موقع الشيخ سلمان » متابعات وحوارات » أخبار ومتابعات

الشيخ سلمان العودة: علمتني الحياة صناعة الأصدقاء وتجنب صناعة الأعداء

 

الشيخ سلمان العودة: علمتني الحياة صناعة الأصدقاء وتجنب صناعة الأعداء وأن الفشل ليس من الآخرين

 -  التعصب داخل المدارس الفقهية والدعوية والحركية.. ابتلاء!!

-  شغل طلاب العلم أنفسهم بـ "فلان أخطأ، وآخر أصاب" مضيعة للوقت!

-   تجنب صناعة الأعداء مبدأ نبوي عظيم

تحدث فضيلة الشيخ الدكتور سلمان بن فهد العودة - المشرف العام على مؤسسة "الإسلام اليوم" عن تجربته في الحياة  وقال إن الحياة علمته القراءة، والصبر، وتَجَرُّعَ النقد، والاعتياد عليه، والإعراض عن المخالفين، والعفوية، وتحييد الخصوم، وصناعة الأصدقاء، وأن الفشل ليس من الآخرين، و أخذ الفائدة من كل أحد بكل وسيلة، وفي كل مناسبة، وأن الأشياء النفيسة لا تتطلب أحيانًا المزيد من الوقت والجهد، وأن عادات التفكير هي المسئولة عن التخلف الذي تعيشه الأمة .

وأكد الشيخ سلمان في محاضرة بعنوان "هكذا علمتني الحياة" يوم الإثنين الماضي في "كلية اللغة العربية والدراسات الاجتماعية" في جامعة القصيم-: أن التجربة في الحياة أمرٌ مهمٌّ جداً، فالإنسان يحصل من التجربة على ما لا يجده في الكتب، بل إن كثيراً من المعلومات التي تقرأها في الكتب، ربما لا تدرك أهميتها، أو طريقة تطبيقها؛ لأنك لا تستطيع أن تفهمها بشكل جيد، إلا حينما تُقَرِّبُها من نار المعاناة والمعايشة للحياة، فبهذه المعايشة يصبح للمعلومة معنى .

ولذلك فمن الكلمات الجميلة التي ذكرها الْمُفَسِّرُون عن ابن عباس رضي الله عنه، ما ذكره ابن كثير في تفسيره على سبيل المثال، أنه كان يقول : القرآن يفسره الزمان، وهذا معنى قد يكون جديدًا على طلبة العلوم الشرعية، وهل معنى هذا أن هناك معاني في القرآن لا يعرفها السالفون؟ ليس الأمر كذلك، ولكن العلم ليس معلوماتٍ توضع في الذاكرة فقط، وليس معرفة فحسب، فهذه المعرفة لها امتدادات مرتبطة بالواقع والمعايشة .

وضرب فضيلته مثالًا لذلك : أن أحد الفقهاء، على الرغم من أنه يدرس طلابه فقه العبادات، ومنها الحج، ولكنه عندما جاء إلى مكة هَمَّ أن يطوف، ويجعل الكعبة عن يمينه، لأنها كانت المرة الأولى التي يطوف فيها، مما يدل على أن التجربة مهمة جدا.

وكذلك في قصة موسى، وقوله للنبي صلى الله عليه وسلم :" إني قد جَرَّبْتُ الأمم قبلك، وعالجتُ بني إسرائيل أَشَدَّ المعالجة" .

تجارب المعمرين

وأردف الدكتور العودة أن الحديث عن المشقة والمعاناة لا يتم إلا بممارسة الواقع وإدراكه، ولذلك كان من الحكمة أن يحرص الإنسان على المعمرين، وهذا أبو حاتم السجستاني له كتاب اسمه "المعمرون"، وربما يكون لغيره من أهل العلم في هذا الباب كُتُبٌ أيضا تحدثت عمن عُمِّرُوا فوق التسعين وفوق المائة أحيانا، ونجد من أشعار العرب ما يدل على هذا، حتى إنهم ليسأمون الحياة، ولكن مجالسة هؤلاء المعمرين والاستماع إليهم، يعطيك خلاصة تجارب طويلة في الحياة، ولذلك كان يقال :

ومن وعى التاريخ في صَدْرِهِ أضافَ أعمارًا إلى عُمْرِهِ

وأضاف فضيلته : في بعض الفترات حاولت أن ألتقي عدداً من الْمُعَمَّرين، فتعرفتُ على مُعَمَّرِين في منطقة القصيم وغيرها وذهبت إليهم، وكان بعضهم فوق المائة، مما يشعرك أنه يمكنك الاستفادة من هذا الإنسان المعمر في موضوعات متعددة، لا تقتصر على لسانه وحسب، ولكن تستفيد أيضاً من نفسية هذا الإنسان وحيويته، وما يتسم به من رضا وسرور وانبساط، فتجده يقول النكتة ويضحك منها، بينما تجد بعض الشباب في مقتبل العمر، يعيش حالة من الكآبة والضيق، والنكد والتشاؤم في الحياة، وذلك على الرغم من أن التفاؤل والإشراق والرضا، من أهم أسباب طول العمر، ولذلك قلت لأحد أبنائي قبل أيام: أصول الصحة، خمسة: الأكل جيدا، والشرب جيدا، والنوم جيدا، والمشي جيدا، وراحة البال . كما أن الإنسان يستفيد من حكم المعمرين وتجاربهم، وقصصهم وأخبارهم، ويستفيد أيضا من حالتهم التي يعيشون فيها.

لقاء الشيخ الألباني

 وأعرب الشيخ سلمان عن سروره أن الله كتب له لقاءَ عددٍ من العلماء الكبار، الذين أخذ عنهم، وكتب عنهم، وجالسهم، وفي المقابل عَبَّر عن حزنه لفوات لقاء علماء عاصرهم، ولكن لم يستطع لقاءهم . وذكر منهم على سبيل المثال، الشيخ محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله، قائلًا: "جرى بيني وبينه مُرَاسَلَةٌ، واتصالٌ هاتفي، ومباحثات في مسائل كثيرة، وأسئلة، ولكن لم يُكْتَبْ لي أن ألتقيه، وأُقَبِّلَ رأسه، فشعرت بالحرمان "، ولذلك كثيرًا ما أوصي أولادي وأحفادي، أن يحرصوا على لقاء العلماء الذين يعاصرونهم، وأن يأخذوا عنهم، فالعلماء السابقون الْمُحَدِّثُون وغيرهم، يعتبرون مجرد لقائك إنسانًا، وسماعك منه، ولو كلمة أو حديثًا واحدًا، فإنه يصير في عداد شيوخك . كما أنهم عندما يذكرون شيوخ الطبري أو الطبراني، أو البخاري، أو أحمد بن حنبل، أو فلان، أو فلان، يذكرون كل من لقيهم، وأخذ عنهم، ولو حديثًا واحدًا، أو شيئًا يسيرًا .

ابن جبرين ... الشيخ المعمر

ثم تحدث فضيلته عن الشيخ ابن جبرين، حفظه الله، مشيرًا إلى أنه الشيوخ الْمُعَمَّرين، ذوي القَدْر والمنزلة والمكانة، مُوَضِّحًا أنه يعيش ظروفًا صحيةً صعبةً منذ فترة طويلة، سائلًا الله سبحانه وتعالى أن يشفيه ويعافيه، ويرفع عنه البأس بحوله وقوته .

 تجارب مفيدة

ثم انتقل الشيخ سلمان إلى الحديث عن بعض التجارب المفيدة في الحياة، منها :

أمة "اقرأ" ... وصداقة الكتاب

1 ـ القراءة:

أول ما أمر الله سبحانه وتعالى به نَبِيَّهُ صلى الله عليه وسلم، هو القراءة، مما يُؤَكِّدُ أننا يجب أن نكون "أمة اقرأ "، وليس أدل على ذلك من أن لفظ "القراءة" تكرر في أول سورة نزلت من القرآن الكريم، يقول الله عز وجل " اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الذي خَلَقَ... " اقرأ وربك الأكرم"، فالتكرار في لغة العرب من معانيه الديمومة، مثل قوله سبحانه وتعالى : {فارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ} فليس المقصود فقط مرتين، ولكن المقصود مرةً بعد مرةٍ بعد مرةٍ .

وأوضح الشيخ سلمان أن القراءة تفتح عقل الإنسان وذهنه على آفاق وأبعاد كبيرة، ولهذا ينبغي أن نقيم صداقة مع الكتاب، وحبذا أن يكون في الجامعة ما يسمى بـ"نادي القراءة"، أو "نادي الكتابة"، وهذا موجود في أكثر من جامعةٍ عندنا في المملكة، وفي الشارقة، وفي مصر، بحيث يكون مسموحًا للطلاب بقراءة الكتب، واستضافة المؤلف أحيانا، ومناقشة الكتاب، مع التشجيع على قراءة الكتاب، ويقومون أحيانا بعمل نشرات، أو دعوة إلى قراءة بعض الكتب .. وتشجيع الناس على القراءة، فلا بد أن نكون شعبًا قارئًا .

وأعرب الدكتور العودة عن سعادته من تَفَطُّنِ بعض المجتمعات العربية لأهمية القراءة، لافتًا إلى أن أحد الشباب أكد له أن الشعب الأردني شعبٌ قارئٌ جِدًّا للكتب والروايات والقصص، وأن الأمر لا يتوقف على الكبار فقط، ولكنه يشمل الصغار أيضا، مُوَضِّحًا أننا كنا دائما نضرب المثل بالشعوب الأوروبية والشعوب الغربية، بحيث تجد المرأة العجوز ذات التسعين عاما وهي تنتظر الحافلة، أو جالسة في الحديقة، أو تنتظر القطار، أو هي في القطار، أو في الطائرة، ومعها الكتاب لا تفارقه، فهم دائما يصطحبون هذه الكتب الضخمة، ويقرءونها . في حين كنا نجد البعض يقولون : ماذا يستفيدون من هذه الكتب؟! ما هي إلا روايات خيالية...إلخ!

وحذر فضيلته من التقليل من أهمية القراءة، مُوَضِّحًا أن قراءة الروايات أفضلُ من جلوس الإنسان دون فعل شيء ، أو أن يقع في غيبة أو نميمة، أو قيل أو قال . فالقراءة من شأنها أن تُنْعِشَ الإنسان، فإذا تمكن الإنسان أن يجعل قراءاته متجهةً إلى الكتب المفيدة التي تُبَصِّرُه بأمر دينه، أو بأمر دنياه؛ بالتربية، بالتعليم، بالأخلاق، بالحاجيات الضرورية، فإن ذلك يكون أمرًا جميلًا .

 وأشار فضيلته إلى أنه القراءة تفيد أيضا في تربية الأطفال، فكثيرًا ما يشتكي بعض النساء والرجال، أنهم يجدون قَدْرًا من المعاناة في تربية الأطفال، ولكن السؤال الذي أسألهم إياه دائمًا : هل قرأتم كتبًا في تربية الأطفال؟ فيقولون : كلا ..التربية معروفة، لا تحتاج قراءة كتاب! ولكن الحقيقة خلاف ذلك، فأنت تربيهم، كما رباك والدك، وقد يكون هناك والد لم يحسن التربية، وإن كان قد أحسن التربية، فالزمن تَغَيَّرَ، وكان يُرْوَى عن علي رضي الله عنه أنه كان يقول : لا تُكْرِهُوا أولادَكُم على أخلاقكم؛ فإنهم خُلِقُوا لزمان غير زمانكم. مُؤَكِّدًا أن الحاجة ماسَّةٌ إلى تعود القراءة، منذ الصغر .

القراءة في الصغر

وضرب فضيلته مثالًا لذلك قائلا: في مرحلة الطفولة عرفني أحد الإخوة بكتب الشيخ علي الطنطاوي، وكتب الأستاذ الأديب مصطفى المنفلوطي، فبدأت آخذ هذه الكتب وأذهب بها إلى الدكان مع الوالد رحمه الله، وأضعها في دفتر اليومية، وكلما وجدت فراغًا، قرأت كتابًا من هذه الكتب . كما أني خلال الإجازة الصيفية، أذكر أني قرأت أكثر من ستين كتابًا، فكتب الشيخ علي الطنطاوي كلها، عن بكرة أبيها، تمت قراءاتها بهذه الطريقة، وربما من خلال الشيخ علي رحمه الله تعرفت على الأدب، وعلى اللغة العربية، وأحببت اللغة العربية والأدب العربي، والشعر، مما وَلَّد عندي الكثيرَ من المعاني والقيم الفاضلة، التي يأخذها الإنسان عن طريق القناعة والاختيار، وليس بالإكراه والقسر.

فأنْ نربي أنفسنا، ونُرَبِّيَ صغارنا أيضًا، وأن يكون في بيت كل واحدٍ منا مكتبة، ويذهب إلى معارض الكتب، ويختار ما لذّ وطاب، فهذه خطوة مهمة جدا في طريق بناء مجتمع مسلمٍ واعٍ راقٍ، يعرف ماذا يريد الله تعالى منه، بالأوامر والنواهي والشرعية، فينفذ ويطبق، ويعرف مقتضيات العصر أيضا فيلتزم بها .

أُفُقٌ مُسْتَمِرّ

وأوضح الشيخ سلمان أن القراءة لا تكون في المرحلة الجامعية فقط، مُؤَكِّدًا أنه من الخطأ أن يكون آخرُ عهد الإنسان بالكتاب أو القراءة تَخَرُّجَه من الكلية، أو الحصول على شهادة الماجستير أو الدكتوراه، فالقراءة أُفُقٌ مستمر كل يوم.. أفق جديد، وشمس جديدة، ولذلك ينبغي أن تكون القراءة ( إن صح التعبير) ، إدمانًا وعادةً عندنا، ليس للطُّلَّاب وحدهم، ولكنْ للأساتذة أيضًا.

وأردف فضيلته: لا زلت أذكر أن مدرس "الحساب" ، كان يدرسنا في المعهد العلمي، ويومًا من الأيام وجدتُ معه كتابًا مُجَلَّدًا، لا يمت للمقرر بصلة، وحاولت اختلاس النظر لهذا المجلد، فوجدت اسمه- والله كأني أراه أمامي الآن- "زاد المعاد في هدي خير العباد"، فمنذ ذلك اليوم، وأنا أنتظر الفرصة حتى أحصل على هذا الكتاب وأشتريه، وفعلًا حصلتُ عليه، وشَرَيْتُ الكتاب وقرأته، ودَرَّسْتُه لطلابي والحمد لله. وكان هذا من أعظم الكتب العلمية النافعة، حتى إن عددا من العلماء قالوا: إنّ هناك كُتُبًا مَنْ حصل عليها وأتقنها، فهو في عداد المجتهدين، وذكروا كتاب "زاد الميعاد" .

البحث عن الفائدة

2 ـ أخذ الفائدة من كل أحدٍ بكل وسيلةٍ وفي كل مناسبةٍ:

عندما يكون الإنسان مُتَعَطِّشًا وعنده نهم للحصول على الفائدة، فإنه يجد الفائدة في أي مكان وبأي وسيلة وفي كل مناسبة، فقد يجدها في ورقة التقويم، أو في حكمة جميلة، أو وهو راكب في السيارة، فربما تفتح المذياع، وتجد شخصًا لا تعرفه، ولكنه يتكلم بكلام جميل، أو أن تكون في مجلس تقرأ في جريدة، فضلًا عن قراءة كتاب، أو تدخل على شبكة المعلومات الدولية "الإنترنت"، أو القنوات الفضائية..فهي وسائل متعددة، وقد تطورت وتقدمت في هذا الزمان.

 ويُرْوَى عن الإمام أحمد رحمه الله، أنه كان يتنقل بين جلسات المشايخ، وحلقاتهم، فيقال له: هذا يا إمام وأنت في هذه السن؟! فيقول : مع المحبرة إلى المقبرة! مما يؤكد على أن الإنسان حرص الإنسان على تحصيل العلم من المبادئ الضرورية والمهمة، ولا ينبغي أن يحتقر الإنسان أحدًا من أن يستفيد منه، كما كان يقول بعض السلف : "لا أحد أقل من أن يُفيد، ولا أحدَ أكثر من أن يستفيد" . كما أنك قد تأخذ الفائدة ممن هو أَقَلُّ منك شَأْنًا وقَدْرًا، وهذا هو شأن العالِمِ الحقيقي.

الصبر مفتاح الفرج

3 ـ درهم صبر خير من قنطار ذكاء

من تجارب الحياة المفيدة أيضًا حكمةٌ تقول: "دِرْهَمُ صَبْرٍ خَيْرٌ من قنطار ذكاء "، فالصبر يحصل به الإنسان على الإيمان والعلم، ويزيل العوائق والهموم، وييسر للإنسان سبيل النجاح في الدنيا والآخرة إن شاء الله.

وأردف فضيلته: في فترة من الفترات كنت أُعِدُّ لمحاضرة، فقرأت كتابا لابن قيم الجوزية رحمه الله، اسمه "عدة الصابرين وذخيرة الذاكرين"، فوجدت هذا الكتاب مليئًا بالنصوص والآيات والأحاديث والتذكير، ويكفي في هذا الأمر سورة العصر، التي يقول عنها الإمام الشافعي رحمه الله: "لو تأمّل الناس هذه السورة، لَوَسِعَتْهُم"، والتي كان الصحابة رضي الله عنهم يلتقون، فيقولون : اجلس بنا نؤمن ساعة، فيقرأ بعضهم على بعض هذه السورة .

ثم قبل شهور وقع في يدي كتاب مترجمٌ، اسمه "قوة الصبر"، وهو لمؤلفة استرالية، اسمها، دي جي أيان، فبدأت أقرأ في هذه الكتاب، وبعد أن بدأت أقرأه، وجدت أنه كتاب لا يقرأ في جلسة، فأصبحت أقرأه وأملأه بالقطوف، وأكتب الفوائد في صدر الكتاب، ثم أعود إليه، وبعدما أستأنف قراءته، أجد أني مضطرٌّ إلى البدء من جديد أحيانا، لماذا؟ لأنه إذا كانت كتب العلماء الإسلاميين تكلمت عن الصبر من الناحية الإيمانية، مثل الحثّ على الصبر، وأنواع الصبر، وعاقبة الصبر، وفضل الصبر، إلى غير ذلك مما يقوي العزائم على الصبر .. فإن الكتب العملية، فيها تقنياتٌ تُدَرِّبُ الإنسان على كيفية الصبر، في الدراسة، أو الصبر في الطب، إذا كان طبيبا، أو الصبر في التعليم، إذا كان مُعَلِّمًا، أو الصبر على الأبناء، أو الصبر حتى على وجود عوائق نفسية، أو عقبات نفسية عند الإنسان.

كما أنني وجدت في هذا الكتاب بعض الكلمات كأنها منقولة حرفيًّا من الشريعة، ففي أحد الصفحات، وجدت أن المؤلفة تقول إنني أريد أن أقول : "إن قِوَام الصبر هو أن يستطيع الإنسان أن يملك نفسه"، فتذكرتُ حديث النبي صلى الله عليه وسلم: "ليس الشديد بالصُّرَعَة، وإنما الشديد الذي يملك نَفْسَه عند الغضب"، فالصبر من الأخلاق العظيمة التي تتطلب وقوفًا طويلًا عندها .

تجرع النقد

4 ـ تجرع النقد والاعتياد عليه:

لأنه ما من أحد من الناس، إلا وهو يعمل فيخطئ ويصيب، والذي لا يخطئ هو ذلك الإنسان الذي لا يعمل، ولا شك أن المديح شَيْءٌ يعطي الإنسان أهميته وقيمته، ونحن نجد أن النبي صلى الله عليه وسلم مدح كثيرًا من الصحابة، وكتب الفضائل مليئةٌ بألوان المديح الذي وجهه النبي صلى الله عليه وسلم إلى أصحابه، وإلى الخلفاء الراشدين، وإلى العشرة المبشرين، وإلى قبائل، وأمم، وشعوبٍ بأكملها . فالنبي صلى الله عليه وسلم مدح أهل عمان، قائلا: " لو أتيت أهل عمان ما سبوك ولا ضربوك "، ومدح القبط، وأهل الشام، وأشخاصًا.

وأوضح الدكتور العودة أن المديح يعطي الإنسان قيمته، وإنه لمن الأخلاق الكريمة أن يكون الإنسان معطاءً، وليس المقصود بالعطاء المال فقط، فأحيانا يكون العطاء بالكلمة الطيبة، والخلق الفاضل، بأن تسع الناس بخلقك.

 كما أن المديح هو دَأْبُ النبلاء ، مشيرًا إلى أنه من الخطأ أن يكون المديح مجرد ذريعة سيئة، فالمديح لابد أن يكون دون استثناء، ونَوْعًا من المكافأة، والتشجيع، أو خطابَ شكر لإنسان.

التماسك مطلوب

واستطر فضيلته قائلا: ولكن يجب ألا يُعَوِّدَ الإنسان نفسه على سماع المديح، فهذا قد يجعل أذن الإنسان تشمئز وتنبو من سماع النقد، وقد يعتبر النقد نوعًا من التجريح له!

 فمن الحكمة والصواب أنْ يُعَوِّد الإنسان نفسه على تجرع النقد ، فطبيعة النفس لا تُرَحِّبُ بالنقد ابتداء، ولا داعي لأن نخادع أنفسنا؛ لأن النقد معناه أنك مخطئ، والإنسان لا يريد أن يخطئ، بل يريد أن يكون صوابًا دائمًا.. ولكن بما أن طبيعة الإنسان مقتضية أن لا بد أن يخطئ، فحينئذ يكون النقد الذي يصحح خطأه أفضل من أن يَلِجَّ في خَطَئِه وفي عدوانه، مُشِيرًا إلى أن الإنسان إذا تعَوَّد على النقد، أصبح لديه مناعة ضد الأثر السلبي للنقد؛ لأن البعض قد يحطمه النقد .

 وضرب فضيلته مثالا لذلك، قائلا: حدثني الشيخ صالح الخزيم رحمه الله، وكان مُوَجِّهًا في إدارة التعليم، وذهب إلى أحد القرى في القصيم، وحضر عند أستاذ كان يشرح في كتاب التوحيد، باب (من الشرك إرادة الإنسان بعمله الدنيا)، وكان المدرس مجتهدًا، وعنده الطباشير الأحمر والأبيض والأصفر، ويشرح للطلبة، ويجيب، وعرقه يتصَبَّبُ، فلما جاء دور الموجه، بدأ يسأل الطلبة أسئلة، مثل: ما مثال أن من الشرك إرادة الإنسان بعمله الدنيا؟ فكان في آخر الفصل طالبٌ ضخم الجثة، وهو في الثانوي، فرفع يده، قال المفتش : تفضل ..فقال : مثل أن يكون المدرس كسولًا، ولا يؤدي الواجب، ولا يهتم بالدرس، فإذا عرف أن المفتش سيأتي اهتم، وبدأ يكتب بالطباشير الْمُلَوَّن، ويفعل كذا، ويفعل كذا!!

 فقال: وتبحث عن المدرس فلا تجده، وما أنقذ الأستاذ إلا صوت الجرس، وخرج وهو يقول للشيخ صالح الخزيم رحمه الله: تراه ما يقصدني، وإنما هو مجرد مثال!

وعقب الشيخ سلمان قائلا: طبعًا ليس من الضروري أن يكون الطالب مُحِقًّا؛ لأن بعض الطلبة أيضا لا يعجبهم العجب، ولكنّ أهم شيء أن يتماسك الإنسان ولا يتأثر أو يرتبك، حينما يجد أمامه من ينتقده .

بوش يواجه الحذاء

وضرب فضيلته مثالًا آخر، بِرَدِّ فعل الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش، عندما قذفه الصحفي العراقي منتظر الزيدي بالحذاء، في آخر زيارة له للعراق، وهو ما يُعْتَبَرُ لونًا من ألوان النقد، مُشِيرًا إلى أن من الواضح أن هناك تدريبًا على تلافي مثل هذه المواقف، ومواجهتها، وأن يكون هناك موقف نفسي فيه تعزيز وقوة في مواجهة موقف كهذا؛ لأن مثل هذه المواقف المفاجئة أو السلبية، إذا لم يكن الإنسان مُدَرَّبًا على كيفية التعامل معها، فربما يصدر منه موقف سلبي يُضَاعِفُ من ضرر الموقف.

 مما يؤكد على أن القدرة على تجرع النقد، والاعتياد عليه وتقبله، أمرٌ ضروري، حتى لو أن الناقد أخَلَّ بأدب النقد أو شروط النقد، فعلينا أن نقبل منه النقد، ونُعَلِّمَهُ كيف يكون النقد، ولا نعتبر أن إساءته في التعبير مدعاةٌ لِرَفْضِ ما جاء به جملةً وتفصيلًا .

أخطأ عمر

وأكد الشيخ سلمان أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا مدرسة في تقبل النقد، ولعل هذا واضحٌ في قصة عمر بن الخطاب عندما كان على المنبر، وهو يقول في الأثر المشهور: لا تُغَالُوا في صَدَاقِ النساء، وهَمَّ أن يُحَدِّدَ، فقامت امرأة وقالت: يا أمير المؤمنين، إن الله تعالى يقول :

{وآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا} فكيف تحدد المهر؟ فقال عمر : أخطأ عمر وأصابت امرأة .. وهذا الأثر مشهور، وحسنه بعض أهل العلم، ولا يُشْتَرَطُ فيه ما يُشْتَرَطُ في سند الأحاديث النبوية المرفوعة .

وأوضح الدكتور العودة أن قول عمر رضي الله عنه: أخطأ عمر وأصابت امرأة. ليس مقصوده أن الصواب من المرأة غير معهود، كما قد يظن البعض، لا .. ولكنه يقول: إن امرأةً من الناس- أي امرأة غير معروفة- ومع أنها غير معروفة فقد أصابت، وأخطأ عمر الذي يُظَنُّ بأنه فقيه الصحابة- وهو كذلك رضي الله عنه- لكنه يعبر عن نفسه بالتواضع، فجرد نفسه من الألقاب، وقال: أخطأ عمر وأصابت امرأة..وهذا يربي على أهمية تشجيع النقد الهادف .

لا تحتقر أحدا!!

5 ـ الإعراض عن المخالفين

الإعراض عن المخالفين لا يعني أنك لا تحتقرهم أو تزدريهم، فلا تحتقر أحدا من المسلمين، ولا تَزْدَرِهِ، وقد يكون هذا المخالف لك على صواب، لكن في بعض الأحيان يكون هناك ألوان من التعصب داخل المدارس الفقهية، والمدارس الدعوية ، أو المدارس الحركية، فيكون- كما نعرف- من يقول: إن ما يقوله فلان خطأ، وما يقوله فلان صواب! وهذا من التعصب، الذي يُبْتَلَى به طلبة العلم في أماكن كثيرة، مما يحدث نوعًا من القيل والقال .

وأكد الدكتور العودة أن متابعة وملاحقة ما يقال مَضْيَعَةٌ للوقت، ولهذا يُرْوَى أن الإمام أحمد سأله بعض الطلبة، وقالوا له : إلى مَنْ تأمرنا أن نذهب ونطلب العلم؟ قال : اذهبوا إلى أبي كُرَيْب، وخذوا عنه العلم. قالوا : يا إمام، إنه ينال منك! -يقع فيك- قال : وما أصنع له؟! ذلك رجل ابْتُلِيَ بي! وأحيانا يُبْتَلَى بعض الناس ببعض ، يقول الله سبحانه وتعالى : { وَلَكِن لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُم بِبَعْضٍ}، مُشِيرًا إلى أن مثل هذه الملاحقات لا طائل من ورائها، ولكنها تكون عائقًا كبيرًا جدا؛ لأن الإنسان عندما يمضي في طريق، فإنه بحاجة إلى أن يكون عنده عزيمة وتصميم، وصبر، بحيث إذا أكثر التلفت، والاستماع فقد يضيع وقته وجهده، ولهذا يقول الله سبحانه وتعالى: { فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ}.

امضِ في طريقك!

وأوضح فضيلته أن الإنسان إذا اتخذ قراره وتوجه وجهته، فعليه ألا يكثر من الالتفات وراءه، والإصغاء إلى الأصوات التي تأتي ذات اليمين وذات الشمال؛ لأنها تعوق مسيره.

 مُؤَكِّدًا أن هذا لا يعني أن يصم الإنسان أذنيه عن النقد ، ولكن عليه أن يوازن هذا النقد، وهذه من القضايا الشائكة؛ لأنه قد يفهم البعض من هذا الكلام أن يسير في سبيله على غير هدى، أو يفهم أن الإنسان كلما قال أحد شيئا أصغى له، وترك طريقه، أو توقف! فهذا ليس صحيحا، وذاك ليس صحيحًا، ولكن لا بد أن يكون هناك توازُنٌ يُبَصِّرُ الإنسان بالكلام الذي يمكن الاستماع إليه، ولو بعد حين، فربما لا تسمع الكلام الآن، لافتًا إلى أن كثيرًا من الخير والصواب تهتدي إليه النفسُ مرة بعد أخرى؛ لأنه لا يأتي دفعةً واحدة.

 ففي كل يوم يكون هناك أُفُقٌ جديد، وشمس جديدة، ومعرفة جديدة، والمؤمن عليه أن يكون مُتَطَلِّعًا لذلك، متنبهًا إلى أن كثيرًا من الصواب قد يجده في غير مظنته، بل ربما يجده عند مَنْ يَعُدُّه خَصْمًا له، والحق ضالَّتُنا التي ينبغي أن نسعى إليها جميعًا، ولكن لا يكون الإنسان مأخوذًا في معارك وقيل وقال، وخصومات معينة، من شأنها أن تؤثر فيه، حتى من الناحية النفسية .

وضرب فضيلته مثالًا لذلك، قائلا: ربما تأتي إلى البيت فلا يأتيك نوم؛ لأن فلانًا قال وأعاد، وربما لا تأكل الغداء، أو تتجرعه ولا تكاد تُسِيغه، حتى متعتك مع أهلك ومع أطفالك، وأداؤك في عملك لا يكون على ما يرام... كل ذلك لماذا؟! بسبب الجلبة، والضوضاء، والصخب، والضجيج، والاعتراض.. لا .. بل عليك أن تحافظ على نفسيتك، وهدوئك، وسَكِينَتِك، وتمضي في طريقك، ويجيء يوم من الأيام تجد نفسك مستعدًّا لسماع بعض الأشياء، بهدوء، فتَقْبَلُ بهدوء، وتُصَحِّح بهدوء أيضا..فالأمور لا تأتي هكذا بين يوم وليلة.

لُبُّ التوفيق

6 ـ العفوية

العفوية هي لب التوفيق، يقول تعالى: {خُذِ الْعَفْوَ وأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ}، كما أن التَّكَلُّف والتَّرَسُّم هو أساس الفساد، يقول تعالى: { قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ} .

وقال الشيخ سلمان: إن التكلف له أشكال كثيرة، منها :

أ ـ الإفراط في البحث

الإفراط في البحث، والتقعر فيه والتفيهق، هو التكلف ذاته، ولذلك من أعظم ما يتحلى به طالب العلم أنْ يبتعد عن التكلف. مُؤَكِّدًا أن طالب العلم لو اهتم بالأصول، والقواعد، والكليات، والأساسيات، ورَتَّبَهَا، وأَسَّسَهَا، وعظم ما عظمه القرآن، والأحاديث الصحاح، لوجد نفسه في عالَمٍ يتطلب منه وقته كله وعمره كله، وقد لا يكون عنده وقت للغرق في كثير من مسائل البحث التي ربما لا يكون لها ضرورة أو حاجة.

وضرب فضيلته مثالًا لذلك، قائلًا: مرة من المرات، وجدتُ شابًا بدأ في طلب العلم، يأتيني ويقول: أُبَشِّرك.. وقفت على حديث، وهذا الحديث درسته فوجدت إسناده صحيحًا. قلت له: خير، ما هذا الحديث ؟ قال : وجدت حديثا يقول بأنه يجوز للإنسان أن يلبس النعل، وهو واقع!! قلت: فتح الله عليك، هذا لا يحتاج إلى حديث! فقال : لا ..لقد سبق ورأيت حديثًا في كراهية ذلك، أو النهي عنه..وهكذا.. وصحح هذا الحديث، ثم بحث عن حديثٍ آخر، فوجد ما يدل على جواز ذلك، فلو أن طالب العلم أراد أن يأخذ أمور حياته كلها، بهذا المنظار الضيق لضاعت الحياة فيما لا يفيد.

وضرب فضيلته مثالًا آخر، قائلا: مرة من المرات، ذكر أحد الشباب حديثًا في رمي النواة، فقال لي: يجوز للإنسان أن يضع النوى في يده ثم يرميه مثلًا، إذا أراد، وذلك بعيدا عن الحذف، والنهي عن الحذف، إلى آخره.. وهي أحاديث صحيحة، وأنها تفقأ العين، وتكسر السن، ولا تنكأ عَدُوًّا .

ب ـ التكلف في التطبيق

عندما كنا صغارا، قرأنا كتاب الشيخ الألباني رحمه الله في صفة الصلاة، ومختصرها، وهو كتاب قَيِّمٌ، ووجدنا فيه عِلْمًا وحديثا ربما لم نكن نجده عند علمائنا، فأخذنا مثلا ، مسألة "وضع اليمنى على اليسرى على الصدر"، وحديث وائل بن حجر، مع أن الإمام أحمد رحمه الله- وهذا ما عرفته بعد ذلك- ضَعَّفَ أحاديث الباب كلها، وقال: لم يثبت شيءٌ من ذلك. وهذا ما جعل الإنسان، ينأى عن التكلف في تطبيق تلك السنة التي رآها الشيخ محمد ناصر الألباني، وهي وضع اليمنى على اليسرى على الصدر، فكان الواحد يبالغ في رفع اليدين على الصدر، ثم يصحب ذلك أيضًا بحركة وهيئة معينة، فيها الكثير من التكلف في العبادة، وهكذا يكون التكلف في أمور كثيرة جدا، بينما لو أن الإنسان حرص على العفوية فيها، لكان ذلك خيرًا له .

وذكّر فضيلته بحديث الرجل الذي صلى خلف معاذ رضي الله عنه، ثم شكا إلى النبي صلى الله عليه وسلم طُولَ صلاة معاذ، فدعاه النبي صلى الله عليه وسلم، وأَغْلَظَ له، حتى إنه ما غضب في موعظةٍ قَطُّ، كما غَضِبَ في تلك الموعظة ، وقال: " إنّ منكم مُنَفِّرين" .

فقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن هذا التكلف، ولما سأل الأعرابي، وقال له: ماذا تقول في صلاتك؟ فقال : والله يا رسول الله أنا لا أحسن دندنتك، ولا دندنة معاذ، وإنما أسأل الله الجنة، وأعوذ به من النار.. هذا التعبير العفوي "دندنة": ما أحصي، ما أعرف كيف تدندن.. لو أن رجلا متقعرا متكلفا سمع هذا لقال : يا عدو الله، أما تستحي؟! تسمي العبادة دندنة؟! وأنت لا هم لك إلا الدندنة؟! ولكن كُلٌّ يغني على ليلاه، في حين أن النبي صلى الله عليه وسلم جاراه، وقال: "حولهما ندندن يا رجل".. ما ذهبت بعيدًا، فهذا الذي تُدَنْدِنُ حوله، وتسأل الله الجنة، هو ما ندعو به.

والنبي صلى الله عليه وسلم سماه دندنةً مجاراة لهذا الأعرابي، وتساوقًا معه، وهذا يَدُلُّ على أن تعاطينا مع عوائد الناس، وأخلاق الناس، التي تختلف من مصر إلى مصر، ومن بلد إلى بلد، وحتى من زمان إلى زمان .. وعلينا أن نتفاعل مع الجديد، سواء كان جديد اللغة، أو جديد العلم والمعرفة، أو جديد التجربة الإنسانية.. علينا أن نتلقاه بعقول مفتوحة، وقادرة على الفرز، وحسن الاختيار .

وأكد الدكتور العودة أنّ من تَرْك التكلف والعفوية:

- أن نعلن أن التدين يمنحنا حب الحياة، و"خيركم مَنْ طال عمره وحسن عمله".

 -وأن يعلمنا التدين حُبَّ الجمال، و"الله جميل يحب الجمال".

 -وأنْ يعلمنا التدين التسامح، والله سبحانه وتعالى يقول: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ}.

 -وأن يعلمنا التدين الرفق والصبر.. وهذه المعاني في غاية الأهمية والخطورة .

صناعة الأصدقاء

7 ـ صناعة الأصدقاء ومحاولة تحييد الخصوم قَدْرَ المستطاع

من المهم جِدًّا أن يكون لدى الإنسان القدرة على صناعة الأصدقاء وتحييد الخصوم .

وضرب فضيلته مثالًا لذلك قائلًا: هذه المحاضرة اسمها "هكذا علمتني الحياة"..وأذكر عندما كنا في المركز الصيفي في إحدى السنوات طُلَّابًا في إحدى المراحل المتوسطة، وكان هناك خصومات، حيث كان فيهم ناسٌ أصحاب اتجاه إسلامي- إن صح التعبير- وآخرون كنا، على الأقل نحن، نُعَبِّرُ عنهم بتعبير آخر..فكان هناك حالةٌ من الاختلاف، بسبب التيارات الفكرية والسياسية الموجودة آنذاك .

وألقى أحد الشباب كلمة في أمسية، وكان عنوان الكلمة "هكذا علمتني الحياة"، وأَخَذَ من كتاب الشيخ الدكتور مصطفى السباعي بعض الحِكَمِ وقرأها، فما كان من الطالب الذي جاء يعلق على هذه الكلمة، وهو من تيار آخر كما كان يصنف، إلا أن تلكم، وعَلَّقَ، وقال: إن فلانًا قال : هكذا علمتني الحياة، ونحن نرجو له أنه يتخرج إن شاء الله قريبا من مدرسة الحياة !

وطَبْعًا واضح ماذا يقصد بهذه الكلمة، وهو أنه يدعو عليه بـ"الموت" ، فيقول: إن شاء الله يتخرج قريبا من مدرسة الحياة!! أو لعلنا نحن مَنْ فَهِمَ كلامه بهذا الشكل؛ لأننا كنا مُشَبَّعِين بنوعٍ من الشك المتبادل!!

فالطالب يَدْرُسُ، ثم يدخل الامتحان في الكلية، أما في الحياة، فإن الطالب يدخل الامتحان أولًا، ثم يحصل على الدرس..وهكذا دروس الحياة، إنما هي امتحاناتٌ نقوم نحن بممارستها، ثم نحصل على نتائجها!

مبدأ نبوي عظيم

 ومن هذه الدروس: أنّ المهم جدا أن يحرص الإنسان، على تجنب صناعة الأعداء، والخصوم، وهذا مبدأ نبوي عظيم؛ إذ استطاع النبي صلى الله عليه وسلم أنْ يَحْشُدَ قبائل العرب التي حاربته ووقفت ضده كلها، إلى صفه، حتى وقفوا وقال قائلهم :

هداني هادٍ غير نفسي ودلني             على الله مَنْ طردته كل مطرد

ووقفوا في صف النبي صلى الله عليه وسلم. فعبد الله بن الزِّبعرى، شاعر قريش الذي كان يَسُبُّ النبي صلى الله عليه وسلم، أصبح شاعرًا إسلاميًّا يُنَافِحُ عن النبوة، كما أن كبارَ القادة العسكريين، مثل خالد بن الوليد في المجال العسكري، تحول إلى مقاتل، وصار سيفَ الله المسلول في سبيل الله عز وجل، فلابد أن يكون لديك القدرة على تحويل الأعداء والخصوم إلى أصدقاء.. حتى أولئك الأعداء الذين لا تستطيع أن تحولهم عن العداوة، عليك أن تحاول التخفيف من غلوائهم، وعادتهم.

أشياء نفسية!

8 ـ الأشياء النفسية قد لا تتطلب أحيانًا المزيد من الوقت والجهد

من دروس الحياة أيضا أنّ الأشياء النفسية، قد لا تَتَطَلَّبُ أحيانًا المزيد من الوقت والجهد، ومنها على سبيل المثال :

أ ـ الإيمان بالله سبحانه وتعالى:

هذا الإيمان هو أعظم العبادات على الإطلاق، والله يهدي مَنْ يشاء للإيمان، وهو معنى لا تكون العبادة مقبولةً إلا به، وهذا الإيمان إذا وجد في قلبك ، فهو يعني ديمومةً في طاعة لله سبحانه وتعالى ، فكل لحظة يقضيها الإنسان من عمره، فهو في خير وازدياد، حتى لو لم يكن يصلي في تلك اللحظة، أو يذكر الله، لماذا ؟؟ لأن الإيمان في قلبه، والإيمان في عبادة، فإذا طال عمره على إيمان بالله، فأجره على الله سبحانه وتعالى .

 ب ـ ذِكْرُ الله عز وجل :

 وذِكْرُ الله يقوله الإنسان قائمًا وقاعدًا وعلى جنب، كما قال الله سبحانه وتعالى : {الذين يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وعلى جُنُوبِهِمْ }، ومع ذلك، انظر كم فيه من الأجر ومن الفضل!

 يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "سَبَقَ الْمُفَرِّدون". قالوا: من الْمُفَرِّدُون يا رسول الله ؟ قال: " الذاكرون الله كثيرا والذاكرات " .

 فَذِكْرُ الله سبحانه وتعالى سهل، فبعض الناس يقول: ما أستطيع قيام الليل، فنومه ثقيل، أو كسول، أو لم يتعود مثلًا، أو لا يستطيع أن يطلب العلم..بينما ذكر الله من التسبيح، والتهليل، يستطيعه العجوز، والفلاح، والمسن، والشاب، في كل حال وعلى كل حال، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم : " كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن، سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم" .

النجاح مرهون بأمر يسير

وأردف فضيلته، قائلا: يُذْكَرُ مثلًا عن الخليل بن أحمد الفراهيدي، وهو إمامٌ لغوي، صاحب كتاب "العين"، وهو أول معجم في اللغة العربية، وهو أيضا مكتشف علم العروض، وله مكانة جليلة وعظيمة، يُرْوَى أنه لما مات رآه رجل، وهو أيضا من أئمة أهل السنة، فقال له : ما صنع الله بك؟ قال : غفر لي. قال : بماذا ؟ قال : بأعرابيةٍ، عَلَّمْتُهَا سورة الفاتحة .

وكذلك يُرْوَى عن سيبويه، وهو من أئمة أهل السنة، صاحب "الكتاب"، وإمامٌ جليل القدر، وله أثرٌ كبيرٌ في حفظ لغة القرآن الكريم ، لما مات رآه رجل، فقال له: ما صنع الله بك ؟ قال : غفر الله لي. قال : بماذا ؟ قال : بأنني قلت في الكتاب: إن الله تعالى هو علم الأعلام، فغفر الله لي بذلك .

ومصداق هذا كله، قول النبي صلى الله عليه وسلم: " إن الرجل ليتكلم بالكلمة، من رضوان الله، لا يظن أن تبلغ ما بلغت، يكتب الله بها رضوانه إلى يوم يلقاه".

 فلا يدري الإنسان في أي كلامه البركة، ولا في أي أقواله، أو أفعاله، فعليه أن يحرص على هذه الأشياء الصغيرة؛ لأن النجاح حتى في الدنيا قد يكون مرهوناً بأمر يسير .

يُرْوَى أيضا أنه كان يوجد رجل معمر اسمه، "آرمس ستورنج"، عُمِّرَ أكثر من 165 سنة، وكان يأتي إلى المعارض التشكيلية، فيرى كثيرًا من الرسوم التي لا تعجبه، وقال: لقد صار الناس يعبثون في الفن! فجاء إلى خشبة قديمة، وعمل بها الحفريات البسيطة، وصب عليها بعض البوية ( الألوان )، ثم وضعها في المعرض على سبيل الدعابة والسخرية، كأنه يعلن احتجاجه على هذه الفنون، وبعد نهاية المعرض، أعلنت الجهة الْمُحَكِّمة أن هذه اللوحة هي التي فازت بأحسن لوحة! وخرج الرجل مذهولًا، وهو يقول: أنا أتيت بها على سبيل الدعابة!

قرار النجاح

9 ـ الفشل ليس من الآخرين:

الفشل الذي يمكن أن يتعرض له الإنسان، ليس من الآخرين، وهذه تجربة عملية، فالفشل الذي يعاني منه بعض الناس لا ينبغي أن ينسبه إلى الآخرين.. فالمدرس الذي أخطأ في التصحيح، أو زود، أو نقص، أو أعداؤك الذين حاربوك .. أبدًا.. كل هؤلاء قد يكونون سببًا في نجاحك وليس العكس، ليس الفشل من الهواء، وإنما النجاح أو الفشل ينبعث من الإنسان، فإذا كان لديك قرار داخلي بالنجاح والله لسوف تنجح، بإذن الله، والدليل على ذلك، قول النبي صلى الله عليه وسلم، عن ربه عز وجل : [أنا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي.. فَلْيَظُنَّ بي ما شاءَ ] .

 

تَخَلُّفُ الأمة ..ما السبب ؟!!

10 ـ عادات التفكير:

عادات التفكير، هي المسئولة عن التخلف الذي تعيشه الأمة، ومنها على سبيل المثال :

أ ـ الكسل:

 إذا كان التفكير كسولًا، متعودًا على التقليد، بحيث يستسلم لأول ما يسبق إلى ذهنه، ويتقبله، ويقاتل دونه أيضا!

ب ـ التعصب:

وهو أيًضا عادة أخرى من عادات التفكير السيئة، فإذا كان الإنسان مُقَلِّدًا متعصبا، فهذه ظلمات بعضها فوق بعض، لماذا ؟

 لأني أتقبل أن يتعصب الإنسان لنتيجة بعد بحث وجهد وتحصيل وتعب، لكن أن يكون الإنسان متعصبًا، لنتيجة لم يتعب في تحصيلها، ولم يختبرها، وإنما تلقاها هكذا من الآخرين ، فلا شك أن هذا أسوأ ما يكون من ألوان التعصب!

 ت ـ الرفض المطلق:

 بعض الناس عندهم قاعدة الرفض المطلق .. كل شيء يقول: لا ..والرفض المطلق ليس عادة جيدة، بل هو من عادات التفكير المنهزم، الذي يخاف على نفسه، ولذلك يحاول أن يبني أسوارًا حوله، بينما التفكير الواثق من نفسه المعتز بذاته، فلديه القدرة على الاستماع والنقاش.

وضرب فضيلته مثالًا لذلك، قائلا: أول أمس اتصل بي أحد الإخوة، وهو شابٌّ سعودي يَدْرُسُ في الولايات المتحدة الأمريكية، وأنا في طريقي من الرياض إلى القصيم، وكنت أقود السيارة أيضا، فقال لي: يا شيخ أنا عندي موضوع- وأنا لا أكاد أسمعه من الطريق- فمنذ شهر تركت الصلاة! قلت له: لماذا تترك الصلاة؟ قال : شكيت في الإسلام صراحة!

قلت: لماذا؟ قال : أنا والله قرأت في قضية التطور، ووجدت أنها هي الصواب، وأن قصة الخلق هذه فكرة غير صحيحة، والصحيح أن هناك تطورًا..ثم تأملتُ في الحكمة من تعذيب الناس في النار إلى الأبد.. وأتى أيضا بمسألةٍ ثالثةٍ .

وعَقَّبَ فضيلته على ذلك، قائلًا: الحقيقة شعرت في أول الأمر بارتباك شديد؛ فكيف لي أن أقنع طالبًا، بيني وبينه آلاف الأميال، والجو لا يسمح؟! ولكني قلت: إن الموقف لا يستدعي التأجيل، فبدأت أناقشه قليلًا في قضية العقل، وآلية العقل، وسألته عن عمره، فقال : 21.. قلت: بدري يا أخي..في سنك لو اتخذت قرار زواجٍ سيكون محل جدل ومراجعة، ولو اتخذت قرار دراسة في كلية ما، فلعلك تغيره بعد ذلك، وربما قال لك أبوك وأمك: يا فلان، أنت متعجل.. قال: والله دائما يقول لي هذا الكلام، بأني أتخذ قراراتي بسرعة جدا..قلت: فحتى تتخذ قرار كفر وإيمان بهذه السرعة فلا تتعجل ، يقول تعالى {وما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا} .حتى العلماء الذين عندك في أمريكا، غالبيتهم مع نظرية الخلق، وهم أقرب إلى الإيمان من علماء أوروبا .

دعك من هذا، لكن، لو أنك قلت: وجدت في مكتبة الجامعة معجمًا من خمسين مجلدًا ملونًا، به الصور، والوثائق، والرسوم والخرائط، والمعلومات والأرقام، وبغاية الدقة والإتقان، هل يمكن أن تتقبل أن هذا المعجم، ليس وراءه فِرَق عمل، وليس فريقًا واحدًا، تعمل عليه ليل نهار حتى تنجزه؟! فكيف تتخيل، أن هذا الإنسان ليس له خالق؟! {وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُون}

وأعطيته جزءًا من حديث، ثم قلت له: إن الذي عندك عبارة عن وساوس وخواطر، وشيء من هذا القبيل، وعليك أن تكون متأنيا، والأصل هو بقاؤك على ما كان، فأنت أصلًا مؤمن بالله سبحانه وتعالى، وهذا الإيمان لا يزول بمجرد طروء بعض الوسوسة، أو بعض الشك عندك.. فعُدْ إلى إيمانك، وأنت إذا تركتَ الصلاةَ، فأنتَ عبارةٌ عن ريشة في مهب الريح، سينتهي شخصك، وستجد نفسك في ضياع ..وما أنت فيه صدمة حضارية، فعقلك ليس في أحسن حالاته.

 فوجدت أنه والحمد لله بعد قليل، قال شيئًا طيبًا؛ إذ سأل قائلًا: طيب، نصف الشهر الذي مضى، كيف أعمل في صلاتي ؟ قلت: الحمد لله، زالَ الخَطَرُ.

وقال الشيخ سلمان معلقًا: ينبغي أن يكون لدينا إدراك بأن الإسلام هو الدين الصحيح، وأن الواجب على دعاة الإسلام، وعلى مفكري الإسلام، أن يكون عندهم قدرة على مواجهة وتصحيح كثير من المفاهيم، وعليهم أن يستفيدوا أيضًا من كل المفاهيم الإيجابية الصحيحة، التي تضج بها الحياة البشرية .

ترميم الداخل

11 ـ المتحدث لا يَمَلُّ من الحديث

أيضا مما علمتني الحياة، أن الإنسان المتحدث لا يَمَلُّ من الحديث، ولو تكلم ساعة ونصفًا، لكن المستمع ربما يمل، ولهذا أترك الباقي من الوقت للأسئلة !

وتعقيبًا على مُدَاخَلَةٍ من الدكتور مصطفى السيد بكري، قال فيها: الشُّكْرُ لله عز وجل.. بالنسبة للقراءة، قرأت كلمة لكاتب ألماني جيد يقول : إن قراءة كتاب قراءة جيدة لا تقل في الأهمية عن تأليفه، وإن أي كتاب تقرأه وأنت مؤهل للقراءة، وتبقى في المكان الذي انطلقت منه، يدل على أن الكتاب لا يستحق القراءة، ثمة ربع دقيقة للتعقيب على موضوع القصة، فأستاذنا الدكتور سلمان يعرف موقف النبي صلى الله عليه وسلم من قصة أهل الكهف، عندما قال : "رحم الله أخي موسى، لو صبر.." الحديث.. فالرسول صلى الله عليه وسلم تأثر بالقصة .. وفي مصر أُجْرِيَتْ دراسة إحصائية، أظهرت تقدم نجيب محفوظ على الشيخ متولي الشعراوي! ويقول ألبيركاميه : الرواية هي العالم مُصَحَّحًا... ويقول أندري جيه: لئن كان التاريخ قصة وقعت، فإن القصة تاريخ قد يقع. وشكرا.

 قال الشيخ سلمان: تكلم الدكتور مصطفى عن القصة أو الرواية، وأهميتها، وحقيقةً أنا أشاطره الرأي ، فقد ذكرني بموضوع له علاقة بما ذكرته قبل قليل، وهو صناعة الخصوم، أو صناعة الأعداء .

وأكد الدكتور العودة: إننا بأَمَسِّ الحاجة أن نحاول ترميم الداخل في مجتمعاتنا العربية والإسلامية، ففي مجتمعاتنا قد تجد بعض الأصوات فيها نشاز أو فيها نتوء، أو فيها تجاوز، وأحيانًا مصارعة! باعتبارهم هؤلاء خصومًا للإسلام عن عمد، ومقارعتهم قد تجعلهم ينأون كثيرًا، بينما لو وفقنا في احتضانهم واحتوائهم ومحاولة تقريب الفجوة، فقد نحصل على مفاجآت.

روايةٌ مُذْهِلَةٌ ..ولكن..

واستَطْرَدَ فضيلته، قائلًا: دعني أذكر لك هذه القصة.. وقع في يدي يومًا من الأيام روايةٌ- ولا أسميها- فقرأتُ هذه الرواية لشاب سعودي، وهي مذهلة في الواقع، ولكني وجدت فيها- في تقييمي الشخصي- نَفَسًا وجوديًّا.. فهناك كلام كثير، يمكن أن تضع تحته خطًّا، ويمكنك أن تصفه بالخطورة.

وفي يوم من الأيام كنت في إحدى مدن المملكة الكبيرة جالسًا، فوجدت شابًّا يأتي، ويُقَدِّمُ نفسَه لي، ويُسَلِّم عليّ بحرارة، ويقول: أنا فلان.. وإذا به صاحب الرواية! وفي الحقيقة ذُهِلْت، واحتفيتُ به أكثر، وقمتُ معه، وأعطيتُه وجهًا كما يقال، وطلب جوالي، فأعطيته الجوال .

ومن الغد- وكنا في رمضان- وجدته أرسل لي رسالة في الجوال، يقول كلمة لطيفة، مثل: سيدي، أو حبيبي.. هل لي أن أدعوك إلى منزلي؛ لتحصل على القليل من الطعام والكثير من الحب؟! فهذا الذوق والأخلاق، فيه نوع من القابلية.

وفي مرة من المرات، قرأتُ في جريدة حديثًا عن مُؤَّلٍف جديد لهذا الشاب، فأرسلت إليه رسالة في الجوال؛ أني قرأت في الجريدة كذا.. فأرسل لي رسالةً أكثر إيجابية، مُكَرِّرًا طلبه الأول، وقال لي: إنه ربما عاش مع أناس أحدثوا له نوع نُفُورٍ من التدين، وكأنه يريد أن يجد مَنْ يُعَزِّزُ جانب القيم، والجانب الإيماني في نفسه .. وأظن أنَّ كثيرًا من الناس كذلك .

ولِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيها

وأردف الدكتور العودة : ولا مانع من وجود أناس في المجتمع قد يغلب عليهم جانب الاحتساب، " ولِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيها "، وأعتقد أننا نحتاج كل الجهود وكل الأعمال، لكن هذا لا ينافي أبدا أن يوجد أناس مهمتهم تأليف النفوس الشاردة وتقريبها .

وعلى سبيل المثال، فيما يتعلق بقضية نجيب محفوظ- ولعلي قرأت معظم رواياته- فأنتم تعرفون أن روايته "أولاد حارتنا"، جرى حولها الكثير من الجدل، فمنهم من قرأها على أنها رواية تمس الذات الإلهية، وإن كانت ليست صريحة، ولكنها رمزٌ يكاد يفصح عن نفسه..ولكن تجد أن هذا الرجل رفض في آخر عمره أن يطبع هذه الرواية إلا بعد موافقة علماء الأزهر.

 مُشِيرًا إلى أن هذا لا يكفي، إلا أنه يُوحِي بأثر تَقَدُّمِ الإنسان في السن، وتطاول العمر، وإحساس الإنسان بأنه قادِمٌ إلى الله، وإلى الدار الآخرة.. فلو وجد هؤلاء الناس، أو غيرهم، مَنْ يساعدهم على الطريق الصحيح، فربما يستفيدون.

يحمل أسفارًا..

وردًّا على سؤال من أحد المستمعين للمحاضرة، يقول: لدى مكتبة كبيرة، وأشتري كل كتاب يعجبني، لكن أضعها على الرفوف ولا أقرأها، فهل أنا مثل الحمار الذي يحمل أسفارا؟! وكيف نُفَرِّقُ بين الكتب ؟ وما هي طريقة القراءة؟ ..

 قال الشيخ سلمان: عدم قراءة الكتب من الأشياء السلبية، وهذا ليس معناه أن يتوقف الإنسان عن الشراء.. لا .. دعونا نقرأ القصة قراءة إيجابية؛ لأن قراءة الكتاب هو دعم لمسيرة الكتاب، وشراؤك للكتاب يعني أنك تُوَرِّثُ أولادك وأحفادك من بعدك مكتبة جيدة، وهذه كلها أشياء إيجابية .

وأضاف فضيلته:ربما في يوم من الأيام تحتاج كتابًا، أو تبحث عن مسألةٍ ما فترجع إليه، وهذا شَيْءٌ جيد، أو عندما تذهب إلى معرض الكتاب، فتأخذ من يساعدك على اختيار الكتب، إذا كنت في البداية..وإذا قرأت كتابًا فوجدت فلم تستسغه، فبإمكانك أن تتركه إلى غيره .

وفيما يتعلق بطريقة القراءة ... ذكر الدكتور العودة: أن على الإنسان أن يبدأ بالكتب السهلة، كالكتب القصصية..وأنا أذكر أن من أول الكتب التي قرأتها، قصة "وا إسلاماه "، للأديب الإسلامي علي أحمد باكثير، وهو من أوائل الروائيين الإسلاميين، وهذه الرواية،أغلبها إسلامية تاريخية، لكني عندما قرأتها، وكنا في أيام الاختبارات، ما استطعت أن أتركها حتى أتيت على آخرها.. فربما ترغب بعض الأشياء الإنسان في القراءة وتحببه إليها.. فهذا شيء حسن.

أُمَّةٌ أمية ؟!!

 ورَدًّا على سؤال من أحد المشاركين في المحاضرة، يقول : هل يتماشى كلامك يا شيخ عن الاهتمام بالقراءة والحث عليها، مع قول النبي صلى الله عليه وسلم : "نحن أُمَّةٌ أُمِّيَّة" ؟....

قال الدكتور العودة: أمة أمية، ليس معناها كما فهمت، نحن أمة اقرأ، فالحديث بأننا أمة أمية، يعني ليس على سبيل الديمومة والمطالبة بذلك، وإنما على سبيلِ الإخبار بالحال الذي كانتْ عليه، ولذلك قال: " الشهر هكذا وهكذا.. نحن أمة أمية، لا نقرأ ولا نحسب".

بينما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالقراءة، وبالكتابة، وقال : "اكتبوا"، والصحيفة الصادقة كتبها عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، حتى قال أبو هريرة: لم يكن أحدٌ أكثرَ روايةً عن النبي صلى الله عليه وسلم مني، إلا عبد الله بن عمرو بن العاص، فإنه كان يكتب ولا أكتب .

فالأمية هنا وَصْفٌ لواقع الحال، كما قال سبحانه : {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ}، وليس دعوةً لديمومة تلك الحال.. كما أن الأمية هنا في الأمور العامة، ففيها جانب ترك التكلف-كما قلنا- والله تعالى ربط أمور الشريعة العامة، بالقدر العفوي السهل، الذي يفهمه عامة الناس، ولا يحتاج إلى تفاصيل.

فتوى بالخطأ

ورَدًّا على سؤال من أحد المستمعين إلى المحاضرة، يقول: نقلتُ عن أحد مشايخي فتوى بالخطأ، ونسبتها إلى الشيخ، وكان السبب سُوءَ فهم مني، فكيف أعتذر للشيخ؟

 قال الشيخ سلمان: عليك أن تخبر الشيخ بأنك نقلت عنه الفتوى خطأ، وتطلب منه المسامحة، يقول تعالى: {وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ}

دليل..و"إشراقات قرآنية"

وردًّا على سؤال يقول: استبشرنا كثيرًا بافتتاح قناة "دليل"، لكننا تفاجأنا بعدها بعدم وجود برنامج مستقل لفضيلتكم من خلاله!

 قال الشيخ سلمان: يوجد برنامج "إشراقات قرآنية"، وهو دروس دورةٍ ألقيتها في الرياض، في تفسير جزء عم، وأشارك معهم أحيانًا في برنامج "الفتوى" وهو برنامج يومي عندهم. وهناك برنامجٌ اسمه قصة فتوى، نحن بصدد تسجيله.

مخالطة الناس

وتعقيبًا على مداخلة، تقول: ماذا تقول لمن يعيش الغموم والهموم، وأنهكته الخلطة بالناس، وفي نفس الوقت يَدْرُسُ بالجامعة ، فكيف يوفق بينهما، بحيث لا تصده الهموم عن مواصلة المسيرة؟ ...

 قال الشيخ سلمان: "المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم، خير من الذي لا يخالطهم ولا يصبر على أذاهم"، لكن يبدو أن هذا الشاب لديه حساسية من تصرفات الآخرين، فيقع بسبب ذلك في نوع من الهم والغم.

 ولكن من إيجابية مخالطة الناس أنها تزيل هذه الحساسية، وتُعَوِّدُ الإنسان على المرونة والتَّطَبُّع مع هذه الأشياء.

 ولا بأس فيما يتعَلَّقُ بالدراسة أن يجعل الإنسان لنفسه وقتًا يخصصه للقراءة والمذاكرة، وأن يجعل كثيرًا من مخالطته مع زملائه الذين يذاكر معهم .

التحذير كثرة المديح

ورَدًّا على سؤال يقول: كيف نجمع بين قول النبي صلى الله عليه وسلم: " احثوا في وجوه الْمَدَّاحِين التراب"، وقوله لذلك الرجل : "ويحك قتلته"، وبين مَدْحِهِ صلى الله عليه وسلم في بعض المواقف؟ قال الشيخ سلمان: الحديث الوارد : " احثوا في وجوه المداحين التراب" ، ولم يقل: مَنْ مَدَح، أو المادح، بل قال المدَّاحِين.. أي المعروفين بهذه الخصلة، ومعروفٌ أن بعض الناس لا يُتْقِنُ إلا المديح، ويفرط ويبالغ في المديح، ويتعدى الحدود، وخاصة ما يعرف عن الشعراء الذين وصل الحال بقائلهم أن يقول :

ما شِئْتَ لا ما شاءتِ الأقدارُ     فاحكم؛ فأنتَ الوَاحِدُ القَهَّارُ!

وكَأَنَّما أنت النبيُّ محمدٌ        وكأنما أنصارك الأنصارُ!!

وخاصة إذا كانوا يمدحون أهل السلطان، أو أهل المال، ويطلبون من وراء ذلك جاهًا، أو مالًا، أو وظيفةً، أو ما أشبه ذلك؛ لأنهم يكسرون ظهورهم، ويقطعون أعناقهم، ويُضِلُّونَهم عن الحق والصواب.

 فكثرة المديح تجعل الإنسان يعيش في سكرة وغمرة، فلا يرى من نفسه الخطأ حتى لو وقع لكل أحد!

 فكلُّ من توارد عليه المديح المفرط، وبولغ فيه، فإن ذلك قد يصده عن التصحيح والمواصلة؛ لأنه يرى أنه لا مزيد على ما هو فيه. ولذلك قد يكون من رحمة الله عز وجل أنْ يُسَلِّطَ بعض العباد على بعض، حتى تأخذ الأمور وضعها الطبيعي!

طُلَّابِي لا يحترمونني!

وردا على سؤال يقول: أنا مدرس، وطلابي لا يحترمونني، وهم في سن مراهقة، فماذا أفعل؟؟ ... قال الدكتور العودة: علاقة المدرس بالطلاب، كلما كانت حميمية، كانت أفضل ، وأول ما عُيِّنْتُ في المعهد العلمي، كان هناك نوع من الفوضى والاستعداد لاستفزاز المعلمين، وهناك قصص كثيرة تُرْوَى في هذا السياق، فلما تخرجت من الكلية، وذهبت إلى المعهد العلمي، وأنا حديث عهد بالمعهد العلمي أيضا، أي ليس بيني وبينه إلا أربع سنوات..كان يسيطر عليّ هاجِس: كيف أستطيع أن أضبط الطلاب؟

 فكنت منذ البداية صارما ورسميًّا مع الطلاب، ولا أسمح لطالب أن يحرك الطاولة مثلا يمينًا ولا يسارًا، ولا أن يحرك الكرسي، واستطعت أن أضبط الطلاب، ولكن ترتّب على ذلك تَبَرُّم الطلاب من الدرس، ومَلَلُهُم من الشرح.

وعندما انتقلت إلى الكلية، هنا، إلى هذا المبنى نفسه، مُعِيدًا بعد أربع سنوات وزيادة، كنت قد تلقَّنْت هذا الدرس..وكان الإخوة في الكلية، جزاهم الله خيرًا، قد وضعوا أشياء مرتفعة، أشبه بالمنصات أمام الطلاب، وأحيانا يكون على المنصة طاولة..

فكنت أجلس فوق الطاولة، والطلبة أحيانا يدخلون ويخرجون، وأجد أمامي مجموعة من الأسئلة لا تتعلق بالدرس، فأبدأ بالإجابة عليها، فتنفتح أذهان الطلاب، ثم يبدأ الشرح، ولعل بعض الطلبة غير منصت، لكن مع استمرار الشرح، يسكتون ويستمعون، فأشعر أنا بالراحة الشديدة.

العلاقة مع الطالب

وحين آتي للدرس لا أحس بثقل أو وطأة، وكأنني أريد أن أخوض معركة، وإنما آتي إلى الدرس بكل عفوية، ولا أشعر بأي قلق، أو توتر، وأظن أن الطلبة يشاطرونني هذا الإحساس، فأدركت أنه كَمْ من المهم ألا يكون المدرس مهمومًا بكيفية صناعة مكانته عند الطلاب، ولكن عليه أن ينشغل بكيفية صناعة العلاقة مع الطلاب، حتى لو كانوا صغارًا، فعندما تحتضنهم وتحتويهم، وتكون علاقة حميميةً معهم، حتى الطلاب الذين يصدر منهم شيء، فتحضره عندك، وتكلمه على انفراد، فلعله يبوح لك .

وضرب فضيلته مثالًا لذلك، قائلًا: أذكر أنّ طالبًا كان لا يؤدي الواجبات مرة أو مرتين أو ثلاثًا، فأحضرته عندي، وأجلسته لأسمعه، فانفجر باكيًا، وأخبرني عن مشكلة في البيت، وأن والده يعاقر الخمر، ويؤذيه ويؤذي أمه، وهو شابٌّ صغيرٌ.. فينبغي ألا يقتصر دور المدرس على تلقين المعلومات، وإنما هو يربي ويُوَجِّهُ ويُرْشِد أيضًا.

من اللغة ..إلى الشريعة

وردًّا على سؤال يقول: فيما أعلم أنك شيخنا درست في كلية اللغات، ثم انتقلت إلى كلية الشريعة، فهل هذا الانتقال بناء على طلب تَنَوُّع العلوم، أم لسبب آخر ؟؟ ...

 قال الشيخ سلمان: كنت أميل إلى اللغة العربية، وربما هذا بسبب قراءاتي، وأذكر أن من الكتب التي كنت في مقتبل الطلب أقرأها وأحفظها، الأصمعيات، والمفضليات، ومجموعة من كتب الأدب العربي القديم، وغيرها كثير، فتوجهت إلى كلية اللغة العربية، منتسبًا في الرياض، وبقيت في القصيم، ما بين الوالدين، وما بين المكتبة، وكان هناك مكتبة اسمها "مكتبة النهضة"، كنت أتردد عليها، وأبيع فيها .

ومن الطريف أني أذكر أنه جاءني رجل قال : عندك ديوان امرئ القيس، فقلت له : ما عندي لا! قال : امرئ القيس الذي يقول: اقتربت الساعة وانشق القمر يا غزال صار قلبي ونفر !!

فكنت قريبًا من المكتبة، أقرأ فيها..  وفي السنة الثانية، فتحت الكلية بالقصيم، فرع الجامعة، وكانت كلية شريعة فقط، فطلبت التحويل من اللغة إلى الشريعة، في السنة الثانية، بشرط عدم ضياع السنة الأولى عليّ .. وشكلوا لجنة، وكان أيضاً على رأس اللجنة الشيخ صالح الخزيم، رحمه الله تعالى، وهو مُحِبٌّ لي، ويعتبرني أحد أبنائه، وكان وكيل الكلية، فعمل اختبارًا، وسألني أسئلةً بسيطةً جِدًّا في الشريعة، أذكر منها قضية طهارة جلود الميتة بالدباغ، وأشياء من هذا القبيل..وأعطاني الدرجة كاملة، فوافقت الجامعة على تحولي من اللغة إلى الشريعة في نفس السنة، وفي تلك السنة أعددت بحثًا في اللغة العربية، وكان عن عبد القاهر الجرجاني، وكتابه "الإعجاز"، وأعددت بحثًا شرعيًّا أظنه كان حول "حكم صلاة الجماعة .. وما ورد فيها" .

وكان الدكتور العودة قد أعرب في بداية المحاضرة عن سعادته بزيارة جامعة القصيم، وإلقائه محاضرة وسط لفيف من الأساتذة والطلاب.

للاستماع للمحاضرة:
 هكذا علمتني الحياة

تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.

تعليقات الإسلام اليوم



تبقى لديك حرف
   

التعليقات

  1. 1- suad
    12:21:00 2009/03/16 صباحاً

    السلام عليكم ,نتمنى من شيخنا ان يجمع ماتعلمه في الحياة في كتاب وندعوالله أن يبارك في عمره بحيث يصدر كل عام جزء من تجاربه في الحياة

  2. 2- أبو المهند
    09:31:00 2009/03/16 صباحاً

    نرجو منك يا شيخ سلمان العودة أن تتكلم ولو لمرة واحده عن موضوع ظلم الكفلاء للمكفولين أقصد العمالة في المملكة العربية السعودية والله يا شيخ سلمان أننا سوف نحجك أمام الله لأننا نظر إليك ليس كباقي العلماء فأنت الأمل الوحيد بعد الله نرجو توظيح ذلك للكفلاء

  3. 3- محمد الكرابه
    01:45:00 2009/12/15 مساءً

    السلام عليكم ياشيخنا الفاضل ..... أولا أسأل من الله العظيم أن يبارك لك في جهودك وعلومك ويجعلها خالصه لوجهه الكريم .... وأوصيك الدعاء لي ولوالدي ...... محمد الكرابه ـــ اليمن

  4. 4- عمر العراقي
    07:55:00 2012/11/27 مساءً

    وهكذا تعلمت من الشيخ سلمان الحياة .