آخر تحديث الساعة 06:03 (بتوقيت مكة المكرمة)

سقوط الدولة البوليسية في تونس

السبت 14 ربيع الثاني 1432 الموافق 19 مارس 2011
سقوط الدولة البوليسية في تونس
 

الكتاب:

سقوط الدولة البوليسية في تونس

المؤلف:

توفيق المديني

الطبعة:

الأولى -2011

عدد الصفحات:

303 صفحة من القطع الكبير

الناشر:

الدار العربية للعلوم -ناشرون – بيروت –لبنان

عرض:

محمد بركة


شهدت تونس يوم 14 يناير 2011 تحولاً أدهش العالم، وإستطاع الشباب الذي ربّي مدة عقدين على نبذ السياسة والفكر أن يفرض نفسه فاعلاً سياسياً أول، ولا شك أنه سيدفع بذلك إلى تغييرات جذرية في طريقة طرح الكثير من القضايا. وما يميز الحدث التونسي أنه كان ثورة لم يطلقها السياسيون ولا حتى المثقفون؛ بكل كان حدثاً شبابياً أساساً قاده شباب ضاق ذرعاً بسلطة لم توفر له فرص العمل ولم تترك له الحرية للتنفيس عن نفسه وأشبعته بيانات وخطابات دون تقديم حلول حقيقية لمشاكل اليومية؛ بالإضافة إلى كون هذا الشباب ضعيف الإهتمام بالأيديولوجيا، بل أن الكثير منه لا يعرف أصلاً من هو كارل ماركس أو سيد قطب، فإن ثقافته السياسية قد تشكلت في ظل الشبكات الإجتماعية والفيس بوك تحديداً، فهي مختلفة نوعاً عن الثقافة الأيديولوجية التي كانت قائمة إلى حدّ الآن ضمن الحركات السياسية والإجتماعية بمختلف مشاربها. وهذا معطى ثقافي غير مسبوق سيؤثر حتماً في مستقبل تونس، ويمكن أن يكون مؤثراً في الجوار العربي والإسلامي..

ولقد صدر مؤخرا في بيروت كتاب بعنوان سقوط الدولة البوليسية في تونس للكاتب والباحث التونسي توفيق المديني وفي هذا الكتاب يقدم الكاتب  قراءة نقدية مغايرة في المشهد التونسي المعاصر يبحث فيها أكثر فأكثر في المفاعيل التي كان لها الدور الحاسم في التغيير والتي اتخذت مشهداً مفصلياً تمثل، بمغادرة بن علي نهائياً سدة الحكم، وبروز مرحلة جديدة، يفترض أن تكون مغايرة في تاريخ تونس المعاصر، هي ثورة شعبية بامتياز يصفها الكاتب بأنها ثورة مدنية لا عسكرية ولا أيديولوجية بالمعايير التي نعرفها عملياً ونظرياً، بل هي ثورة شعبية أسقطت نموذج الدولة البوليسية السائدة عربياً، الذي يمثل قطيعة جذرية مع نظرية المجتمع المدني.

الدولة البوليسية

يبين  الكاتب المشهد التونسي قبل سقوط الدولة البولسية فبالنسبة للرئيس المخلوع ,زين العابدين بن علي  فهو من بلدة سوسه وقد ولد في أسرة فقيرة ولم ينل شهادة الثانوية العامة, لكنه تطوع في سلك الجيش وحصل على دورة تدريب في فرنسا 1956 ثم في مدرسة للاستخبارات في الولايات المتحدة حيث عين بعدها مديرا للأمن العسكري 1958 ثم للأمن الوطني 1977 ثم سفيرا في بولندا 1981 حيث وضع في خدمة المخابرات الغربية أثناء الأزمة البولونيه قبل ان يستدعى لقمع ثورة الخبز في بلاده عام 1983 وظل يصعد حتى صار الوزير الأول (رئيس الوزراء )  1987 ثم انقلب على بورقيبه (شبه الميت) في السابع من نوفمبر 1987 .

ويؤكد الكاتب على أن الرئيس المخلوع كان يحظى بدعم العديد من أجهزة المخابرات الفرنسية والأمريكية والايطالية إضافة لعلاقات خاصة مع العقيد القذافي, وكانت تربطه علاقات مميزة مع مدير المخابرات الايطالية المقرب من الموساد الاسرائيلي مما اثار تساؤلات حول دوره في اغتيال الزعيم الفلسطيني أبو جهاد عن طريق الموساد 1985 .

أما  بالنسبة للحزب الدستوري الحاكم  يوضح أنه قد تأسس هذا الحزب عام 1920 على يد عبدالعزيز الثعالبي كحزب ليبرالي بنزعات عروبية - إسلامية لكن الجيل الجديد سرعان ما انقلب على هذا التوجه لصالح الفرنسيين وكان بورقيبه أكبر ممثلي هذا التوجه الذي سرعان ما اصطدم مع رفاقه والمقربين منه الواحد بعد الآخر, مع صالح بن يوسف ثم مع أحمد بن صالح الذي أخذ الحزب نحو رأسمالية الدولة وغير اسمه إلى الحزب الاشتراكي.. ووصل خلاف بورقيبه مستويات أخرى مع ابنه المحسوب على الأمريكان ثم مع زوجته الوسيله بن عمار التي استعان عليها بابنة اخته وبزين الدين بن علي قبل ان ينقلب الأخير عليه ويأخذ تونس الى رأسمالية السوق ويغير اسم الحزب الى التجمع الدستوري الديمقراطي.

ثم يؤكد الكاتب أن  الدولة البوليسية, وقد ترسخت على هذا النحو في عهد زين الدين بن علي وكانت تدار من قبل البوليس السري الذي كان يسيطر على الإعلام والحزب والنقابات إضافة لاحتكار العمل السياسي ودمج البرجوازية الكبيرة والمافيات بالدولة وأجهزتها وقد تمكنت هذه الدولة من تغطية الانتهاكات الرهيبة لحقوق الإنسان فيها بترويج نفسها أوروبيا وأمريكيا كحامية للعلمانية وتحرير المرأة من الأصوليين رغم ان المزاج العام في تونس كان أقرب الى الإسلام الليبرالي.

ثورة شعبية

بداية يؤكد الكاتب  على أن الثورة التونسية كانت ثورة شعبية وكان البعد الاجتماعي هو محركها الرئيس، أبصرت النور من الريف التونسي، وتحديداً من المحافظات المحرومة والمهمشة تاريخيا التي تقع في الوسط الغربي (سيدي بوزيد والقصرين) باعتبارها كانت تمثل تاريخيا مركز القبائل العربية (الهمامة والفراشيش وماجر)، التي أطاحت بالبربر في القرن الحادي عشر الميلادي، وفجرت ثورة شعبية قادها علي بن غذاهم ضد مخزن الحاكم "الباي"، في عام 1864. ويمضي الكاتب في كتابه  باحثاً عن الحقيقة مستنطقاً نسيج ومكونات تلك الثورة التي أدت إلى التحرر من كابوس الدولة البوليسية؟

يقول الكاتب : هذا ما فاجأت به الثورة التونسية العالم العربي كله، التي انطلقت من تلك المحافظات المهمشة والمحرومة (سيدي بوزيد و القصرين)، وانتشرت إلى المناطق الأخرى من تونس-بل انتشرت في معظم أرجاء العالم العربي من مصر إلى اليمن وليبا والبحرين و...- ففي أجواء إفلاس المعجزة التونسية البائدة التي جمعت بين خيار القمع المعمم واقتصاد الإثراء بأي ثمن، وقادت إلى الفساد والاحتقان الاجتماعي والقتل السياسي، أي في الواقع إلى تحطيم القيم الإنسانية التي لا تقوم من دونها جماعة ولا شعب، قيم الحرية والعدالة والمساواة والكرامة وحكم القانون والمشاركة في الحياة العمومية، ترعرعت مسوغات الثورة الاجتماعية، التي لم تكن تنتظر أكثر من عود ثقاب، سرعان ما قدمه الشاب محمد البوعزيزي بإقدامه على فعل تراجيدي شديد الرمزية، مكثف الدلالة، بعيد الصدى •

كما يرى الكاتب  أن تطورالانتفاضة الشعبية وتحولها من الريف إلى المدينة، و بالتالي تحولها إلى ثورة سياسية مدنية أطاحت بحكم بن علي البوليسي، وجعل مضمونها الحقيقي في الوقت الحاضر هو الحرية و الكرامة، يعود إلى عوامل رئيسة ثلاثة هي :أولها  انحياز الاتحاد العام التونسي للشغل إلى جانب الانتفاضة- باعتباره القوة الشعبية المنظمة في تونس منذ عهد الاستعمار- التي دمجت منذ ذلك الوقت العمل النقابي بالعمل السياسي الوطني، وتجاوزت بنضالاتها الشعبية الوطنية حدود نضالات الاحزاب السياسية المعارضة، وعملت إلى لعب دور الحزب المعارض للحزب الدستوري في فترة الاستقلال، خصوصاً لجهة الاضطلاع بمهام تتجاوز ما وراء المطالب النقابية إلى إعادة صهر سوسيولوجي للمجتمع .

فالاتحاد العام التونسي للشغل هو الذي يصنع الرؤساء في تونس، وهو الذي يحسم كفة صراع الأجنحة داخل النظام التونسي لمصلحة هذا الطرف أو ذاك، وهو الوحيد القادر على التصادم مع الدولة كما حدث في الانتفاضة العمالية في 26 يناير  1978، وهو الحاضن الاجتماعي لكل أطياف المعارضة التونسية من أقصى اليسار إلى الإسلاميين مرورا بالقوميين. وإذا كانت قيادته الحالية في عهد الرئيس عبد السلام جراد قد انساقت مع بن علي، فإن هياكله وقواعده لم تكن كذلك.

وثانيها  قدرة نخب المجتمع المدني التونسي، العديدة و المتنوعة، والطبقات الوسطى و الفقيرة التي تم تهميشها، على النشاط السياسي،والمشاركة في الشأن العام، وإنتاج السياسة في صلب المجتمع،لا سيما أن هذه النخب متشبعة بثقافة المواطنة (المساواة في الحقوق والواجبات) وتستند إلى الموروث الاصلاحي التونسي الذي كان يتسم به  التونسي الفتى منذ عهد خير الدين التونسي الذي كان يهدف إلى بناء دولة مدنية حديثة منذ أن أقر أول دستور عربي عصري في العالم الإسلامي سنة 1861، سمي في ذلك الوقت بدستور عهد الأمان الذي قوض سلطة الباي، وأصبحت تونس عبارة عن دولة ملكية دستورية، إذ أن مجلس الشورى الأعلى هو الذي يصدق على إجراءات الحكومة قبل تنفيذها، فضلاً عن أن السلطة الفعلية قد أصبحت في أيدي رئيس الحكومة، أو الوزير الأول حسب المصطلح الفرنسي.

وكان ثالث هذه العوامل الجيش التونسي،الذي كان مهمشاً في عهد الدولة البوليسية، والذي لا يتجاوز تعداده 50000عسكريا، بينما يتجاوز تعداد أجهزة الأمن 250000، فضلاً عن أن الامتيازات المالية والعقارية، والقيام بالدورات في الولايات المتحدة وفرنسا، كانت تذهب كلها إلى ضباط الأمن، الأمر الذي ولّد نقمة داخلية في المؤسسة العسكرية ضد حكم بن علي، نتاج الغبن الذي كانت تشعر به. وبعد أن فشل بن علي في خطابه الثاني الذي ألقاه مساء يوم 14 يناير 2011في تهدئة حركة الشارع، أصر في لقاء مع قائد الجيش الجنرال رشيد عمار على تعهد الجيش لدور أكثر فعالية في قمع الانتفاضة، أو أن يقوم قائد الأركان بتقديم استقالته. وقد أدّى رفض قائد الأركان مطالب بن علي، إلى أن يدرك بن علي أن لعبته قد انتهت، بعد أن انهارت قدرته على إدارة جهاز الدولة وآماله في احتواء الانتفاضة الشعبية، الأمر الذي اضطره بالتالي إلى مغادرة البلاد، بدون الإعلان الرسمي عن التخلي عن الحكم، في يوم 14 يناير2011.

إن ما يهدف إليه الكاتب في هذه اللحظة الإنتقالية في تونس، سياسة تمارس دورها وفق مجموعة من المسؤوليات، والحقوق، والواجبات السياسية كفاعلية اجتماعية ومجتمعة، لا كفاعلية سلطوية بوليسية ولا كفاعلية حزبية فقط، سياسة بوصفها مرآة المجتمع، بل هي أكثر من ذلك إنها اعتراف بإفرادية الواقع ومعقوليته، وانطواء كليته ووحدته الجدلية على التعدد والاختلاف والتعارض، أي مشاركة إيجابية في الشأن العام••• فالمطلوب من المعارضة الديمقراطية أن تقدم تصوراً حديثاً لعملية الانتقال إلى بناء نظام ديمقراطي جديد في تونس، يمنع العودة إلى دوامة التسلط البوليسي من جديد، ولا يسمح بإعادة إنتاجه، حيث إن الخروج من عالم الاستبداد يقتضي تحولاً جذرياً في الوعي والممارسة• وكلما كان هذا التصور المنشود إنسانياً وديمقراطياً كان مناوئاً للعنف بجميع صوره وأشكاله ودرجاته•

ومما يذكر أن توفيق المديني كاتب و باحث من تونس, ولد سنة 1955.عضو جمعية البحوث والدراسات ، يجيد الإنجليزية والفرنسية ومهتم بدراسة ظاهرة الإسلام السياسي في الوطن العربي, و له العديد من المؤلفات المتخصصة في مجال الفكر الديمقراطي, و نشر العديد من الأبحاث و المقالات في مجلات و صحف عربية.

من أهم مؤلفاته: أزمة البرجوازية و طريق الثورة في تونس, محاضرات في الوعي القومي الديمقراطي, المسألة في وعي الإسلام السياسي،  المعارضة التونسية نشأتها وتطورها ، الدولة البوليسية في تونس المعاصرة ، وغيرها ..

تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.

التعليقات

تعليقات الإسلام اليوم

 

تبقى لديك حرف