الرئيسة » عالم الكتب » أدبية
إرسال إلى صديق طباعة أضف تعليق حفظ
في حدود الأدب
الثلاثاء 15 جمادى الأولى 1429 الموافق 20 مايو 2008
 
في حدود الأدب

د. محمود الربيعي

الكتاب:

في حدود الأدب

المؤلف:

د. محمود الربيعي

الناشر:

الهيئة العامة لقصور الثقافية بمصر


لايصح أن يتجه الناقد إلى الكاتب المبدع، وإنما ينبغي أن يوجه كل طاقاته للمتلقي المحتاج. والمبدع الذي يحتاج إلى ناقد يعلّمه أصول فنه، مقضي عليه بالفشل، عاجلاً أو آجلاً، والناقد الذي ينساق مع مثل هذا المبدع ناقد ضل الطريق، فلمن يكتب الناقد؟ أيكتب لقرنائه، وهم يعلمون ما يعلم؟ أو يكتب للقارئ ليساعده على تطوير مزيد من الوعي بالنص الأدبي؟
من هذا المنطلق يأتي كتاب "في حدود الأدب"، للدكتور محمود الربيعي، الذي صدر في القاهرة مؤخرًا.
والدكتور محمود الربيعي أحد علامات النقد البارز في عالمنا العربي، وإن كان يمارس عمله بعيدًا عن الصخب الإعلامي، فقد أصدر العديد من الدراسات المؤثرة في مجال النقد الأدبي، منها: "قراءة الرواية"، و"قراءة الشعر"، و"نصوص من النقد الأدبي"، كما ترجم إلى العربية "تيار الوعي في الرواية الحديثة" و"حاضر النقد الأدبي"، وأصدر في سيرته الذاتية كتابين، الأول بعنوان: "في الخمسين عرفت طريقي"، والثاني بعنوان: "بعد الخمسين"..
عمل في معظم جامعات مصر والعالم العربي، وهو يعمل حاليًا -وقد جاوز الخامسة والسبعين من عمره- أستاذًا للأدب العربي بالجامعة الأمريكية في القاهرة بمصر.
والكتاب الجديد للدكتور الربيعي في أصله مجموعة أبحاث لم يسبق نشرها في كتاب، وإن كانت قد نشرت في مجلات، وقدمت كأبحاث لمؤتمرات أدبية.
في البداية يرى الدكتور الربيعي أن الخروج عن حدود الأدب في لغة الخطاب الأدبي ليس وليد الساعة، وقديمًا كان يفزعه ما كتِب في كتُب لها قيمتها في مجال النقد الأدبي، ككتاب "على السفود" للرافعي، وكتاب "الديوان" للعقاد والمازني، وكتاب "على المحك"، و"مجددون ومجترون" لمارون عبود، وكتاب "رسائل النقد" لرمزي مفتاح. أيضًا يفزعه ما يكتب حديثًا في الصحافة الأدبية من مناقشات تبدأ أدبية، ولكنها سرعان ما تنحرف إلى التلويح بتهم خطيرة، كضعف الدين وضعف الوطنية وتلقي العون من جهات أجنبية مشبوهة.

وتحت عنوان: "نحو منهج ملائم في دراسة الأدب العربي"، يرى الكاتب أن ساحة الدرس الأدبي تزدحم بالمناهج النقدية المعاصرة، وهي أحيانًا تتوازى، وأحيانًا تتعارك، وأحيانًا تتصالح، وكل منهج يدعي لنفسه في النهاية أنه أوفق المناهج في إضاءة النص الأدبي. ثم يطرح سؤالاً في غاية الأهمية، وهو: ما موقف الدرس العربي من هذه المناهج جميعها؟ مؤكدًا أننا جزء من العالم، وينبغي أن نظل كذلك، وعلى هذا فمن الواجب -على أساس معرفي بحت- أن نحيط علمًا بكل ما يضطرب به العالم من معرفة، وأن نتابع الجديد في حقل الدرس الأدبي، وأن نحاول اللحاق بكل المستحدثات في عالمنا المتجدد السريع الحركة.

ثم يطرح سؤالاً آخر، هو: ما المنهج الدائم لدراسة الأدب العربي من بين هذه المناهج؟
ويرى أن النقاد العرب لا بد أن يعترفوا أولاً بأنهم ليسوا من صناع الحياة الحديثة فيما يتصل بنشأة مناهج الدراسة الأدبية وتطويرها، وأنهم لم يساهموا في الإنجاز المنهجي الأدبي الحديث بصفحة أو فقرة، وإنما أخذوا في كل ذلك عن الغرب الغالب منذ بدء النهضة في أواخر القرن التاسع عشر الميلادي.
ويرى الكاتب أنه علينا في الدرس الأدبي أن ندخل العصر الحديث، ليس من باب الاقتراض النقدي من النظرية الغربية، وإنما علينا أن نطلب المساعدة على نحو يجعلنا قادرين على الوقوف على أقدامنا، ونحن لسنا أمة مبتدئة في عالم المعرفة حتى نعتمد كلية على آليات الغير، فالثقافة والحضارة العربية والعالم العربي والنقد والأدب العربي، كل ذلك قيم شاخصة ضاربة في جذور الماضي، لم تطمسها كليةً، عوامل التعرية، فهي صالحة لأن يؤخذ منها ويرد عليها.
ثم يتحدث عن المنهج الأدبي في الرواية، ويخص الرواية والمدنية وجدل المفاهيم، ويبين أن اشتباك الرواية بالمدنية اشتباك وصف واشتباك رؤية، ويرى أنه حين تغادرها تكون قد تكونت بصفتها عملاً إبداعيًّا تأخذ مادتها الخام من مدنيتها، ولكنها تستقل عنها، فتنهض كيانًا جديدًا محكومًا بشرط النوع الفني، وإن بدا في القشرة الخارجية والملامح الظاهرية موسومًا بذات السمات التي تحملها المدنية الخارجية، ويطبق منهجه على روايات نجيب محفوظ.
وبعد ذلك يتناول الاستغراق الشعري، ويدلل عليه بصور الوصف عند المتبني، ويرى أن الاستغراق الشعري استقصاء المعاني، وإنهاك أساليب التعبير، وهذه ظاهرة قديمة من ظواهر الشعر العربي، وهى عدة الشاعر الأساسية في الوصول بموضوعات محددة في الواقع المادي إلى غايات غير محدده في الفن الشعري، وعرض لمادة شعرية عند المتنبي من ديوانه، تناول فيها صورة الآخر، وصورة الأنا، وصورة الطبيعة الحية من الحيوان والطير، والصامتة من الماء والبستان، والفنون التشكيلية والزخرفية، كل ذلك ليصبح -كما يقول الكاتب- أسلوبه في توزيع الاهتمام على رقعة العمل الشعري، وكيف تتضح شخصية هذا العمل، صاعدة وهابطة، بين المبتكر والمعاد، والمنحرف والمستوي، مما يحتمه النظام الشعري، الذي يبدو مقيدًا على السطح، ولكنه مستغرق متحرر في الأعماق.
وبعد ذلك يتحدث عن ناقد معاصر، وهو عبد الله الطيب، في كتابه "المرشد إلى فهم أشعار العرب وصناعتها". أيضًا يتحدث عن قصيدة صلاح عبد الصبور الشهيرة "شنق زهران"، ثم يزور زيارة قصيرة شعر فارق شوشة، مقتبسًا ومحوّرًا لعنوان كتابة: "الشعر أولاً.. الشعر أخيرًا"، فيجعله عنوان مقالته: "اللغة أولاً.. اللغة أخيرًا".
ثم يعطينا في النهاية خلاصة تجربته في الحياة، ويؤكد لنا أن الحب عنده هو تجويد العمل، ويثبت أربع محاورات قام بعض الكتّاب بمحاورته فيها، وتم طرح أسئلة كثيرة، وأجاب هو عنها باستفاضة، وهي محاورات -كما يصفها- على مستوى الند للند، حمل أفكاره على شكل أسئلة، وحمل هو الآخر أفكاره على شكل أجوبة.
والكتاب يتميز بلغة سهلة وبسيطة وسلسة، وكأنه كُتب لطلاب في بداية دراستهم الجامعية، راغبًا أن يكون منارة لهم، تهديهم وترشدهم إلى الطريق في دراسة النص الأدبي، ويرى الكاتب أنه إذا حقق الكتاب رضا القارئ، واتفق معه، فسيكون -بلا شك- سعيدًا، وأما إذا حقق غير ذلك واختلف معه القارئ فستقلّ سعادته، ولكنه لن يشقى؛ لأنه من المؤمنين بأن الخلاف في حدود الأدب هو الرحمة بعينها.

إرسال إلى صديق طباعة أضف تعليق حفظ
Bookmark and Share
 بحث متقدم

أضف تعليقك
الاسم
التعليق
أدخل ارقام الصورة   أنقر هنا لتغيير الرقم