الرئيسة راسلنا دليل الموقع
البحث



بحث متقدم
عناوين مختارة
د. سلمان العودة: يجب تدريب المسؤولين على التعامل مع الجمهور باحترام
العودة يشارك في ورشة عمل لإنتاج فيلم عالمي عن الرسول الكريم
العودة : على منسوبي “الهيئة” والشرطة والمرور التعامل مع الجمهور بأعصاب هادئة
هل نحن شعوب مرائية ؟!
ابن باز والعودة في مواجهة "الأتباع"
هل أولوياتنا تائهة؟!
د. سلمان العودة: العقوبات القضائية على الصغار ينبغي أن تكون في حدود التعزير
دعوة الشيخ سلمان العودة إلى التعافي
تغيرت علينا !
60 باحثاً من بينهم العودة وسويدان والغنوشي في ملتقى حول منهج القرضاوي
موقع الشيخ سلمان المقالات
جهاز كشف الخطأ
 
الكاتب:  فضيلة الشيخ/ سلمان بن فهد العودة
السبت 27 ربيع الثاني 1426الموافق 04 يونيو 2005
 

يُؤثر عن الشافعي -رحمه الله- أنه كان يقول: الكيّس العاقل هو الفَطِن المتغافِل.
 وسُئِل الإمام أحمد -رحمه الله- عن رجل يقول: التغافل تسعة أعشار العقل؟
 فقال: بل هو العقل كله.
وفي مأثور كلام العرب :

لَيسَ الغَبِيُّ بِسَيِّدٍ في قَومِهِ  
لَكِنَّ سَيِّدَ قَومِهِ المُتَغابي

وهذا المعنى أصيل في القرآن والسنة.
فالله تعالى يذكر (الإعراض) في مواضع من كتابه كالآيات(16) و (63) و (81) من سورة النساء و(42) سورة المائدة و (68) و (106) سورة الأنعام و(199) سورة الأعراف و(76) سورة هود و(29) سورة يوسف و(94) سورة الحجر و(29) سورة النجم.
ويُذكر عن يوسف -عليه السلام -موقفه من التهمة ( فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ: أَنتُمْ شَرٌّ مَّكَانًا وَاللّهُ أَعْلَمْ بِمَا تَصِفُونَ)[يوسف:77].
روى العوفي عن ابن عباس أنه أسرّ هذا القول، وهو (أنتم شرٌّ مكاناً).
وفي البخاري باب مَنْ لَمْ يُوَاجِهِ النَّاسَ بِالْعِتَابِ. وساق فيه حديث عَائِشَة أَنَّ رَجُلاً اسْتَأْذَنَ عَلَى النَّبِي - صلى الله عليه وسلم - فَلَمَّا رَآهُ قَالَ: ( بِئْسَ أَخُو الْعَشِيرَةِ، وَبِئْسَ ابْنُ الْعَشِيرَةِ )، فَلَمَّا جَلَسَ تَطَلَّقَ النَّبِي - صلى الله عليه وسلم - فِي وَجْهِهِ وَانْبَسَطَ إِلَيْهِ، فَلَمَّا انْطَلَقَ الرَّجُلُ قَالَتْ لَهُ عَائِشَةُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! حِينَ رَأَيْتَ الرَّجُلَ قُلْتَ لَهُ كَذَا وَكَذَا، ثُمَّ تَطَلَّقْتَ فِي وَجْهِهِ وَانْبَسَطْتَ إِلَيْهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: ( يَا عَائِشَةُ مَتَى عَهِدْتِنِي فَحَّاشًا، إِنَّ شَرَّ النَّاسِ عِنْدَ اللَّهِ مَنْزِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ تَرَكَهُ النَّاسُ اتِّقَاءَ شَرِّهِ).
قد أفاد ابن حجر -رحمه الله- في الفتح أن هذا من باب المدارة لا المداهنة؛ إذ المدارة بذل الدنيا لصلاح الدنيا أو الدين أو هما معاً وهي مباحة وربما استُحِبّت.
والمداهنة ترك الدين لصلاح الدنيا والنبي -صلى الله عليه وسلم- إنما بذل له من دنياه حسنَ عشرته والرفق في مكالمته ولم يمدحه فلم يناقض قولُه فيه فعلَه؛ فقولُه حقّ وفعلُه حسن عشرة.
وفي البخاري عن أَنَسٍ - رضي الله عنه – قَالَ:"خَدَمْتُ النَّبِي - صلى الله عليه وسلم - عَشْرَ سِنِينَ، فَمَا قَالَ لِي أُفٍّ، وَلاَ لِمَ صَنَعْتَ وَلاَ أَلاَّ صَنَعْتَ".
إن من رداءة طبع المرء ودناءة نفسه أن تكون عينه مفتوحة إلى النهاية على الآخرين، هذا فَعَلَ، وهذا تَرَكَ، وهذا قال، وهذا تغيّر وجهُه، وهذا زاد، وهذا نقص...
وقد يرى أن من التذاكي والفطنة أن يرقب الناس، ويدوّن حركاتهم وسكناتهم، وما يدور حولهم...
فإن قيل له: هذا غيبة. قال: هذه ملاحظات وتقويم!
وإن قيل: دعِ الخلْق للخلاّق. قال: قد كان فلان وفلان!
وإن قيل: رحم الله امرأً شغله عيبُه عن عيوب الناس أجاب بأن في الوقت بركة، ونحن في مقام الاعتبار!
ولئن كانت مداخل المطارات والمراكز المهمة مزوّدة اليوم بأجهزة لكشف الحديد أو ما يُخشى تسريبه وتهريبه، فإن بعض الخلْق لديه جهاز مشابه لا يمرّ به أحد أو يقابله إلا عرضه على أشعة هذا الجهاز؛ فصاح صياحاً لا يسمعه إلا صاحبه مؤشراً أن في جليسك معرّة أو هنة أو تهمة.
ومع الوقت تتحول هذه الدناءة إلى نوع من التذوّق والاستلذاذ والإدمان، ويظنّ صاحبها أن جمهرة الناس الذين سَلِموا مما هو فيه سذّج أو مغفّلون؛ لأنهم لا يدركون ما يدرك.
والحقّ أن العاقل يتجاوز عن كثير مما يسمعه؛ لأنه قابل للصدق والكذب.
ويتجاوز عن كثير مما يعلمه صدقاً؛ لأنه يعرف أو يلتمس عذر صاحبه، وما حمله على الفعل.
ويعلم أن باب الخطأ والصواب يعرض له التأويل والاختلاف، وكلما اتسع عقل المرء ازداد عذرُه للناس والخطأ الذي لا تأويل فيه هو من طبيعة البشر، قضت بذلك سنة الباري تعالى، وقرّره صريح القرآن وصحيح السنة في مواضع يعزُّ إحصاؤها.
وسبحان الله!
فإن الأخلاق الفطرية التي تقبلها النفوس الكريمة هي من مطالب الشريعة ومقاصدها، وجاء الدين ليكمّلها ويؤصّلها ويَعِدُ بالأجر والثواب عليها، كما في الموطأ مرفوعاً ( إِنَّمَا بُعِثْتُ لأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الأَخْلاَقِ).
يقول صيفي بن رباح: شرُّ النصرة التعدي، وأسوأ الأدب كثرة العتاب.
وكثرة العتاب فرع عن كثرة العيب والملاحظة والنقد، وهذا المعاتب كأنه يضع نفسه وقناعته وميله أصلاً يحتكم إليه ويراجعه، فمن لم ينسجم معه وضعه أمام ناظريه، وصعّد فيه النظر وصوّبه، وتحسسه ذات اليمين وذات الشمال ولن تعدم الحسناء ذامًّا.
ولا تهولنّك اليمين المغلظة، وتزكية المقصد والنية، والمقدمة الرتيبة المتكلفة بثناء لا طائل من ورائه، أو إعلان محبة، فإن المرء قد يكون مدفوعاً بإحساس ظاهره فيه الرحمة وباطنه من قبله العذاب، وقد يكون صادقاً مع نفسه ولكن مخزون (اللاوعي) يفعل فعله.
ولا غرابة فقد كان السلف يتحدثون عن الهوى الخفيّ، ويشيرون إلى أن المرء قد يعجز عن رؤية شامة في موضع خفيّ من بدنه، وهي محسوسة ويراها الآخرون، فكيف بما هو من سرائر النفس...
وفي الأثر: " يُبْصِرُ أَحَدُكُمْ الْقَذَاةَ فِي عَيْنِ أَخِيهِ وَيَنْسَى الْجِذْعَ فِي عَيْنِهِ"
ولفيلسوف الشعراء المتنبي:

لِهَوى النُفوسِ سَريرَةٌ لا تُعلَمُ  
عَرَضاً نَظَرتُ وَخِلتُ أَنّي أَسلَمُ

وأولى ما راقبه المرء: نفسه، وأعظم ما تفقّده: مقصده، وأحق ما سجنه: لسانه.
كان ابن القيم -رحمه الله- يقول: في النفس كِبر إبليس، وحسد قابيل، وعتوّ عاد، وطغيان ثمود، وجرأة النمرود، واستطالة فرعون، وبغْي قارون، وهوى بلعام، وفيها من أخلاق البهائم: شَرَه الكلاب، ورعونة الطاووس، وعقوق الضبّ، وحقْد الجمل، وصولة الأسد، وفسق الفأرة، غير أن الرياضة والمجاهدة تُذهب ذلك كله.
والكثيرون الكثيرون يبدون وكأنهم فرغوا من أنفسهم، ولانت لهم واستقادت، وكأنها مخازن للهداية والبر والصفاء، فيُخفقون في أول اختبار حينما يجعلون لأنفسهم الحسنى، ثم يجعلون لغيرهم العيب والنقص والفجور.
ومن المتقرر أنك لا تكاد تجد امرأً يراقب نفسه ويعيبها ويخزمها إلا وتجد الناس قد سلموا منه إلا من خير.
ولا ترى امرأً عيّاباً سبّاباً بحّاثاً عن السوءات إلا وجدته عصياً على النقد، ذاهباً بنفسه، شامخاً بأنفه، ينظر إلى الناس من عَلٍ، وقد تلبّسه داء الكِبر فأعماه، واعتاد ألاّ يجمع صوابات الناس ومحاسنهم، فيثني بها ويشكر عليها، ويقتدي، بل يلتقط المعايب والمثالب فيذمّ ويوبّخ، وقد ينصح، لكن بإلحاح وإفراط يفوت معه المطلوب.
يقول ابن المبارك رحمه الله: المؤمن طالب عذر إخوانه، والمنافق طالب عثراتهم.
إن الآخرين منك بموضع النظر فهم أمامك، وعينك تشاهدهم، وأذنك تسمعهم، وهم شيء آخر غيرك، تخفى عليك شؤونهم وأحوالهم.
بينما النفس ليست بمحلّ النظر، والسريرة قد تخفى حتى على صاحبها، وهناك ما هو أخفى منها (يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى)[طه:7]؛ ولذا يطمح البصر إلى رؤية الآخرين أكثر مما يطمح إلى رؤية الذات.
وتملك النفس من حاسة النقد للآخرين الكثير، بينا هي مع ذاتها في مقام التسليم والموافقة والانسجام، وهذا من أسباب التعصّب للرأي والإصرار عليه، والاستخفاف برأي الآخرين ومصادرته.
هذا شأننا جميعاً، بيد أننا قد نتفاوت بحسب يقظة المرء لنفسه, وإدراكه لسطوتها عليه، ومراجعته بين الفينة والفينة لذاته، وممارسة اللوم والعتاب عليها (وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ)[القيامة:2].
ويكفي أن يسأل المرء نفسه هذا السؤال:
هل أراقب نفسي كما أراقب الآخرين؟ إن الميزان يختلف!!
أَنظري ينصرف تلقائياً للجانب الحسن من الأشياء والأشخاص أم للجانب السلبي المعتم؟
أَإجابتي عن هذا السؤال إجابة صادقة مدروسة أم إنها نوع تمرير وتخلّص وتملّص وقول معتاد مكرور؟!
والله أعلم ببواطن الأمور وذوات الصّدور.

إرسال إلى صديق طباعة أضف تعليق حفظ
تعليقات القراء
1- سوالف   |  
مساءً 01:48:00 2009/02/05
قرأته بسري ثم قرأته بصوت عالي ....خرجت ورجعت في فكره وصلتني بس كيف بعرف هل هي صحيحه أم خطأ هل خلاصة الموضوع اللتي خرجت بها من هدا المقال هي ماعناها وقصدها صاحبها؟؟؟

2- سعد عبدالله   |  
مساءً 02:30:00 2009/02/05
والله تعالى يقول عن نبيه عليه الصلاة والسلام (عرّف بعضه وأعرض عن بعض)

3- مبارك الدوسري   |  
ًصباحا 12:13:00 2009/02/06
بارك الله فيك ياشيخ .. كلام واقعي..

4- منبع الخير   |  
ًصباحا 07:56:00 2009/02/06
بارك الله فيك .. هذا ملاخظ في مجتمعاتنا اليوم لاتكاد تجلس في مجلس إلا وتجد من لدية جهاز المراقبة .. مع انه لم يراقب نفسه . انا احبك في الله ياشيخ سلمان حفظك الله لنا

5- سوالف   |  
مساءً 02:18:00 2009/02/06
قرأته يمكن 50مره ومافهمته كل مقرأ أخرج بفكره جديده ومعنى جديد مختلف عن المعنى اللي قبله...خرجت بأكثر من معنى من هدا المقال للشيخ سلمان وكل معنى مناقض للآخر .....

6- احمودة علي   |  
ًصباحا 12:15:00 2009/02/07
بارك الله فيكم ايها المسسلمون

الصفحة 1 من 1

الشروط الخاصة بالتعليق
الآراء المنشورة لاتعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو القائمين عليه، ولذا فالمجال متاح لمناقشة الأفكار الواردة فيها في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
1- الهجوم على أشخاص أو هيئات.
2- يحتوي على كلمات غير مهذبة، ولو كانت كلمة واحدة.
3- لايناقش فكرة المقال تحديداً.
4- إذا كان جهازك لا يدعم العربية اضغط هنا
اضف تعليقك
الاسم
التعليق
أدخل ارقام الصورة   أنقر هنا لتغيير الرقم