آخر تحديث الساعة 06:03 (بتوقيت مكة المكرمة)

خمس دقائق وحسب.. ملحمة سورية

الثلاثاء 08 ربيع الأول 1433 الموافق 31 يناير 2012
خمس دقائق وحسب.. ملحمة سورية
 

الكتاب:

خمس دقائق وحسب, تسع سنوات في سجون سوريه

المؤلف:

هبه الدباغ

الصفحات:

254 صفحة

ترجمة إلى الإنجليزية:

بيان الخطيب

عرض:

رؤى السليمان


أتحدث عن سيدتين سوريتين فاضلتين, الأولى في الأربعين من عمرها, وقعت ضحية جهاز فاسد ونظام ظالم, قرر البدء في إذلالها منذ أن بدأ طموحها, حيث كانت طالبة في السنة الأولى من المرحلة الجامعية, تركت (حماة) لتشارك مجموعة من الصديقات شقة في دمشق (العاصمة). فتيات في عمر الورود, جمعهن الحرص على طلب العلم بمختلف فروعه, الطب والعلوم الشرعية والهندسة. لم تكمل "هبة" عامها الأول في الجامعة قبل أن تجد نفسها في السجن. خرجت منه بعد تسع سنوات لتحكي قصتها للعالم. الجدير بالذكر أن القصة منعت في بلدها لتجدها "بيان".

بيان, المهاجرة السورية إلى كندا, كانت تجوب ممرات إحدى مكتبات مدينة تورنتو الكندية, حين وجدت رائعة هبة "خمس دقائق وحسب", اقتنت بيان الكتاب, ومن هنا بدأت القصة.

بيان وفكرة الترجمة

تمامًا كما يتواجد أي كاتب في محفل ما ليوقع على نسخ كتابه للزوار, كانت بيان جالسة على طاولة عريضة موضوع عليها نسخ من كتابها واللافت هناك أنها كانت منهمكة في كتاب تقرأ, وبجوارها ابنتها الصغيرة تقرأ أيضًا.

أخذتني قدماي إلى حيث هي, تصفحت كتابها لأجد أنه بالأصل كتاب عربي قامت هي بترجمته إلى الإنجليزية. بلهجة سورية محببة تشوبها الكثير من الكلمات الإنجليزية التي شكلت جزءًا من لغتها نتيجة العيش الطويل كمهاجرة في كندا, قالت لي بيان: "واجهتني العديد من الصعوبات أثناء ترجمة الكتاب, حتى أنني فكرت أكثر من مرة في تركه ونسيانه, إلا أنني استمريت حتى النهاية بفعل شدة الأحداث التي كانت تقع عليها عيناي....المخابرات, الطغيان, التعذيب الوحشي, العملاء المأجورين, جميعها مفردات رواية وددت لو أنقلها إلى شريحة أكبر, إلى المجتمع الغربي الذي تستهدفه وسائل إعلام يملى عليها ما يجب أن تقوله من أكاذيب وما يجب أن تخفيه من حقائق.. كل هذا دفعني إلى ترجمة كتاب "خمس دقائق وحسب"..

لماذا الدقائق الخمس؟

لم تكن خمس دقائق بالفعل, كانت تسع سنوات قضتها "هبة" في غياهب سجون حزب البعث السوري, ذاقت فيها ألوانا شتى من العذاب, وخبرت الحبس الانفرادي مرات عديدة, وانتهى بها الأمر إلى محاولات اغتصاب نجاها الله منها. لم تكن هبة وحدها تعاني صنوف الظلم, إذ كان بمعيتها عشرات من النساء وأطفالهن, تنقلوا معها من سجن إلى آخر, والرابط بين هبة وهؤلاء النسوة أنهن لم يقترفن ذنبًا. أخٌ لهبة كان من جماعة الإخوان المسلمين, غادر المنزل مع أصدقائه لمدة طويلة ولم يعد. شاع في ذلك الوقت إلقاء القبض على كل من قد يكون له ارتباط بأحد أفراد الجماعة المسلمة.

العقاب وفق المزاج

تحكي هبة: "على الرغم من أن الحراس اجتهدوا في تحويل حياتنا إلى جحيم, عاش السجناء الرجال وضعا أصعب. إذ بعد أن كنا نعترض على الزحام الشديد في الزنزانة, والتكدس الذي يودي إلى الاختناق, حيث يزج بأكثر من خمسة عشر بريئة في زنزانة واحدة, علمنا أنه هناك في عنبر الرجال يقبع أكثر من 50 بريئا في زنزانة واحدة! لكي ينام هؤلاء الرجال كان لابد من تبادل الأدوار ففريق ينام واضعًا رجليه بموازاة الجدار توفيرًا للمساحة, والفريق الآخر ينتظر واقفًا.

باستمرار كان الحراس يحومون حول أبواب العنابر يترقبون الهمس, وإذا استرقوه, دفعوا الأبواب بأقدامهم القذرة وصرخوا في وجوه الأبرياء أن اصمتوا..

وضعت يدها على رأسي وبنبرة دافئة همست: "لن نغادر إلا سوية"!

الإفراج

وتكمل: "تتالت السنوات, إلى أن حل عام 1984, لم نعد نأبه بعد الأيام أو الأشهر فجميعها متشابهة وكل ساعة كانت تمر ببطء أكثر من أختها.

في أحد تلك الأيام, جاءنا أبو مؤتي مساعد الحارس, وابتدأ ينادي بصوت عال بعض الأسماء: "إيمان, عائشة, حليمة.. جهزن أنفسكن استعدادا للخروج "!

لم تجب إحداهن سوى بصمت طويل ولم تبد على وجوههن أية ملامح. الكل كان قد سئم التشبث بوعود الحراس الكاذبة.. وأعاد أبو مؤتي النداء بصوت أعلى, ثم "لن نغادر إلا سوية" هكذا نطقت إيمان ثم امتلأت عيناها بالدموع.

جاءتني إيمان وأنا مستلقية في فراشي, وضعت يدها على رأسي وبنبرة دافئة همست: "لن أغادر إلا وأنت معي" ثم تفجر محجراها الصلبان بالبكاء..

أربد الحارس وأزبد وشرع يقول: "يا أهلاً وسهلاً بكن سنوات أخرى في سجننا", على الرغم من أنه كانت لديه توجهيهات صارمة بالإفراج عنا, وحين بدأ يهذي بكلمات غزل لم يكن لها معنى, تركته وعدت إلى الزنزانة.

عرض الزواج

خرجت أول مجموعة منا, وتعاقبت أيامنا نحن البقية, يخنقنا الروتين الممل. الزيارات المحدودة كانت تحمل لنا شيئا من أمل. إلى أن جاءت تلك الزيارة الغريبة التي جلبت لي معها الخوف والذعر. حضرت إلي خالتي بعد سنين طويلة من التجاهل وتوسلات عديدة لها بزيارتي. بمجرد رؤيتي لها انفجرت باكية. تذكرت أمي الراحلة. شرعت خالتي تتكلم لفترات طويلة وتحكي أحاديث غريبة لم أطمئن لها مطلقًا. زعمت أنها تعرف شخصًا بإمكانه إخراجي من السجن لكن بشرط أن أتزوجه!

فكرت طويلا في الأمر, لم يكن هناك أي رابط بين الزواج والإفراج يجعلني أفسر الموقف. غادرتني خالتي, مذكرة إياي بأنها ستنتظر ردي بفارغ الصبر.

حمل الغد مفاجأة أغرب, حضر ابن خالتي بنفسه لزيارتي. قال بأنه يؤدي خدمته الإلزامية في الجيش وأنه طلب الانتقال إلى مكان بجوار السجن حتى يكون قريبًا مني. حين بدأ يهذي بكلمات غزل لم يكن لها معنى, تركته وعدت إلى الزنزانة. يومان فقط ثم عاد يطلب رؤيتي مرة أخرى. طلبت من الحارس منعه من الدخول وإخباره أني لا أريد رؤيته أبدًا. لم ينته الأسبوع إلا وقد حضر هو وخالتي ودبلة خطوبة حملوها معهم. رفضت أخذها بشدة رغم توسلاتهم المتكررة. رجاني ابن خالتي أن أوافق وأن أكتب أي شيء إلى أخي المطلوب أمنيًا باعتباره ولي أمري. لحظتها فقط بدأت تتكشف لي المؤامرة. هي مسرحية ألفتها المخابرات بغرض إلقاء القبض على أخي, وكان أبطالها ابن خالتي وخالتي ذاتها وكنت أنا الطّعم.

التزامن العجيب

مؤكد أن القارئ لا يستمتع أبدًا بالقراءة عن كيف يعذب البشر البشر, إنما هي متعة استجلاء الحقائق وفضح الزيف الذي غدا استمراره مضحكًا في ظل وجود التقنيات الحديثة التي تشف وتصف ما يحدث صوتًا وصورة.

اليوم أقلب عيني بين سطور هبة, واضعة يدي على فمي من هول ما أقرأ, إذ لم أتصور يومًا كيف تنتزع الرحمة من قلوب بعضهم ليقوموا بما قاموا به من الإذلال والقهر. وفي الوقت ذاته, أقلب (الريموت) لأشاهد قنوات عربية تعرض كذبًا واضحًا لا يصدقه طفل, لما في طريقة صياغة الأخبار من ضعف جلي.

كشاف المصطلحات

في نهاية الكتاب, وضعت المترجمة "بيان خطيب" ما يمكن أن نطلق عليه كشاف المصطلحات, إذ كون الكتاب يخاطب شريحة واسعة في مجتمع أمريكا الشمالية وغيرها, كان لابد من شرح مختصر لبعض الكلمات التي لا توجد لها مرادفات مباشرة في اللغة الإنجليزية, فمثلا كتبت بيان (باللغة الإنجليزية):

Qibla (القبلة) الجهة التي يقصدها المسلمون حين صلاتهم, وهي اتجاه الكعبة في مكة المكرمة, المملكة العربية السعودية.

Mukhabarat (المخابرات): عملاء الأمن السوريين. لديهم مكاتب موزعة على عدة مدن في سوريا, يعمل كل منها بشكل مستقل. أيضًا, جميع هذه الأجهزة تعمل باستقلال عن وحدات الجيش.

تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.

التعليقات

  1. 1 - إنسان٠ مساءً 07:46:00 2012/02/05

    لقد تحطمت عروش لأقل من هذا الظلم٠ ٩ سنوات سجنا لفتاة ثم يلحق بها أحد إخوتها ثم أنكى من ذلك أمها٠٠٠ هذا العقاب لأن البوليس لم يوفق في القبض على بريء آخر هو الأخ الأكبر٠ فعلوا أفاعيلهم بأم وأخت وأخ أبرياء ، فماذا عساهم كانوا فاعلين بأخيهم الأكبر؟ أنصح بشار بقراءة صفحة من معاناة الشعب في السجون حتى يوقن أن الله يملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته؛ سنة الله في خلقه٠

  2. 2 - أسماء بنت اليمن مساءً 11:53:00 2012/02/08

    قرأت رواية القوقعة ويا ليتني لم أقرأها..من هول ما وجدت فيها...أساليب تعذيب يقشعر لها البدن..وتدمع لها العيون...ويشيب لها الرأس....(رحماك يا رب بالشعب السوري)

  3. 3 - عبدالله المسلم ًصباحا 01:16:00 2012/03/05

    لا حول ولا قوة الا بالله ...اللهم اجعلنا.. انصارا للحق جندا لدينك ..مجاهدين في سبيلك ..لا نقاتل الا لتكون كلمة الله هي العليا ..

  4. 4 - أبو عبدالرحمن مساءً 09:58:00 2012/03/06

    ما أشبه اليوم بالبارحةكنت قد قرأت كتاب زينب الغزالي رحمها اللهوكررت قراءته دون ملل واستدرت كلماتها التي حوت معاناتها الدموع من محاجري وإذا بالاخت السورية يقع لها ما وقع لأختهافرحماك ربي(فاحفظ اللهم أعراضهم) لا بارك الله بعد العرض في المال

تعليقات الإسلام اليوم

 

تبقى لديك حرف