- كم هو مخجل أن نتلبّس بعبادة ونفعل نقيضها
- خسارة الإنسان حياته كلها أهون من أن يخسر إيمانه بربه
- مدرسة جدة السيرلانكية
- شجاعة الدكتور حمد المرزوقي ورحلة اليقين
- العبادة تفرز روح الرحمة
- الله أذن للناس جميعا أن يعبدوه دون تفويض
أكد فضيلة الشيخ الدكتور سلمان بن فهد العودة - المشرف العام على مؤسسة "الإسلام اليوم"- أن العبادات لم تشرع لمجرد الابتلاء أو تكليف الناس بفعلها، مشيراً إلى أن لكل عبادة مقصد وأثر في سلوكنا وأدائنا الوظيفي، لافتاً إلى أن من مقاصد العبادات تحقيق مصالح الناس في الآخرة للفرد وللجماعة.
وقال الشيخ سلمان - في حلقة أمس الأحد من برنامج "حجر الزاوية" ، والذي يبث على فضائية mbc ، والتي جاءت تحت عنوان "العبادة" - إنه لابد من التأكيد على الجانب المقاصدي في العبادة، من خلال تحوّل العبادة إلى سلوك ، وتأثير العبادة على القلب والنفس والجوارح ، يقول ربنا سبحانه: (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ) (المؤمنون).
أسئلة المستفتين
وتابع الدكتور العودة: إننا إذا نظرنا إلى أسئلة المستفتين في البرامج الدينية وبرامج الإفتاء، سنجد أن الكم الهائل الأغلب يتحدث أو يسأل عن عملية محددة لما يفعله الإنسان ؛ ولذلك تكون الإجابات في الغالب متعلقة بهذا الموضوع ، بينما ينبغي أن يسأل الناس عن الجانب المقاصدي.
وأضاف فضيلته إن مذهب الغزالي والشاطبي أو ابن تيمية أو ابن عابدين أو غيرهم من أهل العلم أن العبادات لها مقاصد؛ ولذلك ينبغي أن يكون الحديث عن مقاصد العبادة وأثر ها في أدائنا، و محافظتنا على الأسرة أو في حقوق الجيران ، لافتاً إلى أن المسلم طوال حياته منذ أن يبلغ أو أن يعرف رشده أو من قبل ذلك وهو يتعلم كيف يتعبّد؟ ويقرأ عن الحثّ على العبادة، لكن من النادر أن يقرأ شيئاً في مقاصد التشريع نفسه الذي الله عز وجل أراده من خلال هذه العبادات.
العبادة ونقيضها
وأردف فضيلته: ولذلك ينبغي أن يكون الحديث عن مقاصد العبادة وأثر العبادة في سلوكنا، في أدائنا للوظيفة أو في محافظتنا على الأسرة أو في حقوق الجيران..
وقال: كم هو مخجل أنه نحن أحياناً نتلبّس بعبادة ونفعل نقيضها مثل الصوم ، وضرب فضيلته مثالاً لذلك بالكذب ، قائلاً: قرأت أن أم غاندي كانت تصوم على عادتهم في الهند صوماً طويلاً حتى تسمع صوت الواق واق فطال الأمر بها فذهب ولدها غاندي وصاح مقلداً صوت الواق واق فأفطرت الأم ولما جاء كان يضحك لأنه يرى أنه أفلح ، حزنت أمه حزناً شديداً .وكانت تقول يا الله ماذا عملت حتى تبتليني بهذا الولد الكذّاب ؟!.
وتساءل الشيخ العودة: كم من المسلمين يصومون ومع ذلك قد يمارسون الكذب؟! ، مؤكداً على ضرورة أن يكون للعبادة أثر أو طابع على الإنسان.
وأكد الشيخ سلمان أن من أعظم مفاهيم العبادة أنها تدعو إلى قهر الأنانية والتغلّب على التعصب أو الاندفاع وإن كان بعض الناس بسبب الانحراف في العبادة، تتحول هذه العبادة عنده إلى نوع من الأنانية أو التعصّب أو الاندفاع ضد الآخرين.
العبادة أعظم عصمة
ووقف فضيلته وقفة قرآنية مع مفهوم العبادة ، مشيراً إلى أن القرآن الكريم أكد على ضرورة العبادة للحياة ، يقول الله تعالى : (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) (الفاتحة:5) فالبدء بالعبادة في هذه الآية التي نقولها في كل ركعة ، والتثنية بالاستعانة يشير إلى أن العبادة ضرورية للحياة، كما يشير إلى أن الحياة لا تخلو من صعوبات وعسر ، فالذين نجحوا يقولون: انتزعنا النجاح من شدق الأسد ومن صعوبات جمّة، وأما أولئك الذين أخفقوا فهم يرون الحياة أكثر صعوبة ، بل هناك من يقول إن الحياة مستحيلة؛ ولذلك يلجؤون إلى الاستقالة المبكرة ويقعون في الانتحار والعياذ بالله ، ومن هنا كانت العبادة هي أعظم عصمة.
وأضاف فضيلته أن عبادة الله والاستعانة بذكر الله سبحانه وتعالى، لها الكثير من الفوائد ، منها :
1 ـ أنها خير ما يساعد الإنسان على تجنب صعوبات الحياة:
ودليل ذلك قول النبي – صلى الله عليه وسلم لعلي رضي الله عنه ، وفاطمة رضي الله عنها « أَلاَ أَدُلُّكُمَا عَلَى مَا هُوَ خَيْرٌ لَكُمَا مِنْ خَادِمٍ ، إِذَا أَوَيْتُمَا إِلَى فِرَاشِكُمَا ، أَوْ أَخَذْتُمَا مَضَاجِعَكُمَا ، فَكَبِّرَا ثَلاَثًا وَثَلاَثِينَ ، وَسَبِّحَا ثَلاَثًا وَثَلاَثِينَ ، وَاحْمَدَا ثَلاَثًا وَثَلاَثِينَ ، فَهَذَا خَيْرٌ لَكُمَا مِنْ خَادِمٍ » فأرشدهم إلى أن الاستعانة بذكر الله I ، ؛ ولهذا دائماً الإنسان يتذكر أن الله المستعان .
2 ـ العبادة ضرورة للإنسان :
والذي إما أن يعبد الله أو يعبد الشيطان ، يقول تعالى (أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ * وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ) (يّـس:61،60) ، فنجد الآن ما يسمى بـ"عبادة الشيطان" ، حتى أصبحت عنواناً تجده الآن من الهيبز إلى ما يسمى بالبانك إلى غير ذلك من المسميات في الغرب أو في الشرق ، حيث تجد أن شباب من 12 إلى 17سنة أحياناً يجتمعون على البهيمية والحيوانية والتمرد على جميع القيم وعلى التحرر من جميع السلطان، وأحياناً يُعبّرون عن أنفسهم من خلال أشكال أو ملابس أو أزياء أو حتى أنواع من الطقوس باسم العبودية للشيطان .
مفهوم العبادة
وفيما يتعلق بمفهوم العبادة ، أوضح الشيخ سلمان : أن هناك مفهوم شامل ، وهو أن الكون كله عابد ، فالسماوات والأرض ومن فيهن تسبح الله I ، في حين أن الإنسان هو الكائن الوحيد المختار الذي شُرع له طريق العبادة أو غير ذلك ، يقول تعالى (إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً) (الإنسان:3) ، وهذا يجعل الإنسان يشعر بالصداقة والتوافق مع الكون وأن الكشوف التي يجريها الإنسان مع الكون هي بمثابة نوع من الفاعلية ، فهذه الكشوف ليست تسلطاً أو انتزاعاً ننتزعه وإنما هي نوع من التوافق مع هذا الكون الذي ربما هو يهدينا ذاته ويهدينا أسراره عندما نبحث عنها بالطريق الصحيح .
وذكر فضيلته أن هناك ألوان مختلفة من العبادة ، فهناك :
1 ـ عبادة محضة:
أو القرب، وهي من معاني الشمولية في العبادة ، وذلك مثل : الصلاة ، الزكاة ، الصوم ، فهذه العبادات تسمى قرب محضة .
2ـ عبادات ليست قرباً محضة: وفيها مجال واسع للاجتهاد حسب الظروف ، وذلك مثل طلب العلم أو الجهاد.
كما أن هناك الأعمال المتعديّة الإحسان إلى العباد الذي هو أجر ومثوبة حتى لو كان من دون نيّة، لحفز الناس على العمل الصالح، و الأعمال الخاصة الشخصية، والتي بالنيّة تتحول إلى عبادة مثل الأكل أو الشرب أو حتى النوم، وكان معاذ بن جبل t يقول : (أَمَّا أَنَا فَأَنَامُ وَأَقُومُ وَأَرْجُو في نَوْمَتِى مَا أَرْجُو في قَوْمَتِى) ، وهذا من شأنه أن يمنحنا الدافعية لتحفيزنا على العمل ، وعلى أن يكون للإنسان سريرة نية صالحة، وهو ما ميز الأئمة رضوان الله عليهم ، مثل الإمام مالك رحمه الله والذي فضلاً عن كونه عالماً جليلاً ، كان لديه سريرة بينه وبين الله عز وجل .
مدرسة جدة السيرلانكية
وضرب الدكتور سلمان العودة مثالاً على وجود سريرة نية صالحة لدى بعض الناس في عصرنا هذا ، قائلاً: لقد رأيت في سريلانكا مدرسة مكتوباً عليها " مدرسة جدّة " ، وعندما سألت عنها ، قالوا : إن صاحب هذه المدرسة قبل ثلاثين أو أربعين سنة أتى إلى إحدى دول الخليج يطلب المساعدة ، وذهب إلى رئيس تلك الدولة وقدّم له فأعطوه ما يعادل 40 ألف ريال ، فجلس في مقهى في جدة حزيناً وقد كان ذهب للعمرة ، فرآه رجل من أهل جدة قد لبس القميص ولف فوطة على جسده بطريقته العفوية البسيطة ، فقال له : ماذا يغضبك ؟ فأخبره بالخبر ، قال : كم تحتاج للمدرسة ؟ قال 200 ألف دولار . قال : غدا تعال تحصلها عندي ، فظن أنه يسخر به ، ولما جاءه في الغد، وهذا طبعاً قبل أحداث سبتمبر، وجد الـ200 ألف دولار قد جهزها له . قال له : أنا لا أعرفك ولكن وثقت بوجهك وملامحك والله بيني وبينك ، لن يسألك عنها أحد إلا يوم القيامة ، لا تصرفها إلا في هذا، ورفض أن يخبره عن اسمه ، فبني هناك مدرسة للبنات ، وأسماها بـ"مدرسة جدة" ، إشارة إلى ذلك الشخص الذي أعانه.
أثر العبادة ؟!!
وتعقيباً على مداخلة ، تقول إنه كثيراً ما نشاهد عبادة قد تكون متقنة بأفعالها وحركاتها إلا أنها خارج نطاق مكان العبادة لا أثر لها ، قال الشيخ سلمان: إنه من المفترض أن نقيس العبادة بمدى الأثر الذي تحدثه على سلوكنا، و أخلاقياتنا، وعطائنا بالحياة ، وذلك بدلاً من أن تتحول العبادة إلى رموز و أشكال وعادات أو عوائد يفعلها الناس دون أن تحدث أثرها فيهم .
دعوة للحياة
وفيما يتعلق بعلاقة العبادة بالحياة ، وما إذا كانت العبادة هروباً من الحياة ، أوضح الشيخ سلمان:
أن العبادة هي دعوة إلى الحياة، يقول ربنا I : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ)(الأنفال: من الآية24) .
فالعبادة لا تأخذ منا الدنيا حتى تعطينا الآخرة ، وإنما تعطينا الدنيا مع الآخرة ، يقول تعالى (رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)(البقرة: من الآية201) ، كما أن الله عز وجل يقول لنبيه r : (وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى) (الضحى:4) ، كما أن قوله (وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ) ، معناه أن الدنيا خير أيضاً ،فالنبي r كان يتذوق العبادة ويشعر بمعناها الجميل، كما الذوق هنا ليس مصطلحاً صوفياً كما يظن البعض حتى لو كان صوفياً فهو مصطلح صحيح ومصطلح شرعي « ذَاقَ طَعْمَ الإِيمَانِ مَنْ رضي بِاللَّهِ رَبًّا وَبِالإِسْلاَمِ دِينًا وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولاً » ، « ثَلاَثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلاَوَةَ الإِيمَانِ » ، فكان صلى الله عليه وسلم متذوقا للعبادة، وذاكرا لله ، مستمتعا بالحياة حتى إنه r ما ترك شيئاً من الطيبات تيّسر له لكنه كان لا يتكلّف مفقوداً ولا يردّ موجوداً ، فاستمتاعه بالسفر والإقامة وبالعلاقة الزوجية وبالنوم والصحو والأكل والشرب هذا كله من متاع الحياة الدنيا وأعظمه العبادة التي كان يقول : "أرحنا بها يا بلال" ، والآخرة خير وأفضل بالنسبة للنبي r لما جعل الله تعالى للنبي r فيها من الخيرات.
العبادة تشريف
وفيما يتعلق بقول البعض إن " العبادة تكليف وابتلاء "، قال الدكتور العودة : إن العبادة في الواقع تشريف، كما أنها ليست عزلة للإنسان عن الحياة ، وإنما هي تكريس لشخصية الإنسان ، بدليل أن هناك عبادات تشرع فيها الجماعية، مثل : صلاة الجماعة ، العمرة ، الحج .. وغيرها من الأعمال الكثيرة جداً التي يعمل الناس فيها معاً لتربط الناس بعضهم ببعض .
كما أن العبادة ليست "دروشة" وإنما هي صلة ، فهناك العبادات العامة والتي تتعلق بالإحسان إلى الناس ، والوالدين ، والزوج ، والصبيان الصغار ، حتى ذكر الطبراني بسند جيد قصة الرجل الذي رآه الصحابة قوياً فَقَالُوا : لَوْ كَانَ هَذَا فِى سَبِيلِ اللَّهِ فَأَتَوُا النَّبِىَّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ النَّبِىُّ صلى الله عليه وسلم :« إِنْ كَانَ يَسْعَى عَلَى أَبَوَيْهِ شَيْخَيْنِ كَبِيرَيْنِ فَهُوَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَإِنْ كَانَ يَسْعَى عَلَى وَلَدٍ صِغَارٍ فَهُوَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَإِنْ كَانَ يَسْعَى عَلَى نَفْسِهِ لِيُغْنِيَهَا فَهُوَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ » ، ولكن الفارق في جانب القيم ، فالدين لا يحرمنا شيئاً من متاع الحياة الدنيا إنما يحيط هذه الأشياء بالقيم ، لمعرفة الحلال وتجنب الحرام حتى لو كان متاحاً له ، معرفة حق النفس وحق الغير في هذا المال، ويعرف حق الفقير والمسكين وابن السبيل.
فاعلية العبادة !
وفيما يتعلق بفاعلية العبادة ، وأنها تقتضي ألا يكون هنالك حرمان من الحياة ، وأن يُفعّل الإنسان ذاته ويستلهم هذه العبادة بعطاء أكثر ، قال الشيخ سلمان: إنه من الخطأ ربط هذه الأشياء بالعطاء الدنيوي ، حيث يروى أن رجلاً اسمه جابر أو جويبر جاء إلى عمر t وكان رجلاً فصيحاً يقول : " أوتيت لساناً " ، فبدأ يذم الدنيا حتى انتهى فقال له رجل إلى جنب عمر يقول : رجل أبيض الشعر وأبيض الوجه وأبيض الثياب قال : كلامه كله مقارب ، لا بأس به إلا ذمك الدنيا ، أتدري ما الدنيا؟ الدنيا هي التي فيها معاشنا وفيها أعمالنا وفيها زادنا إلى الله تعالى وإلى الدار الآخرة ، فقلت: يا أمير المؤمنين من هذا الرجل؟ قال : هذا سيد المسلمين أُبيّ بن كعب.
فهذا الرجل كأنه أراد أن يتقرّب إلى عمر وإلى أُبيّ والمسلمين بذم الدنيا ، فغلّطوه وصححوا له وبينوا له أن هذه الدنيا هي التي فيها المعاش وفيها العمل، مما يؤكد أنه ليس المراد من العبادة العزلة عن هذه الحياة ، والفرق بين " ناسك المدينة " و " ناسك الصومعة " أن الناسك الحقيقي هو ناسك المدينة وليس ناسك الصومعة، وكذلك بعضهم يقول : العبادة أو التقوى بين السيقان وليست بين الجدران، أي بين مخالطة الناس وكون الإنسان تتاح له كثير من الفرص.
شعور عظيم
وأكد الشيخ سلمان أن العبادة هي التي تربط الإنسان بربه عز وجل ، وتخلق لديه إحساساً بأن الله عز وجل هو الخالق وأننا صدرنا بإرادته ومن يده عز وجل حيث خلق الله تعالى آدم بيده ونفخ فيه من روحه وجعل له هذه الميزة ، مشيراً إلى أن هذا يشعر الإنسان بتميزه ، وحسن خلقه، يقول تعالى (لَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ) (التين:4) ، يقول أيضا (الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ * فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ).
وأضاف فضيلته إن شعور الإنسان بأنه يناجي وينادي ربه وأن جوارحه وجسده وعقله وقلبه كلها تسجد في ملكوت الله عز وجل وتسبح بحمده إما طوعاً واختياراً أو قصراً واضطراراً ، دون أن يكون هناك حاجة إلى استئذان ، هذا معنى عظيم ، فالإنسان إذا أراد أن يُخاطب كبيراً أو شهيراً ربما لم يستطع ، أما الله عز وجل فقد أذن للخلق كلهم أن يعبدوه وأن يسجدوا له وأن يوحدوه ولا يحتاج هذا إلى تفويض ولا إلى إذن من أحد كائناً من كان ؛ ولهذا كان من أسمائه تعالى أنه "الواسع" .
كما أن الله عز وجل أعطانا الفسحة في الدار الآخرة ، فهذه الجوارح تعمل ليس فقط للدنيا والنجاح في الدنيا مع أنه مطلب يقول : " حي على الصلاة ، حي على الفلاح " ، في حين أن الجوارح التي تعمل للدنيا فقط سوف تملّ ، ومن المجرّب أن كل شيء تحصل عليه في هذه الدنيا يهون عليك ، فالذي لا يجد المال ربما يتخيّل شيئاً ضخماً ، وكذا الذي لا يجد السلطة أو الوظيفة أو الزوجة ، لكن إذا حصل الإنسان على هذه الأشياء ربما هانت عليه، حتى إن من الناس من قد تسقط من عينه ، حتى لو أنك لو تخيلنا أعظم وظيفة "رئيس الولايات المتحدة الأمريكية"، ففي النهاية ستجد أن الأمر عادي ، وستظل إنساناً بشراً عادياً وتصبح هذه الأمور ليس لها البريق واللمعان الذي تظنه وأنت عنها بعيد .
وعد الآخرة!
وأوضح الدكتور العودة : أنه من هنا جاء الوعد بالآخرة ، « مَا لاَ عَيْنٌ رَأَتْ وَلاَ أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلاَ خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ » ، « إِنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ يَتَرَاءَيُونَ أَهْلَ الْغُرَفِ مِنْ فَوْقِهِمْ كَمَا يَتَرَاءَيُونَ الْكَوْكَبَ الدُّرِّىَّ الْغَابِرَ فِى الأُفُقِ مِنَ الْمَشْرِقِ أَوِ الْمَغْرِبِ ، لِتَفَاضُلِ مَا بَيْنَهُمْ » . قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ ، تِلْكَ مَنَازِلُ الأَنْبِيَاءِ لاَ يَبْلُغُهَا غَيْرُهُمْ قَالَ « بَلَى وَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ ، رِجَالٌ آمَنُوا بِاللَّهِ وَصَدَّقُوا الْمُرْسَلِينَ » ، فنجد هنا فاعلية الإنسان العادي ، الذي ليس له شهرة ولا نسب ، ولكنهم (آمَنُوا بِاللَّهِ وَصَدَّقُوا الْمُرْسَلِينَ) ، حتى أن آخر وأدنى أهل الجنة منزلة ، تخيل هذا محمّل بذنوب وأوزار ويمشي ويكبو وفي الأخير برحمة أرحم الراحمين يدخل الجنة ، يقال له : ادخل الحنة فإن لك الدنيا وعشرة أمثال الدنيا.
العبودية معنى يرافقنا
وأكد الشيخ سلمان أن وظيفة الجوارح كلها هي العمل على الفلاح والنجاح في الدنيا وفي الآخرة ، وأنه بالعاطفة التي هي عاطفة الحب تستوعب الناس بمحبتك الأقربين والأبعدين.
وكذلك عبادة العقل، هي أن يسبح العقل في الملكوت ويتدبر السماوات والأرض، ويتدبر خلق الله تعالى في كل شيء في نفسه (وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ) (الذاريات:21) ، بل يتدبر هذا الكتاب العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه .
و عبودية اللسان، تكون بالذكر والتسبيح والاستغفار والتهليل بالثناء الطيب على الناس وتصور الأجمل عنهم وحسن الظن بهم ، و عبودية العين: بالنظر فيما أحل الله سبحانه وتعالى. والأذن بسماع الطيب ، وهكذا عبودية اليد أو الرجل أو الجوارح كلها.
فكل جارحة لها عبودية فضلاً عما أعطانا الله، مثلاً: عبودية المال بالإنفاق ، عبودية الجاه بالشفاعة عند الناس ، عبودية السلطة بالتقوى ورفع الظلم عن الآخرين .. وهكذا تجد أن العبودية ليست شيئاً نتحدث عنه ثم نقفله وننتهي إلى غيره ، ولكن العبودية معنى يرافقنا في كل وقت وفي كل حال .
أين أثرها؟!
ورداً على سؤال حول : كيف يمكن أن تصل الفاعلية بالعبادة إلى أن تهذب الروح الأخلاقية الاجتماعية في المجتمع ، وتقضي على العنف تقضي على المظاهر السيئة ، قال الشيخ سلمان : إنه من المفترض أن تفرز العبادة روح الرحمة عندنا بالفقير والمسكين والجار وابن السبيل والقريب على وجه الخصوص.
مشيراً إلى أنه من المؤلم جداً أنه في الوقت الذي نقول إن التدين أو السلوك العبادي في منطقة الخليج العربي هو الأقوى ، ومع ذلك تجد أن حالات من العنف الأسري هي الأقوى أيضاً حتى أن بعض التقارير تشير إلى أنه ما بين 47% إلى 73% حالات العنف ،وأن 45% من الأطفال السعوديين يواجهون عنفاً يومياً، هذا العنف قد يكون عنفاً جسدياً بالضرب، أو عنفاً معنوياً ، وقد يكون سباً أو شتماً أو تحطيماً أو ما أشبه ذلك ، متسائلاً: أين أثر هذه العبادة على السلوك؟!
وأضاف فضيلته أن العبادة هي التي تلهمنا الروحانية ، كما أن الإيمان بالله سبحانه وتعالى يعطينا أعظم ما يعطينا "الحب" ، كما أن أسماء الله الحسنى كلها تدور حول جوانب الرحمة والبر والجود والإحسان ، فليس في أسماء الله الحسنى مثلاً "الباطش" أو "شديد العقاب" ، هذا على الصحيح أنه ليس من أسماء الله الحسنى أو "المؤلم" أو "المعذِّب" أو "الآخذ" أو "المنتقم" .. وإنما أسماء الله الحسنى كلها : " الرحمن ، الرحيم ، التواب ، الكريم، الجواد .." إلى غير ذلك مما هو معروف.
وقال فضيلته إن هذا المعنى قد اكتشفه اكتشافاً عند قراءته في كتاب "مع الله "، لكنه وجد أن أهل العلم كما ذكر الإمام ابن تيمية وابن القيم والغزالي وغيرهم مما كتبوا في أسماء الله الحسنى أنهم ذكروا أنها أصلاً إنما سميت حسنى لهذا المعنى.
روح العبادة
وتعقيبا على مداخلة ، تقول : قرأت مقالاً يقول يجب أن تكون العبادة في مختلف الأديان تجربة مع الخالق ، قال الشيخ سلمان : إن روح العبادة وطبيعتها واحدة ، فالإنسان يعبد الله سبحانه وتعالى إن كان في المريخ أو القمر أو في مختبر أو كان في مزرعة أو قرية أو في الصحراء ، كما أن الإسلام جاء يحدد خاصة الجانب التعبدي حتى لا يطرأ عليه العبث ، فحدده بشكل صارم لا يسمح بالتدخل فيه أبداً ؛ ولذلك مثلاً طبيعة الصلوات حتى كيف نسجد أو نقوم أو نقعد أو ماذا نقول أو نقرأ كلها محددة ولذلك النصوص الشرعية ، وإن النصوص النبوية في العبادة غريبة جداً في قوتها وكثرتها بينما إذا انتقلت إلى جانب الحياة والمعاملات والتجارات وجدت أن النصوص في الغالب تحدد الملامح العامة والقواعد الكلية ومنطقة الحرام وتترك ما سوى ذلك لاجتهادات الناس.
وأضاف فضيلته : إذن هذا قدر ثابت ، لكن هناك قدر يخضع لطبيعة الحال التي يعيشه الناس ، فالعبادة هي نوع من إقبال الإنسان بروحه وبعقله وبنفسيته وحتى بجسده ، كما أن العبادة تحرر الإنسان من الضغوط التي يمكن أن يشعر بها ، فهي تؤهل الإنسان للإنجاز والفعل والنجاح ؛ ولذلك بعض العلماء تحدثوا عن "إغماض العين" في الصلاة فكان ابن القيم وغيره يرون أن الإنسان لا يغمض عيناه في الصلاة لأن هذا لم يرد وبعضهم قال إن هذا من فعل المجوس ، لكن آخرين من أهل العلم رأوا أن هذا يخضع للوضع الذي يعيشه إذا كان الإنسان يرى أشياء ربما تصرفه عن العبادة فيريد أن يصرف وجهه أو بصره عنها فيغمض عيناه أو يصلي في منطقة مظلمة، وقد جاء فيما يتعلق بصلاة المرأة أن صلاتها في أقصى بيتها خير لها من صلاتها في وجه بيتها أو في مسجدها .
جفري لانغ نموذج
وأكد الدكتور العودة أن العبادة ليست تجربة بالمعنى البشري ولكنها محاولة إلى التقرّب إلى الله سبحانه وتعالى ،وضرب فضيلته مثالا لذلك بقصة جفري لانغ وهو صاحب كتاب (حتى الملائكة تسأل) ، حيث تحدث عن تجربته أول مرة ، وأنه كان يتوضأ ومعه كتاب مثل الطبّاخ الذي لأول مرة يتعلم طبخ وجبة، ثم يقف بين يدي الله، فبعدما يكبّر يكتشف أن النوافذ مفتوحة فيغلقها خشية أن يكون هناك من يتجسس عليه، ثم يصلي وهو لا يعرف القراءة كثيراً ، حتى بذل جهداً نفسياً غير عادي من أجل أن يتقن الصلاة، فيركع بصعوبة لأنه يقول لم يسبق أني ركعت لأحد ولا قمت بهذا العمل، وكان يقول: لما أريد أن أسجد أشعر بأن رجلي مقيدة وأشعر بأنني عاجز عن ذلك ، فأحاول فأجد أن هناك جسمي يتسمر ويتجمد ، وأني غير قادر على أن أسجد وأضع جبهتي ووجهي في الأرض وفكرت في أقاربي وفي أصدقائي ، وأنهم سينظرون إلي بشفقة وسيعتبرونني ساذجاً وغبياً ومغفلاً. وأنهم سيقولون لي أن العرب في سان فرانسيسكو قاموا باختطاف عقلي أو أنهم أدخلوني في مس أو جنون.
وتابع الشيخ العودة: يقول جفري لانغ فلما عجزت عن السجود بدأت أدعو وأقول أرجوك أرجوك ساعدني.. يخاطب ربه عز وجل، ثم يقول إنه هوى إلى الأرض بصعوبة وجثا على ركبتيه وعلى رجليه وحاول يضع وجهه على الأرض ، وقد عجز في الأخير ، لكنه حشر وجهه حشراً وسجد وبدأ يقول "سبحان ربي الأعلى".
ويصف حالة عند آخر سجدة ، فيقول :كنت أشعر بسكينة بعدما انصرفت من الصلاة شعرت بعاصفة غريبة لا أعرف لها تفسيراً كأنها تنبع من قلبي وتلفني لفاً ولو أن الرحمة تجسدت في شيء لكانت هي تلك الرحمة تلفني بعد النهاية من الصلاة .. بدأت أنتحب وأبكي طويلاً خجلاً وحياءً من الله أنني أتردد في سجودي له أو قعودي بين يديه، وكنت أقول له سامحني وساعدني أنا أتيت من مكان بعيد عن الهداية ولا يزال أمامي طريق طويل.. في الأخير كان يدعو ربه ويقول: يا ربي إذا كتبت لي أن أعيش بعيداً عنك فخذ روحي قبل ذلك، قد أستطيع أن أعيش بصعوبة متكيفاً مع عيوبي وأخطائي وذنوبي لكن يستحيل أن أعيش كافراً بك .
حلاوة الإيمان
وعلق الشيخ سلمان قائلاً: هنا تذكرت قول النبي صلى الله عليه وسلم، فهذا هو تذوّق الصلاة والعبادة في لحظة ، كما أن سجود القلب أيضاً وراء سجود الجوارح « ثَلاَثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلاَوَةَ الإِيمَانِ وذكر في آخره وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِى الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِى النَّارِ » ، مشيراً إلى أن هذا يتوقف على فعالية الإنسان ، وفي الحديث الصحيح عند النسائي « إِنَّ الرَّجُلَ لَيَنْصَرِفُ وَمَا كُتِبَ لَهُ إِلاَّ عُشْرُ صَلاَتِهِ تُسْعُهَا ثُمُنُهَا سُبُعُهَا سُدُسُهَا خُمُسُهَا رُبُعُهَا ثُلُثُهَا نِصْفُهَا » ، فهذا المستوى يخضع إلى مدى قدرة الإنسان على استجماع قلبه وروحه وعقله للعبادة.
إعلام رمضان!
وفيما يتعلق بالزخم الإعلامي خلال شهر رمضان المبارك ، قال الشيخ سلمان : لقد جرت العادة ، ونحن في استقبال هذا الشهر الكريم أن يكون هناك حديث مطوّل عن قضية البث الفضائي ، والقنوات الفضائية ، والتنافس على المشاهدين ، حيث كثير من الناس يُعلنون شجباً واستنكاراً ونقداً وأحياناً مخاطبات قد لا تكون متناسبة مع قدسية هذا الشهر وحرمته ، مشيراً إلى أن هذا معنى لطيف و جميل ، و جزء من مفهوم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، نحن نشارك فيه باستمرار ونتحدث عن هذا المعنى .
وأكد الدكتور العودة على أهمية أن يكون هناك إعلام قيميّ ، موضحاً أنه ليس المقصود أن يتحول الإعلام إلى وعظ ، وإنما نريد أن يكون إعلاماً يُساهم في البناء وليس في الهدم ، وفي تهيئة الشباب والبنات لمواجهة الحياة ، ولبناء العلاقة الصحيحة، و للتزود بالعلم والمعرفة والاستعداد والتنمية البشرية والمشاركة في مشروع النهضة للأمة كلها .
المسؤولية الفردية
وحذّر فضيلته من أن يفهم الشباب والفتيات وجود فرص في الإنترنت من خلال المحادثات أو الشاتينج أو المنتديات أو الغرف الصوتية أو اليوتيوب أو من خلال القنوات الفضائية المنوّعة التي يستطيع الإنسان بضغطة زر أن ينتقل من الشرق إلى الغرب في مئات بل آلاف القنوات التي تبث كل شيء وبعضها لا تقيم حرمة أصلاً لهذا الشهر ، لافتاً إلى أنه يجب على الإنسان أن يدرك أن عليه فاعلية شخصية ومسئولية ذاتية ، ربنا I يقول : (وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْداً) (مريم:95) ، و (كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ) (المدثر:38) ، فالتقوى في القلب أنه حتى لو الإنسان في غرفة بعيداً عن الناس (إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً)(الإسراء: من الآية36) ، ليس بصحيح أن البعض كأنه يقول : امنعوني من هذه الأشياء حتى لا أتمكن منها !صحيح من العصمة أن لا يقدر ، لكن أيضاً هناك مسؤولية فردية على الإنسان .
موجات من الإلحاد!
وفيما يتعلق بوجود موجات معينة تشكك في وجود الله عز وجل ، قال الشيخ سلمان : إن الإيمان بالله عز وجل شيء عظيم جداً في حياتنا ؛ مشيرا إلى أن خسارة الإنسان حياته كلها أهون من أن يخسر إيمانه بربه ، لافتاً إلى أن هناك موجات تشكيك في وجود الله عز وجل ، تصل إلى حد الإلحاد ، وأن إحساسنا بها ناتج عن قدر الحرية الذي أصبح الناس يتمتعون به من خلال الإنترنت وغيرها .
وأضاف فضيلته: أتذكر عندما كنت مدرّساً في المعهد العلمي كان هناك طلبة متدينون يأتونني في البيت لكن كانت دموعهم وعَبَراتهم تسبق كلماتهم وهم يتحدثون عن شك وأحياناً قد يعبرون عنه بإلحاد ، وإنما بقدر من الجهد الله يتجلّى في العلم ، فالعلم يدعو للإيمان ، بل هو محاولة لتدعيم هذا الإيمان ، وإزالة عنصر الشك أو عنصر الوسوسة عندهم ، فينتعش هؤلاء الشباب تبدأ هذه الخواطر تثور ما بين الفينة والأخرى ثم يقومون هم بردمها ومكافحتها ، وكلما تقدم بالإنسان السن والعمر كلما قلت سطوة هذه المشاعر والأحاسيس .
وأردف الدكتور العودة: أن هناك العديد من الشباب يتصلون بي من الرياض ، وجدة ، ومن بعض دول الخليج ، ومبتعثون من الولايات المتحدة الأمريكية ، ويعبّرون بلفظ الإلحاد وبعضهم يتبنون مذهباً أو طريقة في الإلحاد ، حتى إن أحدهم أتصل بي قبل رمضان ، يقول: أنا ملحّ أن أقابلك قبل رمضان من أجل أعرف هل أستعد للصيام أو لا أستعد ؟.
من الشك إلى اليقين ؟!!
وأوضح الشيخ سلمان أننا في أمس الحاجة إلى أن نحفّز المربين ، والآباء ، والدعاة ، و العلماء إلى أن يفتحوا صدورهم لهؤلاء الشباب ، ويتحدثوا معهم ، ويسمحوا لهم بالبوح بمعاناتهم ، والشكوك الموجودة عندهم ، وبالتالي الإجابة عليها ، مما يزيل الكير من الشكوك التي تدور في أذهانهم .
ونصح فضيلته الشباب بالرجوع إلى بعض الكتب التي من شأنها إزالة مثل هذه الشكوك ، منها كتاب (أفي الله شك) للدكتور حمد المرزوقي ، والذي كان قد ألف كتبا فيها كثير من الشك والريبة والتردد والتأثر بنظريات وفلسفات غربية ، إلا أنه وجد شجاعة و تحدث عن ماضيه ، وأعلن أنه بدأ مرحلة جديدة وخطاً جديداً وكتب هذا الكتب ، ومعه كتاب آخر اسمه (من القرآن إلى البرهان) ، مشيراً إلى أن الكتابين تميزا بروح الإيمان بالله سبحانه وتعالى .
صعوبة ..ولكن ؟!!
وتعقيباً على مداخلة من مشاركة ، تقول إنها تعيش في بريطانيا ، وأحد أبنائها ختم القرآن الكريم ، ومع ذلك فهي تجد بعض الصعوبات في تربيتهم تربية إسلامية، قال الشيخ سلمان : إنه لابد من رعاية ودعم ومؤازرة التوجّه الإسلامي الناضج في العالم الغربي وتشجيع المسلمين الأصليين في بلاد الغرب على أن يبقوا في بلادهم ويؤدوا دورهم ويظلّوا على صلاتهم وعلاقاتهم بالآخرين ، مشيراً إلى أن كثيراً من الناس الذين تربوا تربية إسلامية في مجتمعات قد تكون عاديّة أو حتى أحياناً غير إسلامية يكون عندهم رسوخ أقوى وعندهم تعامل جاد مع القضايا والقيم الإسلامية ، فهناك بعض الأعلام من المؤلفين المسلمين في الغرب، مثل جفري لانغ ، ومراد هوفمان صاحب كتاب (الإسلام البديل) ، ومحمد أسد صاحب كتاب (الطريق إلى الإسلام) وعلى عزت بيجوفتش.
وأضاف فضيلته : صحيح أن هناك صعوبة ولذلك نوجّه المسلمين إلى أن يكون عندهم مدارس ومساجد ومكتبات ومراكز مختلفة للشباب ورعاية البنات ، فضلاً عن تربية الأولاد في الأسرة والمنزل وإحياء القيم الإسلامية في داخل نفوسهم من الإيمان بالله ، ورقابة الله -سبحانه وتعالى- في السر والعلانية ، ومحبة الرسول -عليه الصلاة والسلام- ، والاقتداء والتأسي بالرسول -عليه الصلاة والسلام- ، وتربيتهم على حب الله و حب رسول الله -عليه الصلاة والسلام- .
الصلاة..والنهي عن الفحشاء
ورداً على سؤال حول : هل الصلاة يجب أن تنهى عن الفحشاء والمنكر ، قال الشيخ سلمان : نعم، و لا تناقض ولا نقلق من الحديث عن مقاصد الصلاة أو نقد ممارسات المصلين ، البعض قد يقول هذا معناه أن الناس ما يصلون ؟ لا ؛ يصلون لكن يجعلوا صلاتهم أكثر رقياً وأكثر تأثيراً، وحديث (من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد من الله إلا بعداً) ، هذا ليس بحديث صحيح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- ويروى عن ابن مسعود ، وأظن أنه لا يصح أيضاً ؛ لأن الذي يصلي خير من الذي لا يصلي ما دام يصلي لله لا يصلي رياءً ولا سمعة إنما عليه أن يحرص على أن تكون صلاته فعلاً تنهى عن الفحشاء والمنكر.
صحبة القرآن
وتعقيباً على مداخلة تقول: الإعجاز العلمي يعمّق الإيمان لكن فيه جدل ، قال الدكتور العودة: القرآن عندي أعظم الأدلة ليس فقط من جهة الإعجاز ، فصحبة القرآن على مدى أربعين سنة يخلق لديك شعور بأن الله يتكلّم في هذا القرآن ، أن الله يحدثك ، أن الله يتكلم عن ذاته جل وعز (إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي) (طـه:14) ، حديثه -سبحانه- عن الماضي وعن التاريخ وعن الحاضر والخلق والرزق والحياة والموت حديث عظيم لم يدع أحد أنه قال هذا القرآن ، ولا أنه نطق به إنما هذا كلام الله -عز وجل- وهذا قوله وهذا حديثه إلى عباده (فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ)(الأعراف: من الآية185) .
ولذلك أقول إن صحبة القرآن الكريم والإقبال عليه تعطي إيماناً بالله وإيماناً بوجود الله وإيماناً بالشريعة ذاتها ، وتمنح الإنسان يقيناً وسكينة حتى لو كان عند الإنسان أسئلة ، أن يكون إيماننا بالله أقوى من الأسئلة التي ترد على عقولنا وأقوى من الواردات وأقوى من الخواطر وأقوى من الشكوك حينئذ هذه الأشياء تعزل ويمكن معالجتها بطريقة مختلفة. كما أن الإعجاز العلمي هو أحد الأشياء التي تنفع الإنسان.
البنوك الليبية
وتعقيباً على مداخلة من مشارك ، يقول إن لديه أزمة مع المصارف غير الإسلامية في ليبيا، قال
الشيخ سلمان : إن التأني في التعامل مع المصارف غير الإسلامية أفضل ، وعسى أن تشهد الأيام والشهور المقبلة تحسناً باتجاه الإذن في ليبيا لإقامة مصارف إسلامية ضمن تحسن إيجابي كبير في التعاطي مع الشأن العام داخل ليبيا يكون من آخره مؤهلات وممهدات لإخراج عدد كبير جداً من السجناء الذين سجنوا عبر فترة طويلة جداً مما يسمون بـ "الجماعة المقاتلة" ، وكتبوا مراجعات في 417 صفحة وقمنا بتصحيحها مع مجموعة من أهل العلم ، وتبعاً لذلك قد يتم الإفراج عنهم وعن مجموعات أخرى في السجن .
الخلوة الشرعية
وتعقيباً على مداخلة تقول إن بعض السجناء يحرمون من الخلوة الشرعية ، قال الشيخ سلمان : إن بعض السجناء عادة يُسمح لهم بزيارات لأسرهم وأحياناً في بعض الدول يُسمح لهم بالخلوة الشرعية بأزواجهم ، لافتاً إلى أن بعض السجناء يمضون مدد طويلة ، ولذلك لابد من النظر بعين الرحمة والرأفة وتمكين الإنسان من مثل هذا ، وهذا يدل على عدالة الإسلام فالمجرم كما عليه عقوبة ، فإن له حقوق ، حتى لو عوقب بالإعدام هناك حقوق له من عدم التعدي عليه ، وإعطائه حقوقه الشرعية فضلاً عما إذا كان الأمر التباساً أو اشتباهاً .
صيام القضاء
ورد الشيخ سلمان على سؤال إحدى الأخوات كانت تفطر بسبب تعاطيها أدوية في أيام الحمل وتخاف من نقص الحليب- قائلاً : سؤال جيد ودائماً تفصيل السؤال مفيد ويجعل الإنسان على بيّنة ووضوح وواضح من سؤال الأخت أنها أفطرت بسبب الحمل والخوف من الإجهاض والمرض وكانت تتعاطى أدوية ثم أفطرت أيضاً لأنها مرضع وخوفاً من نقص الحليب على طفلها وهذا أيضاً مقصد من مقاصد الشرعية ؛ ولذلك لها الفطر في الحالين وهي ملحقة بالمريض (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ)(البقرة: من الآية184) ، و أنه ليس عليها إلا أن تصوم بعد ذلك عن كل يوم أفطرته تصوم بدله يوماً قضاءً .
وقفة قرآنية
واختتم الشيخ سلمان الحلقة بوقفة قرآنية مع قوله -سبحانه وتعالى- (وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً)(الفرقان: من الآية63) ، حيث ربط العبودية بالرحمة، وفي ذلك إشارة إلى ما تفرزه العبادة من الرحمة كما قال الله -سبحانه وتعالى- (وَحَنَاناً مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيّاً) (مريم:13) ، كذلك في قوله -سبحانه وتعالى- : (الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً) ، فالمشي هنا ليس المقصود به المشي على الأرض بمعنى الحركة، وإنما يشمل المشي ويشمل الحياة لأن البشر وجودهم وحياتهم كلها على الأرض .
كما أن معنى المشي هونا هو أنهم ممن (لا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الْأَرْضِ وَلا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) ، فهم في أدائهم وأخذهم وتعاملهم وتعاطيهم ليس عندهم ذلك النزق أو الانفعال أو الغضب الشديد.
وأن هذا لا يقصد به الذل كما قالت عائشة -رضي الله عنها- لما رأت شاباً منكفئاً قالت ما هذا ؟ قالوا : ناسك . قالت: كان عمر -رضي الله عنه- إذا مشى أسرع، وإذا تكلّم أسمع (جهوري الصوت) ، وإذا ضرب أوجع وكان هو الناسك حقاً .
حافز إيماني
وتابع الشيخ سلمان : كما أن المشي هوناً يوحي بالسكينة، وأثر العبادة، وفي الآية أيضاً الحافز الإيماني ، والحافز الروحاني الذي يُجمع حتى علماء الإدارة أنه أقوى الحوافز على الإطلاق ؛ حافز الإنسان للنجاح ، للمواصلة ، للصبر .. هو ينطلق من هذه العبادة لله -سبحانه وتعالى- ، ومن تحديد الهدف (رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً)، أي الانغماس في الدنيا مع المحافظة على القيم (إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً). ثم الرؤية المستقبلية في قوله -سبحانه وتعالى- : (يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً)(الفرقان: من الآية74) . ثم الوعد الإلهي الذي يستحق فعلاً كل تعب أو عناء )أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلاماً * خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً) (الفرقان:76،75) .
التوحيد روح
وفيما يتعلق بقراءة القرآن في هذا الشهر الكريم قال الشيخ سلمان: علينا أن نقرأ القرآن لنعرف أين نحن من القرآن يُعلمنا القرآن أخطاءنا وعيوبنا وكيف نتوب ، ففي نفس الآيات يقول الله -سبحانه وتعالى- : (وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ) هذا توحيد الله -سبحانه وتعالى- التوحيد ليس حلقة تلقى ، وإنما التوحيد روح ينبغي أن ندندن عنها باستمرار ، (وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ ..) إلى قوله -سبحانه وتعالى- (إِلَّا مَنْ تَابَ) ، فهنا القرآن يعلمنا باب التوبة من الخطايا ؛ سواء أكانت خطايا العقل ، أو خطايا التفكير المنحرف ، خطايا القلب العاطفة المنحرفة ، خطايا المال ، خطايا السلطة ، خطايا العلم والمعرفة ، خطايا الحياة ، خطايا الحضارة .. هنا نحن بحاجة إلى نفهم هذا المعنى الشامل أنه هنا ليست العبادة هي فقط تعلمنا كيف نتعبّد في زاوية أو في مسجد وإنما تعلمنا كيف نبني الحياة كلها بناءً راشداً وصحيحاً ويقتبس من هدي الله تعالى ومن سنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- .
يذكر أن برنامج حجر الزاوية في دورته الخامسة يبث يومياً على قناةmb الفضائية في الساعة الخامسة عصراً ، ويعاد بثه على قناة دليل بعد نقل صلاة الفجر بمكة المكرمة.
للاستماع إلى حلقة العبادة