آخر تحديث الساعة 06:03 (بتوقيت مكة المكرمة)

مقاومة التغيير في المجتمع السعودي .. للدكتور عبد الله بن ناصر السدحان

الخميس 26 شوال 1433 الموافق 13 سبتمبر 2012
مقاومة التغيير في المجتمع السعودي  .. للدكتور عبد الله بن ناصر السدحان
د. عبد الله بن ناصر السدحان
 

الكتاب:

"مقاومة التغيير في المجتمع السعودي ـ افتتاح مدارس تعليم البنات أنموذجاً" .. للدكتور عبد الله بن ناصر السدحان

قراءة:

د. محمد بن عبد الله السلومي

الناشر:

مركز باحثات لدراسة المرأة

تاريخ النشر:

1433هـ

عدد الصفحات:

188 صفحة


الأيدولوجيا التي تُحرِّك عموم المجتمع السعودي هي عقيدته السلفية التي اكتسبها من خلال مناهج التعليم العامة الموحَّدة والموحِّدة، ومن خلال برامج الدعوة العامة ووسائلها القديمة والمعاصرة. والمنهج السلفي أكبر من الأشخاص والجماعات السلفية والمؤسسات الدينية ، بل إنه أكبر من الدولة السعودية ، بحيث يستوعب كل أهل السنة والجماعة. وبحكم هذا المنهج الحاكم للمجتمع السعودي المحافظ فإن عملية التغيير الثقافي ليست سهلة ولا تتم إلا من خلال الدين والعلماء، مثلما حدث في موضوع "الهجر والتوطين" كأبرز مشروعات التغيير الاجتماعي والثقافي زمن الملك عبد العزيز، وكمشروعات "الإذاعة والتلفزيون" التي واجهت ممانعة خوفاً من أن تكون نسخةً مكررة من الإعلام العالمي والعربي.

ومن النماذج الهامة حول مقاومة فكرة التغيير ما تناوله الدكتور عبد الله بن ناصر السدحان حول  قضية "تعليم البنات" كأنموذج لرفض التغيير وقبوله في آن واحد مما يعكس قوة المرجعية العقدية والفقهية للمجتمع السعودي، مشيرا إلى أن معظم الممانعة والرفض لم يكن لأصل الفكرة، وإنما حول وسائل هذا التعليم، ومدى توفيرها للحماية والمحافظة على القيم.

اعتبر الدكتور عبد الله السدحان في كتابه ، أن تعليم البنات في المجتمع السعودي ـ حسب تعبير "الغذامي" ـ كان حدثاً اجتماعيا من حيث أنـه أعـاد صياغة المنزل والتفكير العائلي .. وكان تحولا في ذهن المجتمع كله". و"على الرغم من كونه للجانب التعليمي أو الثقافي أقرب , إلا أنه تحول إلى ظاهرة اجتماعية بكل ما يحمله المصطلح من مدلول ".

وأشار الكاتب إلى أن إنشاء كيان إداري مستقل يعرف بـ"الرئاسة العامة لتعليم البنات" في عهد الملك سعود بن عبد العزيز عام 1379هـ ـ 1959م، بصفته كيانا مستقلا عن البنين إشرافاً وإدارةً، نتيجةً طبيعية لنموذج المجتمع المحافظ ولحجم الممانعة التي صحبت نشوء الفكرة،.

وأضاف أن قبول التغيير عن طريق أيديولوجيا المجتمع نفسه قفزَ بهذا التعليم إلى مستوى لم يكن يتوقعه الراصدون في الداخل والخارج حينما سجلت الإحصائيات التطور المشهود لهذا التعليم المستقل المحافظ حتى أصبح تجربة فريدة.

القرار التاريخي

وبالرغم من تأكيد البيان الملكي الصادر يوم الخميس 20/4/1379هـ  عام 1959م حول تعليم البنات بتوقيع الملك سعود ، من أن هذه المدارس ستكون في منأى عن كل شبهة تؤثر على النشء ، عبر تشكيل هـيـئـة من كبار العلماء ومراعاة بنية المجتمع المحافظ ، فإن التوجس والترقب من المجتمع المحافظ بقى قائماً إلى حد معين، حتى عايش الناس عملياً تطبيقات الضوابط الشرعية والأخلاقية لهذا النوع من التعليم فجاء الاطمئنان بعد ذلك.

حجم الممانعة والرفض

كان للتربية الإسلامية المحافظة أثر في رفض بعض فئات المجتمع السعودي هذا النمط من  التعليم حين رأى البعض أنه يحمل سمات التغيير القسري، ولا توجد تجربة مُطَمْئِنة معروفة ، وفي الوقت نفسه كان للدين أثر ـ بعد ذلك ـ في قبول هذا التعليم ، بل وفي تأسيسه واحتضانه وتطويره.

يقول السدحان: إن تعليم البنات واجه معارضة شديدة في دولة قطر، عندما افتتحت الدولة مدرسة للبنات عام 1375هـ / 1955م، ولم تقبلها معظم العائلات، وكانت الفتوى الشرعية من العوامل الدافعة للتراجع عن معارضتها . "والمشهد نفسه يتكرر في دولة البحرين , حينما عارض بعض رجال الدين البارزين وبشكل عملي افتتاح المدارس النظامية للبنات واستخدموا المنابر وخطب الجمعة"، مشيرا إلى أن الأمر نفسه تكرر في "الكويت، ودبي بل حتى في القاهرة"، مشيراً إلى أنّ "تكرر أيضا في كل من: ليبيا, والمغرب, وبوركينا فاسو، إضافة إلى دول أخرى غير عربية ولا إسلامية مثل: جمايكا, والبرتغال, ومنغوليا".

وأكد الكاتب ـ في الوقت ذاته ـ إلى أن الممانعة أو الرفض لم يكن عاماً وشاملاً بل كانت هناك مطالبات من بعض أفراد المجتمع بهذا التعليم"، إلا أنه لفت إلى "أنّ المعارضة لتعليم الفتاة خرجت من بعض طلبة العلم، أو من بعض العوام المتحمسين, ولم تتبنها المؤسسة الدينية الرسمية في المملكة".

وأضاف: "ومما تحسن الإشارة إليه أن المعارضة كان منها من كان يعارض المبدأ جملة وتفصيلاً، أي وجود مدارس نظامية، وفئة أخرى كان اعتراضها على أن تتولى وزارة المعارف الإشراف على تعليم الفتيات, مطالبا بجهة مستقلة لتعليم الفتاة لضمان عدم اختلاط الجنسين في التعليم إن حاضراً أو مستقبلاً".

حجم القبول

أوضح السدحان أنّ "الاحتكام للشرع كان هو المظلة العامة التي استطاعت الدولة من خلاله احتواء الموضوع بشكل عملي تنفيذي, وليس تنظيرياً مجرداً من قبل صانع القرار السعودي".

وقال: "من الواضح أن التحفظ ليس على ذات التعليم بقدر ما كان على جهة الإشراف وطبيعته ودرجة الضبط فيه والقائمين عليه, بدليل أنه خلال أقل من خمس سنوات فقط أصبح المفتي هو المشرف على ذلك النوع من التعليم في المملكة, وكان وجوده على رأس هذا الجهاز عامل استقرار واستمرار لمسيرته".

وأشار إلى "أن معارضة سماحة مفتي عام المملكة السابقة لم تكن على المبدأ بقدر ما كانت على الطريقة والآلية, من حيث الإشراف, وضمان عدم تداخل تعليم البنات مع البنين في بوتقة واحدة مع مرور الزمن".

أسباب الرفض والقبول

اعتبر الكاتب أن دعوات تحرير المرأة المصاحب لتعليمها في معظم الدول العربية  أثّر على قوة الممانعة والرفض في السعودية قائلاً: "فلقد كانت دعوة قاسم أمين المشتهر بالمطالبة بتحرير المرأة ترتكز في خطابها التحرري على تعليم المرأة، فمن ذلك ومن غيره من الدعوات التحريرية جعل مناطق أخرى من الوطن العربي تمانع من تعليم المرأة خوفا من وصول المرأة لديهم إلى ما وصلت إليه أختها هناك".

وأشار أيضا إلى أن "الاستعمار في ليبيا قام بنشر أوهام وأفكار خاطئة عن تعليم البنات لكي يمتنع الآباء عن تعليم بناتهم, وقد تحقق لهم ذلك بالفعل"، كما "أن الشعب الجزائري وقف موقفاً حذراً من المدارس التي قامت بإنشائها فرنسا لأنها تتعارض مع مقومات الشخصية العربية الإسلاميـة للشعب الجزائري، إضافة إلى وجود التعليم المختلط بين الجنسين, وهو ما أوجد إحجاماً من قبل الكثير من الآباء عن دفع بناتهم للتعليم لما فيه من المحاذير الشرعية كما لا يخفى".

واعتبر أن من الأسباب الرئيسية المهمة طبيعة علاقة الشعب السعودي بعلمائه ودعاته، فمواقف العلماء وفتاواهم هي مؤشر القبول أو الرفض، كما أن المجتمع السعودي المحافظ بعلمائه ودعاته يعتقدون بوجوب تصدير التجارب والمشاريع والبرامج المنضبطة بضوابط الشرع إلى دول العالم الإسلامي، بدل أن يستوردوا تجارب تعليمية كان للمستعمر الأجنبي جهد كبير في تأسيسها، إضافة إلى اعتزاز المجتمع السعودي بخصوصية هويته العقدية والتاريخية والجغرافية التي جعلت من أرضه مركزاً مقدساً للعالم الإسلامي وقبلةً لشعوبه.

ويضاف للأسباب السابقة الوحدة العقدية للمجتمع السعودي، حيث أشار السدحان إلى أن "مما يمتاز به مجتمع المملكة عقيدته الإسلامية، وهي دين جميع أفراد الشعب," حيث تُعدُّ المملكة العربية السعودية من الدول النادرة في العالم التي يعتنق جميع سكانها دينا واحداً وهو الإسلام بنسبة (100%)، وهذه الوحدة  الدينية في الواقع هي نقطة القوة الكبرى في بناء الوطن".

الآثار الحسنة (الإيجابية) للرفض:

اعتبر الدكتور عبد الله السدحان أنّ الممانعة والرفض أفرزت الكثير من الآثار الحسنة "الإيجابية، قائلا: "لقد نتج عن هذه الاعتراضات في المجتمع نشوء نظام تعليمي فريد على مستوى العالم وهو وجود استقلالية إدارية تامة لتعليم البنات عن تعليم البنين, إضافة إلى استقلالية تربوية وتعليمية نسبية عن تعليم البنين, وكانت هذه التجربة هي الوحيدة على مستوى العالم"، إضافة إلى "بروز آثار الدعوة والتعليم على الآباء والمجتمع في تعاطيه مع هذه القضية التي انعكست في معالجة الأزمات".

المنهج السلفي والتغيير

أكد السدحان على دور العلماء في إحداث التغيير الإيجابي حول هذه القضية قائلا: "إن الإنصاف التاريخي يستلزم القول : إن سماحة المفتي العام ومعه عدد من العلماء لم يكن من المتحفظين على المبدأ بقدر ما كان على الآليات والوسائل وجهة الإشراف".

وأشار الكاتب ـ في هذا الصدد ـ إلى  حجم المغالطات الإعلامية التي تتحدث عن هذا الحدث وتوظِّف الحدث والمعارضة له توظيفاً خاطئاً، قائلاً: "ومن هنا يستغرب المتابع لبعض الطروحات في وقتنا المعاصر، والتي تحمل في طياتها تلميحاً أو تصريحاً تشنيعات من بعض الكتاب في الصحافة أو في غيرها من وسائل الإعلام على المؤسسة الدينية السعودية أو على علمائها ورموزها, وأنهم كانوا سببا في تأخر المجتمع بمواقفهم الرافضة لتطويره, وكثيرا ما يستشهدون بموضوع تعليم الفتاة, وأن المؤسسة الدينية والعلماء كانوا هم المعترضين عليه"، مضيفاً "نعم كان هناك معارضة ولكن من الظلم تحميل المؤسسة الدينية, أو كبار العلماء هذه المعارضة, بل كانت من بعض طلبة العلم, ومن أفراد, ومن بعض عوام المجتمع".

كما أشار إلى أنه "كثيرا ما تتخذ هذه المعلومة التاريخية المغلوطة متكئاً للمطالبة بمشروعات فيها مخالفات شرعية واضحة, ومطالبة الدولة بإقرارها وعدم الالتفات إلى الاعتراضات التي يطرحها العلماء من منطلق شرعي بحت. جاعلين من قضية تعليم الفتاة وما صاحبها من اعتراضات  دليلا على عدم صحة هذه الاعتراضات الجديدة".

وأشار إلى أن "التغيير بالدين" وبضوابطه الشرعية وتعاليمه الشاملة عامل قوة واستجابة في التغيير الاجتماعي والتطوير الثقافي والإصلاح الإداري والسياسي، لكن التغيير أو التحديث أو التجديد "في الدين ذاته" هو الأمر المرفوض عند عموم المجتمع السعودي الذي تحكمه أيديولوجيا مرتبطة بعقيدةٍ ربانيةٍ سماويةٍ.

واعتبر الدكتور السدحان أن "تعليم البنات في السعودية وما صحبه من وقائع وأحداث تاريخية يُعد أنموذجاً لنجاح التغيير وفق قيم المنهج السلفي وفتاواه ، كما أن هذه التجربة أعطت مؤشرات قوية عن منهج التغيير ومدى القبول أو الرفض لدى المجتمع السعودي ، فعوامل التغيير بقيم مستوردة أو بالأساليب القسرية - كما هو واقع بعض الطروحات الليبرالية والأصوات الإعلامية - تعكس فشل أي مشروع للتغيير قائم على غير عقيدة المجتمع وقيمه".

تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.

التعليقات

تعليقات الإسلام اليوم

 

تبقى لديك حرف