.. "يعاني العرب اليوم أزمة قيادة وإدارة وأنانية مستحكمة أفرزها حب كراسي الحكم على حب الشعب، وتقديم مصلحة الفرد ومصيره على مصير الوطن، ووضع مصالح الجماعات المحيطة بالقائد فوق مصالح الناس، وأن هذه الدول لا تعاني أزمة مال أو رجال أو أخلاق أو موارد". هذه كلمات الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة رئيس مجلس الوزراء وحاكم دبي في كتابه الجديد “رؤيتي.. التحديات في سباق التميز“.
ويستعرض آل مكتوم في الكتاب عبر (223) صفحة من الحجم المتوسط بعض جوانب تجربته معتمداً في صياغة مادة الكتاب على المعايشة اليومية ذات المواصفات الدولية العالمية، والتجربة الذاتية، ويسلط الضوء على المقومات الأساسية لصنع التقدم، خاصة دور القيادة، وفريق العمل القادر على تحويل رؤية القائد إلى حقيقة، كما يقدم نموذجاً للعالم على إمكان تعايش الحضارات والأديان والتنوع والاختلاف، وتعاون الجميع لصنع الامتياز على حسب قوله، في حين استعرض أزمة الحكم في العالم العربي وسيطرة القادة.
أزمة الأمة العربية
وينقسم الكتاب إلى خمسة أجزاء، تناول فيه موضوعات عديدة غلب عليها أزمة الإدارة في العالم العربي، وسوف نتطرق خلال قراءتنا للكتاب إلى بعض النقاط التي نرى فيها أهمية لقارئنا، ففي إحدى مواطن الكتاب يقول آل راشد: "إننا نعيش في مجتمعات متحضرة لكن عالم الأعمال يمكن أن يكون مثله مثل الغابة، السباق فيها لاقتناص الفرص وتحقيق الأرباح والتوسع.. رجل الأعمال الناجح يجب أن يتربص بالفرصة الجيدة، ويقتنصها قبل الآخرين.. إذا تبدت له لحظة فعليه أن يتبين جيداً، وإذا تأكد أنها الفرصة المناسبة يجب أن يسبق الآخرين إلى تنفيذها.. الفرق بين من يقتنص هذه الفرص ومن يضيعها ليس كالفرق بين التوسع والانكماش فقط أو بين الثروة والإفلاس بل كالفرق بين البقاء والفناء.. يجب أن نفكر هكذا طول الوقت ومعظمنا يفعل هذا لكن ليس كلّنا".
ويستطرد آل مكتوم إلى رغبة بعض الحكام العرب في "تملّق السلطة والسيطرة عليها بإحساسه بأنه الوحيد القادر على القيادة، هذا يحدث في معظم الحالات لكن ليس دائماً.. بعض القياديين والمديرين لا يريد ولا يحبّذ وجود رجل ثانٍ كفء ومؤهل في الدائرة التي يعمل فيها؛ لأنه يخشى أن ينافسه ويأخذ مكانه.. نحن نخالف هؤلاء الرأي، فالقيادي لا يستطيع الوجود في كل الأماكن، ولا يستطيع القيام بكل الأعمال في الوقت نفسه.. عليه أن يفوّض جزءاً من صلاحياته إلى مرؤوسيه، وإلا سينهمك بالجزئيات، ويغرق في التفاصيل، ولن يجد الوقت الكافي للقيام بالعمل الأساسي الذي يجب عليه القيام به، وهو تطوير العمل وابتكار الحلول.. إذا استمر هكذا فسوف يتحول إلى إنسان دائم الشكوى من قلة الوقت، لا لأنه مثقل بالعمل الخلاّق والمجدي بل لأنه يريد متابعة كل صغيرة وكبيرة، لذا يغرق في التفاصيل، فتضيع عليه الصورة الكبيرة".
وفي الفصل الثالث من الكتاب يتحدث آل مكتوم عن القيادة، ويؤكد أن "استقراء التاريخ يعطي الانطباع بأن القادة يأتون في أصناف مختلفة، فالشائع بينهم أولئك الذين لعب الواقع دوراً مهماً في صنعهم، ففرزتهم الأحداث العظام عن غيرهم، وأبرزتهم، وأعطاهم التاريخ المكانة التي نعرفها.. النادر فيهم من يصنع الواقع فيوجد بحنكته وعقله ونهجه القيادي الأحداث التي يتكون منها الواقع وبالتالي التاريخ، والأكثر ندرة صنف من القادة المتميزين الذين لا يصنعون الواقع فقط بل جزءاً مهماً من وجهة المستقبل وأحداثه".
أما في الفصل الرابع الذي جاء تحت عنوان الإدارة فيتحدث آل مكتوم عن وضع الإدارة في العالم العربي مؤكداً أنه يعيش اليوم أزمة إدارة قائلاً: "اقترح عليّ أحد الإخوان مرّة تأجيل لقاء خاص ببرنامج دبي للأداء الحكومي المتميز بسبب الأوضاع الصعبة التي يعيشها الوطن العربي واستمرار العدوان على إخواننا الفلسطينيين، فقدّرت فيه عاطفته ومشاعره الوطنية والإنسانية، لكنّي قلت له: إن تلك الأوضاع تجعل اللقاء أكثر أهمية، وتحتم تنظيمه في وقته المحدد.. استغرب وسأل: كيف؟ فصرت أشرح له رأيي، وأنا أستغرب كيف لم يدرك بعد أن الإدارة هي أبرز أسباب الوضع العربي الراهن؟ ".
دعوة لرصّ الصفوف
وقال: إن دواء هذه العلل التي يعاني منها العالم العربي هو "رصّ الصفوف ونبذ الخلافات الجانبية والارتقاء فوق صغائر الأمور التي تفرقنا لا الإمعان في التشتت.. فيوماً ما ستنتهي الصراعات، وسيسترد العرب حقوقهم في كل مكان، وستعود القدس إلى أصحابها، وسيرتفع الحصار عن كل العرب، وسينعمون بالاستقلال والتحرر، وسيتمكنون عندها من تكريس جهودهم لتحقيق الريادة مرة أخرى".
وأضاف أن "أزمة الأمة العربية اليوم ليست أزمة مال أو أزمة رجال أو أزمة أخلاق أو أزمة أرض أو موارد. كل هذا موجود والحمد لله، ومعه السوق الاستهلاكية الكبيرة.. لو كانت الإدارة العربية جيدة لكانت السياسة العربية جيدة.. لو كانت الإدارة جيدة لكان الاقتصاد جيداً والتعليم والإعلام والخدمات الحكومية والثقافة والفنون وكل شيء آخر.. إن لم يتطور الأداء الإداري والمفاهيم الإدارية في كل أشكال العمل ومستوياته فإننا سنظل نراوح في مكاننا والمراوحة في المكان هي أقصر طريق إلى استمرار التأخر والتخلف.. والهزائم أيضاً. لم أر حتى الآن جهداً حقيقياً على مستوى العالم العربي للخروج من هذه الدوّامة الإدارية".
ويؤكد أن الإدارة الجيدة تتطلب مديراً جيداً.. في الوطن العربي من السياسيين ما يسدّ الحاجة ويفيض، لكننا نفتقد الإداريين المبدعين القادرين على إخراجنا من المآزق المستمرة التي نعاني منها. حاجة الوطن العربي إلى الخطابة والتصريحات المطوّلة والكلام المنمق تكاد تكون لا شيء مقارنة بالحاجة الفورية الملحة للبنّائين القادرين على إقامة المصانع والموانئ والمطارات والمؤسسات التنموية والاقتصادية. هذا يتطلب توافر الطاقات الإدارية القادرة على حشد الموارد لتحقيق أهداف محددة في فترة زمنية محددة.
ويضيف أن "الإدارة ليست كلاماً مرسلاً بل علم قائم بذاته.. ربما تطلّبت معالجات مختلفة لشؤون مختلفة لكنها في الواقع عملية واحدة في السياسة والاقتصاد والخدمات والرياضة وكل نشاط آخر، وغرضها النهائي انتقاء السياسات والقرارات المناسبة من بين البدائل المتاحة، وتحويلها إلى أهداف مرحلية يمكن تقييم نتائجها بدقة قياساً على الأهداف المحددة سلفاً.. كل الجهد الإداري يجب أن يكون مكرّساً لتحقيق تلك الأهداف وخدمة المستهدفين بها، وما لم يحدث ذلك فإن الإدارة لن تدير نفسها، وستتحول إلى روتين وهدر وتضييع الفرص والوقت والطاقات والموارد". وأوضح "جزء من معضلتنا في العالم العربي أن هدف الكثير من القرارات ليس خدمة مصالح الشارع العربي وتحسين أحواله الاقتصادية والمعيشية، بل إرضاءه والعزف على الكلام الذي يحب سماعه.. هذا ليس الدواء التنموي الذي يحتاجه المجتمع بل المخدر الذي يستمر مفعوله فترة مؤقتة قبل أن يعود الشعور بالألم إلى صاحبه".
الروتين عدو الريادة
ويؤكد محمد بن راشد في كتابه أن الروتين عدو الريادة، وأننا في بداية سباق طويل في اتجاه الريادة، ويتطلب تحقيق هذا الهدف الابتعاد عن الممارسات الروتينية والتفكير دائماً بطريقة إبداعية.. من شاء المشاركة في هذا السباق فليلتزم، ومن شاء غير ذلك فله منّا الشكر والحقوق.. النشاط يشد النشاط والكسل يشد الكسل، والعمل متعة وهو طريق النجاح.. يجب ألاّ نخاف من الضغوط لأنها آتية.. يجب ألاّ نخاف من التحديات لأنها آتية.. يجب ألاّ نخاف من العمل الشاق.. الضغوط والعمل الشاق والتحديات الكبيرة هي التي تصنع الرجال، والماسة تظل حجراً ما لم تُصقل وبعدها فقط تصبح كريمة".
وأضاف في كتابه " لم نصل بعد إلى وجهتنا؛ لذا لا نستطيع أن نستريح في ظل نجاحاتنا.. إذا استرحنا، وقمنا لنستأنف العدْو فسنجد أن الآخرين سبقونا.. إذا خفت العزيمة لأي سبب كان فإن إيقاظها ثانية أمر صعب، ومن يعتقد غير ذلك فعليه أن ينظر حوله في وطننا العربي.. يمكن أن نقدم عشرات الأعذار لتسويغ تخلفنا الإداري، ويمكن أن نلوم الظروف أو الآخرين، ويمكن أن نشتكي من عدم توافر الشروط الموضوعية وخلافها لتحقيق السبق لكننا لن نلوم في النهاية إلا أنفسنا، عندما نخفق في إدارة النمو، وإدارة الاقتصاد، وإدارة الاستثمار، وإدارة الموارد البشرية فمن الطبيعي أن نخفق في إدارة كل شيء آخر. كوريا الجنوبية في بداية الستينيات كانت أفقر من مصر، وهي تعيش ضغوطاً عسكرية واقتصادية قريبة من الضغوط التي نعرفها لكن هذا لم يقف عائقاً أمام تحولها إلى دولة صناعية كبيرة. تايوان مثلها تقريباً ودول أخرى كذلك حققت إنجازات مهمة في ظروف سياسية واقتصادية صعبة، لذا لم يعد ممكناً استخدام قضايانا الكبيرة لطمس إخفاقنا الإداري الكبير".
وأوضح آل راشد "أن التجربة علّمتنا أن الفرق أحياناً بين حكومة ناجحة وأخرى مخفقة هو عدد العراقيل التي تزيلها من طريق مواطنيها أو تضعها أمامهم، معظم هذا الوطن العربي عراقيل في عراقيل: عراقيل أمام الطالب، عراقيل أمام رجل الأعمال، عراقيل أمام التاجر، عراقيل أمام المستثمر، عراقيل أمام المبدع، عراقيل أمام المرأة وهكذا. معظم هذا الوطن العربي اختناقات في اختناقات: اختناقات في الدوائر، اختناقات في المطارات، اختناقات في إنجاز المعاملات، وهكذا حتى يكاد المرء يحسب أن عمل الحكومات ليس فك الاختناقات لكي تطلق الأعمال والمواهب والطاقات، وليس معالجة الروتين لتقليص الوقت الذي يتطلبه الحصول على الشهادات والأوراق الرسمية وتخصيص ما تبقى للعمل والإنتاج وصنع الثروة بل إغلاق كل باب مفتوح وإسدال الستارة على كل طاقة تنفذ منها شمس الفاعلية التي تقتل الروتين. إن لم تكن لدينا القدرة على بناء مضامير السباق نحو التنمية الصحيحة أفلا نستطيع على الأقل إزالة العراقيل؟ ثم لماذا هذه العلاقة غير الطبيعية بين المواطن والموظف؟ هل المواطن في خدمة الموظف أم أن الموظف في خدمة المواطن؟
ويقول: إننا نستطيع في الوطن العربي أن نعطي أكثر مما نعطيه حالياً بكثير، نستطيع أن نبدع أكثر مما نبدع حالياً بكثير.. نستطيع أن نسابق وأن نفوز.. ".