مبتدأ

عدد القراء : 32220  

كنتُ وأنا صغير أشعر بتلك المسافة الهائلة وكومة السنوات المترامية بيني وبين آدم عليه السلام، لدرجة الشعور بشيء من الانفصال عن أُبُوَّتِه..

كان هناك في البعد قصيًّا؛ معرفةً ووجدانًا وشوقًا، ليس في ذاكرتي منه سوى الخطيئة والهبوط، وليس في قلبي له سوى عتب هامس:

لمَ أخرجتنا من الجنة..؟!

كان بالإمكان أن نكون هناك.. أن نقطف من الجنة ما نشاء.. ألَّا نودِّع حبيبًا، ولا نلوِّح لراحل، ولا نقيم مجالس العزاء..

كان بالإمكان أَلَّا تكون تلك الحروب، وأَلَّا يموت رضيع في حضن والدته، ولا يلقي البحرُ بجثة... ولا أن يسقط البناء على طفل ليخنق صوته وبكاءه..

كان بالإمكان أَلَّا تبكي فتاة على خيانة، ولا فقير على فقر، ولا مريض على وجع، ولا مشرَّدٌ على قطعة كرتون..

كان بالإمكان... أن نكون هناك فلا نجوع فيها ولا نعرى، ولا نظمأ فيها ولا نضحى.. كما كان هو ذات يوم..

لو أن آدم لم يقترب أكثر من الشجرة.. لو أن آدم كان صلبًا أمام وسوسة عدوِّه.. لو أن آدم أخذ بيد حواء إلى الطريق الآخر..

مع كل إحباط ووجع ألقي اللَّوم خلف كومة السنوات تلك في جَعْبة آدم...

مرة ألقيتُها فوجدتُها ممتلئة بعتب العالم كلِّه، وهذا ما جعلني أصعد تلك السنوات لأرى.. لأقترب أكثر.. لأصل إليه..

اقتربتُ ولم أصل، طُفْتُ من بعيد حول شجرته، رأيتُ روحه وبقاياه، أرضه التي هبط إليها، صغاره وزوجه.. آثار أقدام الخطيئة التي علقت في الأرض..

اقتربتُ أكثر فكان أبي..

شعرتُ بتلك المظلومية المكوَّمة فوق قبرك يا أبي، كنتُ عاجزًا عن الدفاع حينها..

كتبوا عنك، بحثوا عن ملامحك، عواطفك، جنتك، زوجك، صغارك، حتى الغراب الذي بحث حول جثة ولدك..

تَجاوَزَتْ قصتُك الكتب الإلهية إلى الألواح السومرية والأساطير البابلية والمخيال الشعبي، وكثرت وتشعَّبت حتى ضمرت وتضاءل الإحساس بها..

أما أنا فلا زلتُ أقترب حتى طُفْتُ بالجنة معك، وصافحتُك، ورأيتُ أمي حواء، واقتربتُ من شجرة الخطيئة، وهبطتُ معكما، وطُفْتُ الأرض خلفكما، وتترَّستُ خائفًا خلف صخرة أرقب ولديك والغراب..

اقتربتُ أكثر فرأيتُ عينين ما انطفأتا عن البكاء والندم، ورأيتُ يدين ما كلَّتا عن عمارة الأرض، ورأيتُ رضًى بما قُدِّر لك، ورأيتُ كم كنتَ تحنّ لأطفال لم يأتوا بعد...

ربما رأيتني يا أبي هناك بين الملايين الذي شهدوا لله بالوحدانية حين أخذ الله ﴿مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾.

أكتب اليوم هذا الكتاب عنك بشعور الصغير لأبيه.. العائد إليه..

أستقرئك كلمات عذبة نزلت على خير أبنائك محمد صلى الله عليه وسلم، وأخبارًا كان يتحدَّث بها عنك، حديث الابن المحب لأبيه..

كانت هُوّة السنوات بيننا عظيمة..

ما أقصر السنوات بين الأب وابنه..

كانت السنوات وكنتَ أبي..

تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.

تعليقات الإسلام اليوم



تبقى لديك حرف
   

التعليقات

  1. 1- فاطمة عبدالله
    09:30:00 2016/12/09 مساءً

    سنلتقي قريبا يا ابي ان شاء الله في أعلى الجنان عند الرحمن بجوار نبي القرآن صلى الله عليه وسلم.

  2. 2- Azza ElFaras
    10:15:00 2016/12/09 مساءً

    وهل لي ان أسالك يا ابى ... عن بعضهم هل هم حقا اخواتى ؟ وإن لم يكونوا , فمن أين اتوا!!!!!!!!!!! وإن كانوا !!فكيف لي ان اعفو عنهم واتحمل شائنات أفعالهم وادعوا لهم أن يغفر لهم, فاني اشفق علي نفسي وكل نفس من أن تكون لجهنم حطبا أبي أود ان أعيش بلا وجع بلا غربه بلا فقد بلا حزن بلا خذلان أعلم انه الحنين للجنه التي لم أراها راى العين ولكني اهفو اليها , فكيف بك وقد عاينتها ثم أهبطت منها خبرني كيف كان شوقك اليها , خبرني كيف كان طريق عودتك فقد خبرت طريق مجيئك احبك يا أبى و اشتاق اليك و الي امي و الي بعض اخوتي الي لقاء يا ابى

  3. 3- بندر ناصر الشراري
    11:42:00 2016/12/09 مساءً

    استمعت لشهيق وزفير لنفس روائي مخنوق،لو أرخيت له،لحفل العالم بنص استثنائي بعد أن يترجم.وللفت الانظار للاسلام،وبالتأكيد سينعم بالاسلام الآلاف بسببه.فالغربي متعته الرواية.لتقف في مواجهة أولاد حارتنا التي فعلت العكس.

  4. 4- فاطمة
    05:06:00 2016/12/10 مساءً

    لكني تعلمت من توبتك يا أبي وكيف قهرت الشيطان باستغفارك الدائم،تعلمت أنك لم تيأس ولم تقنط من رحمة الله

  5. 5- أبو يوسف
    06:54:00 2016/12/14 صباحاً

    أتعبت من بعدك يا أبا معاذ و كما قيل قطعت جهيزة قول كل خطيب