ الاجتماعي.
ولذلك عندما تزيد نسبة البطالة في أوروبا وأمريكا عن 4, 3%, يتأثر الاقتصاد, وتصبح أزمةً حقيقةً، تنعكس على صانع القرار السياسي, لذلك لابد أن ينصب الاهتمام الرسمي على الرأي بشكل كبير .
والواضح أن هناك اهتمامًا بالفعل من جانب الحكومات العربية بالاستماع إلى الرأي العام، ما يؤكد أن له مكانةً لدى القادة بشكل أكبر مما كان عليه في الماضي, بعد انهيار كافة الحواجز، التي يمكن أن تحول دون ذلك.
ومن هنا، يَنْبَغِي السَّعْيُ إلى خَلْقِ فرص عمل لتحقيق حياة كريمة للمواطنين بالعالم العربي, وإدراك كافّة ما يحاك ضدنا من تحديات, بأن يكون هناك توفير فرص عمل لأبناء الوطن، دون قصرها على الكفاءات غير العربية، بما لا يعني الانكفاء على الذات, ولكن في إطار من الموائمة, وتوظيف الكفاءات القائمة.
وهل تعتقد أن انطلاق الحركات الاحتجاجية ببعض الدول العربية، كما يُلَاحَظُ في مصر, يعكس خطورة انعكاسات تردي الأوضاع المعيشية على حقوق العمال؟
أظن أن هذه المشاكل يمكن أن تزداد في المستقبل؛ لأن الصراع في الماضي كان بين الطبقة الحاكمة وقطاع العمال, وكانت الحكومات- سواء اتفقنا أو اختلفنا معها- أكثرَ "صبرًا" على هذا القطاع .
أما اليوم، وبعد توسع القطاع الخاص وملكيته للعديد من المنشآت الحكومية سابقا, فإن هذا القطاع صارت لديه دقة في العمل والإنتاجية، بشكل يفوق ملكية الحكومات لمواقع العمل, حتى إنها يمكن أن تتجاوز ما يراه البعض من حقوق عمالية.
ومن هنا, فقد اختلفت الأوضاع كثيرًا، فالقطاع الخاص يطلب إنتاجية كبيرة، في مقابل حقوق العمال، الأمر الذي يعكس وجود ثقافة جديدة عما كانت عليه في الماضي, وعليه فإن الحوار القادم سيختلف من جانب الطَّرَفَيْنِ.
وهل تتصور أن تنال الحريات العمالية حقوقها بالشكل المطلوب في العالم العربي، في ظل هذه الثقافة الجديدة ؟
كما هو معروف، فإن الأمور نسبية، وإن كانت الحريات النقابية كبيرةً وأَوْسَعَ عما كانت عليه من قبل, وهو ما لم يكن موجودًا مثلًا قبل عَقْدَيْن, بِغَضِّ النظر عن الاعتراف بجزء منها أو الاعتراف بها كلها.
وفي الوقت نفسه، فقد أصبح هناك وعي بوسائل الاحتجاج والتعبير, ولذلك ستشهد المرحلة القادمة مزيدًا من الوعي بحقوق العمال, وفي المقابل, سيصبح القطاع الخاص على وَعْيٍ أكثرَ بواجباته وحقوقه تجاه العمال أيضا, ما يتَطَلَّبُ من الطرفين مراعاةَ ذلك.