لقد ظهرت في حياتنا المعاصرة قوة عاملة جديدة تماماً ذات أهمية تاريخية، وتختلف هذه القوة العاملة عن قوتنا العاملة التقليدية من حيث الطريقة التي تنظر بها إلى الأشياء، أو الطريقة التي تفكر بها أو تشعر بها أو تستجيب لها، وقد تجد بين صفوف العمالة المعاصرة أمّاً عاملة تتحمل بمفردها مسؤولية رعاية أطفالها الصغار، أو موظفاً هو أحد زوجين كلاهما يعمل، أو شخصاً هو العائل الوحيد لزوجة وأطفال ووالدين طاعنين في السن، أو عاملاً تقدمت به السن ويحمل على كاهله خدمة زوجة أقعدها المرض، وقد تجد موظفاً أعزب حديث السن قليل الخبرة، أو لا يمتلك أية خبرات في مجال العمل، وقد تجد موظفاً لديه ظروف ممتازة. حول مفهوم التوازن بين العمل والحياة الخاصة، كان لنا هذا اللقاء مع سعادة الدكتورة: د. وفاء بنت ناصر المبيريك، أستاذ إدارة الأعمال المشارك، والمشرفة على مركز الدراسات الجامعية للبنات بجامعة القصيم. نهدف من خلال هذا اللقاء تسليط الضوء و توجيه أنظار جميع المدراء إلى الحاجة الماسة لتقديم دعمهم لمرؤوسيهم في مسؤوليات العمل والحياة الخاصة على حدٍّ سواء. ما هو التعريف الأمثل والنموذجي لمفهوم التوازن بين العمل والحياة الخاصة؟ خير نبراس نقتدي به كمثال نموذجي يُحتذى لتحقيق التوازن في الحياة، هو قول الله تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً)، وقوله تعالى: (يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ). وهذا المنهج الوسطي الحكيم يمتد إلى جميع جوانب حياتنا اليومية. كما أننا كمسلمين نبتغي الحكمة أنى وجدناها؛ فإن من الحكمة أن نتخلق بالمفهوم المهني للعمل، بحيث يؤدي الفرد العمل الوظيفي بأمانة وإخلاص، فإن ذلك كفيل بأن يشفع له لدى رب العمل في مراعاة ظروفه الخاصة الطارئة. إلى أي مدى يسعى الموظف إلى تحقيق التوازن بين عمله وحياته الخاصة؟ من المهم جداً أن يراعي الموظف متطلبات العمل، وخاصة وقت الدوام الرسمي، بحيث يؤدي جميع الالتزامات المطلوبة منه. ومن الأفضل ألاّ يخلط بين هذه المتطلبات والتزاماته الشخصية الأخرى، بحيث لا يطغى أحدهما على الآخر. وهذا الأمر نسبي؛ فقد يطرأ على الشخص أمور تخلّ بالتوازن المطلوب كحدوث عارض شخصي، أو ظهور التزامات ملحة في العمل. ومن حسن الحظ أن هناك العديد من المهارات والآليات التي تساعد الموظف في تحقيق التوازن مثل: تنظيم الوقت وترتيب الأولويات، وغيره من المهارات الشخصية الأخرى لكي يتمكن من أداء واجباته الوظيفية والشخصية. ما هي العوائق التي تحول دون تحقيق ذلك التوازن؟ الاختلال في التوازن بين واجبات العمل الوظيفي والشخصي قد يحدث ولأسباب تختلف من شخص لآخر، ومنها على سبيل المثال: • التسويف • عدم تنظيم الوقت • عدم ترتيب الأولويات • الإهمال • المبالغة في الاهتمام بأحد الأمرين دون الآخر • عدم استشعار المسؤولية ما هو الأثر السلبي الذي يعكسه عدم استقرار الموظف على أدائه الوظيفي؟ لا شك أن لعدم استقرار الموظف النفسي بسبب ظروفه الشخصية- أثراً على أدائه الوظيفي؛ فقد تكون هذه الآثار نفسيه أو بدنية تحول دون إنجاز الموظف لواجباته الوظيفية، وتظهر هذه الآثار بأشكال مختلفة مثل: كثرة التغيب عن العمل، التأخير في الإنجاز، وأحياناً الاختلاف والحدة مع الزملاء في العمل. إلاّ أن درجة الأثر تتفاوت من شخص لآخر؛ إذ إن تجاوز الآثار النفسية المترتبة على الظروف الشخصية تختلف درجتها أيضاً من شخص لآخر، فبعض الأشخاص لديه قدرة على السيطرة على مشاعره والتحكم بها، بحيث يخفف من تأثيرها على مسار حياته اليومية، مما يمنحه قدرة أكبر على التصرف وحسن التدبر. ومن فضل الله علينا أن مثل هذه المهارات يمكن التدرب عليها وإتقانها، بحيث تنغرس في سلوكنا اليومي الممارس. هل يقوم صاحب العمل بدوره المطلوب في مواجهة المشاكل الخاصة لموظفه؟ وهل هو معني بذلك؟ لا شك أن صاحب العمل والإدارة المسؤولة معنية بمساعدة الموظف معنوياً لمواجهة مشاكله الخاصة، إلاّ أن أداء هذا الواجب يختلف من صاحب عمل إلى آخر حسب ثقافته وقناعاته. كما أن الأمر متوقف على مدى استحقاق الموظف لذلك، بالإضافة إلى أن درجة المساعدة يجب ألاّ تكون مطلقة مما يأتي بنتائج ليست في صالح العمل. ما دور الإدارة تجاه الموظف لإشعاره بالتوازن بين العمل وحياته الخاصة؟ إن تحقيق مبدأ التوازن أمر يحتاج إلى جهد من الإدارة، يبدأ منذ التحاق الموظف بالعمل من خلال اطلاعه على حقوقه وواجباته، وتنبيهه نظرياً وعملياً لأهمية المحافظة على هذه الواجبات والحقوق. كما أن من المهم أن تحرص الإدارة على تطوير نظام حوافز ملائم لطبيعة العمل فيها، بحيث يراعي هذا النظام إنتاجية الموظف، وظروفه الإنسانية، وفي نفس الوقت يحقق مصلحة العمل. كما أن من الضرورة أن تُتّخذ هذه الإجراءات بشكل منتظم ومستمر. هل قام المجتمع بدوره في تنمية ثقافة التوازن بين العمل والحياة الخاصة؟ مع الأسف الشديد أن السواد الأعظم من مجتمعنا يفتقد المفهوم المهني للعمل، وقد أتى ذلك لأسباب عدة منها: الطريقة التلقينية المتبناة في تعليمنا، وافتقاد القدوة والمثل الأعلى، تأثر أفراد المجتمع بمن حولهم من الممارسين للمفهوم الخاطئ للعمل، ردود الفعل لمن تعرّض لممارسة أحد الموظفين السلبية، المحسوبية المبالغ فيها.. وغيرها من الأعراف السلبية التي درج عليها مجتمعنا، وتجدر الإشارة إلى أن هذه العوامل مبنية على الملاحظة الشخصية، وتعميمها يحتاج إلى دراسة علمية. ولكن من الآثار التي ترتبت على هذه الأعراف افتقادنا لثقافة التوازن بين العمل والحياة الخاصة حيث يترك تحقيق هذا التوازن للاجتهادات الفردية، ولا يخضع لتقنين واضح في بيئة العمل. ما دور ثقافة الموظف في تحقيق التوازن المنشود بين عمله وحياته الخاصة؟ بالتأكيد، لا بد أن يكون للموظف دور فاعل في تحقيق التوازن بين متطلبات العمل ومتطلبات حياته الشخصية. ومن حسن الحظ أن تحقيق ذلك أمر ممكن لكنه يحتاج إلى جهد وعزيمة من الموظف نفسه، كما أن الدعم أيضاً مطلوب في بيئة العمل نفسها. وبشكل عام فإن تحقيق التوازن المنشود أمر يتعلق بالثقافة الشائعة سواء على مستوى الفرد أو الجماعة.